Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

عبد الله شيخو *
في مجموعته القصصية ”الجنة الخرساء“ الصادرة بالكردية عام 2006 عن دار نشر آفستا باسطنبول، يروي القاص والروائي الكردي صلاح الدين بولوت قصة صخرة في مدينة ديرك بكردستان الشمالية في تركيا.
تقول قصة بولوت أنه كان في ديرك مَعلَمٌ يدعى الصخرة الصمّاء ”Kevirê Kerr/كفري كَرّ“، صخرة مكورة كحبة زيتون وضخمة كقصر كبير، صخرة تختزل هوية المدينة، ولغتها، وجمالها، وكينونتها؛ وملتقىً لشيبها وشبابها. يوماً ما، شعر القائمقام التركي الجديد أن هذه المدنية لا تعكس صورته وصورة دولته فأمر بتتريك كل شيء فيها، الإنسان والمكان معاً. تلبست الطرق والقرى والأنهار والوديان وحتى المواليد الجدد بلبوس لغة الدولة. وحدها الصخرة الصماء نجت من سجلات الدولة وبقيت كردية.

أمر القائمقام بتفجير الصخرة ليستيقظ سكان ديرك في صباح اليوم التالي على دوي انفجار هائل وغبار أحمر يرتفع من الصخرة الصماء... وأخيراً أصدرت الصخرة الصماء صوتاً!
يختم بولوت قصته بالقول أن شبان ديرك زرعوا مكان الصخرة الصماء شتلة شجرة زيتون وسمّوها ”الشجرة الصماء“.
بالحديث عن بولوت لا بد من الإشارة إلى حادثة اعتقاله من قبل سلطات الانقلاب العسكري في تركيا على خلفية نشاطه السياسي والحكم عليه بثمان سنوات قضاها في سجن ديار بكر العسكري سيء الصيت.
اليوم، وفي تفاصيل الحرب التركية المفتوحة على عفرين، يتردد في الجغرافيا الكردية صدى شجرة صلاح الدين بولوت بعد اثني عشر عاماً وبالتحديد داخل عفرين المحاصرة في المثلث الغربي لسوريا. صخرة أخرى تقع على تلة بمنطقة ”راجو“ في أقصى الشمال الغربي لعفرين، صخرة يسميها السكان بـ”Kevirê Kerr“، أي الصخرة الصماء.
خلال اليومين الماضيين, كانت هذه التلة وصخرتها الصماء مسرحاً لمواجهات عنيفة بين الجيش التركي وميليشياته من جهة وبين المدافعين عن عفرين من وحدات حماية الشعب والمرأة من جهة أخرى، دخلها الجيش التركي وميليشياته لليلةٍ قبل أن تستردها القوات المدافعة البارحة.
وكما تحدث بولوت عن صخرته الصماء ”التي انفصلت عن الصخرة الأم وتدحرجت مجتازةً النبع والشجر دون أن توجع العشب، أو تسحق النبات، أو تكسر أغصان الشجر، أو تخرّب أعشاش فراخ الطيور“، كانت صخرة عفرين الصمَاء ملجأً لعشرات الآلاف من السوريين الهاربين من جحيم الحرب السورية؛ هادئة قبل أن تجتاحها جحافل الجيش التركي وحلفائه، ويكسر هدير طائراته سكونها فتقتل عشرات المدنيين جُلّهم نازحون سوريون عرب هاربون من قصف طائرات النظام والجماعات الأصولية التي رافقت الجيش التركي في مطاردتهم حتى إلى عفرين.
في قصة بولوت، اختزال للتتريك المنهجي الذي اعتمدته الجمهورية التركية في بدايات تأسيسها ضد الكرد وجغرافيتهم عبر رمزية الصخرة الصماء الهاربة من قيود الدولة إلى لغة أصحابها وذاكرتهم، فيأمر القائمقام بتتريك الحجر والبشر، وتُنفّذُ تعليماته بحزم لتتدثر القرى والأحياء والطرق بعباءة لغة الدولة الرسمية، وليدرسَ مواليد الكرد الحاملين لأسماء لغة القائمقام لغته في مدراس "آتاتورك" و"طوران" و"توركان". كذلك كانت عفرين الهاربة من سجلات نظام البعث الذي عرّب أسماء قراها وتلالها ومرتفعاتها المتناثرة في منطقة جبلية سمّاها العثمانيون يوماً ما بـ”كرد داغ“ أي جبل الكُرد، وبقيت التسمية سارية حتى بداية عهد الاستقلال في سوريا لتتحول إلى ”جبل الأكراد“، ولتزول بعد ذلك كلمة ”الأكراد“ مع صعود المد القومي العربي إلى السلطة إبان عهد الوحدة بين سوريا ومصر ويتحول الاسم إلى عفرين تيمناً باسم النهر والمدينة، لتكون السنوات التالية كفيلة بإزالة اسم جبل الأكراد نهائياً واعتماد اسم ”جبل حلـب“، علماً أن أقرب مرتفع جبلي عن مدينة حلب هو جبل ليلون أو سمعان الذي يفصل حلب وسهولها الشمالية عن جبل الكرد.
قد يكون الاستشراف في الكتابة أو المصادفة التي ساقت صخرة بولوت الصماء إلى منبت صخرة عفرين الصماء صادماً ومفاجئاً نظراً للتشابه الكبير في التراجيديا التي تحكم تفاصيل الجغرافيا الحاضنة للصخرتين، لكن سيناريوهات تاريخ الإنكار التركي لحق الوجود الكردي وجغرافيته تخبرنا أن لا أحد يفهم السياسة التركية كما يفهمها الكردي، وقد يكون هذا هو أحد أهم أسباب الصمود الذي تبديه عفرين اليوم في وجه الجيش التركي الذي يعتبر ثاني أكبر جيش في حلف شمال الاطلسي.
لا أحد يعلم إلى أين ستقود الحرب التركية عفرين وجبالها وزيتونها، لكن صخرة صلاح الدين بولوت تتنبأ لنا أن شجرة زيتون قد زُرعت مكان الصخرة... ”شجرةً صماء“ تمتد من كردستان الشمالية إلى أقصى غرب كردستان الغربية.
كاتب ومترجم كردي


 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net