• Kurdî
  • English
إدعم المركز
المركز الكردي للدراسات
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
No Result
View All Result
المركز الكردي للدراسات
No Result
View All Result

النرجسية الطائفية: ما المجموعة “الأرقى” في سوريا؟

6 يوليو 2026
النرجسية الطائفية: ما المجموعة “الأرقى” في سوريا؟

موقع أثري في بصرى الشام خلال جولة سياحية في يونيو 2026 | أ.ف.ب

Share on FacebookShare on TwitterShare on whatsappShare on telegramShare on email

محمد سامي الكيال

يصعب اختصار المسألة السورية بالصراع بين طوائف متمايزة، فهي تجمع أكثر من مستوى من النزاعات، إذ إن السؤال في سوريا لا يتعلق بالطريقة الأمثل للمحاصصة الطائفية، أو توزيع النفوذ والموارد والمكاسب بين الطوائف، بل حول الهوية القومية والثقافية الموحّدة للدولة، وهذا يدخلنا في السؤال القومي؛ وأيضاً حول النظام الاقتصادي الأمثل لانتشال البشر من الفقر المدقع والعلاقات الإنتاجية المتخلّفة، وهذا سؤال اجتماعي وطبقي؛ فضلاً عن السؤال حول طبيعة المجموعات المتصارعة، ومدى انتمائها إلى شعب واحد، ومجموعة ثقافية وعرقية موحّدة، وهذا يطرح السؤال الإثني؛ ويمكن إضافة السؤال حول التمايزات الداخلية، بحسب المنطقة ونمط الحياة وأسلوب الإنتاج أو تلقّي الريوع، ما يفتح الباب للسؤال المناطقي والإقليمي. ولذلك فقد يمكن القول إن المسألة السورية هي تركيب معقّد من المواضيع المذهبية والإثنية والقومية والطبقية والمناطقية، ضمن واقع إقليمي ضاغط، يتصل بروابط ثقافية وبشرية وسياسية مع المجموعات السورية المتنازعة، إذ لكل مجموعة أو منطقة امتدادها المُعاش أو المُتخيّل مع مجموعات بشرية ومناطق أخرى موجودة في دول الجوار. وبالتالي فقد تكون عبارة “المشكلة الطائفية في سوريا” أكثر تبسيطاً من الإحاطة بالوقائع المتراكبة، التي تكوّن “المادة السورية” شديدة الانفجار.

يجعل هذا من أي  تعاطي مع المسألة السورية مُلزَماً بالمرور بكل مستوياتها المركّبة تلك، فحتى لو تم رفع شعار اللامركزية، أو الفيدرالية، أو تقرير المصير، أي إعادة بناء الكيان السوري على أسس جديدة، أو تغيير حدوده، أو الانفصال عنه، ستبقى كافة الأسئلة السابقة مطروحة، فأي هوية ستكون لدولة لامركزية؟ وكيف تعرّف الجماعات الراغبة في الحكم الذاتي أو الانفصال ذواتها، وتحوّل أنفسها من طائفة أو إثنية إلى شعب؟ وماذا سيكون تعريفها للآخر وعلاقتها معه؟ وما شكل توزيع الموارد وترسيم الحدود والمناطق الإدارية؟ ولذلك فقد لا تكون هنالك جدوى من “الهروب إلى الأمام”، فلا بد من مواجهة “المسألة السورية”، أياً كان هدف تلك المواجهة أو غاياتها.

