محمد شمدين *
شهدت سياسة واشنطن تجاه دمشق، بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول / ديسمبر 2024، تحولاً كبيراً، تمثل في إلغاء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسمياً تصنيف هيئة تحرير الشام أو ما كانت تُعرف سابقاً بجبهة النصرة في سوريا كمنظمة إرهابية أجنبية.
قرار إلغاء التصنيف جاء في مذكرة صادرة عن الخارجية الأميركية التي أشار وزيرها ماركو روبيو إلى الإجراءات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السورية المؤقتة، بعد إعلانها حلّ هيئة تحرير الشام، وتعهدها بمكافحة الإرهاب بكل أشكاله. خطوة الخارجية الأميركية جاءت بعد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب، والذي رفع بموجبه عقوبات دامت لعقود عن سوريا، حيث تهدف واشنطن من ذلك ظاهرياً في دعم الحكومة الجديدة وتمهيد الطريق أمام التعافي الاقتصادي للدولة. تأمل إدارة ترامب من حكومة دمشق المؤقتة اتخاذ خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتقويض الدور الإيراني والروسي في المنطقة، تبحث الورقة في السياق التاريخي الذي صنفت فيه هيئة تحرير الشام ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأميركية وكذلك الدولية، وأيضاً في المساعي الأميركية نفسها في إزالتها والعوائق التي سوف تواجهها في أروقة مجلس الأمن وأيضاً في مواجهة القانون الدولي.
المقدمة
تسبب السقوط المفاجئ لنظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 “بإعادة تقييم كبير للسياسة الأميركية”. وتوقع معظم المراقبين في البداية أن تتحرك واشنطن ببطء وأن تكون مترددة في التعامل مع الإدارة السورية الجديدة. فتاريخياً واشنطن، سواء في ظل إدارة ديمقراطية أم جمهورية، ليس لديها مصالح حيوية مع الإدارات السورية، وفي كثير من الأحيان تناصب لها العداء وتفرض عليها العقوبات. لكن إعلان ترامب المفاجئ عن رفع العقوبات، خلال زيارة إلى المملكة العربية السعودية في 13 أيار/مايو 2025، حطم تلك التوقعات.
وينظر إلى الخطوة الأميركية بأنها تدفع نحو تقارب غير مسبوق مع السلطات السورية المؤقتة، وتفتح قنوات الاتصال معها، بعد أن اتخذت دول أوروبية عدة خطوات لاستعادة التواصل مع حكومة دمشق المؤقتة. الخطوة المقبلة، هي قيام الولايات المتحدة بإلغاء التصنيف من قوائم الأفراد والكيانات الإرهابية في مجلس الأمن سواء بالنسبة للمنظمة نفسها أو بالنسبة للشخصيات الرئيسة كأبو محمد الجولاني (أحمد الشرع رئيس المرحلة الانتقالية) أو أبو أحمد حدود (أنس خطاب وزير الداخلية في الحكومة الانتقالية)، ولكن تواجه هذه الخطوة من قبل واشنطن عوائق قانونية على المستوى الدولي، حيث يستند التصنيف إلى قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مثل القرار 1373 (2001) الذي يُلزم الدول باتخاذ إجراءات لمكافحة تمويل الإرهاب ومعاقبة المنظمات الإرهابية، والقرار 2253 (2015) الذي وسع نطاق العقوبات ضد تنظيم القاعدة ومن يرتبط به، وبالتالي يجب على المشروع الأميركي المقدم الحصول على موافقة جميع أعضاء مجلس الأمن، وأن لا تستخدم أي من الدول الأعضاء حق الفيتو، وأيضاً أن لا تؤثر الجلسات التي سيقدم فيها الأمين العام للأمم المتحدة وكذلك ممثل الأمين العام إلى سوريا إحاطات وتقارير عن الوضع، وتقارير المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الحكومية وغير الحكومية وكذلك شهادات فردية عن الأوضاع في سوريا، على التصويت على المشروع. كما في بيان مجلس الأمن الدولي الذي أعرب عن قلقه البالغ إزاء التصعيد الأخير في أعمال العنف التي اندلعت بمحافظة السويداء في سوريا منذ 12 تموز/يوليو. ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بترتيب وقف إطلاق النار وضمان حماية السكان المدنيين. بالتالي سوف تكون مهمة الولايات المتحدة شاقة في الحصول على توافقات معينة خصوصاً مع الدول المفتاحية في المجلس (الصين وروسيا).
