محمد سيد رصاص
كانت الدهشة كبيرة لدى الكثيرين لما كشفه مايلز كوبلاند، مسؤول وحدة جمع المعلومات عن الشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، والمقيم تحت غطاء ملحق ثقافي بالسفارة في دمشق، في كتابه: «لعبة الأمم» (تُرجم للعربية عام 1970 بعد عام من صدوره)، عن مشاركة واشنطن في انقلاب حسني الزعيم عام 1949، بالرغم من أن الاهتمام بالكتاب وقتها انصبّ على توجيه السهام للرئيس المصري جمال عبدالناصر، بعد أن كشف كوبلاند عن مشاركة الـCIA في انقلاب 1952 المصري.
ولكن تلك الحُجب الأميركية الكثيفة بدأت تنقشع قليلاً مع صدور كتاب: «حبال من رمل» لمسؤول ثانٍ في الـCIA عام 1980 هو ولبر كرين إيفلاند، كشف فيه تورّط الوكالة مع البريطانيين في التخطيط، ما بين ربيع وخريف 1956، لمحاولة انقلاب سورية أُسميت بعملية (استراكل – STRAGGLE)، وعن التخطيط الأميركي المنفرد لمحاولة انقلابية ثانية أُسميت بعملية (وابن – WAPPEN) تم كشفها قبل وقوعها في آب/أغسطس 1957، مثل الأولى، من قبل العقيد عبدالحميد السراج، رئيس المكتب الثاني.
ثم توضّحت التفاصيل مع رفع الحظر عن الوثائق الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط عام 1988، والتي تغطي فترة 1945–1958، وقد قام دوغلاس ليتل بمعالجة الوثائق المتعلقة بالشأن السوري في دراسة بعنوان: «الحرب الباردة والعمليات السرية: الولايات المتحدة وسوريا 1945–1958»، مجلة «ميدل إيست جورنال»، المجلد 44، العدد 1، شتاء 1990، ص 51–75.
وفقاً للوثائق التي يتناولها ليتل، فإن الولايات المتحدة، إضافةً للتخطيط الفاشل لعمليتي «استراكل» و«وابن»، كانت وراء انقلاب حسني الزعيم في 30 آذار/مارس 1949، والانقلاب الثاني لـأديب الشيشكلي في ليلة 28–29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951.
حسب ليتل، فإن دافع واشنطن لدعم الزعيم كان إيجاد سلطة جديدة توافق على مشروع خط نفط التابلاين الآتي من السعودية، بعد أن عرقل المجلس النيابي السوري المصادقة على الاتفاقية لمطالبة النواب بأن يصبّ الخط في الساحل السوري بدلاً من لبنان. وأن الشيشكلي – الذي أيد قبل أسبوع من انقلابه الثاني، في محادثة مع كوبلاند بالسفارة الأميركية في دمشق، الخطط لإقامة «قيادة الشرق الأوسط – MEC»، المقترحة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا – قد قام بذلك الانقلاب ضد الحكومة التي شكّلها معارض للمشروع، هو معروف الدواليبي.
مع المراجعة لمسار السياسة الأميركية تجاه دمشق في الأربعينيات، يمكن أن نلاحظ عامل أنابيب النفط، ثم يبرز في الخمسينيات عامل تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة إقليمية مرتبطة بحلف الأطلسي (الناتو) عبر الجسر التركي من خلال مشروع MEC، ثم حلف بغداد عام 1955، وما حصل في النصف الثاني من الخمسينيات من تنامي النفوذ الشيوعي المحلي، أو انزياح سوريا نحو اليسار واتجاهها شرقاً نحو السوفيات بين عامي 1955 و1957، وما كان ذلك يسبّبه من هواجس عند وزير الخارجية الأميركية جون فوستر دالاس وأخيه ألان، رئيس الـCIA، اللذين كان الخطر الشيوعي يشكّل المحدد الرئيسي لنظرتهما إلى العالم.
ووفق ليتل، فإن واشنطن كانت القوة الدافعة لأنقرة لتوجيه الحشود العسكرية التركية إلى الحدود السورية في شهر أيلول/سبتمبر 1957، في الشهر التالي لتعيين عفيف البزري رئيساً لأركان الجيش السوري، والذي لم يكن يُخفي ميوله الشيوعية.