ربما ما يزيد الأمور تعقيداً أنه لا توجد إسهامات نظرية كثيرة في “المسألة السورية”، إذ لطالما أُلحقت، بتأثير من الفكر القومي واليساري التقليدي، بمسائل أخرى، مثل التحرر الوطني العربي، ومواجهة الصهيونية والإمبريالية العالمية، والانتقال الديمقراطي، ما جعل كل تعقيد المسألة السورية، لعقود طويلة، في خانة اللامُفكّر فيه، وكأن زوال الهيمنة الخارجية، أو الاستبداد الداخلي، سيؤدي تلقائياً لحل مشاكل اجتماع الكتل السكّانية السورية، وسيجعلها تعود إلى حالة أصلية، يسود فيها الوئام والسلم الاجتماعي، أو كأن الهيمنة والاستبداد حالة “خارجية” فعلاً عن مشاكل ذلك الاجتماع، وليست أحد عوامله الداخلية، وشروطه المؤسِّسة. ربما يُنتج السوريون “الاستبداد”، ويستدعون الهيمنة، وليسوا مجرّد ضحايا مطلقين لهما.

بناء على هذا، فقد تحتاج “المسألة السورية” إلى منظورات سياسية واجتماعية وثقافية شاملة، وليس بالضرورة واحدة، بمعنى أنه قد تتعدد مقاربات المسألة بتعدد المجموعات السورية المعنيّة، وموقعها، والمخاطر التي تتعرّض لها، ولكن لا بد لكل مقاربة أن تستطيع تقديم إجابات مبدئية عن كافة التحديات الأساسية التي تثيرها المسألة، وأن تكثّف بنفسها مجموعة من المطالب والمواقع والفئات المتعددة، حتى في أضيق الإطارات المحليّة، كي تستطيع بناء ذات سياسية مستقلة، لا تكون مجرّد انعكاس لاستعصاء الوضع السوري، وهذا يتطلّب ما يسمى عادة بـ “الوعي النقدي”، وهو ليس مجرد رفض جهة ما، أو الهجوم عليها، بل إدراك الشروط الأساسية للحالة العامة، وحدودها، وتناقضاتها، وصولاً إلى محاولة تجاوزها أو القطيعة معها. فهل هذا النمط من الوعي متوفّر في سوريا؟

يبدو هذا سؤالاً استنكارياً أكثر من كونه استفهامياً، وربما الأجدى التساؤل عن أسباب غياب الوعي، أكثر من مدى حضوره.

قد تكون الظاهرة التي يمكن تسميتها “النرجسية الطائفية”، إحدى أهم مظاهر ونتائج “المسألة السورية” حالياً، وهي ليست فقط “محبة الذات”، أو الشعور بالتفوّق، أو الظلم، أو نزع الصفات الإنسانية عن الآخر، بل إنها تمثّل الركيزة الأساسية لبروز أنماطٍ من الخطاب داخل الجماعات المختلفة، قائمة على التماهي مع تصوّر متخيّل عن الذات، دون وجود موقع رمزي يمكن أن تقيّم منه المجموعة نفسها. بمعنى أن تلك الخطابات لا تمتلك معياراً سياسياً، أو قانونياً، أو أخلاقياً، أو ثقافياً، يمكن من خلاله للجماعة السعي إلى إعادة تشكيل المجال والإطار، الذي يرغب ويسلك ويفكّر به أفرادها، فتبدو وكأنها فقط تسعى للتطابق مع مخيلتها عن ذاتها، سواء كان محتوى تلك المخيّلة المجد، أو القوة، أو الرقي، أو التحضّر. هكذا نرى مجموعات غارقة في الفقر والعنف والتجهيل، وعاجزة عملياً عن إنتاج تمثيلها السياسي الذاتي، وفي علاقة تبعية دائمة مع جهة خارجية، أو في انتظار إيجاد طرف يمكن التبعية له، فيما تنتشر داخلها خطابات، تقتصر على تصوراتها عن مثالها التخيّلي الذاتي، دون أية قدرة على النقد والتجاوز.

