Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn


يتم التطرق كثيراً لمفهوم الحداثة في يومنا الراهن، حيث يكاد لا يخلو أي نقاش ثقافي- سوسيولوجي من هذا الموضوع الشائك. خاصة بعد أزمة الحداثة الأوروبية العقلانية، فالحربين العالميتين الأولى والثانية والفاشية الهتلريةالقوموية انعكست على الوسط الثقافي أيضاً كأزمة حداثوية في علم الاجتماع المعاصر. الشرق الأوسط أيضاً عانى من مفهوم الحداثة الرأسمالية كنظام مهيمن وتخبطت الأوساط الثقافية في المنطقة كثيراً بعد تشييد الدولة القومية في الشرق الأوسط وحالياً في مرحلة انهيارها. حيث كان مؤيدو الاستشراق يرون الحداثة العلمانية للمدنية الأوروبية كحلللقضايا الاجتماعية في الشرق الأوسط، أما التيار الأخر أي الإسلاموي المتطرف فكان يرفض الحداثة ظاهرياً (رفض العلمانية والتعصب الدينوي) ويطبق مشاريعها استراتيجياً متمثلاً في الفاشية الدينية وهنا تكمن المفارقة!


ما أريده من هذا البحث هو إعادة النظر في بعض المفاهيم التيأصبحت من المسلمات التي لا يجوز النقاش حولها بتاتاً. بسبب الحشو الذي مارسته دولة الأمة سنواتاً عديدة على الذاكرة الاجتماعية للمجتمع العالمي والشرق أوسطي من خلال معابدها العلمية (المدارس والجامعات) والأجهزة الإعلامية المرئية والمقروءة. فالعقول شوشت بشكل لا مثيل له بأي حقبة من حقب التاريخ. وكأن التعمية والتشويش والأقنعة أصبحت تواري الحقيقة أكثر من السابق بأضعاف مضاعفة. بحيث أصبحنا مسلوبي الإرادة والقوة. لذا من الضروري أن نقوم بنزع هذه الأقنعة والبحث عن الحقيقة في المكان الذي تم سلبه منا.
قد يكون العنوان الذي اخترته لهذا البحث (دفاعاً عن الحداثة في وجه الحداثوية) مبهماً، كون الحداثوية تنبع من الحداثة ذاتها، فيكف لنا أن ندافع عن الحداثة في وجه الحداثوية! هل الحداثة شيء إيجابي أم سلبي؟ ماذا جلبت للبشرية؟ ما هي النقاط التي يجب أن ننتقدها وأن نتجاوزها؟ هل للحداثة أوجه أخرى مختلفة؟ و....الخ هنالك الكثير من الأسئلة التي تنتظر الإجابة عنها. لكي نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة علينا نبش الأسس التي بنيت عليه هذا الاصطلاح ببعد التاريخي والعلمي.
يتم تعريف الحداثة أو العصرنة (Modernity) لغوياً بأنه عملية تحديث أو تجديد لما هو قديم وتجاوزه. وفور نطق هذه الكلمة يخطر فوراً بالبال الموضة والصناعة الثقافيةوالشكلنة العصرية. حيث أن الحداثة هي أقصى ما وصلته الإنسانية من معنى وثقافة، إنها أرقى أشكال العقلنة التاريخية، إنها أخر مرحلة من مراحل التاريخ بل إنها نهاية التاريخ بحد ذاته!إنها العصر الذي مات في الإله وسيطرت الذات الإنسانية على الكون، إنها العصر الذي وصلت فيه الصناعوية لأوجها، إنها العصر الذي أنتج فيه أرقى أشكال الفاشية البيروقراطية متمثلة في شخصية هتلر، إنها العصر الذي أوصلت البشرية والبيئة لحافة الإبادة، إنها عصر الأسلوب العلمي والبراديغما التقنية، إنها عصر القنبلة الذرية، وهنالك الكثير مما يجب أن يقال. فالحسرة والمراقبة وحدها لا تكفي. بل نحتاج للثورة والتمرد والديالكتيك.
قد يكون استخدامي لاصطلاح العصر كتحديد زمني للحداثة في غير محله، فلكل مرحلة من التاريخ حداثته الخاصة به، على كل حال سوف أتطرق لهذه المواضيع رويداً رويداً.
نتجت الحداثوية الأوروبية المركز من رحم عصر التنويرAge of Enlightenment(عصر العقل حسب إيمانويل كانت)، ووصلت لأوجها في القرن التاسع عشر والعشرين. فكان عصر النهضة الذي أبتدأ من المدن الإيطالية (فلورنسا – جنوى – البندقية) من القرن الرابع عشر انتهاءً بالقرن السادس عشر بدايةعملية العلمنة والتحديث الحاصل في المدنية الأوروبية. فحلت الذات الإنسانية في عصر النهضة الأوروبية والعقل في عصر التنوير محل إله العصور الوسطى. وبات العالم أمام عصرٍ جديد! كان كل شيء ينشأ من جديد بدأًمن الأيديولوجيا وانتهاءً بالعمران.
كانت البذرة الأولى التي نمت منها الحداثوية الأوروبية قد زرعت في عصر النهضةRenaissance. وللمدن الإيطالية النصيب الأكبر في ذلك. فالنهضة كانتالنتيجة النهائية لعمليات الاقتباس والنقل للقيم المعنوية والمادية للحضارات الشرقية القديمة ووصولها للشواطئ الإيطالية في البندقية وجنوى وفلورنسا. بفتح القسطنطينية 1453 هاجر العلماء والشعراء من القسطنطينية إلى المدن الإيطالية أخذين معهم ثقافة عمرها آلف السنين. هنا يجدر الإشارة إلى نقطة مهمة جداً هنا ألا وهي بأن لولا النهضة الإسلامية في الشرق الأوسط (ما بين القرون الثامن والثاني عشر) لما كانت النهضة الأوروبية أن تنجز. فكلنا يعلم بأن مناهج العلماء المسلمين كانت تدرس في أوروبا حتى أواخر القرن التاسع عشر. فالكتاب الطبي المسمى القانون لابن سينا كان المرجع الأساسي للأوروبيين حتى نهايات القرن التاسع عشر، وفلسفة أبن الرشد هي التي نقلت الفلسفة اليونانية لأوروبا، وهنالك الكثير من المفكرين المسلمين الذين أثرو بالحضارة الأوروبية. فما بقي في منتصفه في الشرق الأوسط تم إتمامه في أوروبا بالإصلاح الديني. فالدوغمائية الدينية في الشرق الأوسط لم تسمح للنهضة الإسلامية بأن تنضج، فكانت الضربة القاضية على يد المفكر الإسلامي إمام الغزالي من خلال مؤلفه الشهير تهافت الفلاسفة. فالفلاسفة لا يشتركون برأي واحد على موضوع أو قضية معينة، فأراءهم الكثيرة ستؤدي للكفر والزندقة في النهاية. لذلك تم قتل السهروردي صاحب مذهب الاستشراق ومقولة نور الأنوار والحلاج منصور منظر وحدة الوجود وصاحب مقولة أنا الحق. وهكذا تجهض هذه المحاولة الفكرية في الشرق لتكمل مسيرتها بالغرب.
إذاً النهضة تحققت ووصلت لأوجها في المدنية الأوروبية فكما يعبر القائد أوجلان عن ذلك في المجلد الرايع من مانيفستو الحضارة الديمقراطية بقوله: (كانت النهضةُ انطلاقةً دُنيَوِيّةً – علمانيةً بالأغلب في وجهِ سكولاستيةِ العصورِ الوسطى. بالتالي، فإيجادُ الكثيرِ من المدنِ والإماراتِ حُماةً يَصُونونها أمرٌ مفهوم. لقد كان دورُ النهضةِ في القرنِ السادسِ عشر مُعَيِّناً في التمايُزِ الحاصلِ بين الفلسفةِ والفنِّ ذوي المسارِ العلمانيّ وبين الفلسفةِ والفنِّ اللذَين يطغى عليهما الطابعُ الدينيّ. والبروتستانتيةُ باعتبارِها إصلاحاً في الدين، على علاقةٍ كثيبةٍ مع انطلاقةِ النهضة. فالنهضةُ المتحققةُ في المدنِ الإيطالية، وفي مقدمتها البندقية، كانت قد انتشرت في عمومِ أوروبا بسرعة. وما النهضةُ في جوهرِها سوى ثمرةً من ثمارِ دولتيةِ وديمقراطيةِ المدينةِ المتنامية.)
لقد كانت النهضة الأوروبية بداية لعلمنة الحياة وترشيدها. لقد بدأ حلم الأوروبيين بالتحقق بالسيطرة على الطبيعة وإعلان السيادة التامة عليها. فالخوف من الطبيعة (لكونها مليئة بأرواح شريرة) لم يعد يجدي نفعاً مع العلوم الطبيعية المتنامية لتوها. بهذه الشكلة باتت المناهج الجديد تتشكل. أصبح الإله يتخلى رويداً رويداً عن سيادته، عن ألوهيته (عن قدسيته). لقد بدأ القناع يتصدأ وينذر بأزمته في فقده للقدسية. لذا وبعد صراع طويل تخلى إله العصر الوسيط (500 – 1500 م) عن مركزه للذات الإنسانية، للنزعة الإنسانية. فالمنهج الجديد يتطلب مراكز وأطراف جديدة!
كانت بداية الترويج للذات هذه وعقلانيتها على يد ديكارت Descartes 1596 – 1650. لقد بدأ ديكارت فلسفته من الشك. فهو يبدأ من لا شيء، أي يبدأ بالشك في كل شيء حتى يصل للذات المفكرة، العاقلة والعارفة، حتى يصل لليقين المطلق، ليقول حيناها: أنا أفكر إذاً أنا موجود. هذه هي القنبلة التي فجرها ديكارت برأس إله العصور الوسطى، وكأنه أعلن موت ذلك الإله دون دراية منه. فما يميز نيتشه عنه في موضوع قتل الإله، بأن نيتشه يعي ما يقوله (موت الإله)، ولكن ديكارت لا يعي ذلك فهو يؤمن بالله في نهاية المطاف (وهذا ما كان يهدف إليه من مؤلفه تأملات فلسفية). إذاً الكوجيتوالديكارتية أعلنت عن الذات العاقلة اليقينية. فالذي يفكر هو أنا، أي الذات. وهنا بتحول هذه الأنا المفكرة لهيمنة مع مرور الزمن، تقع الواقعة. فالعقلانية التي أعلن عنها ديكارت سوف تسيطر على كل شيء بما في ذلك الإنسان أيضاً!