وفي تلك «الأزمة السورية» التي استمرت لشهرين، كانت هناك أول حافة مجابهة بين البيت الأبيض والكرملين، عندما هدّد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف تركيا، العضو في حلف الأطلسي، قائلاً إن «قيامها بأعمال عدوانية ضد سوريا سيقود إلى نتائج وخيمة جداً، بما فيها تلك التي ستقع على تركيا». ثم أعقبت تلك الأزمة، بعد خمس سنوات، «أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا»، فيما كانت كل مجابهات الحرب الباردة تتم بالوكالة عن العملاقين الأميركي والسوفياتي.
هنا، يمكن لتنامي قوة الشيوعيين في سوريا أن يُفسّر تقاربات واشنطن مع عبدالناصر، والتي وَضَحت أو تُرجمت في أزمة لبنان بصيف عام 1958، ثم في العداء المشترك بين واشنطن والقاهرة لحكم عبدالكريم قاسم المتحالف مع الشيوعيين العراقيين.
والأرجح هنا أن المفتاح يمكن أن يكون في برقية أرسلها السفير الأميركي في القاهرة ريموند هير إلى وزارة الخارجية بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 1957، وقد تكون تلك البرقية هي التفسير للتسارع المفاجئ نحو الوحدة السورية – المصرية التي وُلدت في يوم 22 شباط 1958:
«صحفي مصري أخبرني أن ناصر بات مقتنعاً بمعلومات أُعطيت له من الولايات المتحدة، على أن عفيف البزري هو فعلاً شيوعي، وأنه يجب فعل شيء (ما) من أجل معالجة ذلك، وأن ناصر يطلب منا نحن الأميركان أن نبقي أيدينا بعيداً عن سوريا لفترة أقصاها ثلاثة أشهر قادمة، وألا نفعل شيئاً يجعل البزري يبدو بطلاً هو وخالد بكداش ووزير الدفاع خالد العظم» (جيمس بار: «أسياد الصحراء»، منشورات BASIC BOOKS، نيويورك 2018، الفصل 22، ص 284).
أيضاً، في كتاب باتريك سيل: «الصراع على سوريا» (دار الأنوار، بيروت 1968)، نجد شهادة فارس الخوري عن أسباب موافقته على مشروع الوحدة:
«رغم عدم موافقتي على قيام الوحدة فإنني لم أعارضها علناً، لقد ظننت في ذلك الوقت أنها كانت الطريقة الوحيدة لصدّ زحف الشيوعية إلى البلاد» (ص 423)، وهو ما يُعطي التفسير، مع برقية السفير هير، لحدث مفصلي في التاريخ السوري وفي تاريخ المنطقة، ما زال السوريون، بعد ثلثي قرن، يتنازعون على تفسير أسبابه.
بمعزلٍ عن أمر تفسير أسباب الوحدة، فإن نشوء وقيام «الجمهورية العربية المتحدة» قد قاد إلى كسر تقاربٍ بدأ عام 1955 بين القاهرة وموسكو، وقاد إلى تقاربات بين القاهرة وواشنطن في بيروت حتى قيامهما بتدشينٍ مشترك لعهد فؤاد شهاب، ثم توحّدا في العداء تجاه عراق عبدالكريم قاسم، المتحالف مع الشيوعيين.
وهنا، في الشأن العراقي، قدّمت أطروحة عام 2006، اعتمدت على وثائق أميركية رُفعت السرية عنها، قدّمها ويليام زيمن تحت عنوان: «التدخل الأميركي السري في العراق 1958–1963»، لنيل شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة ولاية كاليفورنيا. (نسخة بي دي إف – 53 صفحة) يكشف فيها تعاون القاهرة وواشنطن في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم عام 1959 التي قام بها حزب البعث (ص 21)، ثم يكشف دور الـCIA في انقلاب البعثيين على قاسم في 8 شباط/فبراير 1963، بما فيها تجنيد مسؤول التنظيم العسكري البعثي العقيد صالح مهدي عماش (ص 26).
وفي الصفحة 25 يُورد شهادة للدكتور جمال الأتاسي عن «تأكيد قادة حزب البعث بالعراق على تعاونهم مع CIA للإطاحة بحكم قاسم، وكيف قارنوا أنفسهم بـلينين عندما تعاون مع الألمان زمن الحرب في قصة القطار المار إلى روسيا من سويسرا من أجل الوصول لهناك وقيادة الثورة».