كما أنه يمكن التركيز على صفة “الطائفية” لتلك النرجسية، لأن خطاباتها تتعلّق بالدرجة الأولى بالمذهب أو العقيدة، إذ يسود شعور بأن اختلاف المذهب يضفي جانباً كبيراً من تميّز وامتياز المجموعة، يأتي بعده العدد، والانتشار. وهذا الاختزال بالصورة الطائفية يُخفي بقية الأسئلة والعوامل، فيصبح التماهي مع الصورة أكثر حميمية. لا داعي للإجابة على الأسئلة المعقدة للإثنية، والقومية، والطبقة، والمجتمع، فهي قد تعطّل التماهي، لأنها تنقض الشعور بالتوحّد مع الذات.

وعلى الرغم من أن الصورة النرجسية حاضرة في أية هوية، بل في أي مفهوم عن الذات عموماً، إلا أن خطابات النرجسية الطائفية تبدو بديلاً رخيصاً ومريحاً عن التعاطي الجدي مع تعقيد “المسألة السورية”، ما يعرقل نشوء المعايير السياسية والفكرية الجديّة، التي قد تنشأ عن النقاش الجدي لسؤال: ماذا تريد هذه الجماعات أن تصير، باستثناء أن تشعر أنها متفوّقة أو أفضل؟ قد يؤدي الانتماء الطائفي، أو الهوياتي عموماً، وظائف اجتماعية ضرورية، مثل تأمين الانتماء والحماية وشكل من توزيع الموارد، ولكن في حالة خطابات النرجسية الطائفية السورية لا يبدو أن هنالك وظائف تؤدى، إذ إن كثيراً من الجماعات تعجز عن تأمين الحماية، وتوفير الموارد، كما أنها لم تعد فضاءً آمناً للانتماء وبناء القيم، ما يجعل الخطابات النرجسية أقرب لمحاولة تعويضية، أو حتى ارتكاسية. التخييل هنا (بناء صورة خيالية عن الذات) يأخذ مكان التمثيل (إيجاد معايير لبناء الذات، وتقديم الخطاب عنها)، ويصير تضخيم صورة الذات المتخيلة تعويضاً عن غياب معيار رمزي واضح.

قد يمكن استخلاص عدد من الخصائص الأساسية لتلك النرجسية، أولها أنها ضد سياسية، وضد ثقافية، بمعنى أنها ليست فقط عاجزة عن الإنتاج السياسي والثقافي، بل وجودها يعرقل هذا الإنتاج؛ وثانيها أنها غير اجتماعية، بمعنى عدم قدرتها على بناء روابط فعلية بين الفئات المتعددة داخل المجموعة، وحمل مطالبها الفعلية؛ يتفرّع عن هذا الخاصيّة الثالثة، وهي عدم شموليتها، إذ إن عجزها عن بناء الروابط يؤدي إلى تفكك أكبر داخل الجماعات، وتصاعد المواقف الدونية والعدميّة والاستسلامية، وتعزيز التبعيّة للأطراف الأكثر قوة وتسليحاً وضراوة؛ الخاصية الرابعة هي تعاكسها مع الأوضاع الفعلية للمجموعة، فكلما ازداد انحدارها السياسي والاجتماعي والثقافي، بل حتى الحيوي، كلما تصاعدت لدى أفراد منها النزعة النرجسية، وكأنها نوع من نعي الذات، والتلذذ به.