كيف أُدرجت هيئة تحرير الشام على قوائم الإرهاب الأميركية؟
جرى تصنيف هيئة تحرير الشام منظمةً إرهابيةً بموجب القانون الأميركي، وتحديداً استناداً إلى الأمر التنفيذي رقم 13224 وقانون الهجرة والجنسية الأميركي. هذا التصنيف يمنح السلطات الأميركية صلاحية إدراج الأفراد أو الكيانات التي تدعم الإرهاب أو تنخرط فيه، إذا شكلت تهديداً للأمن القومي الأميركي أو للمصالح الدولية.
تم تصنيف الجماعة التي تُعرف الآن بـ “هيئة تحرير الشام” لأول مرة كياناً إرهابياً في تشرين الأول/أكتوبر 2004، عندما صنّفت وزارة الخارجية الأميركية “جماعة التوحيد والجهاد” (سلف “تنظيم القاعدة في العراق”) منظمةً إرهابية أجنبية وكياناً إرهابياً عالمياً، وفي الشهر نفسه، أضافت الأمم المتحدة “تنظيم القاعدة في العراق”/”جماعة التوحيد والجهاد” إلى قائمتها الموحدة للمنظمات الإرهابية. وفي كانون الأول/ديسمبر 2012، أضافت الحكومة الأميركية رسمياً “تنظيم جبهة النصرة” بوصفه الاسم المستعار لـ “تنظيم القاعدة في العراق“، حيث قامت وزارة الخارجية الأميركية بتعديل تصنيف قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية ذات الصلة، في حين عدّلت وزارة الخزانة الأميركية قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص.
وفي الوقت نفسه، صنفت وزارة الخارجية الأميركية الجولاني (الذي غالباً ما يُكتب اسمه “جولاني” في الوثائق الأميركية) كإرهابي عالمي مصنف بشكل خاص في أيار/مايو 2013. ومن خلال برنامجها “مكافآت من أجل العدالة”، عرضت الوزارة ما يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عنه، مشيرة إلى أنه “لا يزال زعيم “جبهة النصرة” المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، التي تشكل جوهر “هيئة تحرير الشام”. في عام 2016 على الرغم من إعلان الهيئة فكّ ارتباطها بالقاعدة، إلا أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي رأوا أن هذه الخطوة لم تكن حقيقية أو كافية. وأن الأدلة المتوفرة أظهرت أن القيادة الأيديولوجية والتنظيمية بقيت متأثرة بنفس المبادئ والأساليب الإرهابية التي تبنتها القاعدة.
وذكر منشور للسفارة الأميركية في دمشق يعود لعام 2018 أن الخارجية الأميركية قامت “بتعديل تصنيف جبهة النصرة – فرع تنظيم القاعدة في سوريا – ليشمل “هيئة تحرير الشام” وغيرها من الأسماء المستعارة. وتمّت إضافة الأسماء المستعارة الجديدة إلى تصنيفات جبهة النصرة باعتبارها منظمات إرهابية.” علاوة على ذلك، في الصفحة المخصصة لتصنيف “هيئة تحرير الشام” (آخر تحديث في آذار/مارس 2022)، أكدت الأمم المتحدة على الروابط التأسيسية للجماعة مع تنظيم “القاعدة”. وفي عام 2021، أضافت وزارة الخارجية الأميركية “هيئة تحرير الشام” إلى قائمتها لـ “الكيانات المثيرة للقلق بشكل خاص” بموجب “قانون الحرية الدينية الدولية لعام 1998” و”قانون فرانك ر. وولف للحرية الدينية الدولية لعام 2016″، متهمة إياها “بارتكاب انتهاكات خطيرة بشكل خاص للحرية الدينية”.