ثم يتابع الدكتور الأتاسي عن سوريا وانقلاب 8 آذار 1963: «ولكن، وفي الواقع، فقد كان هناك دفع من الغرب، وخصوصاً من الولايات المتحدة، نحو استلام حزب البعث السوري في دمشق للسلطة واحتكارها وإبعاد كل القوى الأخرى عنها، من شيوعيين وناصريين» (ص 25).
وهو ما يوحي بأن وصول البعثيين إلى السلطة خلال ثلاثين يوماً، في كلٍّ من بغداد ودمشق، كان نقطة تفارق بين واشنطن والقاهرة، وأن هذين الانقلابين البعثيين كانا انقلابين قامت بهما واشنطن على عبدالناصر وضده.
ويبدو أنه، كما كان انقلاب الانفصال ضربة لعبدالناصر ترنّح بعدها، فإن ظهور مركزين بعثيين في بغداد ودمشق، أو ما أسماه عبدالناصر في إحدى خطبه بـ«هلال خصيب بعثي»، كان الهدف منه شقّ التيار القومي العروبي، وهو ما نجح فيه البعثيون إلى حدٍّ بعيد، قبل أن يورّطوا عبدالناصر في حرب 1967، التي كانت شبه ضربة قاضية عليه.
هنا، يجب ملاحظة أن قيادة حزب البعث العراقي، التي يؤكد زيمن بالوثائق خيوطها الممدودة مع واشنطن، هي من كان بعض قيادييها قد كُلِّفوا، بعد المؤتمر القومي الخامس لحزب البعث المنعقد في حمص، أيار 1962، بإعادة بناء التنظيم السوري للحزب بعد أن كان محلولاً في زمن الوحدة.
كما يجب ملاحظة أن عبدالناصر عاد، بعد تفارقه مع البعثيين في صيف 1963، وهو ما ترافق مع ابتعاد واشنطن عنه، نحو المصالحة مع موسكو في عام 1964، وهو ما تزامن مع تقارب واشنطن وتل أبيب بعد توترات شابت علاقاتهما في زمن رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون (استقال عام 1963)، الذي كان، بعد حرب 1956، يركّز على العلاقة مع محور باريس – بون «ويحاول ربط إسرائيل به وذلك كي يحصل على القنبلة الذرية، وهو ما كان يتفارق مع موقف اليهود الأميركيين والإسرائيليين الموالين لأميركا.. ويثير غضب فريق كبير من أقطاب حزب الماباي من ذوي الميول الأميركية» (تهاني هلسه: «بن غوريون»، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت 1968، ص ص 156–158).
في هذا المجال، هناك فترة غامضة في العلاقات السورية – الأميركية تمتدّ من يوم 8 آذار 1963 وحتى وصول حافظ الأسد إلى السلطة في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1970، حيث رفضت السلطة السورية التي سيطر عليها اليساريون البعثيون منذ 23 شباط 1966 القرار الدولي 242، الذي هو حصيلة تفاهم أميركي – سوفياتي بعد حرب حزيران 1967.
وفي صيف 1970، اختلفت دمشق مع القاهرة بسبب قبول الرئيس عبدالناصر بمبادرة وزير الخارجية الأميركي ويليام روجرز لوقف إطلاق النار في حرب الاستنزاف المصرية – الإسرائيلية، ومن أجل وضع مسار لتفعيل القرار 242 الذي نصّ على مبدأ «الأرض مقابل السلام» لحلّ الصراع العربي – الإسرائيلي.
وعندما تصادمت السلطة الأردنية مع قوات المقاومة الفلسطينية، وأرسلت سلطات دمشق قوات سورية لمساندة الفلسطينيين في أيلول/سبتمبر 1970، كان حافظ الأسد، الذي كان وزيراً للدفاع حينذاك، رافضاً للقرار، وممتنعاً عن تقديم تغطية جوية للقوات السورية.
يمكن أن يكون استلام حافظ الأسد للسلطة، وانقلابه على الشباطيين، ناتجاً عن تداعيات مباشرة لأحداث الأردن، والرضا الدولي والإقليمي عن سلوكه، بعد أن كانت تل أبيب تهدّد بالتدخل في الأردن لمجابهة التدخل العسكري السوري.
ولكن ما يفسّر بعمق انقلاب عام 1970 هو قبول حافظ الأسد بالقرار 242، الذي حدّد ملامح شرق أوسط ما بعد حرب 1967.