يبقى السؤال عن طغيان البعد التخيّلي على الرمزي في الشرط السوري، أي العجز عن تمثيل الذات بواسطة بعد معياري متكامل، يشمل الأفكار السياسية والحقوقية والثقافية والأخلاقية. ولهذا بالتأكيد أسبابه الاقتصادية/الاجتماعية المباشرة، إذ نتحدث عن مجتمعات ارتبطت لعقود بجهاز دولة متضخّم، قام بعمليات يمكن وصفها بـ”التفليح”، أي إعادة إنتاج العلاقات الفلاحية عبر جهاز الدولة، وشبكات الولاء والتبعيّة المتفرّعة عنه، وبدون أي تطوير في البنية الاجتماعية نحو البرجزة، أو التصنيع، أو التنمية الشاملة، ما عرقل أية إمكانية لنشوء ذوات سياسية مستقلة، وأدخل البشر في علاقة، يمكن تشبيهها بالقنانة، مع السيد الجديد، وهو الدولة؛ وكذلك هنالك الأسباب الأيديولوجية والدينية، ففي الدولة القومية العربية/الإسلامية، والإسلام مصدر تشريعها، لا مكان فعلياً لحرية المعتقد والضمير والتعبير، وكان على كل المجموعات السورية التماهي مع ذلك التعيين الأحادي، عبر أسلمة وتعريب الذات، وعندما انهار المعيار القومي الجامع، لم يبقَ أي معيار، فتصاعدت النرجسيّة بوصفها ارتكاساً إلى حالة أصلية متخيّلة، للتماهي مع صورة الذات الطائفية؛ وبالتأكيد الضغط الوجودي، فعندما تشعر المجموعات بتهديد حيوي، يعرقل استمرار الحياة، تتجه الرغبة الاجتماعية باتجاهات شتى، تتسم بالفوضوية، وقد تتحول لطاقة مدمّرة للذات، بدل أن تكون طاقة للنجاة.

في هذا الظرف، هل من الممكن التوصّل إلى موقع رمزي، قادر على التعاطي مع “المسألة السورية”، ويقدم معايير جديدة للمجموعات المختلفة، مما يمكّنها من تمثيل أنفسها؟ أم أن حقائق الشرط الاجتماعي العام تفرض نفسها، وتجعل أي محاولة في هذا الاتجاه عبثيّة؟

التمثيل والتخييل

في كتاب ماركس الشهير “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”، يرد نص حاسم في تطور النظرية السياسية لاحقاً، ففي إطار حديثه عن الفلاحين الفرنسيين إبان انقلاب لويس بونابرت، الذي صار فيما بعد “نابليون الثالث”، يقول ماركس: “إن صغار ملّاك الأراضي يشكلون كتلة هائلة، يعيش أفرادها في أوضاع متشابهة، ولكنهم لا يتواصلون فيما بينهم إلا في نطاق ضيق جداً. إن نمط إنتاجهم يعزلهم عن بعضهم بدل أن يربطهم بعلاقات متبادلة […] ولذلك فهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، بل يجب أن يُمثَّلوا”.

لاحظ عدد من المفكرين، ومنهم الهندية غياتري سبيفاك، أن مفهوم “التمثيل” Representation، قد يعني في اللغة الألمانية، وفي الاستخدام الفلسفي الماركسي، مزيجاً من تمثيل المجموعة بأفراد وخطابات مباشرة Vertretung (كما في تمثيل النواب البرلمانيين للشعب مثلاً، عبر نمط من التوكيل الديمقراطي) وتجسيد المجموعات والآخرين بتصورات ومعارف وتخيّلات Darstellung (كما في الأدبيات التي تقدّم تصورات عن “الشعب”). في نص ماركس المنقول أعلاه، يستخدم مفردة Vertretung، ولكنه في مواضع أخرى، خاصة عندما يتكلّم عن تصورات البشر عن أنفسهم وإنتاجهم لعالمهم، يبدو أقرب لمعنى Darstellung، وهكذا فإن البشر، الذين يعجزون عن تمثيل أنفسهم بالمعنى السياسي المباشر، عبر ممثلين وقادة ومنظمات، تبقى لديهم تصورّات تمثّلية عن الذات، تساهم في تحريكهم، واتخاذهم لقراراتهم. هذه التصوّرات مُتَضمّنة في عالم رمزي/أيديولوجي متكامل، يصنع شروط إدراك الذات، وهو مجال للهيمنة الأيديولوجية والسياسية والطبقيّة. عندما يقول ماركس “يجب أن يُمثَّلوا”، فهو يعني أن الطبقات المهيمنة تقوم هي بمهمة تمثيل العاجزين عن تمثيل أنفسهم، سواء عبر تحديد الشروط السياسية والمؤسساتية للتمثيل، أو حتى صياغة التصورات الأساسية عن الذات والعالم والمعرفة والمجتمع، وهذا يجعل العاجزين عن تمثيل أنفسهم في وضعية التابعين، الذين يشكّلون حشداً سلبياً للسلطات، خاصة الشعبوية، كما في حالة لويس بونابرت، وهو من أشهر وأبكر نماذج الشعبوية الحديثة.