لم يتوانى فرانسيس بيكون Francis Bacon 1561 – 1626 للحظة عن اعتبار الطبيعة المكان الأنسب للاستغلال وممارسة العلم. فالعلم قوة، والقوة تعني السلطة والاستغلال. الجدلية البيكونية تكمن في مدى قوة السيطرة على الموضوع وجعله مروضاً عن طريق الملاحظة الإلهية والتجربة. فالموضوع هو من أجدى الأمكنة للحصول على المعرفة، بمعنى أخر أبستمولوجية بيكون تكمن في القوة والسيطرة والاستغلال. وبهذه الشاكلة تم تعبيد الطريق لظهور العلوم الوضعية باعتبارها الدين الجديد للبشرية.
كانت العلمنة والترشيد بدأت لتوها في النهضة وستكتمل في عصر الأنوار وستصبح المسلمة الجديدة للعصر. اعتبار العلمانية مجرد فصل الدين عن الدولة حسب التعريف الميكافيلي للموضوع، تعبر عن سوقية وبساطة في الفهم العميق لهذا الاصطلاح. فالعلمانية تظهر عندما تنتهي الدينوية، فالدنيوية العلمانية مضادة بشكل تام للدينوية الدينية. فكما تعتمد الدينوية على الأخرة والغيب والروح، فالعلمانية تعتمد على الدنيا والمعلوم الملاحظ والمادة. لذا يقول آلان تورين في كتابه نقد الحداثة: "تستبدل الحداثة فكرة الله بفكرة العلم، وتقتصر الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة بكل فرد." إذاً نحن لا نستطيع تقييم العلمانية على إنها فقط وفقط فصل الدين عن الدولة، بل هي فلسفة شاملة بحق الكون والطبيعة والإنسان. فمفهوم الكون الميكانيكي الذي يعمل كالساعة والطبيعة الجامدة والإنسان المفكك والممكنك كلها من تداعيات هذه الفلسفة التي فتحت الباب على مصراعيه لاستغلال الطبيعة الأولى والثانية. دعمالمستنيرون الماسونيون أيضاً هذا المفهوم، بل هم الذين طوره وجعله فلسفة مضادة للمسيحية الكاثوليكية التي أبادت الكثير من العلماء والمفكرين والنساء عن طريق محاكم تفتيشها تلك! لا أريد توسيع الموضوع كثيراً فالعلمانية لوحده يشكل موضوع دراسة بحد ذاته. ما أريده هو لفت الانتباه لبعض النقاط وتنويرها. فعندما تختلط القوموية مع العلمانية نحصل على خليط حداثوي قبيح جداً. فالثلاثية اللاهوتية للمسيحية البطرياركية (الاب – الابن – الروح القدس) تتحول مع القوموية العلمانية إلى الأمة – السوق – الوطن. وينشأ الدين الجديد والآلهة الجدد وفق ذلك!
لقد تطرقنا بإسهابٍ شديد لمثالي ديكارت وبيكون لنبش جذور العقلانية (اللاعقلية جوهراً) الحداثوية في أوروبا. فعصر النهضة الذي هدف لتحرير الإنسان من الإله والكنيسة، وقع في فخ سيطرة الذات التي ستتوسع في عصر التنوير وسيزداد صلاحيتها لتتعقلن. يمثل القرن السابع عشر أوج النهضة وبداية الطريق نحو التنوير الذي سنتكلم عنه الآن.
يمثل عصر الأنوار Age of Enlightenment(القرن الثامن عشر) في أوروبا تاريخياً مرحلة جديدة للبشرية بشكل عام وللمدنية الأوروبيةبشكل خاص، كونه ولأول مرة بالتاريخ ستتحول المدنية الأوروبية إلى هيمنة عالمية في غضون فترة وجيزة.إنها فترة نضوج المدنية الأوروبية. فالمراهق بدأ يكبر وينضج ويصبح مهيمناً. قد يكون تشبيهي فظ وبطرياركي نوعاً ما، ولكن هذا ما حدث فعلاً. الأنوار تعني ببساطة تجاوز ظلام العصور الوسطى، وتشغيل الأنوار. فالنور تاريخياً كان دائماً مضاداً للظلام. لذا حكم على بروميثيوس العذاب الأبدي من قِبَل زيوس كونه سرق النار (النور) وأعطاه للإنسان. إذاً عصر الأنوار هو عصر تبديد الظلام والتخلص من الأسطورة والدين. فالميتافيزيقيا الفظة لم تعد تجدي، العلم والتجربة والسيطرة باتت تعلمنا كل شيء. يقول أوشو بأنه يكره المعرفة والعلم كونها ستجعل الحياة مملة وستقتل الدهشة، ولن يبقى ما هو مقدس! هذا ما كانت تهدف إليه الأنوار، المعرفة المطلقة وتبديد الخوف والتخلص من الدهشة.
يصف إيمانويل كانت Immanuel Kant 1724 -1804 التنوير كما يلي: (التنوير هو تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه. الوصاية هي عدم قدرة الفرد على استخدام فهمه الخاص دون توجيه من الآخر. ليس القصور العقلي سبباً في جلب الوصاية، بل السبب انعدام الإقدام والشجاعة على استخدامه [أي العقل] دون توجيه من الآخر. تشجّع لتعلم! [Sapereaude!] “فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك الخاص!” — هذا هو شعار التنوير). يدعو كانت ببساطة إلى الشجاعة، الشجاعة في استخدام العقل (العقل المحض السابق عن كل تجربة حسية). فالضمور الذي سببته الكنيسة للعقل، هو السبب الرئيسي في عيش البشر في الظلام. فالتنوير ببساطة يعني إيقاظ العقل من السبات الطويل الذي مورس عليه طيلة العصور السابقة.الكنيسة كانت تمارس سلطتها بقدر جعلها العقل دون فائدة ومحبوس ضمن القفص، أي عصر التنوير هو عصر تحرر العقل من القفص الفولاذي الذي تم وضعه فيه من قبل المجتمع والدولة التقليدية. هذا العقل المتحرر لتوه كان يهدف بكل تأكيد لتحرير الإنسان من الوصاية التي جلبها لنفسه على حد تعبير كانت. أي تحرير الإنسان من الأساطير والخرافات وما شابه في شرحه للكوسموس ولذاته. ولكن المفارقة بدأت من هنا، فهذا العقل الذي كان يهدف لكسر شوكة الأسطورة، تحول بحد ذاته لأسطورة! العقل أسطورة عصر التنوير! هذه الأسطورة التي بدأت تتحول لأداة للسيطرة والسيادة، أصبحت هي السيد أو الإله الجديد. لذا تحولت الطبيعة إلى الميدان الأول لهذا العقل التقني لكي يمارس عليها أدواته ويجربها. فالخوف الكامن من الطبيعة أصبح يتلاشى رويداً رويداً بالسيطرة عليها. وهنا تكمن الفاجعة! هذه السيطرة جلبت شيئاً أخر لم يكن بالبال والخاطر، ألا وهو السيطرة على الإنسان نفسه أيضاً. فالوضعية الحتمية حولت الإنسان لمجرد شيء بيد هذا العقل الذي لا يعرف شيئاً سوى الجشع! فالتشيؤ والاغتراب بدى ظاهراً على الإنسان الحديث لكونه أصبح أسيراً لهذه العقلانية الأداتية!
عصر التنوير هو العصر الذي أصبحت فيه العقلانية الأوروبية مكتملة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فالحتمية التاريخية، والأسلوبالعلموي، العقلانية الأداتية، البيروقراطية والعلمانية المفرطة أصبحت سمة الحداثة المنتشية لتوها بتحولها لمهيمن عالمي. أنتجت الأنوار الفلسفة الألمانية والاشتراكية الوضعية الفرنسية والاقتصاد السياسي الإنكليزي (آدم سميث الليبرالي). وأصبحت هذه المدارس الكنائس الجديدة المروجة لحداثة دولها القوموية ودينها القوموي.
يمثل هيجلHegel(1770 – 1830) أوج الفلسفة الألمانية الغربية. أنه أفلاطون عصره، إنه المنظر الأول للحداثة من دون منازع! بمعنى أخر إنه الكاهن الأعلى الذي تمثل كتبه إنجيلاً مقدساً بالنسبة للدولة القومية (التي تمثل أخر محطة للديالكتيك الهيجلي). لن نبالغ كثيراً إن وصفنا هيجل بهذه الشاكلة، فبحق إنه من أعظم الفلاسفة في التاريخ البشري. لست هيغيلياً، لكني أعي ما فعله بعصره، أعي بأنه الممثل الأقوى لفلسفة الأنوار العقلانية. لا أريد أن أصف هذا الشخص بشكل أدبي منمق، بل أحاول أن أفهمه، أحاول أن أفهم الظروف التي أنتجته، فالفيلسوف أو المفكر ما هو إلا نتاج للزمكان والوجود الاجتماعي والدولتي بآن معاً. فإما يروج للدولة والسلطة المهيمنة (شعراء البلاط) أو يدافع عن العالم الباقي خارج حدود الدولة، أقصد المجتمع وكينوناته المعنوية والمادية. هيجل أيضاً كان نتاجاً لعصر التنوير، عصر إعمال العقل، عصر سيادة العقل إن صح التعبير، عصر التخلص من الأسطورة والخرافة والميتافيزيقيا، عصر الاستسلام للعقل وجعله سيد العالم الجديد! أي عصر العقلانية الأداتية كما ينعته هوركهايمر وممثلي مدرسة فراكفورت النقدية التي سأتطرق لها لاحقاً. إذاً هيجل ظهر في خضم التحول الفلسفي لأوروبا. في عصر الحداثة بمعنى من المعاني.