وحتى حرب 1973 كانت حرب تحريكٍ لمسار التسوية وليست «حرب تحرير»، وإذا كان المصريون قد اتّجهوا للتسوية مع إسرائيل، فإن الأسد الأب والابن اتّجها نحو «التساكن معها»، وهذا ما يجب البحث في أسبابه.
فيما يبدو أن سقوط بشار الأسد قد سرّع في طريق التسوية السورية مع إسرائيل، ولو أن التساكن السوري مع إسرائيل، الذي بدأ عملياً عبر اتفاقية فصل القوات عام 1974، قد لحقه اتفاق أميركي – سوري على دخول القوات السورية إلى لبنان في حزيران 1976، وهو ما تزامن مع رعاية تل أبيب، في الشهر نفسه، لحزام أمني في جنوب لبنان مع قوات الرائد سعد حداد.
هنا، في شهر كانون الثاني 1976، طلب وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر من السفير الأميركي بدمشق ريتشارد مورفي أن «يُبلغ رئيس الأركان السوري حكمت الشهابي بأملنا بأن يقوم السوريون بما يستطيعون من أجل وقف النار في لبنان، وأن يضعوا الأرضية لتسوية سياسية متفق عليها»(1).
يُعلن كيسنجر بهذا التبليغ، الذي يسجّله في مذكراته المعنونة بـ«سنوات التجديد»، والتي تغطي فترة الرئيس جيرالد فورد (آب 1974 – كانون الثاني 1977)، عن منعطفٍ جديد في العلاقات الأميركية – السورية من خلال ضوء أخضر أميركي لدمشق بأن تقوم بدور عرّاب إطفاء الحريق اللبناني وإيجاد تسوية للحرب الأهلية هناك.
كان إعطاء كيسنجر للضوء الأخضر لدمشق لا يعني فقط بداية الدور الإقليمي السوري بعد أن كانت «سوريا ملعباً للآخرين» منذ الأربعينيات، وإنما أيضاً استبعاداً أميركياً للقاهرة وبغداد، اللتين كانتا نشطتين في دعم كمال جنبلاط – ياسر عرفات ضد المعسكر اليميني المسيحي اللبناني.
ولا يمكن عزل ذلك عند كيسنجر عن استغلال الخصومة التقليدية بين النظامين البعثيين في دمشق وبغداد، واستغلال خلاف دمشق والقاهرة منذ اتفاقية سيناء في أيلول 1975 التي عقدها الرئيس المصري أنور السادات مع الإسرائيليين.
وبالتأكيد، كان وزير الخارجية الأميركي مدركاً بأن تحرّك دمشق نحو التسوية اللبنانية سيصطدم مع الفلسطينيين واليسار اللبناني، كما أنه سيجعل دمشق في تصادم مع موسكو الداعمة لعرفات وجنبلاط، إضافة إلى صدامها مع بغداد والقاهرة.
وهنا يقول كيسنجر: «في لبنان، التقى الأسد مع مصالحنا في عدم ثقته بحلولٍ سعى لها الراديكاليون اليساريون»(2). حيث كانت دمشق، وتلاقت معها في ذلك واشنطن وتل أبيب والرياض، لا تريد لبناناً يسيطر عليه يساري مثل جنبلاط، فيما الحاكم الفعلي في بلاد الأرز سيكون ياسر عرفات. وكان حافظ الأسد يدرك بالتأكيد أن هزيمة المسيحيين اللبنانيين، إن لم تتدخل دمشق لمنعها، ستجرّ إلى تدخل عسكري إسرائيلي انفرادي لمنع ذلك، وهو ما لم يكن يريده كيسنجر، والذي ربما كان الهدف الأساسي عنده هو إشغال دمشق بلبنان لمنعها من عرقلة خطوات واشنطن مع المصريين من أجل حلولٍ انفرادية مع إسرائيل:
«كلما كان الأسد في تنازعٍ مع السوفيات ومنشغل بلبنان، فإن هذا سيخلق وضعاً متوتراً لديه، سيجعل إمكانية معارضته لمبادرتنا الموضوعة أقلّ حدّة إلى حدٍّ كبير»(3).
في حزيران/يونيو 1976، تصادمت القوات السورية مع الفلسطينيين ومع قوات اليسار اللبناني، ثم توتّرت العلاقات مع موسكو، فيما كان هناك غطاء أميركي للوجود السوري العسكري في لبنان.
كان هذا تكريساً لبدء الدور الإقليمي السوري انطلاقاً من أرض لبنان، لأول مرة منذ استقلال سوريا في عام 1946.