في حالة خطابات النرجسية الطائفية في سوريا، من الممكن ملاحظة ظاهرة معقدة: معظم المجموعات السورية عاجزة ومحرومة من التمثيل Vertretung، كما تم إسقاط مجموعات بأكملها من العالم الرمزي/الأيديولوجي، خاصة مع انهيار الدولة القومية السورية، فالعلويون، والدروز، والكرد، وغيرهم، تتم شيطنتهم، وإقصاؤهم، بل اعتبار وجودهم بحد ذاته “مشكلة”، ضمن الأحادية العربية الإسلامية، التي صارت جهادية، و”أكثروية” بالمعنى الطائفي، فيما تتعرّض مناطق بأكملها، لإقصاء وشيطنة مشابهة، وإن اختلفت بالدرجة، مثل مدينة حلب، التي يُشكَّك بانتمائها لـ “الأكثرية”، نظراً لما يُدَّعى عن موقف أبنائها أثناء الحرب السورية. لقد تم إقصاء كل هؤلاء من عالم التجسيد الرمزي السوري Darstellung، ولم يعودوا يجدون لأنفسهم مكاناً فيه، لتقييم وتمثيل الذات، ما قد يفسّر النزعة الارتكاسية إلى خطابات النرجسية الطائفية عند البعض منهم، إذ لم يعد بإمكانهم أن يكونوا عرباً سوريين، أو مسلمين، أو وطنيين، وهم في موضع الشك والارتياب واحتمال الاستباحة، ولذلك تخلق الخطابات النرجسية صورة خيالية يمكن التماهي التام معها، والتوحّد بها، دون طرح أسئلة على الذات. طُرد هؤلاء من العالم الرمزي، أو أعطوا فيه المكانة الأسوأ، وبما أنهم عاجزون عن التمثيل، بكل معانيه، فلم يبقَ لهم إلا التخييل، أي الانتقال إلى المستوى الخيالي/النرجسي.

 “الرمزي” و”التخيّلي” من مصطلحات المفكر وعالم النفس الفرنسي جاك لاكان، ولذلك فلا بد من الحديث عن المستوى الثالث عنده، أي “الواقعي”، وهو أكثر مفاهيمه تعقيداً، وأكثرها احتمالاً للتأويل، وسنستعمله هنا بمعنى ما يُفلت من الرمزي والتخيّلي، أي ما هو صادم وغير قابل للتفسير والتصوّر، من ضمن شبكاتنا الرمزية وصورنا الخيالية، وهو في الحالة السورية الهول والصدمة الوجودية، من احتمال الإبادة الحيوية، التي تتخذ أشكالاً مختلفة، منها القتل الهوياتي، والتجويع، وتدمير أسس استمرار الحياة. وهنا بالتحديد قد يبرز “الواقعي”، الذي لن تنفع معه لا الصور التخيّليّة للنرجسية الطائفية، ولا الشبكات الرمزية لـ “السوريّة”، أي الامتياز المركزي العربي الإسلامي، الذي بات أقرب لفاشية طائفية سنيّة.

الطائفة الناجية

يعتبر ما يُسمى أحياناً “اليسار اللاكاني”، أي المتأثر بأفكار جاك لاكان، أحد أهم تيارات اليسار الغربي المعاصر، ومن أشهر أعلامه السلوفيني سلافوي جيجيك، والأميركية جودي دين، وقد حاولت الأخيرة تقديم مقاربة نظرية شاملة عن العجز عن التمثيل السياسي الفعلي، وهو ظاهرة عالمية، وليس فقط في منطقتنا. والحل الذي اقترحته دين يمكن تلخيصه بكلمة: الحزب.

