Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

د.آزاد أحمد علي*
ليس من باب الطرافة التذكير بأن تركيا اعترضت على اسم (كردستان) العائد لفريق رياضي في أحد أحياء دمشق قبل حوالي تسعين عاما، بحجة أن الاسم يشكل خطرا على أمنها القومي. فمنذ تشكل الدولة السورية وعين تركيا لا ترف عن المتغيرات السياسية السورية وموقع الكرد داخل معادلاتها. تستغل كل الفرص لتحقيق أهدافها الإستراتيجية. وباتت تحققها خطوة فخطوة عبر ذرائع متعددة، كمحاربة خطر حزب العمال الكوردستاني.

فبعد حوالي ثلاثة أسابيع من اجتياح منطقة عفرين، وبعد عدة سنوات من الإعداد المتكامل للعملية، تفاجأ قائد الحملة بعدم تقدمها، بل تبدو العملية رغم القصف المكثف للطيران والمدفعية أقرب إلى الفشل منها إلى النجاح. المشكلة ليست في النجاح أو الفشل، بقدر ما تكمن في أن هذه الحملة باتت ذروة لمشروع تركيا المتعدد الأهداف والمستويات، مشروع  يمهد لمجد سياسي وفتح أيديولوجي عظيم. هذا ما قاله أردوغان ليلة 24/1/2018 عند تواجده باللباس العسكري في غرفة عمليات هاتاي (لواء اسكندورون)، مخاطبا جنرالاته: "أنتم هنا لتغيير مسار التاريخ وإعادة مجد الأمة". بصرف النظر عن درجة شعبوية هذه الجملة وشحنة البروبوغاندا التي تختزنها، يظل تعبيرا عن تفجر ثقافة سياسية يتصف بها أغلب قادة تركيا، ثقافة يتم إعادة إعلانها لترسيخ وتجديد مسار تراث السيطرة والهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، مع ما يتطلبه من حروب وما يرافقه من تغيير ديمغرافي وسياسي.
هذا ليس ادعاءا ولا افتراءا، فمجد أي أمة سيتم استعادته من قبل أردوغان؟! هل الأمة الإسلامية التي تاجر بها في سنوات صعوده السياسي، أم الأمة التركية الطورانية التي انتقد أنصارها سابقا!
التساؤل يفرض ضرورته ليس بالارتباط مع جملة نطقها أردوغان وإنما بناء على وقائع مشخصة ووثائق، فتشييد جدار من الكونكريت على طول الحدود السورية – التركية في السنوات الأخيرة، وقبلها زرع الحقول بالألغام، ومن ثم مد الأسلاك الكهربائية، إن لم توفر الأمان لتركيا، فكيف سيتم تأمين حدودها المزعوم؟ ما يعني أن الخطر ليس خلف الحدود، وإنما مرتبط ببنية نظام الحكم وعقليته التوسعية.  
لن نبالغ إذ قلنا أن عملية (غصن الزيتون) ليست وليدة السنتين الأخيرتين، فمن المتعذر جمع طاقات تركيا المعاصرة، توحيد المعارضة التركية متمثلا بالتيار القومي المتطرف (M.H.P) وحزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي (C.H.P) مع حزب أردوغان، كذلك حشد أوسع القطاعات والتيارات الدينية، استحضار تراث تركيا الجهادي بهذه السرعة، فضلا عن استنفار خطباء المساجد للصلاة من أجل نجاح عملية (فتح عفرين) بهذه السرعة.
يتم توظيف سياسي وأيديولوجي للرموز الدينية بطريقة سافرة، لدرجة أن سميت القوات المهاجمة أي الجنود الأتراك (بالمحمدجيه) نسبة إلى نبي المسلمين جميعا محمد (ص)، فضلا عن إحياء رمز تركي طوراني قديم ذات دلالة سياسية عميقة، حيث "انتشر في الإعلام التركي مصطلح "KIZILELMA" الذي يعني بالعربية "التفاحة الحمراء"، المصطلح عرف على أنه رمز للأهداف البعيدة التي وحدت القبائل والممالك التركية عبر التاريخ، فهو رمز يهدف للوصول إلى الأرض التي يتم اختيارها ليتم غزوها والسيطرة عليها. فبعد فتح اسطنبول على يد محمد الفاتح كان مصطلح "قزل ألما" يرمز إلى السيطرة على كنيسة سان بيترو في روما، أما في عهد سليمان القانوني فكانت "قزل ألما" ترمز إلى السيطرة على فيينا ثم روما. لذلك ضمن عملية (غصن الزيتون) انتشر مقطع مصور في وسائل التواصل الاجتماعي، لمراسل إحدى القنوات التركية، يسأل أحد الجنود الأتراك، إلى أين مقصدكم؟ فأجابه: إلى "قزل ألما"، (ترك برس 26/1).   