كان التفاهم الأميركي – السوري حول لبنان قد وصل إلى أزمة مع تأييد واشنطن للاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ولم تعد العلاقات الأميركية – السورية إلى تفاهم شبيه بعام 1976، سوى عام 1990، عقب الدخول العراقي للكويت، حيث كان اشتراك دمشق في التحالف الدولي – العربي ضد العراق مدخلاً إلى إخراج رئيس الحكومة العسكرية ميشال عون من قصر بعبدا عبر القوات السورية يوم 13 تشرين الأول 1990، وبدء تنفيذ اتفاق الطائف عبر إدارة سورية للبنان بغطاء أميركي – سعودي، استمر إلى يوم 2 أيلول 2004 مع صدور القرار الدولي 1559 عن مجلس الأمن، وهو ما ترافق مع خلاف دمشق مع رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ومع العاصمة السعودية.
كان تفاهم 1990 مدخلاً لدمشق نحو تكيّف نظامٍ – كانت علاقاته وثيقة بالاتحاد السوفياتي المهزوم في الحرب الباردة أمام الأميركيين – مع منظومة دولية أصبح يسودها القطب الواحد الأميركي للعالم.
حاولت دمشق، عبر «إعلان دمشق» في آذار 1991، الذي ضمّ مصر وسوريا والدول الست لمجلس التعاون الخليجي، أن تأخذ، هي والقاهرة، دوراً عسكرياً إقليمياً في الخليج كثمن للمشاركة في حرب 1991 ضد العراق. ولكنها قوبلت بالرفض الأميركي، الذي منع السعودية والخليجيين من أن يستظلّوا بمظلة عربية خارج المظلة الأميركية(4).
وكما كان العراق جسراً عام 1990 لإعادة التفاهم الأميركي – السوري، فإن انكسار هذا التفاهم قد تم عام 2003 من خلال رفض دمشق للغزو الأميركي للعراق.
في الحالة الأولى، قبضت دمشق ثمن تفاهمها مع واشنطن في بيروت، وفي الحالة الثانية، قامت واشنطن بتدفيع السوريين الثمن في لبنان، عبر إنهاء تواجدهم العسكري هناك عام 2005.
بدأ الصدام الأميركي – السوري مع زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول إلى دمشق (2 أيار 2003)، بعد ثلاثة أسابيع من سقوط بغداد، وكانت هناك ثلاثة مطالب أميركية تتعلق بالعراق ولبنان وفلسطين(5):
بالاتجاه نحو التكيّف السوري، وعدم العرقلة للحالة الأميركية في العراق، ووقف تزويد «حزب الله» بالسلاح، وفضّ علاقة دمشق مع حركتي «حماس» و«الجهاد» في فلسطين.
يمكن القول إن يوم 2 أيار 2003 هو بداية أزمة الدور الإقليمي السوري، كما كان يوم 1 حزيران 1976 بدايته، وفي الحالتين كان الطرف الثاني هو الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن في عام 2005، أدلت جولييت وور، مديرة العلاقات العامة في السفارة الأميركية في بيروت، بالتصريح التالي:
«الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في سوريا، بل إلى تغيير تصرفاته» (محدِّدة تلك التصرفات على التوالي في ثلاثة أمكنة: العراق، فلسطين من حيث علاقاته بحركتي حماس والجهاد، ولبنان)(6).
ثم بعد حرب 2006، بدأ الانفتاح الغربي على دمشق عبر باريس في ربيع 2007، ثم دخلت الولايات المتحدة على الخط بعد أحداث 7 أيار 2008، عندما اجتاح «حزب الله» بيروت، حيث شاركت واشنطن بفعالية في مؤتمر الدوحة الخاص بلبنان، والذي أعقبه محادثات غير مباشرة إسرائيلية – سورية في إسطنبول.
كانت هناك شكوك في واشنطن، مع استئناف المفاوضات السورية مع إسرائيل في تركيا، بأن السوريين يريدون أموراً أخرى غير الاتفاق مع إسرائيل، على ضوء القراءة الأميركية لتجربة المفاوضات منذ مؤتمر مدريد (تشرين الأول 1991)، بأن النظام السوري لا يريد أكثر من عودة العلاقات مع واشنطن، من دون رغبة بالوصول إلى اتفاق مع تل أبيب.