الحزب بالنسبة لدين ليس مجرّد محتوى سياسي أو أيديولوجي، يجب نشره والدعاية له بين الناس، وتنظيمهم على أساسه، بل أقرب لجهاز لتنظيم الرغبة الجماعية، يجعل السياسة ممكنة، في ظل تشتت الرغبة، وميلنا إلى الصور النرجسية الذاتية، في عالمنا الاجتماعي والتواصلي المعاصر. يصبح الحزب أقرب لـ “آخر كبير”، يمنحنا العالم الرمزي المتماسك، ويؤسس أطر وشروط رغبتنا، بما يؤمّن عدة غايات: إعطاء نموذج تمثيلي للذات الجماعية، يخلق رابطاً بين الأفراد، يمكّنهم من تطوير أنفسهم، والعمل معاً على أساسه، وصولاً إلى إنتاج سياسة وخطاب وثقافة متمايزة؛ وضمان الاستمرارية، أي القدرة على مراكمة مظاهر الاحتجاج ضد الاستغلال والألم والظلم والتهديد، التي يعاني منها البشر في الأنظمة القائمة، في إطار سياسي مستقر ومنظّم وفعّال، لا ينتهي بانتهاء “التريند” الاحتجاجي؛ والعمل على إنتاج الهيمنة المضادة، كي لا يبقى البشر خاضعين لأيديولوجيا مهيمنة، تجعلهم يغرقون في علاقة نرجسية مع صورتهم المتخيّلة، وهي ليست صورة عفوية أو فردية كما قد تبدو، بل تحوي نموذجاً أيديولوجياً جاهزاً وشمولياً، يعيد توطين الذوات الفردية، بعد تشتيتها، ضمن أطر نظام يلغي عملياً القدرة على الفعل الجماعي، ما ينتج علاقات استلابية، تسمح بإفقار البشر واستغلالهم واضطهادهم.

بالعودة إلى الشأن السوري، يمكننا بالفعل ملاحظة تطور التجربة السياسية الكردية، وقدرتها على تمثيل الذات الجماعية، بالمقارنة ببقية المجموعات السورية، بسبب وجود تراث حزبي واسع ونشط. وبالرغم مما يشوبه من فسادٍ وتجاوزاتٍ وإخفاقاتٍ، إلا أنه أمّن تجربة أكثر “تقدماً” بمعايير المنطقة. لا يعني هذا أن الكرد هم “الطائفة الناجية” في سوريا، فكثير من أزمات ومشاكل “المسألة السورية” تنطبق عليهم، ويعانون بدورهم من تهديد وجودي فعلي، ولكن يعني أن إعادة التفكير بمفهوم “الحزب” قد يكون أسلوباً للنجاة الجماعية في سوريا.

ومفهوم “الحزب” في سوريا قد ينطلق من المستوى “الواقعي”، قبل الرمزي أو التخيّلي: لا يوجد لدينا تراث تنظيمي وأيديولوجي قابل للاستناد التام عليه، كما أن تخيّلاتنا الطائفية لن توصلنا إلى أي مكان، ولكن يبرز لدينا مستوى “واقعي”، يبدو أقرب لـ “حدث” وجودي بالمعنى الفلسفي: انهيار عوالمنا القديمة، مع انهيار أو اضمحلال دول المنطقة، واستيلاء الميليشيات الإسلامية على السلطة، بدعم خارجي، وتهديدها الشامل لاستمرار الحياة، والمجازر التي ارتكبتها في السنوات الماضية، مثل الإبادة الإيزيدية، ومجازر العلويين والدروز. ربما يجب أن نكون أوفياء لهذا “الحدث”، بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، ما يدفعنا للعمل على إنتاج فعل سياسي منظّم، يتخذ الشكل الحزبي، بحسب منظور جودي دين.