يبدأ هيجل كل شيء من الروح. الروح هي الأساس، الفكرة هي الأساس، العقل هو الأساس، وكأنه متأثر بالميثولوجيات البابلية القديمة عندما كانوا يقولون بأنه بالبداية كانت الكلمة ومن ثم ظهر كل شيء من تلك الكلمة! إذا هيجل مثالي كونه يعتبر الفكرة أي الذات هي الأساس، لكنه ليس أفلاطونياً (أي مثالياً مفرطاً) بل أنه مثالي واقعي يؤمن بالديالكتيك وهنا تكمن عظمته! يرى هيجل بأن التاريخ عبارة عن مسيرة الروح في إدراك ذاتها، وجعلها واقعية أي وصولها للمطلق. طبعاً لكي تتحول هذه الروح لواقع عملي وجودي، عليها أن تخضع لعملية الصيرورة أي الديالكتيك. فكل شيء يحمل بذور فنائه في ذاته، وهنا تكمن لب الفلسفة الديالكتيكية عند هيجل الألماني. كما قلنا سابقاً يتعامل هيجل مع التاريخ على أنه مسيرة العقل أو الروح، وهذا العقل ببساطة هو سيد التاريخ وراعيها! وبهذه الشاكلة يتقدم التاريخ تقدماً ما بعده تقدم وصولاً لأعلى درجات تحقق الوعي والحرية أي الدولة! يعرّف هيجل الحرية بأنها ماهية العقل والروح أما المادة فالثقل هو مركزها وماهيتها، لذا التقدم والتحول من الذات صوب الموضوع يعني تحقق الوعي والحرية ولا شيء غير ذلك. هذه هي الحياة، إنها مجرد تقدم نحو الحرية والوعي المطلق!
فكرة التقدم هذه التي تمثل عصب النظرة الفلسفيةالهيجيلية للتاريخ، هي بالفعل ضرب من ضروب الترويج للوحش الخارج لتوه من القفص! هيجل يرى بأن المجتمعات الشرقية غير حرة كونها لم تتحقق الروح فيها بالمعنى الكامل، كونهم مازالوا مرتبطين بالطبيعة بشكل عضوي، ولم يحققوا سيطرتهم وسطوتهم بعد. أي أنهم مازالوا بدائيين وصغار بل وبرابرة كونهم يعتمدون على الخرافة والأساطير، وليس لديهم العقل بما يكفي أو فلنكن دقيقين لم تتحقق الحرية التي تعتبر ماهية العقل بعد في مجتمعاتهم. أما اليونانيين فهم فترة المراهقة والشبوبية بالنسبة لهيجل. إن اليونانيين أحرار كونهم يدركون بأنهم هم فقط وفقط أحرار، لذا العقل أو الروح وصلت لمرحلة لا بأس بها عندهم. أما الحرية بالمعنى الإنساني العام، أي سيادة العقل التامة فلقد وصلت لأرقى مراحلها مع الأمم الجرمانية. الأمم الجرمانية هي الأمم التي وصل فيه العقل لماهيته وتم الإدراك بأن البشرية حرة وعاقلة! هذه النطرة المركزية والأحادية لهيجل ستؤسس أو ستصبح القوت الأساسي للعلوم الاجتماعية الأوروبية المركز، وهكذا ستحاط المدنية الأوروبية بهالة من القدسية كانت تحلم بها طوال تاريخها منذ الحملات الصليبية على الشرق.
يواصل هيجل مسيرة العقل هذا ويوصله ديالكتيكياً إلى الدولة كونها أعلى الدرجات التي تتحقق فيها الحرية والمساواة والديمقراطية. نعم الروح أصبحت مطلقة بعد الآن! وتدرك هذه الروح ذاتها وتعود لذاتها عن طريق الدين – الفلسفة – الفن. لذا يثمن هيجل الدين، الفلسفة والفن. يعجب هيجل بنابليون بونابارت ويرى بأن الدولة القومية ما هي إلا إله يمشي على الأرض متجسداً بشخصية البطل الأسطوري نابليون! بل وأبعد من ذلك سينعت فوكوياما هذه اللحظات التي تدفع للارتباك والجنون بنهاية الإنسان والتاريخ! يا لها من سفسطة!
إذاً الحداثة الأوروبية تمثل أرقى ما توصلت إليه الذات المطلقة تلك وبدأت بإدراك ذاتها. إذن الحداثة بمعنى أخر الحداثوية الأوروبية باتت السيد والرب والإله، وبات كل شيء ينذر من أجلها. وهكذا ستتحول هذه العقلانية الأداتية أو التقنية (التي ينتقدها هايدغر كثيراً ويعتبرها ميتافيزيقيا تتجاوز الإنسان والطبيعة) إلى أنظمة شمولية لن ينساها التاريخ. فالنازية الهتلرية والفاشية الموسولينية والشمولية الستالينية ما هي إلا نتيجة نهائية لهذه الحداثة العلمانية القوموية، بمعنى أخر إنها الروح المطلقة!
   إذاً الهيجيلية تمثل ذروة الحداثة التقدمية الأوروبية. سيظهر بعد هيجل تيارات هيجيلية يمينية وضعية محافظة ويسارية ثورية كالماركسية مثلاً. لكي نستمر في فهمنا لهذه الحداثة فلا بد من التطرق إلى ماركس أيضاً، الذي أراد أن يكّون حداثته الخاصة به!
كارل ماركسKarl Marx 1818 -1883 أيضاً كان أبناً مطيعاً لهذه الحداثة التي أدعى أنه ينتقدها كثيراً. ما سأقوله أخيراً، سأقوله بدايةً الماركسية أيضاً نظام شمولي (تتطرق آرندت لستالين كمثال على الشمولية الماركسية في مؤلفها الرائع أسس التوتاليتارية) بل ورأسمالي أيضاً (رأسمالية الدولة) مهما ادعت غير ذلك. إنها (الماركسية) أيضاً نتاج للمصنع العقلي الحداثوية للمدنية الأوروبية المركزية. لم يتطرق ماركس كثيراً لمصطلح الحداثة بالمعنى العام للكلمة ولكنه لم يرفضها أيضاً. فهو يحب الحداثة ويكره الرأسمالية التي هي ركن أساسي من أركان الحداثوية الأوروبية. يا لها من مفارقة عجيبة تظهر من مفكر وحد عمال العالم أجمع ودعا لهدم الرأسمالية والمجتمع القديم معه، ودعا لبناء ديكتاتورية البروليتارية! التفسير الماركسي الفظ للمجتمع والتاريخ أي الحتمية الديالكتيكية المادية التاريخية، هو الذي جعله أعمى بشأن الحداثة. أنا أعي بأن الماركسية مدرسة عظيمة في التاريخ البشري المعاصر وله إنجازاته التي لا تعد ولا تحصى. ولكن يجب المعرفة جيداً بأن الفكرة التقدمية الحتمية اللانهائية لماركس جعلته يقع بفخ الحداثة، فهو كان معجباً الثورة الصناعية الدولة القومية، ولكن المشكلة كانت تكمن بأنها بيد البرجوازية، فكل ما يجب عمله هو أخذه منها وإعطاؤهاللبروليتاريا وهكذا ستحل المشكلة، نقطة انتهى! لست هنا بصدد تقييم الفكر الماركسي أو انتقاده، كل ما أريده هو أن ألفت انتباهكم للنقطة التالية التي تقول بأن الماركسية أيضاً حداثوية وطفل مجهض لهذه الحداثوية!
يتطرق ماركس وصديقه أنجلز إلى العصر الرأسمالي على إنه عصر راقي متجاوز لقبله. فالعلمانية والمدنية والحقوق ظهرت مع هذا العصر. طبعاً بالإضافة إلى القانون الاستغلالي الجديد أي فائض القيمة. وتحت تأثير الأنوار يعّرف ماركس البرجوازيين بالثوريين كونهم تجاوزا نظام العصر الوسيط الإقطاعي على حد تعبيره. وهنا تكمن لب النظرة الماركسية للحداثة كونها مرحلة راقية ومتقدمة وثورية أيضاً. صراحة إنها من أكثر الشروحات الساذجة التي قرأتها فيما يتعلق بموضوع الحداثة. بإسهاب شديد الماركسية وبكل ما دعت له من ضرورة بناء حداثة بروليتاريا الرأسمالية (رأسمالية الدولة والعقلانية الصناعوية والبيروقراطية الاشتراكية النقابية)، لم تتخلص من كونها من أكثر المدارس المروجة للحداثة تحت مسمى مناهضتها.  
   ماكس فيبرMax Weber 1864 -1920أيضاً متأثر بالماركسية. بل هو ماركسي بمعنى من المعاني. لأنه أيضاً لم يستطع التخلص من الاختزالية الاقتصادية في دراسة علم الاجتماع. ولكنه يختلف بالكثير من النقاط أيضاً عن ماركس التي سآتي على ذكرها باختصار. فهي تتنافر مع الأطروحة الماركسية من جهة وتتفق معها من جهة أخرى. فماركس ثوري وفيبر رأسمالي! أهم ما يميز فيبر عن ماركس دراسته التحول من المجتمع الإقطاعي صوب المجتمع الرأسمالي ارتباطاً بالهشاشة الدينية. فما جعله ماركس مهمشاً أي العناصر الثقافية – المعنوية – الدينية واعتبره مجرد انعكاس فظ للبنية التحتية، يتحول عند فيبر إلى عناصر مهمة في التحول نحو الرأسمالية.
يتطرق فيبر في كتابه الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية إلى كيفية ظهور الرأسمالية تماشياً مع البروتستانتية وفلسفتها المادية. خاصة البروتستانتية الكالفينية. فما طرحته من أفكار من قبيل تقديس العمل وربح المال وربطه بالحصول على الأجر في الآخرة، ضف إلى ذلك تركت الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الفائدة. بهذه الشاكلة أصبحت الكالفينية المرجع التصوري لتطور وعي الرأسمالية. ويتحرر الوحش اللويثان من قفصه الحديدي، ويوضع المجتمع ضمن هذا القفص.
  بالإضافة لكثير من العناصر التي ميزت الحداثة الأوروبية مثل الأسلوب العلمي في البحث عن أسرار الكون والطبيعة، يضيف فيبر عنصري العقلنة والبيروقراطية اللتان تعتبران من أهم سمات الحداثة الأوروبية.آلان تورين أيضاً يعتبر العقلانية والمعرفة التقنية العلمية من أهم سمات الحداثة. هو ناقد فرنسي لا بأس به للحداثة. تحليل فيبر للحداثة عميق ويستحق الاحترام. بالأصل كل التيارات الحداثوية والناقدة للحداثة تستقي من فيبر نظرتها للحداثة.