مع الهجوم على مبنى أمني في دمشق في أيلول 2008 من قبل جهاديين مرتبطين بـ«تنظيم فتح الإسلام»، ذوي الروابط مع «كتائب عبدالله عزام» المرتبطة بـ«تنظيم القاعدة»، تم اعتقال 800 جهادي، وتم إغلاق المنفذ السوري الذي فتحه بشار الأسد للإسلاميين للذهاب نحو العراق من أجل القتال ضد الأميركيين منذ خلافه معهم عام 2003.
ثم بدأت المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري في توجيه الاتهام لـ«حزب الله»، بدلاً من الاتهام الذي كان يوجهه سابقاً المحقّق ديتليف ميليس إلى النظام السوري منذ عام 2005.
مع انعطافة دمشق عبر اتفاق الدوحة (أيار 2008)، عاد الدفء إلى العلاقات السورية – السعودية، ثم زاد التقارب مع زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى دمشق (تشرين الأول 2009)، وهو ما تُرجم سريعاً في لبنان عبر تأليف حكومة سعد الحريري (تشرين الثاني).
ثم في انتخابات البرلمان العراقي (آذار 2010)، ظهر تحالفٌ سوري – سعودي – تركي داعماً قائمة «العراقية» بزعامة إياد علاوي، فيما دعمت طهران قائمة «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي.
وعلى الأرجح، كان علاوي هو حصان الرهان الأميركي لعراقٍ بعيد عن طهران في مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الأميركي المقرّر نهاية عام 2011.
في النهاية، وبعد سنتين ونصف من خَطْبِ وُدِّ سوريا من قبل الأميركيين، ومن قبل حلفاء إقليميين لواشنطن مثل السعودية وتركيا، باتجاه الابتعاد عن معسكر طهران – «حزب الله» – «حماس»، اختارت دمشق عدم فكّ تحالفها مع إيران.
وقد اختارت بغداد، التي كانت سبباً للخلاف بين واشنطن وطهران عام 2003، مكاناً لكي تُعلن استمرار تحالفها مع الإيرانيين من خلال دعم ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزارة العراقية في 25 تشرين الثاني 2010.
ومن خلال تخلّيها عن دعمها المشترك مع الرياض وأنقرة وواشنطن لإياد علاوي، الذي ظهر في الأشهر الثمانية السابقة لانتخابات البرلمان العراقي، والتي أتت فيها قائمة «العراقية» في المركز الأول من حيث عدد المقاعد، فإن دمشق وضعت نفسها بهذا الاختيار في تباعد مع الرياض وأنقرة، المهجوستَين بالتمدّد الإيراني في المنطقة، بدءاً من بغداد في 9 نيسان 2003، حيث كانتا تريدان، عبر إعادة علاوي لرئاسة الوزارة، ضرب النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين.
كما أعطى هذا الاختيار السوري إشارة لواشنطن إلى عدم رغبة العاصمة السورية بإعادة التموضع.
ثم في 12 كانون الثاني 2011، عندما أعلن وزراء «حزب الله» – «حركة أمل» – «التيار الوطني الحر» استقالتهم من الحكومة اللبنانية أثناء اجتماع سعد الحريري مع أوباما في البيت الأبيض، فإن إسقاط حكومة الحريري، بدعمٍ من طهران ودمشق، كان رسالة تباعد سوري ثانية، وأقوى من تلك البغدادية، عن أنقرة والرياض وباريس، وعن واشنطن.
كانت تلك الحركة الإيرانية – السورية في بيروت قبل يومين من سقوط أول حاكمٍ عربي بفعل موجة ما سُمّي بـ«الربيع العربي».
كان سقوط الرئيس زين العابدين بن علي بفعل اضطراب الداخل التونسي هو الفصل الأول في اضطرابات مصر وليبيا واليمن، ثمّ كان وصول شرارة الاضطراب إلى الداخل السوري في 18 آذار 2011.
الهوامش
(1)Henry Kissinger:”Years of Renewal”,a Touchstone BOOK,PUBLISHED BY Simone $Schuster,Newyork,2000,p.1026.
هنري كيسنجر: “سنوات التجديد”.
(2),p.1027.”ibid”( المرجع السابق)
(3)”ibid”,p.1050.( نفس المرجع)
(4) فاروق الشرع: “الرواية المفقودة”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، الدوحة، 2015، ص ص 229-230.
(5) جريدة “الحياة”، 4 أيار 2003.
(6) جريدة “السفير”، 14 تشرين الأول 2005.