إذن (غصن الزيتون) باتت (قزل ألما) معاصرة وهي المرحلة الثانية لدرع الفرات، فما أنجز فيها يكشف عن حقيقة الترابط بين المرحلتين وتفصح عن أهداف اجتياح عفرين. فلقد صرح منذ عام 2016 عدد من المسؤولين والوزراء أتراك بأنه سيتم إنشاء مدن جديدة في المناطق السورية التي تخضع للجيش الحر. فبين شهر أب 2016 وآذار 2017 تم الاستيلاء على أراض بين بلدتي جرابلس واعزاز بلغت مساحتها حوالي ألفي كم2، شيدت فيها مساكن جديدة لتوطين مئات الألوف من الموالين لتركيا، خاصة من القبائل ذات الأصول التركمانية، حتى وصل عدد سكان هذه المنطقة إلى خمسة أضعاف خلال سنة واحدة، أي قفز التعداد من حوالي (48) ألف إلى (236) ألف، بحسب المصادر التركية، وإلى نصف مليون حسب تقديرات أخرى. كما تم تنمية المنطقة وتوظيف ستة آلاف مُدرّس، خضعوا لدورات خاصة بإشراف السلطات التركية لتعليم اللغة التركية، وصولا إلى افتتاح فروع لمؤسسة البريد التركي في المدن الثلاث (جرابلس، الراعي، اعزاز) لربطها بكل تركيا. بالتالي يتم التعامل مع هذه المنطقة كجيب تركي داخل سورية، فضلا عن أنه تم إعادة تجنيد السكان المحليين والمستقدمين من داخل سورية وخارجها وتدريبهم بأشراف الجهات التركية المختصة، لتحويل خمسة آلاف منهم إلى شرطة ضمن الجيش السوري الحر. والأهم من كل ذلك فقد دفعت الحكومة التركية بثلاثين مجموعة مسلحة للاتحاد ضمن "الجيش الوطني"، الذي أعلن عنه خلال مراسم أقيمت في 30 ديسمبر/كانون الأول 2017. وكانت الخطوة الأخيرة للقيام بتوسيع منطقة درع الفرات والهجوم على عفرين. فخلال مراسم الإعلان، قال رئيس وزراء الحكومة السورية المؤقتة، جواد أبو حطب: إن أولويتهم هي حماية منطقة "درع الفرات" من النظام السوري وتنظيمات: "داعش" و"ب ي د/ بي كا كا. (بحسب وكالة الأناضول التركية).
 كما كشف الكاتب التركي فهيم تشتكين من زاوية أخرى (المنيتور 29/5/2017) عن عمليات تغيير ديمغرافي حادة في المنطقة التي ضمتها تركيا، حيث بين "أنه أفرغ الجيش التركي سبعين قرية كردية من سكّانها، ونقل إليها أعضاء المعارضة وعائلاتهم الذين استقدمتهم تركيا من مناطق بعيدة. علما أن أغلب المستوطنين الجدد هم من التركمان الذين فرّوا من تلعفر في العراق أو جاؤوا من آسيا الوسطى وأحياء الفقراء في المدن التركية، إضافة إلى مقاتلين جرى إجلاؤهم مع عائلاتهم من حي الوعر في حمص. إذ استقروا جميعا في قرى ناحية قباسين وسوسنباط ونعمان وقبة الشيخ وشدود وكعيبة والبلية وشيخ جراح، ذات الغالبية الكردية، التي استهدفت في إطار خطة التغيير الديمغرافي لمنطقة شمال حلب. هذا وقد أجبر "الجيش التركماني الموحّد" سكّان عدد من القرى على مغادرة منازلهم بالقوة.
فإذا تم ربط ما أنجزته الحكومة التركية في منطقة درع الفرات بين جرابلس واعزاز مع حديث أردوغان عن نسبة الكرد في عفرين وادعائه  - كخبير بالهجرات - أنهم قد هاجروا إليها من مناطق أخرى، وعزمه على إعادة توطين ثلاثة ملايين لاجئ سوري، يمكن التكهن بطبيعة مشروع تركيا المرتبط جوهريا بعملية تغيير مركبة للبنية الديمغرافية السورية، عرقيا ومذهبيا، وما يترتب عليها من مخرجات سياسية وتوازنات في القوى.  فالهدف من عملية (غصن الزيتون) هو البدء بمشروع استيطاني تركي جديد، وتكرار تجربة شمال قبرص (مساحتها تساوي مساحة عفرين)، في رقعة تمتد من الفرات شرقا وحتى جنوب منطقة كسب على البحر المتوسط غربا. فليس مستبعدا أن تحقق تركيا هدفها مرحليا بالتوافق مع قوى إقليمية ودولية، فقد نجحت بضم ألفي كم2 ضمن عملية درع الفرات، وهي بصدد ضم منطقة عفرين بإضافة ثلاثة آلاف كم2 أخرى وربما أجزاء من محافظتي إدلب واللاذقية، أي ما مجموعه حوالي (5%) من مساحة سورية، وهو هدف ممكن التحقيق، ما دامت سورية قد تحولت في هذه المرحلة إلى ساحة لاختبارات جيوسياسية، إلى مجرد أرقام ومحاصصة بنسب مئوية.


حاصل على الدكتوراه في تاريخ العلوم التطبيقية من جامعة حلب بسوريا. قام بتدريس تاريخ العمارة وعلم الاجتماع العمراني في جامعة الجزيرة الخاصة بدير الزور. له مئات المقالات والأبحاث في المجلات والصحف باللغتين الكردية والعربية. شارك في عشرات المؤتمرات الدولية حول مواضيع تتعلق باختصاصه وبالقضية الكردية وبمنطقة الشرق الأوسط عموما. أصدر عشرات الكتب باللغتين الكردية والعربية منها: دور الحركة الكردية في الانتفاضة السورية 2012 م، ودور أكراد سورية في المتغيرات السياسية والانتفاضية الراهنة، والدور السياسي للحلف القبلي الملي في شمال بلاد الشام وغربي كردستان، وصفين الجديدة، وكتاب عن "داعش" باللغة الكردية. كذلك ترأس تحرير مجلة (الحوار) المعروفة منذ العدد الأول عام 1993 م وحتى 2018.  وترأس إدارة مركز دراسات روداو في أربيل بكردستان العراق في الفترة ما بين 2015 و2016 .



 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net