لجنة مجلس الأمن بشأن تنظيمي داعش والقاعدة
على المستوى الدولي، يستند التصنيف إلى قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لجنة مجلس الأمن المنشأة عملاً بالقرارات 1267 (1999) و 1989 (2011) و 2253 (2015) بشأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وتنظيم القاعدة، وما يرتبط بهما من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات، وأيضاً القرار 1373 (2001) الذي يلزم الدول باتخاذ إجراءات لمكافحة تمويل الإرهاب ومعاقبة المنظمات الإرهابية. أُدرج تنظيم جبهة النصرة لأهل الشام في القائمة يوم 14 أيار/مايو 2014، عملاً بالفقرتين 2 و 3 من القرار 2083 (2012) ككيان مرتبط بتنظيم القاعدة، بسبب “المشاركة في تمويل أعمال أو أنشطة يقوم بها تنظيم القاعدة (QDe.004) وتنظيم القاعدة في العراق (QDe.115) أو التخطيط لهذه الأعمال أو الأنشطة أو تيسير القيام بها أو الإعداد لها أو ارتكابها، أو المشاركة في ذلك معهما أو باسمهما أو بالنيابة عنهما أو دعماً لهما” و “التجنيد لحسابهما”؛ أو ’’تقديم أي أشكال أخرى من الدعم للأعمال أو الأنشطة التي يقومان بها“.
في 10 حزيران/ يونيو 2024، اعتمد مجلس الأمن القرار 2734 (2024) الذي أكد من جديد على تجميد الأصول وحظر السفر وحظر الأسلحة الذي يؤثر على جميع الأفراد والكيانات المدرجة على قائمة العقوبات المفروضة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة. (وفي الفقرة 19 من هذا القرار يعود ذكر اسم جبهة النصرة صراحة)، كما مدد القرار تفويضات فريق الرصد ومكتب أمين المظالم لمدة 36 شهراً حتى حزيران/يونيو 2027.
ويُطلب إلى الدول فرض التدابير على تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وما يرتبط بهما من أفراد، أو جماعات، أو مؤسسات، أو كيانات.
وتتضمن الأعمال أو الأنشطة التي تدل على ارتباط فرد، أو جماعة، أو مؤسسة، أو كيان بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أو تنظيم القاعدة ما يلي:
المشاركة في تمويل أعمال أو أنشطة فرد أو جماعة أو مؤسسة أو كيان مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أو تنظيم القاعدة أو أي خلية أو جماعة مرتبطة بهما أو منشقة عنهما أو متفرعة منهما، أو التخطيط لتلك الأعمال أو الأنشطة، أو تيسير القيام بها، أو الإعداد لها، أو ارتكابها، أو المشاركة في ذلك مع تلك الكيانات، أو باسمها، أو نيابة عنها، أو دعماً لها؛ توريد أو بيع أو نقل الأسلحة وما يتصل بها من عتاد إليها؛ التجنيد أو أي شكل آخر من التصرفات أو الأنشطة لصالحها.
يعترف القرار 2734 (2024) أيضاً بأن التخطيط أو توجيه أو ارتكاب أعمال تنطوي على العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الاغتصاب واستعباد الأشخاص وحالات الاختطاف والاتجار بالأشخاص، قد تكون مؤهلة للإدراج في قائمة عقوبات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة على أساس المعايير المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذا القرار، عندما يتم استخدام مثل هذه الأعمال من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة والأفراد والجماعات والكيانات المرتبطة بهما كتكتيك للإرهاب.
استمرار هيئة تحرير الشام على قوائم الإرهاب الدولية
استناداً إلى هذه القرارات وملحقاتها، يشار إلى أن رفع أي اسم من القائمة لا يعطي صاحبها بطاقة خضراء فيما خص التنقل أو السفر، ولا يعفيه من المسؤولية القانونية، حيث أنه من حق أي فرد أو أي مجموعة من الأفراد ممن تعرضوا للانتهاكات من قبل هذه المجموعة الإرهابية تقديم دعاوى في بلدانهم أو في دول تعترف بالولاية القضائية الدولية (بعض الدول الأوروبية) ضد هذه الجماعات أو أفراد من هذه الجماعات. وفي حال قبولها، يتم الحجز المستمر على الأصول الموجودة، وتندرج في قائمة الانتربول الدولية والمنع من السفر، وذلك استناداً إلى القرار 2178 (2014) من أنه ينبغي على جميع الدول كفالة أن تنص قوانينها ولوائحها المحلية على تجريم أفعال باعتبارها جرائم خطيرة بما يكفي للتمكين من مقاضاة الجناة ومعاقبهم بصورة تعكس على النحو الواجب خطورة الأنشطة ذات الصلة بالمقاتلين الإرهابيين الأجانب المبينة في الفقرة 6 من ذلك القرار.