   سوف أتطرق بشكل مقتضب لمفكر مهم وأحد أعلام الحداثة المعولمة المعاصرة. وبعدها سأحاول أن أعرض بعد المناهج النقدية ونظرياتها. فالقرن العشرين سيصبح البداية التي سيعي العالم فيها بأن الحداثوية الرأسمالية باتت بلاءً مسلطاً على الجسد الاجتماعي ويجب التخلص منه.
لم أكن أعلم من هو زيجمونتبومانZygmunt Bauman 1925 -2017. ولكن من مطالعتي لإحدى لقاءات ريبر أوجلان مع محاميه التقيت باسم هذا السيوسيولوجي البولندي اليهودي بالصدفة. بدأت بالبحث عنه وقرأت مؤلفه الرائع عن الإبادة اليهودية المعنون تحت أسم "الحداثة والهولوكوست". وأدركت حينها إني أمام عالم اجتماع معاصر، وأحد أهم أقطاب علم الاجتماع الأوروبي المركز. لا أنكر بأن بومان من أهم علماء الاجتماع في عصرنا الراهن. ولا أنكر بأن تحليله للحداثة وما بعد الحداثة كان رائعاً. ولكن أظن بأنه يفتقد للجوهر الثوري والتحليل الاجتماعي التاريخي للقضايا الاجتماعية. فبالنهاية هو الأبن البار للحداثة بشقيها الصلب والسائل التي ينتقدها بشدة!
يتعامل بومان مع اصطلاحي الحداثة وما بعدا الحداثة بأسلوب مختلف قليلاً عن مما ألفناه من مفكري التنوير. فالحداثة التي كانت تهدف للقضاء على القديم، على الأسطورة والخرافة، على الدين والميتافيزيقيا، على القداسة بمعنى أخر، تحولت بحد ذاتها إلى مسيطر أو بعبارة أدق إلى أسطورة. ولكن لا القديم تلاشى ولا الحديث تخلص من القديم وحتى الحديث لم يبقى صلباً كما كان بل تفكك وتعرض للسيولة والميوعة كما يتفضل بومان. إذاً هو يرفض تسمية عصر العولمة بما بعد الحداثة، بل هي مجرد حداثة مفككة وسائلة. أي أن علاقات الإنتاج السابقة تحولت مع الحداثة السائلة لعلاقات الاستهلاك! بمعنى أخر تصبح الحداثة مقسمة لقسمين حسب تاريخ تطور المجتمعات الغربية إلى حداثة عقلانية صلبة التي كانت نتاج عصر التنوير في القرن الثامن عشر وحداثة سائلة دعت لنزعة الاستهلاك والعدمية التي بدأت بالتبلور بعد الحرب العالمية الثانية حسب بومان. أي إنه يحول إشكالية عصر الحداثة وما بعد الحداثة للشكل الصلب والسائل. إذاً بدأنا نتعامل مع الحداثة بمنظور فيزيائي أي كجسم صلب، أي كقانون صلب، كحقيقة أو ظاهرة وضعية علمية! هذه هي الحداثة، صلبنة الوقائع الاجتماعية ووضعها ضمن القوالب المناسبة. بومان يتعامل مع الحداثة كتعامل فيبر معه. فهو أيضاً يرى العقلانية الصلبة والأسلوب العلمي والبيروقراطية من أركان هذه الدين الجديد للبشرية! فللحداثةثيولوجيتها الخاصة بها أيضاً، لها إلهها (الدولة القومية) ولها دينها (القوموية) ولها مبشريها (علماء الاجتماع الوضعيين). إنها من أقوى الأديان والوثنيات في التاريخ! لنعد إلى زيجمونتبومانفهو كما قلت سابقاً يعترف بأن الإبادة العرقية لليهود على يد النازية كانت نتيجة حتمية للعقلانية والبيروقراطية الأوروبية! إنها الحداثة التي خلقوها بأنفسهم قد أبادتهم. فهتلر بمعنى من المعاني كان نتاجاً حتمياً للقوموية اليهودية. والمفارقة تكمن كما يعبر عنها أوجلان بأن تباد بيد ما كنت سبباً في وجوده!
أدولف هتلر (التلميذ الثاني لأتاتورك بعد موسوليني) تعامل مع اليهود بشكل علمي جداً. أي أنه أبادهم بمنظور علموي ووضعي. فهو كان يرى بأن الآرية تمثل أرقى وأنقى عرق بالتاريخ واليهود ما هم سوى كومة مكدسة من الظواهر التي يجب التخلص منها. كان هتلر يعاقب مناصريه المتشددين الذين يقتلون اليهود بشكل عشوائي. فهو كان مع الإبادة بشكل عقلاني وممنهج وبيروقراطي. لذلك خلق مصانع خاصة لهذا الغرض. فمعسكرات الإبادة ما هي إلا مصانع موادها الخام هو الإنسان ونتاجها هو الموت. نعم كل شيء كان يكمم ويقاس ويتم حسابه بشكل علمي جداً. الجريمة كانت ترتكب بغض النظر عن الضمير الإنساني والأخلاق المجتمعية، فالموظف كان ينفذ ما يقال له بكل تفاهة (تفاهة الشر عند حنة آرندت) بل ويتفانى في عمله (القتل والحرق والتعذيب والتجويع.... الخ). لذا ما حدث لم تكن حادثة بحق اليهود فقط على حد تعبير بومان بل هي إبادة جماعية للإنسانية والأخلاق والسياسة أيضاً، إنها لحظة إفلاس الحداثة الغربية! إنها مهزلة، فقط مهزلة بحق الآلهة!
   باختصار يستنتج بومان من الهولوكوست بأن الحداثة البيروقراطية هذه ما هي إلا وحش متنكر بألف قناع وقناع. إنها منظومة نفي الأخر. إنها المنظومة التي أصبح أكل البشر للحوم بعضهم بعضاً مباحاً. إنها نتاج لمعمل عصر الأنوار (عصر إعمال العقل). باختصار إنها اللحظة التي ماتت فيها كل القيم الإنسانية تحت مسمى التقدم التقني والعقلاني! ولكن مع ذلك لم يستطع بومان الخروج من دوامة الحداثة بشقيها الصلب والسائل، بل بقي أسيراً لها وتحت نيرها! فهو ليس ديالكتيكياً، أي إنه ليس ثورياً.
بعض المناهج الناقدة للحداثة:
سأتكلم فقط عن منهجين ناقدين للحداثة. فالمنهج النيتشوي يعتبر الأم لكل المناهج الأخرى. أما مدرسة فرانكفورت النقدية فهي من أهم المدارس عمقاً في نقد الحداثة وتجاوزها. أخترت هذين المنهجين من بين الكثير من المناهج، كون كل المناهج الأخرى تستقي أسلوبها من هذين المنهجين الأساسيين. طبعاً هنا يجب الإشارة إلى إنه أول من شخّص خطر الحداثة والمدنية هو الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو J.J.Rousseau 1712 -1778. حيث يهاجم روسو كثيراً التقدم العلمي والحداثوي ويعتبره السبب الرئيسي في تعاسة الإنسان. لذا يقوم بطرح العقد الاجتماع كحد أدنى من الوفاق بين الدولة والمجتمع.
سأنهي بحثي بفلسفة ريبرآبو (فلسفة العصرانية الديمقراطية). وسأدافع عن الحداثة في وجه الحداثوية المتزمتة. فأنا أنتمي للمدرسة الأوجالانية التي تحول الحداثة الرأسمالية إلى ديمقراطية ديالكتيكياَ.  
يعتبر نيتشهFriedrich Nietzsche 1844 -1900من أكثر نقاد الحداثة عمقاً، وهو أول من نعتَ هذه الحداثة بالفظة والصنمية. هو أبو كل المدارس النقدية التي أتت فيما بعد. إنه سقراط عصره. فكما سقراط كان الفيلسوف الأول الذي أنزل الفلسفة من السماء نحو الأرض (بدأ بممارسة الفلسفة لحل القضايا الأخلاقية والاجتماعية) وانبثقت من فلسفته الأفلاطونية والأرسطية والرواقية والكلبية والمتعية والأبيقورية...الخ، فنيتشه أيضاً يمثل الأم التي ولدت منها كافة التيارات الناقدة للحداثة.
هذه الحداثة هي التي أخصت الإنسان وجعلته مستأنثاًومتنملاً (متحول إلى نمل)!هنالك الكثير ممن يعتبرون نيتشهوجودي ملحد، لكونه أعلن موت الإله! ولكني أفضل نعته بمحطم أصنام الحداثوية. فهو بكسره هذه الأصنام وإسدال الستار عنها جعل الحداثة عارية ومفضوحة! نيتشه محاولة، محاولة الهرب من سعي الحداثوية الوضعية الميتافيزيقية، إنه كالكناري المحبوس في قفص الحداثة، ويحاول ما بوسعه للتحرر من هذا القفص، لكنه يعلم جيداً بأن هذا القفص الحديدي لا يحطم بسهولة ولكنه لا يستسلم! عندما لا يستطيع وضع الحلول المناسبة وبسبب غطرسته وتعجرفه الزائد يفقد عقله! أو فلنقل يفضّل اللاشيء (العدمية) على الحياة العقلانية الصلبة للحداثة. طبعاً لا أنكر بأن الشاعرة الروسية لوسالوميهلها دور في جنونه (كونه أستسلم لتناقضاته مع امرأة الحداثة) ولكن نيتشه كان يدعو للتقيؤ مما عبأته الحداثة في معدتنا. ولكنه للأسف تقيأ وأبقى معدته فارغاً فلم يستطع الاستمرار بالعيش ومات متأثراً بذلك!
يبدأ نيتشه فلسفته من لا شيء، من العدم، من رفض كل شيء. فهو يقر بعداءه للأخلاق المسيحية باعتبارها ميتافيزيقيا سيئة وأخلاق عبودية. يرى نيتشه بأن المسيحية لم تدافع عن الفقراء والمحتاجين ضد أباطرة الرومان والهرمية اليهودية من أجل تحررهم، بل كانت تريد كسبهم ودعمهم من أجل مشروعها الهادف للهيمنة. فالمسيحية تدعو للرحمة والتضحية والعطف وبهذه الشاكلة تتمأسس أخلاق العبيد ويتم فقدان إرادة القوة. إن الاخلاق المسيحية مليئة بخداع النفس فالزهد والتقشف والرحمة والشفقة ما هي إلا انانية مستترة فنحن نشفق على الغير لخوفنا من ان يصيبنا ما اصابهم. ونزور المريض لنراه في ضعفه ونتشفى منه وهكذا فالهدف الأخير للممارسات الأخلاقية للمسيحية هو إرضاء الأنا الدفينة، وحبس القوة. لذا كان نيتشه يفضل الإله ديونيسوس على أبولون، والنبي زرادشت على المسيح كون زرادشت عانى مثل نيتشه من أصنام وآلهة عهده. ولن تتحقق إرادة القوة إلا بالتحرر من القيم والعقل.