يمكن اقتراح مخطط نظري لهذا الفعل، ينطلق من “الواقعي”، أي الهول القائم، وضرورة تأمين الحماية الذاتية، وعدم القبول بعقد الإذعان الذي يفرضه الجهاديون، وهو الخضوع والقبول بالاستباحة والأسلمة، مقابل عدم الإبادة الفورية؛ مروراً بـ “الرمزي”، أي إنشاء أطر وتنظيمات اجتماعية، تمكننا من تجاوز نرجسيتنا الفردية والطائفية، وتمثيل ذواتنا، مثل التسيير الذاتي والتنظيم الحزبي؛ وصولاً إلى “التخيّلي”، أي إنتاج صور للذات، قابلة للتماهي المؤقّت معها، دون الغرق فيها. هذه المستويات تتداخل وتتفاعل، إذ قد يؤسس الرمزي للتخيّلي، ويمنع طغيانه؛ فيما قد يكون الواقعي هو الأساس، الذي يجب إعادة إدماجه في الرمزي والتخيلي، مع “الوفاء” له دائماً.

وبالتأكيد، لا يمكن إنتاج أي إطار رمزي/أيديولوجي، يتجاهل الأسئلة الأكثر صعوبة لـ “المسألة السورية”، أي تقاطع الطائفة والإثنية والقومية والطبقة والمنطقة، وهذا يتطلب مواجهة فعلية لما استقرّ عليه الكيان السوري، وفكرة “الشعب السوري” نفسها، ما سيجعل التوصّل إلى صيغة “ما بعد سورية” ضرورياً، وربما تحويل الطوائف والإثنيات والمناطق إلى “شعوب”، تجد مشتركاً ما، أو صيغة تعاقدية معيّنة، تؤمّن وجود كيان أو كيانات قابلة للحياة.

Tags: أزمة الهوية السوريةتاريخ سوريا المعاصركارل ماركس




آخر المنشورات

النرجسية الطائفية: ما المجموعة “الأرقى” في سوريا؟

النرجسية الطائفية: ما المجموعة “الأرقى” في سوريا؟

6 يوليو 2026

محمد سامي الكيال يصعب اختصار المسألة السورية بالصراع بين طوائف متمايزة، فهي تجمع أكثر من...

مرحلة انتقالية “أبدية” في دمشق

مرحلة انتقالية “أبدية” في دمشق

5 يوليو 2026

د. طارق حمو تقول الأشهر الثمانية عشر الماضية من عمر سلطة "هيئة تحرير الشام"، بأنها...

تحليل مسار حرب الأربعين يوماً وهدنتها

تحليل مسار حرب الأربعين يوماً وهدنتها

2 يوليو 2026

محمد سيد رصاص يجسد بنيامين نتنياهو، منذ أن كان لأول مرة رئيساً للحكومة الإسرائيلية 1996...

ضياء غوكآلب.. أي كرديّ كان؟

ضياء غوكآلب.. أي كرديّ كان؟

30 يونيو 2026

إبراهيم محمود (شخصيات كُردية خلافية "1")  ربما كان ضياء غوكآلب "1876-1924" من بين أكثر الشخصيات...

الخاسرون والرابحون في اتفاق “أميركا- إيران”

الخاسرون والرابحون في اتفاق “أميركا- إيران”

29 يونيو 2026

د. عقيل سعيد محفوض يمثل الاتفاق بين واشنطن وطهران حدثاً فارقاً في سياسات الإقليم، يخفي...

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية

المركز الكردي للدراسات

  • عن المركز
  • إدعم المركز

التواصل الاجتماعي

No Result
View All Result
  • مقالات
  • تحليل موجز
  • تقارير
  • تقدير موقف
  • أبحاث ودراسات
  • تاريخ ومجتمع
  • كتب
  • نشاطات المركز
  • عن المركز
  • Kurdi
  • English

متخصص في الشؤون السياسية المحلية والإقليمية والدولية