كما أن الملحق من القرار 2734 (2024)، الفقرة (أ/ 2) تطلب من فريق الرصد ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة مواصلة أنشطتهما المشتركة بالتعاون مع المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب ولجنة الخبراء في متابعة الخطر العالمي الذي يشكله “تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة وجبهة النصرة ومن يرتبط بها من أفراد وجماعات ومؤسسات وكيانات، بما في ذلك التهديد الذي يشكله وجود تنظيم الدولة الإسلامية والتابعين له في العراق والجمهورية العربية السورية وليبيا وأفغانستان وفي أماكن أخرى.
المأزق الأميركي في الأمم المتحدة
بدأت المساعي الأميركية مع نهاية ولاية الرئيس جوزيف بايدن، حيث قالت باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، للصحفيين بعد لقاء الشرع في دمشق في 20 كانون الأول/ديسمبر 2024: إن الولايات المتحدة في صدد عدم متابعة تطبيق عرض برنامج مكافآت من أجل العدالة، وبصدد إلغاء المكافأة المرصودة من قبل واشنطن للقبض عليه والبالغة قيمتها 10 ملايين دولار، في المقابل قالت باربرا إنها أبلغت الشرع بـ “الحاجة الملحة لضمان عدم قدرة الجماعات الإرهابية على تشكيل تهديد داخل سوريا أو خارجها، بما في ذلك على الولايات المتحدة وشركائنا في المنطقة”.
وفي 14 أيار/مايو التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في السعودية، معلناً عزم الولايات المتحدة رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا. وخلال اللقاء، الذي استمر لأكثر من 30 دقيقة، طلب ترامب من الشرع الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، المعروفة باسم اتفاقيات إبراهام. وفي 30 حزيران/يونيو أعلن البيت الأبيض، أن الرئيس دونالد ترامب وقّع أمراً تنفيذياً لإنهاء العقوبات على سوريا وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن الأمر التنفيذي بشأن سوريا يدخل حيز التنفيذ 1 تموز/يوليو 2025.
من جانبها تقول الأمم المتحدة أنه يجب على إحدى الدول الأعضاء أن تقدم طلباً لإزالة اسم هيئة تحرير الشام من قائمة الإرهاب، ثم يُرسل الاقتراح إلى لجنة مجلس الأمن المعنية. اللجنة – المكونة من ممثلي أعضاء المجلس الخمسة عشر- لا بدّ أن تتخذ قراراً بالإجماع للموافقة على الاقتراح.
في هذا الإطار تسعى الولايات المتحدة لإزالة العقوبات المفروضة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وجماعته المسلحة السابقة، وفقاً لمصادر دبلوماسية مطلعة على هذه الجهود.
وقد وزعت واشنطن مشروع قرار على المملكة المتحدة وفرنسا يدعو إلى شطب اسم الشرع المعروف سابقاً باسمه الحركي أبو محمد الجولاني ووزير الداخلية السوري أنس خطاب، من قائمة عقوبات الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، والتي تستهدف تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ووجود اسميهما في هذه القائمة يعني أنهما بحاجة إلى إذن خاص من الأمم المتحدة للسفر دولياً.
كما يتضمن النص الأميركي توسيعاً للإعفاءات من العقوبات لتسهيل النشاط التجاري في سوريا، بالإضافة إلى إعفاء محدود من حظر الأسلحة لعدد من وكالات الأمم المتحدة، لتمكينها من تنفيذ مهام إزالة الألغام وغيرها من الأعمال دون أن تخضع معداتها لقيود الاستخدام المزدوج.
كما أن الصيغة الأصلية للمشروع الأميركي كانت تتضمن شطب هيئة تحرير الشام ككيان خاضع للعقوبات. لكن، وبسبب التوقعات برفض من أعضاء في مجلس الأمن مثل الصين، أزالت الولايات المتحدة هذا البند من النص الحالي، وستسعى بدلاً من ذلك لشطب الهيئة عبر اللجنة المعنية بالعقوبات في الأمم المتحدة، والتي تعمل خلف الأبواب المغلقة.