إذاً يفضّل نيتشهاللاأخلاق على الأخلاق المسيحية. عدمية الأخلاق عند نيتشه مذهب مهم في علم الأخلاقيات. يقول نيتشه الفلسفة الحديثة حوّلت العقل إلى طاغية يدّعي معرفة كلّ شيء والإحاطة بكل ّشيء. والواقع أنّ العقل هو سلاح الضعفاء للبقاء «أي إنّه الوسيلة التي يبقى بها الأفراد الأقلّ صلابة والأكثر ضعفاً، إذ هم غير قادرين على خوض معركة من أجل الوجود سلاحهم فيها قرون وأنياب كأنياب الضواري». أمّا الحقيقة التي ينشدها هذا العقل فهي، في نظر نيتشه، مجرّد «عجوز تثير القشعريرة» و«امرأة مسنّة» عمرها عمر الفلسفة التي ما فتئت تدّعي البحث عنها.فالحداثة تقوم على أساس إضفاء صفة المطلق على هيأتها الحاضرة، بما هي انقطاع جذري عن الأصل، وبما هي انغراس كلّي في الحاضر. وبهذه الشاكلة أصبح الإنسان حبيس اللحظة! إذاً نيتشه يرى الحداثة ودينها العلمانية بأنها ما هي إلا ميتافيزيقية سيئة تخصي البشر وتحولهم لأغبياء واهمين بالعقل والعلم!
يجب الإشادة بدور نيتشه كونه بكل صراحة حطم أصنام الحداثة وأعلن موت الإله ودعا للإنسان المتفوق وإرادة القوة. ولكن كل ذلك لا يكفي للتحرر من هذا الوحش، فالعدمية لا تعني سوى الاستسلام المشين! والآن لنتطرق إلى أهم مدرسة ناقدة في علم الاجتماع الحديث. مدرسة فرانكفورت.
تعتبر مدرسة فرانكفورت من أعمق المدارس وأكثرها شهرة في نقد الحداثة الرأسمالية في أوروبا. بل أستطيع القول بأنها اسدلت الستار عن الوجه الوحشي أو بعبارة أدق الفاشي للحداثة الأوروبية. حقاً عندما أقرأ لرواد هذه المدرسة الكبيرة أشعر بالأسف أحياناً كونهم شخّصوا المرض بشكل صحيح ولكنهم تخبطوا وتناحروا ولم يجدوا العلاج المناسب لتجاوز سرطان الحداثة الرأسمالية الفاشي. لكم هو شعور محزنٌ وباعث على الاستسلام المشين!
ظهرت مدرسة فرانكفورت الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى في معمان الفوضى الفكرية في أوروبا. فالوضعية والأداتية لم تنتج شيئاً سوى الدمار والحرب المهول. حيث بات التحرر والنقد الفلسفي مصطلحات عفي عليها الزمن، فالحداثة كانت المطاف الأخير الذي وصلته البشرية حسب التنويريين! لذا بادر العديد من النشطاء الثوريين بإحياء روح التحرر وتحليل أزمة الحداثة الأوروبية المحور. يعتبر العام 1923 بالضبط مرحلة التأسيس، حيث كان يترأس المدرسة فعلياً ماكس هوركهايمر الذي معه يبدأ الجيل الأول من المدرسة. ومع استيلاء النازية على الحكم عام 1933 أغلق معهد البحوث الاجتماعية هذا أبوابه وفر معظم أعضاءه الذين كانوا يهوديين الأصل إلى بعض العواصم الأوروبية كجنيف وباريس ولندن. ثم وفي عام 1934 نقل المعهد إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ومن ثم بعد الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا تستمر المدرسة بتحليل الحداثة ونتائجها الكارثية على البشرية قاطبة. فالعقلانية الأداتية، التشيؤ والاغتراب، صناعة الثقافة والتقنوعلموية العصر التكنولوجي، كل هذا وجّه المدرسة نحو الدراسة النقدية للمجتمع الغربي الصناعي.
يمثل ماكس هوركهايمرMax Horkheimer 1895 -1973 وثيودور أدورنوTheodor Adorno 1903 -1969وهربرتماركيوزHerbert Marcuse 1898 -1979 من ممثلين الجيل الأول للمدرسة. ويعتبرون من أبرز نقاد العصر الحديث. يحاول الجيل الأول فهم نقاط عطب الماركسية التي كانت تهدف لتحرير الإنسانية من نير الرأسمالية الوحشية وإزالة الطبقات. ولكنهم بالإضافة لتأثرهم بماركس يحاولون تجاوز الأطروحات الماركسية التي أصبحت مبتزلة بعض الشيء! كونها هي أيضاً أي الماركسية ولدت من رحم عصر التنوير الذي جلب الحداثة والعقلانية والحرية! يعتمد هؤلاء المفكرين بالأغلب على المصادر الكانطية، الهيجلية، الماركسية والفرويدية من أجل فهم صحيح لأزمة المجتمع الغربي. طبعاً هنا يجب الإشارة إلى تأثير الوجودية أيضاً، كونها ضد المنهج الوضعي في شرح الحقيقة. يتأثر هوركهايمروأدورنو بأطروحات مارتن هايدغر فيما يخص موضوع العقلانية التقنية. حيث ينتقد مارتن هايدغر هذه العقلانية التقنية التي جلبت الويلات للبشرية. فالقنبلة الذرية والهيدروجينية والسيطرة التكنولوجية على البشرية، هو من النتائج الحاسمة التي جلبته معها هذه العقلانية. ينظر هايدغر إلى التقنية أبعد من كونها أدوات سيطرة أو ما شابه، بل يتجاوز ذلك ليعرف التقنية بمنهجيته الوجودية على إنها ميتافيزيقيا تعتمد على علاقة الإنسان التقنية بالوجود. فديكارت كما أسلفنا سابقاً جعل الذات العاقلة سيدة الوجود، بل إلهها الوحيد على غرار الأديان التوحيدية البادئة من الإله المصري آمون، فهو أي آمون أبو الموحدين.
يرى مارتن هايدغرMartin Heidegger 1889 -1976 أن التقنية ليست أداة في متناول الإنسان المعاصر، بل أصبحت التقنية نفسها تستحوذ وتسيطر عليه، ولم يعد الإنسان قادراً من الانفلات من حتميتها وضرورتها بل أكثر من ذلك سببت له التيه وعدم الاستقرار وأخذت تظهر له وكأنها شيئاً مستقلاً عنه، واعتبرته مجرد دمية بين مخالب الآلات والأجهزة التي تستعبده، بل إن التقنية قد حولت الإنسان إلى مجرد موظف للتقنية! يتناول كل من هوركهايمروأدورنو الموضوع من منظورٍ أشمل وأوسع نطاقاً. فمنذ عصر الأنوار تحولت التقنية من كونها مجرد أداة لتسهيل الحياة اليومية إلى مركز المعرفة العلمية الغربية. حيث تُحرر عصر الأنوار التقنية من الرقابة الأخلاقية والسياسية للمجتمع وتحولها إلى أداة بيد أجهزة تراكم الرأسمال والسلطة. فليس للتطور التقني أي غاية في ذاتها سوى التقدم إلى ما لانهاية. وهذا ما أدى بالنهاية للكوارث الإنسانية – الطبيعية كالتلوث والحروب النووية والبيولوجية.... الخ. لذا يسمي ممثلوا مدرسة فرانكفورت هذه العقلانية بالأداتية التي تمثل عصب الحداثة الأوروبية وشريانها النابض.
ينتقد هوركهايمروأدورنو في كتابهما "جدل التنوير" الذي كتب بالتشارك بينهما، التنوير ومفهومه التقدمي الحداثوي. فهما يعبران عن التنوير بمثابة لحظة تأسيسية للحداثة الغربية. أدركا بأن الحرية والتقدم والعقلانية التي كان ينادي بها فلاسفة عصر التنوير من أمثال كانت وهيجل ولوك ومونتيسكيو وغيرهم لم يجلب معه سوى المآسي والتراجيديا للمجتمعات الغربية. فصعود الأنظمة الشوفينية الشمولية ليست سوى دليل صارخ على إفلاس هذا المشروع التقدمي. لذا هما يرجعان الموضوع إلى إشكالية العقل التنويري الذي هدف إلى التخلص من الأسطورة والخرافة وتحوله بحد ذاته إلى أسطورة وخرافة! إذاً الحداثة الأوروبية وجيشها التقنوعلموي كان يهدف من مشروعه العلمي – العقلاني – الرياضي الكمي إلى السيطرة والهيمنة فقط وبهذه الشاكلة غدت هذه الحداثة عالمية في غضون فترة وجيزة. العقلانية الوضعية شيئت الإنسان وفرضت عليه الاغتراب والاستلاب بدرجة عالية لم يفعلها أي نظام مدنية سابقاً. حيث وصل الاستغلال والسلطة إلى أوجها مع الحداثة الأوروبية.
لا يتعدى أدورنو الحداثة ولا يطرح البديل المناسب له، وهذا ما عبر عنه شبيبة 68 من سخط وانزعاج من أدورنو. فهو يطرح الفن كبديل لتجاوز الواقع. حيث أن علاقة الفن بالواقع ليست مباشرة، بمعنى أخر الفن ليس انعكاس فظ للواقع. طبعاً منذ القدم وموضوع الفن يعتبر من المواضيع الأساسية في الفلسفة. خاصة بالعصر الحديث. لم يكن أفلاطون يعير الفن مكانته وقيمته. بل كان يعتبر الفن مجرد إحساس مخادع كونه يصور الواقع وليس عالم المثل الأعلى. أما هيجل فكان يرى الفن أحد أهم الطرق التي تدرك به الروح ذاتها وتصل لمرحلة المطلق. لذا رد الاعتبار لمكانة الفن بعدنا اعتبره أفلاطون مجرد إحساس مخادع! يختار أدورنو الفن كبديل لكونه لم يتلوث بالواقع التراجيدي لذا يقول بأن دور الفن الأساسي هو نقد الواقع وتجاوزه. والبحث عن الأفضل دائماً. فهو يعطي كافكا وصمويل بيكيت كأمثلة كونهم عبروا عن ازدرائهم من الواقع عن طريق الرواية. يضم هوركهايمر رأيه أيضاً إلى أدورنو ويعتبر أن وظيفة الفن المعاصر هو نسف الواقع والبحث عن الأجمل والأصح والأفضل. طبعاً بالإضافة إنه يقترح الاهتمام بالحركات الاجتماعية أو المجتمع الباقي خارج نطاق الحداثة وتنظيمه.
