Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

غولاي ظاظا *
تعيد هزيمة تنظيم "داعش" في سوريا والعراق بشكل متزامن، الاعتبار مجدداً للتحليلات السياسية في المجال الإعلامي لتتقلص معها تدريجياً مساحة القصص الإخبارية والتغطيات الميدانية  التي سادت المشهد الإعلامي خلال السنوات الخمس الماضية وباتت محوراً للعمل الصحافي.
النغمة السائدة في التحليلات والقراءات التي باتت تتصدر الإعلام منذ أسابيع تعتمد فكرة مشتركة تقوم على عودة "داعش" من مرحلة الدولة إلى مرحلة حرب العصابات، وتحديداً الفترة التي كان فيها تنظيم القاعدة نشطاً في العراق تحت زعامة أبو مصعب الزرقاوي، وتتلخص بأنه وبدلاً من السيطرة على مساحات جغرافية كبيرة وإدارتها يتم اللجوء إلى منع السلطة المركزية من القيام بوظائفها الأساسية، وعلى رأسها توفير الأمن للسكان، لذلك فإن خريطة التفجيرات في تلك الفترة كانت تستهدف في أغلبها أهدافاً مدنية.

هذه الفكرة ناقشها بإسهاب أيضاً كل من بنجامين بهني وباتريك جونستون في مجلة "فورين أفيرز" في 15 كانون الأول 2017، وتوصلا في ختام مقالتهما إلى أن تأسيس دولة غير طائفية في العراق ستنهي أي أمل لتنظيم "داعش" وأمثالها بالعودة مجدداً إلى المناطق ذات الغالبية السنية. لكن هذه الفرضية أو الخلاصة التي تم طرحها في "فورين بوليسي" - وهي فرضية قديمة للغاية – مبنية على فكرة ملتبسة يتم البناء عليها، وهي البنية الاجتماعية للتنظيمات المتطرفة، واعتبار هذه البنية هي أساس انتشار كل الحركات الجهادية.
تقول هذه الرؤية ببساطة إن التنظيمات المتطرفة تنمو في بيئة غير راضية عن الوضع السياسي وطرق إدارة الحكم، ومجتمعات متشنجة طائفياً بسبب تهميشها سياسياً. وكنماذج مطروحة يتم التطرق إلى سوريا والعراق في الوضع الذي كان سائداً قبيل ظهور التنظيم وكيف بدأ تغلغل الحركات المتطرفة في المجتمعات المحلية نتيجة تهميش العرب السنة.
الملاحظ أن بناء فرضيات خريطة التطرف على توفر الحاضنة الشعبية أو البيئة المناسبة سياسياً يتغافل عن عوامل أخرى أكثر أهمية ولها أسبقية في التمهيد لانتشار الحركات المتطرفة، وهي العوامل غير الاجتماعية، أي التي لا علاقة لها بالحاضنة الشعبية، ومن أبرز هذه العوامل اضطراب العلاقات بين الدول والكيانات السياسية المتجاورة. ويؤدي التقليل من أهمية هذه العوامل التي تكون عن قصد في العديد من الحالات إلى المبالغة في دور الحاضنة الشعبية أو القبول الاجتماعي للحركات المتطرفة، بل يتم التحليل على أساس أن كلمة السر تكمن في البيئة الاجتماعية بشكل يشوش دور الكيانات السياسية والدول في ظهور أو تسهيل ظهور مثل هذه الحركات، أي البيئة السياسية وليس الحاضنة الاجتماعية.
في تجارب الحركات الاحتجاجية والانقلابات، أياً كان شكلها ودوافعها، غالباً تأتي الحاضنة الاجتماعية كمحصلة طبيعية لتحقيق انتصار مفاجئ، ومثال ذلك الانقلاب على السلطان عبدالحميد الثاني عام 1909. حين كان السلطان في الحكم كانت حاضنته الاجتماعية هي الأقوى والأكثر تحكماً بمسار الرأي العام. بعد الإطاحة به ظهرت للعلن حاضنة اجتماعية واسعة للاتحاديين وتلاشت الحاضنة التي كانت مؤيدة للسلطان عبدالحميد أو باتت غير فاعلة وبعيدة عن التأثير في خريطة القوى السياسية. لا يختلف المثالان المذكوران عن أي تجربة حكم غير ديمقراطي في العالم حيث البيئة الاجتماعية تتشكل وتتسع بعد تحقيق انتصارات. أما قبل ذلك فلا يمكن أن يكون التأييد الشعبي هو العامل الحاسم في تغيير المشهد السياسي، والمثال الأوضح ما يحدث في سوريا منذ سبع سنوات. فالقبول الاجتماعي لأي قوة جديدة يكون بحكم الأمر الواقع، مثله مثل غيره من التجارب في التاريخ، بما فيها الحركات الجهادية التي بنت حاضنة اجتماعية بعد الانتصارات الميدانية. لكن بعد الهزائم لم تحظ أي حركة بالتأييد الشعبي الواسع. لذلك فإن الربط بين عدم الرضا الاجتماعي عن الحكم وبين انتشار الإرهاب لا يصلح دائماً لتفسير ما شهدته كل من سوريا والعراق، لأن الجزء المخفي والأهم يكمن في الخطة الأولى التي رسمت لإتاحة الفرصة للتطرف بالانتشار والتحكم بمساحات جغرافية واسعة، ويتم وضع هذه الخطط بصرف النظر عن رأي البيئة الاجتماعية. ولأنها مسألة حساسة للغاية ولا توجد منافذ جريئة تسمي الأشياء بمسمياتها فإن رصد ظاهرة الإرهاب غالباً ما يتم ربطها بعوامل غير أساسية أو تكون تحصيل حاصل. فأي حركة سياسية ترسخ حكمها في أي مكان بالقوة العسكرية تستطيع إيجاد بيئة موالية مهما كان التنافر قائماً في السابق.
هذا لا ينفي أن البيئة الاجتماعية المتقبلة للجهاديين ليس لها دور في جذب الحركات المتطرفة، ففي النهاية لن يتم إقامة حكم قائم على الشريعة في مجتمعات غير مسلمة، لكن السلطة السياسية في أي مكان بالعالم يمكن لها أن تضبط هذا التأييد للجهاديين في البيئة التي تحكمها، وهذا يعيدنا إلى الفرضية الأساسية: هل المجتمعات هي العامل الأول في ظهور الحركات الجهادية أم الدول والكيانات السياسية صاحبة المصلحة فيها؟
في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2017 نشر مركز أبحاث النزاعات المسلحة قائمة بالدول المصنعة للسلاح الذي كان يستخدمه تنظيم داعش بناءً على مسح ميداني لـ40 ألف قطعة سلاح، وأظهرت النتائج التي نشرتها مجلة "فوربز" أن 43.5 % من الأسلحة الموجودة لدى التنظيم من صنع صيني، وفي المرتبة الثانية السلاح المصنوع في رومانيا بنسبة 12%. هذه الأسلحة لا تتحمل مسؤولية وصولها إلى التنظيم الحاضنة الاجتماعية لداعش. وتجاهل ذلك يجعل بيئة التطرف قابلة للعمل والنشاط مجدداً، وإخفاء للأسباب الأكثر قوة في صناعة الاضطرابات عبر التنظيمات الجهادية.

صحافية كردية من سوريا
 خاص بالمركز الكردي للدراسات

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net