ليس من الواضح ما إذا كان اسم الشرع سيُشطب من القائمة قبل أن يسافر إلى قمة قادة العالم في نيويورك الشهر المقبل، حيث من المتوقع أن يلقي أول خطاب لرئيس سوري أمام الأمم المتحدة منذ عام 1967.
في المقابل، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، للصحفيين في واشنطن: الأمم المتحدة ليست مستعدة بعد لشطب هيئة تحرير الشام وقائدها السابق من القائمة السوداء، لكنه يتوقع أن يحصل الشرع على إذن سفر لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول إذا بقي مدرجاً على القائمة.
وأضاف باراك، الذي يشغل أيضاً منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، أنه لم يتم بعد اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيلتقي بالشرع على هامش القمة.
وتمثّل الصين بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن أكبر عقبة أمام شطب الهيئة من قائمة العقوبات، إذ لا تزال بكين قلقة من قيام “الجيش السوري الجديد” بدمج مقاتلين من الأيغور المنتمين لـ “الحزب الإسلامي التركستاني”، وهو تنظيم جهادي عابر للحدود يهدف إلى إنشاء دولة إسلامية في شينجيانغ وآسيا الوسطى. وقد تم منح عدد من مقاتلي الحزب مناصب رفيعة في “الجيش السوري الجديد”، الذي أنشأ الفرقة 84 خصيصاً لاستيعاب الأيغور والمقاتلين الأجانب الآخرين.
كما أن روسيا، الحليف السابق للأسد، هي أيضاً من بين الدول التي ترى أن شطب الهيئة سابق لأوانه، وهي تطالب باتخاذ الحكومة السورية المؤقتة خطوات بشأن المقاتلين الأجانب وحماية الأقليات.
ورغم تحفّظاتها، تنخرط روسيا بشكل فعّال مع الحكومة الجديدة في دمشق. فقد التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في موسكو، في أول زيارة لمسؤول سوري رفيع منذ سقوط الأسد. حيث بدأت بوادر عودة روسيا إلى سوريا، وقد ظهرت تقارير تفيد بأن الحكومة السورية مهتمة بعودة دوريات الشرطة العسكرية الروسية إلى المحافظات الجنوبية من البلاد وربما تكون موسكو قادرة في الوقت نفسه على تسوية العلاقات بين الحكومة السورية والإسرائيليين. وهذا موقف ظهر بعد اعتراف الحكومة الروسية بحكومة طالبان في أفغانستان وهي (روسيا) الدولة الوحيدة الذي اعترفت بها وتتعامل معها بشكل رسمي.
أما من الناحية القانونية في مجلس الأمن، فإنه بحسب المرفق الثاني من القرار 2734 (2024)، الفقرة 63، تحتاج عملية إزالة أي كيان أو اسم كان مدرجاً سابقاً إلى 4 شهور من (جمع المعلومات)، وفترة الحوار (شهران)، والمناقشة (15) يوماً وإبلاغ القرار خلال 60 يوماً، وخلال هذه الفترة يحق لفريق الرصد والمتابعة وأمين المظالم السماع إلى تقارير المنظمات الدولية والإنسانية والحقوقية والشهادات الفردية.
هل هو ابتزاز أم واقعية أميركية؟
عندما تُصنّف جماعة ما على أنها إرهابية، يُغلق أمامها كل أفق سياسي، ويُمنع عنها التمويل والدعم. لكن، ماذا يعني إزالة التصنيف؟ إنها ببساطة “دعوة مشروطة” للعودة إلى الحظيرة الدولية وفق قواعد الطرف الأقوى. ولكن ذهبت ترجيحات مختصين بالقانون الدولي نحو التريث في إزالة هيئة تحرير الشام والجولاني من قوائم الإرهاب، لحين التأكد من سلوكهما وتقديم ضمانات لعملية انتقال سلسة في سوريا واحترام حقوق الأقليات، ومنع استخدام سوريا كقاعدة للإرهاب وغيرها الكثير.