يعتبر يورغنهابرماسJürgen Habermasوكارل آتو آبل من ممثلي الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقدية. سأحاول أن أتطرق باختصار إلى رؤية هابرماس المختلفة جذرياً عن رؤى الجيل الأول للحداثة. فهو يتعامل مع الحداثة كمشروع لم يكتمل بعد. أي أن الحداثة كما جاء في الفكر الأنواري لم ينجز بعد، لذا يدعو للعودة للمنظرين الأوائل للفكر التنويري وخاصة هيجل. فالتيارات التي أتت بعده أي الهيغيلية اليمنية (الوضعية والمحافظة) واليسارية (الثورية) شوهّت الفكر الهيجلي إلى حدٍ ما. ففي كتابه الحداثة وخطابها السياسي يقول هابرماس (لا يستمر وجود مشروع الحداثة الذي صاغه فلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، إلا في تطوير العلوم الموضِّعة، وقواعد الأخلاق والحق العالمية، والفن المستقلة، كل في مضماره، ولكن المشروع يشمل في الوقت إطلاق الطاقات المعرفية من أشكالها الباطنية المتطورة واستعمالها في التطبيق، أي في تشكيل عقلي لظروف الحياة… لم يبق القرن العشرون على كثير من هذه التفاؤلية، لكن المشكلة ما زالت قائمة، فما زال المفكرون يختلفون فيما بينهم عما إذا كانت نوايا عصر التنوير، على تحطمها، ما زالت جديرة بأن يتمسكوا بها، أو أنه من الأفضل لهم التخلي عن مشروع الحداثة كليًّا، أو بالأحرى حصر الطاقات المعرفية، طالما أنها لا تجد لها طريقًا إلى التقدم التقني والنمو الاقتصادي والإدارة العقلية، فتبقى الممارسة الحياتية التي تحال إلى تقاليد عمياء، غير متأثرة بها). على هذه الأسس يرى هابرماس أن العقلانية التي أفرزتها عصر التنوير لها شكل مختلف أيضاً فهو يراهن على ما يسميه العقلانية التواصلية التي تعتمد على التفاعل الاجتماعي عن طريق اللغة خاصة. إذاً مشروع هابرماس الفكري هو تبني مقاومة القوى المناوئة للحداثة من خلال تطوير أوسع للعقلانية.
يمثل أكسل هونيثAxel Honnethالجيل الثالث من مدرسة فرانكفورت ويعتبر من أشهر علماء الاجتماع المعاصرين. حيث استطاع الاستمرار بميراث هذه المدرسة العريقة في النقد الاجتماعي وإيصالها ليومنا الراهن. فهو متأثر جداً بأستاذه هابرماس وناقداً فذاً له، خاصة فيما يتعلق بدور اللغة المحدود في التواصل العقلاني الذي يطرحه هابرماس. فهو يقول بأنه ليس للغة وحدها الدور في صياغة التفاعلات الاجتماعية، فهنالك عناصر أخرى أيضاً تلعب دورها في ذلك لا سيما الثقافة والاعتراف الذي يبدأ منه هونيث مشروعه السوسيولوجي.
يؤسس هونيث لنظريته انطلاقاً من مبدأ الاعتراف وبجعلها المركز في حل القضايا الاجتماعية التي أفرزتها الحداثة من قبيل اللامساواة، العنف الاجتماعي وشتى أشكال الاحتقار والازدراء الاجتماعي وغيرها الكثير من الأمراض السرطانية التي سببتها الحداثة. حيث يمكن اعتبار مفهوم الاعتراف بأنه محاولة من أجل إعادة إنشاء شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي مزقتها الليبرالية والرأسمالية إرباً إرباً. يستلهم هونيث نظريته التذاوتية هذه من هيجل الذي كان يرى بأن الصراع هو الوسيلة التي تبحث من خلاله الذات عن الاعتراف من قِبل الأخر. بمعنى أخر، الوجود الإنساني برمته مرهون بالاعتراف الأخلاقي الذي يتم بين الذات والغير.
من هذه المقولات الهيجلية يبدأ هونيث مشروعه الاعترافي، ويدعو للاعتراف المتبادل عن طريق ثلاثة أشكال من التفاعلات الاجتماعية بين الفرد والجماعة. الشكل الأول أو الصورة الأولية للاعتراف تكمن في الحب. إذ إنه يربط الفرد بجماعة محددة وخاصة الأسرة التي تمكنه من تحقيق مقصد أساسي يتمثل في الثقة بالنفس والتي بدونها يستحيل المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية. الصورة الثانية لتحقيق ديالكتيك الذات – الغير تكمن في الحق. حيث أن الإنسان بحاجة إلى طابع قانوني وسياسي لتحقيق استقلاليته القانونية والاعتراف القانوني المتبادل. بهذه الشاكلة نصل للصورة الثالثة لتحقيق الاعتراف المتبادل ألا وهو التضامن. التضامن هو المرحلة الأخيرة من الاعتراف، حيث تصل العلاقات الاجتماعية إلى التكامل في هذه الأثناء. ما فعله أكسل هونيث هو تجاوز نواقص الطرح الهابرماسبي وإيصاله لمرحلته النهائية. حيث يهدف الإثنان إلى اصلاح الأزمة الاجتماعية والتكيف معها.
صراحة تعتبر النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من أعمق المدارس في نقدها للفكر الحداثوي الرأسمالي والإشادة بخطر هذه المنظومة الفاشية جوهراً. لا يمكن التفكير بتجاوز الحداثة والوصول للحياة الحرة من دون دراسة هذه المدرسة التي سبق نعتها بالعريقة. ولكن وبسبب بنية المعرفة الأوروبية المحور لم تستطع مدرسة فرانكفورت ايضاً من طرح البديل الاجتماعي – السياسي المناسب. ولكن لن يكون من العدل نسيان المساهمات المقدمة من قِبلهم في البحث عن الحقيقة والحرب ضد الهيمنة الحداثوية.
بعد هذا السرد التاريخي – الاجتماعي يجب علينا أن نتطرق لفلسفة العصرانية الديمقراطية أيضاً، كونها تعتبر أطروحة بديلة للحداثوية الرأسمالية كاشتقاق أخير للمدنية المركزية المهيمنة المعمرة 5000 عام تقريباً. يتعامل القائد عبد الله أوجلان  AbdullahOcalanمع الحداثة بمنظور مختلف كلياً عن علم الاجتماع الأوروبي المركز. ويؤسس لنظرة جديدة تختلف جذرياً عن العلم الاجتماع الأوروبي. حتى أنه يمرر الفلسفات النقدية أيضاً من غربال النقد ويشير لنقاط العطب فيها ويطرح البديل المناسب لذلك. هنا أريد أن أذكر جملة للعالم الفرنسي آلان تورين حيث يقول فيما معناه (السوسيولوجيا الغربية ما هي إلا انعكاس للحداثة الرأسمالية). أظنه بهذه الجملة يشير للأزمة البنيوية المعرفية للحداثة ويقترب من الحقيقة بجملته هذه. فأوجلان يعي ما وصلت إليه الاحتكارات الأيديولوجية في نظم المدنية من تعمية وتشويه للحقيقة تحت مسمى ممارسة الابستيمولوجيا.ومن هذه النقطة بالذات يبدأ أوجلان بنقده. حيث ينتقد مناهج علم الاجتماع الأوروبي المركز في تقصي الحقيقة ويعتبرها استمراراً للاحتكار الأيديولوجي لأنظمة المدنية كما قلنا سابقاً. يقول بصدد ذلك في مجلده الثالث من مانيفستو الحضارة الديمقراطية المعنون ب "تجربة حول سوسيولوجيا الحرية": إنّ طريقة مناهجُ علومِ الاجتماعِ الأوروبيةِ المحور في التقصي عن الحقيقة سلطويةٌ ومهيمنةٌ بِحُكمِ جوهرها. وكأنها تَسُدُّ الطريقَ أمام السبلِ البديلةِ للحقيقة بأسلوبَين. أولُهما؛ الموقفُ الأَحَدِيُّMonsim (الفردي) الكوني، حيث اختُزِلَت الحقيقةُ إلى "الواحد" في كلِّ الأوقات. ثانيهما؛ النموذجُ النسبي اللامحدود. فعندما يَقالُ إنه لكلِّ شخصٍ حقيقةٌ خاصة به، إنما يرادبذلك الإشارة إلى انعدام الحقيقة. وهذاأَشبَهُ بالقولِ بأنَّ كلَّ شيءٍ يتَغَيَّر، في سبيلِ إثباتِ أنه ما مِن شيءٍ يتَغَير. من الواضح أنّ كِلا الأسلوبَين يَلتَقِيان في مَصَبِّ الاختزالية. فالمفهومُ الكونيُّ "الأَحَدِيّ" والنسبيُّ "الانفرادي" على السواء، يَختَزِلان الحقيقةَ إلى "الواحد"، ليعكسا بذلك طابعَها المهيمنَ بكلِّ شفافية). كما رأينا سابقاً يبدأ أوجلان بنقد الاختزالية المنهجية لعلم الاجتماع الأوروبي المحور في التقصي عن الحقيقة، حيث إنها بذلك تعكس البنية الإشكاليةلمدنيتها. لذا يبدأ أوجلان بانتقاد السوسيولوجيينفي هذا المضمار بتناولهم لاصطلاح الحداثة بشكل مركزي وأحادي، وكأن الحداثة كانت فقط من نصيب أوروبا أو فلنقل وكأنه للحداثة شكل واحد وهو الرأسمالية. لذا يقول أوجلان في نفس المجلد: (أما الزعمُ الناقصُ والخاطئ، فهو أَحَدِيَّةُ الحداثةِ المستندةُ إلى الرأسمالية. إنّ مزاعمُ علمِ الاجتماعِ الأوروبيِّ المحورِ تلك، شاملةٌ ومُحاصِرةٌ بنسبةٍ بليغة. وباعتبارها نظاماً عالمياً، فهي ليست أقلَّ شأناً من كلِّ العصورِ الأسبق منها في إضفاءِ الصفةِ الأبديةِ على وجودها وتطويقها، بصفتها نهايةَ التاريخِ والكلمةَ الفصل للحقيقة. بل وتزيد من مدى الجزم بمزاعمها هذه عن طريق سلاح العلم). يحاول أوجلان تطهير مصطلح الحداثة من المزاعم التي يطرحها الغربيون. فهو يعود ويعرّف الحداثة بأنها نمط الحياة الاجتماعية لعصر ما. فأحادية الحداثة بالمعنى الرأسمالي تعمل على موارة الحقيقة بدلاً من إيضاحها. ولكن يجب الانتباه وعدم المغالاة في ذلك. نعم لكل عصر حداثته. وللمجتمع حداثته – حضارته المضادة للمدنية – الطبقة – الدولة وحداثتها طوال التاريخ. ومع ذلك يسأل اوجلان لماذا استخدم مصطلح الحداثة الرأسمالية قائلاً: لأنّ الاحتكارَ الرأسماليَّ يسعى مع حلفائه في الهيمنة إلى التحكمِ بالمجتمعِ بقدرِ ما يَتركُ بصماتِه على حداثته (عصرانيته)، التي يَقبَل بها كنمطِ الحياةِ المرحلية. إذ يَبذل جهوداً ممنهجةً للغاية (عبرَ التعليمِ والثكناتِ وأماكنِ العبادةِ والإعلام) بالتكاتفِ مع حلفائه الأيديولوجيين والعسكريين – السياسيين، بغرضِ إظهارِ الأمر وكأنه هو خالِقُ ومُنشِئُ نمطِ حياةِ العصر. هكذا يَخلقُ ذهنيةً مهيمنةً تَعكِسُ كلَّ ما ليس له على أنه له. ولئنْ كانت جهودُه الدعائيةُ في هذه الوجهة قد نَجَحَت، فهذا ما مفادُه أنه تَرَكَ بصماته على المجتمع، أو على الحداثة.)
يُجْلس أوجلان الحداثة الرأسمالية على ثلاثة دعامات. وهنا يتطرق لأطروحات أنتوني غيدنز وينتقد أحاديته في التعامل مع الرأسمالية. فغيدنز يعتبر الرأسمالية صفة مميزة للمدنية الأوروبية. فهو أيضاً مثل زيجمونت بومان الابن البار للحداثة والمستشار الأول لها!!
  تعتبر الرأسمالية Capitalismالدعامة الأولى للحداثة الأوروبية المهيمنة حسب أوجلان. فهي مثابة روح النظام ودماغه على حد تعبيره. ولكنه يتعامل مع الرأسمالية بمنوال تاريخي اجتماعي ويقول بأن الأيديولوجيون الليبراليون وشتى أطياف علماء الاجتماع والاشتراكيين والماركسيين لم يتحلوا بكفاءة إظهار قدرة الكفاح على خلفية تعريف الرأسمالية وتخطيها والدفاع عن المجتمع، وذلك بسبب طابع البرجوازية الصغيرة الذي طغا عليهم. فهو يرجع النظام الرأسمالي إلى أول تكديس للرأسمال وخلس لفائض القيمة والإنتاج الذي قام به الرهبان السومريين في الزيقورات. أي أن الرأسمالية نظام بدأ بالتصاعد انطلاقاً من المدنية المركزية التي تستند إليها، وأنها باتت عالمية وأطرأت التحول على النظام العالمي منذ أن حطمت قفصها حسب أوجلان.
ثاني دعامة مهمة للحداثة الأوروبية حسب اوجلان هي الدولة القوميةNation-State . ويقول أوجلان في صدد ذلك في مجلده الرابع من مانيفستو الحضارة الديمقراطية: "ثاني دعامةٍ مهمةٍ للحداثةِ الأوروبيةِ، هي الدولةُ القوميةُ المُشَادة. وهي تعادل الرأسماليةِ على أقلِّ تقدير في التعبير عن نظامٍ تفاقَمَت القضايا الاجتماعيةُ فيه إلى أقصاها، بدلاً من صياغةِ الحلِّ الاجتماعيّ. الرأسماليةُ حالةٌ ممنهجةٌ لإنكارِ الاقتصاد، وليس لِتَطوُّرِه كما يُعتَقَد. أما الدولةُ القومية، فهي ليستَ – كما يروج لها مِراراً – الشكلَ الأساسيَّ للديمقراطيةِ والحريةِ وحقوقِ الإنسان، بل هي نظامُ إنكارِ تلك القِيَم. ومختلفُ أطيافِ الاشتراكيين والماركسيين يتحمَّلون مسؤوليةً كبيرةً عن عكسِ الواقعِ الاجتماعيِّ مُحَرَّفاً في كِلا الموضوعَين بقدرِ الليبراليين البورجوازيين على أقلِّ تقدير؛ وذلك بسببِ نظرياتِهم وبرامجهم تنظيماتِهم التي شَكَّلوها في هذه الوجهة. لا ريب أنّ القولَ: الدولةُ القوميةُ المركزيةُ = الرأسمالية، ليس بمعادلةٍ صحيحة. ولكن، ينبغي الاستيعابَ على أحسنِ وجهٍ أنه يستحيل انفتاحُ المجتمعِ على الاستغلالِ الرأسماليّ، من دونِ أنْ يتمكَّنَ هذا الاستغلال من بناءِ نفسِه على الديكتاتوريةِ المتمأسسةِ مُجَدَّداً على شكلِ دولةٍ قومية".
   أما الدعامة الثالثة لهذا النظام المروع فهو الصناعويةIndustrialism الفاشية. ويقول اوجلان بصدد ذلك في نفس المجلد: "الدعامةُالثالثةُللحداثةِالأوروبيةِهيالثورةُالصناعية. ولهامنزلتُهاالخاصةُفيتاريخِالمدنية. إذمنالمؤكدِأنهاأدّتإلىتأثيرٍمُعادِلٍلثورتَيالزراعةِوالمدينة. لاريبأنهللصناعةِتاريخٌقديمٌقِدَمَتاريخِالبشرية. وقداعتَرَتهالعديدُمنالتحولاتِالثورية. إلاأنّالتحوُّلاتِالمعاشَةفيأوروبا،وبالأخصِّفيإنكلترابدءاًمننهاياتِالقرنِالثامنِعشر،تتسمُبطابعٍثوريٍّكبير. كناقدشَدَّدناسابقاًعلىالأهميةِالعُليالضرورةِعدمِمُساواةِالثورةِالصناعيةِمعالرأسماليةِوالاقتصاد. الصناعةُظاهرةٌاجتماعيةٌلَمتتمّصياغةُانتقادٍلهابشكلٍجادٍّبعد. هذاولَمتَبلغالزراعةُ – القريةُ – المدينةُبِمُفردِهاأبعاداًمُهَدِّدةًللمجتمعِفيأيِّوقتٍمنالأوقاتٍقبلَالثورةِالصناعية. وعلىالنقيض،فقدأضافتمساهَماتٍثمينةٍللغايةعلىالتطورِالاجتماعيِّفيميدانِالثقافةِالماديةِوالمعنوية. وشَكَّلَتقوةَإنشاءٍرئيسيةًللحياةِالاجتماعية. أماالظواهرُالمعاشَةُمعالثورةِالصناعيةِفيأوروبا،فقدكانتمغايرةًجداً،ولايزالُالتحليلُالعلميُّلتداعياتِهاعلىالحياةِالاجتماعيةِبعيداًعنالإنجاز. وربماأنّإحدىوظائفِعلمِالاجتماعِالأوليةِستَكُونُقيامَهبتحليلٍكَفوءٍوشاملٍلتأثيرِالصناعةِفيالحياةِالاجتماعية.يستحيلُتقييمُالفاشيةِبلاالصناعة. فوضعُالصناعاتِذاتِالاحتمالاتِالعُليافيتخريبِالمجتمع،منقبيلِصناعةِالأسلحةِالذّرِّيّةِوإنتاجِالكائناتِالمُعَدَّلَةِهرمونياً،قدبَلَغَحالةًباتَتفيهامصدرَأعظمِخطرٍمنذالآن. دونشك،إننانتحدثُهناعنالتصنيعِالمندرجِتحتسيطرةِالرأسماليةِوالاقتصادوية. حيثظَهَرَكفايةًأنّسيطرةَكِلاالاتجاهَينعلىالصناعةِقدنَمَّتعنسرطانٍبشريٍّواجتماعيّ،سواءًبالمعنىالحقيقيِّأمالمجازِيّ."
يتطرق أوجلان لأطرحته المضادة للحداثة الرأسمالية، العصرانية الديمقراطية بقوله إنه لا يكتشف أو يخترع هذا الاصطلاح كون الحضارة – العصرانية الديمقراطية كانت دائماً موجودة على شكل قرينة منذ أن نشأت المدنية الرسمية.فهو يؤمن بالديالكتيك بل هو مفكرديالكتيكي.
  العصرانية الديمقراطية –التي تعتبر الأطروحة المضادة للحداثة الرأسمالية- لهادعاماتها أيضاً التي تبني عليها نظامه الاجتماعي – السياسي. فمقابل همجية الرأسمالية ووحشتها تعتبر العصرانية الديمقراطية طريق للخلاص وبراديغما واقعية لتجاوز الأزمة الموجودة. فكيما للرأسمالية فرسانها، للعصرانية الديمقراطية ملائكتها. قد يكون التشبيه فظ نوعاً ما ولكنه يعبر عن الواقع التراجيدي من ناحية والمقاوم الحر من ناحية أخرى.