إن الخروج من قائمة الإرهاب، يُوجب على هيئة تحرير الشام وزعيمها أن يقطعا بشكل كامل ونهائي علاقاتهما بأي جماعات متطرفة، وأن يُظهرا تحولاً حقيقياً في خطابها وسلوكها، كما يجب على الهيئة أن تساهم بشكل ملموس في تعزيز الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها، وأن تبني علاقات إيجابية مع المجتمع الدولي، بالإضافة إلى ضرورة تقديم ضمانات قاطعة تُثبت أنها لم تعد تشكل تهديداً أمنياً أو سياسياً”. فالمسألة لا تتعلق فقط بإعلان التغيير، بل بإثباته من خلال أفعال ملموسة تتماشى مع المعايير الدولية لمكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن.
وعليه، إذا نجحت المساعي الأميركية في إزالة اسم هيئة تحرير الشام وأبو محمد الجولاني من قوائم الإرهاب من دون تحقيق هذه الشروط وإنما لمجرد مسعى أميركي وخصوصاً مسعى الرئيس دونالد ترامب، “حيث اتخذ قرار رفع العقوبات، كعادته، دون مشاورات كثيرة. حتى مستشاروه في شؤون الشرق الأوسط فاجأهم القرار“، ستكون سابقة خطيرة، فهي ستعطي الحجة للمنظمات الإرهابية على المستوى العالمي بأنه لا توجد أي مشاكل في ممارسة الإرهاب طالما بإمكانها الوصول إلى السلطة، وأنه ستتم إزالتها من قائمة الإرهاب. وهذا كان واضحاً في الإحاطة الإعلامية التي قدمها السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، حيث أن الولايات المتحدة لن تُجري “بناءً وطنيًا” في سوريا. وأضاف أن الرئيس ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو “لا يُمليان، ولا يُطالبان، ولا يُقدمان إطار النموذج الديمقراطي الذي يجب تطبيقه وفقاً لبنيتهما أو رغباتهما”. في المقابل أدرك الشرع أن معظم دول المنطقة والولايات المتحدة لا تُعطي الأولوية – على أقل تقدير – للديمقراطية في البلاد، لذا فهو يُعطي الأولوية لترسيخ السلطة والتنمية الاقتصادية.
كما أن الحديث عن إزالة اسم “هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب، يعكس تحولات في السياسة الدولية التي أصبحت ساحة للابتزاز تحت شعار: “أنت معي أو ضدي”، وقد كانت معظم المطالب الأميركية ذات طابع أمني، وأيضاً هناك ضغط على سوريا للانضمام إلى اتفاقيات إبراهام، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل”، حيث تركز الإدارة الأميركية على هذه القضية، وليس على قضايا الديمقراطية وحقوق المرأة أو أي قضايا تتعلق بالحوكمة”. وقد انعكس هذا في أعمال العنف التي اجتاحت مناطق الساحل السوري ومنطقة أشرفية صحنايا وجرمانا وتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وآخرها في محافظة السويداء جنوب البلاد وحدوث انتهاكات موثّقة للقوات الحكومية والقوات الرديفة لها.
الخاتمة
إن سعي واشنطن وخصوصاً سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإزالة اسم هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وزعيمها أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع الرئيس السوري المؤقت) عن قائمة الإرهاب في مجلس الأمن يصطدم بالعوائق القانونية وسلسلة من القرارات والبيانات الصادرة عن مجلس الأمن التي تقلّص مجال المناورة في إزالة أي اسم لكيان أو فرد من لائحة الإرهاب بما يشكل تهديداً على السلم والأمن الدوليين. كما يصطدم المسعى الأميركي بتوافقات دولية وإقليمية، ومشاكل محلية في سوريا، حيث ستسعى هذه الأطراف للحصول على توافقات مع واشنطن سواء في ملفات على مستوى الإقليم أو حتى على المستوى الدولي، وقد تفضي بعض هذه التوافقات إلى عودة روسيا إلى سوريا من بوابة عدم استخدامها لحق الفيتو في المجلس الأمن، وتكون أميركا كالمثل القائل: فسّر الماء بعد الجهد بالماء.
*باحث ومترجم