  كما أسلفنا سابقاً وحسب القائد أوجلان الرأسمالية نظام مضاد بشكل للاقتصاد. بل هي الحالة الممنهجة لإنكار الاقتصاد حسب أوجلان. طبعاً يستقي أوجلان نظرته هذه من المؤرخ الفؤنسي فرناند بروديل. في كتابه ديناميكية الرأسمالية يتطرق بروديل لإشكالية السوق والرأسمالية. ويعبر الرأسمالية ضرب من ضروب سوق منحرفة أو خاصة كما يسميها، بمعنى أخر الرأسمالية نظام احتكاري فوق السوق ولا علاقة ضمنياً بالسوق الجماعي. أي أن الرأسمالية ضد السوق بمعنى من المعاني. صراحة نظرة بروديل هذه تستحق التمعن والتمحيص بها. كونها تتجاوز النظريات الكلاسييكية في شرحها للرأسمالية. وكل المستجدات العملية الآن تثبت نوعاً ما كلام بروديل. فإذا استمرت الرأسمالية بهذا المنوال لن يبقى شيء اسمه سوق، حيث ستسيطر بعض الشركات الاحتكارية على كل شيء. وهذا ما نهدف إليه العولمة بمعنى من المعاني. يطور القائد أوجلان نظرة بروديل فيما يتعلق بالطابع الاحتكاري للرأسمالية، ويتعدى ذلك بقول إن الرأسمالية ليست فقط ضد السوق بل ضد الاقتصاد أيضاً. لذا يضع أوجلان في مجلده الرابع المجتمع الاقتصادي في مقابل الرأسمالية والاحتكار عموماً طوال تاريخ المدنية. فالمجتمعات دائماً مارست الاقتصاد كومينالياً طوال التاريخ من دون الفرد والدولة. لذا يطور أوجلان الاصطلاح في مجلده الخامس ويستخدم مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي (الاقتصاد الكومينالي). إذاً وباختصار (بما إنه ليس موضوعاً شرح الدعامات بل الإشارة إليها كونها تمثل الحداثة – العصرانية المضادة)، يضع أوجلان الاقتصاد الكوميناليديالكتيكياً في مقابل الرأسمالية التي تعتبر الدعامة الأولى للحداثة الأوروبية.
دمرت الفاشية الصناعوية للحداثة الأوروبية الطبيعتين الأولى والثانية. وما القنبلة الذرية والصناعات الكيميائية والإرهاب البيولوجي (صناعة الأمراض) سوى مؤشر صارخ على الفاشية التي تكمن في صلب الصناعة المتحولة لرأسمال وأيديولوجيا. لذا ومن دون الدخول بالتفاصيل يضع ريبر أوجلان الصناعة الإيكولوجية في مقابل الًصناعوية التي تعتبر من الدعامة الثانية للحداثوية الرأسمالية. فعندما تتحول الغايات والأهداف من الصناعة من الربح نحو خدمة المجتمع والبيئة، وقتئذٍ ستتحول الحياة الاجتماعية لجنة دون محال. لذا على الفلسفة والأخلاقيات والعلم توجيه دفة الصناعة نحو البيئوية والمجتمعية، والتخلص من مرض الصناعوي الفاشي.
أوصلت الدولة القوموية الحياة إلى مستوى يستحيل الاستمرار بعيشها. فإذا كانت الدولة القومية إلهٍ عصريٍ عاري، فالقوموية دين هذا الإله دون ريب. دولة الأمة نظام شاذ اجتماعياً. فالطبيعة الاجتماعية متباينة ومختلفة ولها واحديتها وكونيتها المتداخلة. فعندما تفرض الدولة القومية النمطية والتجانس على الطبيعة الاجتماعية عن طريق مشاريعها الهندسية (هتلر مثالاً)، فهي تبيد الغنى الاجتماعي وتنوعه. الدولة القومية نظام إبادة، وحرب وأزمة أيضاً. إنه شكل الدولة الأمثل للاحتكار الرأسمالي. لذا يطرح القائد أوجلان مفهوم الأمة المرن والمتعددة، أي الأمة الديمقراطية. ودون دخول في تفاصيل الأمة الديمقراطية كونها ليست موضوعنا، ولكننا نستطيع القول هي شكل الأمة التي تعتمد على الذهنية الديمقراطية والتعددية والثقافية. ويمثل شبه الاستقلال الديمقراطي الجانب المؤسساتي للأمة الديمقراطية.
استطاعت الأوجالانيةأن تتجاوز الحداثة الرأسمالية دون الانجرار إلى طفرات ما بعد الحداثة، التي تعتبر استمرار لذلك للحداثةولكن بقوالب وبراديغمات جديدة. فكل التيارات من البنيوية إلى الوظيفية ومن التاريخانية إلى النقدية لم تضع الحلول المناسبة للنظام الحداثوي. ما تطرحه فلسفة العصرانية الديمقراطية هي تجربة وليست نهاية التاريخ كما يريد البعض الترويج له تحت يافطة التزمت الأيديولوجي. القائد أوجلان أيضاً يسمي أطروحاته بتجربة حول الحرية والإنشاء الديمقراطي. أتمنى أن يقيم هذا الفكر بعمق أكبر مما هو موجود. صراحة عندما يقرأ المرء الفكر العالمي يحس بأهمية أطروحات أوجلان. لذا يجب تطوير النقاشات الفكرية والدراسات حول هذه الفلسفة الكلية. فكيفما هيجل يعتبر فيلسوف كلي متكامل للتاريخ والفلسفة ومنظر الحداثة، فريبرآبو أيضاً هيجل عصره في التنظير الثوري للعصرانية الديمقراطية. سأكون جسوراً وأقدم أنتقادتي أيضاً، فإلى الآن ومع إنه هنالك تجربة ثورة روج آفا (ساحة القائد آبو) في عملية إنشاء والدمقرطة، ولكن ما يزال هنالك الكثير من النواقص والأخطاء التي يجب انتقادها وتجاوزها.بالنهاية نحتاج إلى نضال معرفي – عملي أي إلى بركسيس نقدي متكامل ومتداخل مع الواقع الاجتماعي.
لم أختر عنوان الدراسة بشكل عبثي طائش، بل أردت أن ألفت الانتباه بأن هذه المواضيع الفلسفية التي تشكل صلب حياتنا مازالت تحتاج للتمحيص والنبش في جذورها. فالفلسفة الاستشراقية فرضت علينا ما سأسميه الاحتلال الفكري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وهنالك الكثير من المفكرين العرب على سبيل المثال مازالوا يعيشون نفس الحالة. من محمد محفوظ إلى فؤاد القطريب، فهم مؤمنين بالحداثوية الأوروبية المركزية ويريدون تطبيقها بالمنطقة. فما مفهوم دولة المواطنة سوى سفسطة من تلك السفسطات.
أريد الدفاع عن الحداثة بالمعنى الأوجالاني أي كنمط للعيش المجتمعي في الإطار الزمكاني. أريد أن أحرر الحداثة من النسق المهيمن (إرادة المعرفة عند فوكو) للرأسمالية والعقلانية التحليلية تلك. فالقائد أوجلان يقول بأن كما ماركس قلب الديالكتيك المثالي لهيجل إلى ماديته الديالكتيكية الفظة، فأنا أيضاً أحول الحداثة الرأسمالية إلى عصرانية ديمقراطية ديالكتيكياً.إذاً للمجتمع عصرانيته وعالمه المعرفي – الواقعي الخاص به. أما الحداثوية فهو تحول الحداثة إلى رأسمال احتكاري مهيمن على المجتمع. هو تحول العقل التحليلي والتقنية إلى إله. هو نظام إبادة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى!
كما قلت سابقاً الحضارة – العصرانية الديمقراطية تمثل فكرة الحداثة لدينا. حيث يجب الدفاع عن المجتمع الكومينالي (مورايبوكتشين) والمساهمة في إنشائه. أقصد يجب الدفاع عن حداثة المجتمع المتمثلة في الكومينالية الديمقراطية (أوجلان). يجب الدفاع عن العقلانية الكومينالية (تداخل العقل التحليلي مع العاطفي)مقابل العقلانية الأداتية للحداثوية الرأسمالية. فقوة العقل (الذهن) المرنة في الإنشاء الديمقراطي –الكومينالي سيلعب الدور الأكبر في حدثنة المجتمع الذي حولته الدولة القومية إلى جماهير غفيرة فاقدة لإرادتها السياسية. فالهدف الأسمى للديالكتيك الثوري البناء هو إيصال المجتمع لمرحلة الحداثة – العصرانية الديمقراطية. لذا الصراع هو بين حداثتين، حداثوية رأسمالية وحداثة – عصرانية ديمقراطية. أما عن التركيبة الناتجة لكلتا الحداثتين، فسيتعين بمستوى النضال الديمقراطي – المعرفي الممارس تجاه الهيمنة. فالدولة والرأسمالية الغير متحولة لهيمنة يستطاع العيش معه ضمن تركيبة أخلاقية – حقوقية، سياسية – ديمقراطية.
   أخيراً وليس أخراً، يجب الدفاع عن الحداثة -العصرانية الاجتماعية بعدما سلبت من المجتمع التاريخي، وإعادة إنشاءه بالديالكتيك البناء (ليس بهدم المجتمع القديم وبناءه بل باكتساب المجتمع لماهيته الأخلاقية والسياسية بعدما سلب منه من قِبل الاحتكار.).

نورهاتحفطارو

المراجع:
مانيفستو الحضارة الديمقراطية المجلد الثالث والرابع والخامس "عبد الله أوجلان"
رسائل الأمل "لقاءات القائد مع محاميه"
نقد الحداثة "آلان تورين"
نقد العقل المحض "إيمانويل كانت"
العلمانية تحت المجهر "عبد الوهاب المسيري"
محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الأول، العقل في التاريخ "هيجل" ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام
العقل والثورة "هربرتماركيوز"
عدو المسيح "نيتشه"
هكذا تكلم زرادشت "نيتشه"
أسس التوتاليتارية "حنة آرندت"
الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية "ماكس فيبر"
النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت "د. كمال بومنير"
محاضرات في علم الاجتماع "ثيودور أدورنو"
جدل التنوير "ماكس هوركهايمر– ثيودور أدورنو"
الحداثة والهولوكوست "زيجمونت بومان"
الحداثة السائلة "زيجمونت بومان"
الأخلاق والتواصل "يورغنهابرماس"   
Çirûskîzm"RênasJiyan"
https://neorevivalism.com/2015/04/15/whatisenlightement/
http://www.langue-arabe.fr/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D9%86%D9%8A%D8%AA%D8%B4%D9%87-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%8B-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9

نبذة عن المؤلف:
نورهات حفطارو
طالب كلية الطب البشري في جامعة عفرين

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net