Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

صلاح مسلم *
لطالما تمّ الفصل بين الأخلاقيّ والسياسيّ وبين السلوك السياسيّ والسلوك الأخلاقيّ، وحُدّدت القواعد العامّة لكلّ سلوك سياسيّ، حتّى باتت الدولة التي احتكرت السياسة التي سرقتها من المجتمع، كما سرقت كل شيء، تتصرّف في سياستها دوماً على أنّ البشر كانوا على الدوام خبثاء وأشرار، لذلك أخذت تنظَّم القوانين والدساتير والمراسيم لترويض أفراد المجتمع الذين وصفهم معظم علماء المجتمع - البعيدين عن المجتمع أصلا - بالغوغائيين والديماغوجيين.

وقد اعٌتبرت الأخلاق، منذ نشأة الفكر الفلسفي، مبحثاً أساسيّاً من مباحث الفلسفة، واهتمّ الفلاسفة على مرّ العصور بتخصيص مكان مهمّ للأخلاق في مذاهبهم الفلسفيّة، على اعتبار أنّ الفلسفة تبحث في القيم الثلاث الأساسيّة وهي (الحقّ، والخير، والجمال).
لكنّ المدرسة الاجتماعيّة تقول: إنّ الإنسان الذي يعيش في مجتمع معيّن لابدّ أن يعكس المبادئ الأخلاقيّة والعادات السائدة في مجتمعه، والضمير الأخلاقي عند الإنسان يتقيّد كثيراً بما يسود في المجتمع من معتقدات وعادات وتقاليد، ولذلك فإنّ الإنسان يحكم على الأفعال من خلال ضميره وضمير المجتمع، لكنّ علماء المدرسة الاجتماعيّة، كما يحبون أن يطلقوا على أنفسهم هذه التسمية، قد أطلقوا على الأخلاق اسم "علم الظواهر الأخلاقيّة"، فاعتبروا الأخلاق ظاهرة، وهنا وقعوا في المشكلة عندما نظروا من هذه الزاوية.
وكان هناك تفريق بين السياسة والأخلاق عند معظم علماء الاجتماع والفلاسفة، وكأنهما مجالان لا يجوز الخلط بينهما بتاتاً، حيث أنّ الأخلاق تنظّم سلوك الفرد، وبالتالي جعلوا الأخلاق خاصة بالفرد دون الجماعة، وجعلوا مجال السياسة ينظّم سلوك الجماعة بما يفرضه ذلك من قوانين سياسيّة هي التي تحكم الجماعة في النهاية. وكان رائدهم الفيلسوف هيجل المدافع الشرس عن الدولة التي يعتبرها أفضل أداة للحرية. يقول هيجل في هذا الصدد: "لقد كان التعارض بين الأخلاق والسياسة موضع نقاش طويل بين الناس فيما مضى، والحق أنّ صالح الدولة وخيرها لهما مزاعم شرعية تختلف أتمّ الاختلاف عن شرعية صالح الفرد" (1). وكأنّ السياسة هي القانون الإلهي للدولة الإلهيّة المنزّلة من السماء، وهذا مردّه إلى أنّ السياسة هي القانون الدولتي الذي ينظّم الأخلاق الفرديّة المبعثرة، وكأنّ لكلّ فرد فلسفة أخلاق خاصّة به، وهنا يكمن الخطأ بعينه، حيث أنّهم لم يصلوا إلى الإدراك أنّ الأخلاق هي شكل من أشكال السياسة التي تتّخذ حالة التقاليد المؤسساتية التاريخية، وأنّ السياسة تؤدي غالباً دور المبدع والحامي والمغَذّي يومياً، وأنّ الأخلاق تقوم بالخدمة عينها من أجل المجتمع القائم، وذلك عن طريق القوة المؤسساتيّة والقواعدية للتقاليد.
وكأنّ غاية الأخلاق السموّ بالفرد لا الجماعة، وهي غاية مثالية بحتة، تُبعد الإنسان عن السياسة وتخصّها بطبقة واحدة، وعلى الأحرى تختصرها في الإله (الكمال المطلق) وخليفته في الأرض الحاكم أو أولو الأمر في المجتمع، لكنّ هيغل استبدل الدولة القومية بهذا المطلق، وحلّت الدولة محلّ الله، لكنّه فصل بين أخلاق الطبيعة وأخلاق الإنسان، وكأنّ الأخلاق هي التي تميّز الإنسان عن الطبيعة عندما قال: " الأخلاق طبيعة ثانية للإنسان، لأنّ طبيعته الأولى هي وجوده الحيوانيّ المباشر." (2). علينا أن ننظر إلى السياسةِ على أنها مساحة حرية المجتمع ومساحة الخلق التي يزداد فيها التطور معنىً وإرادة، فبالتالي فإنّ السياسة ظاهرة اجتماعيّة، ومن الخطأ أن ننسب القوانين إلى المجتمع، فلا وجود للمجتمع القانوني، لأنّ القانون منتوج سلطويّ لفرض تنظّيمه على المجتمع الذي يستطيع أن يدير نفسه من خلال الأعراف والعادات والتقاليد، وهذا ما لمّح إليه ريمون بولات، رئيس جامعة السوربون، حيث فنّد قول هيغل عندما قال: " السياسة شأنها شأن الأخلاق، تستهدف تكوين نمط معين من العلاقات الإنسانيّة المعرَّفة بحدود المعاني والقيم وإقامته والحفاظ عليه ثمّ الذود عنه وإيضاحه. إنّها تتناول عين نظام المشاغل، وعين الإرادة المتطلّعة إلى جعل كثرة من الناس يعيشون في نظام سلميّ يمكن وصفه بحدود القيم، أي يمكن فهمه وتسويغه وقبوله في نهاية المطاف، ولذا فإنّ الأخلاق والسياسة قد تتداخلان تداخلاً جلياً ومتّسقاً معاً انطلاقاً من تجمّع وحيد يضمّ معاني وقيماً." (3). لكن بولات أصاب كبد الحقيقة عندما وصل إلى نتيجة يؤكّد فيها وجود المجتمع السياسيّ وذلك من خلال تأكيده على أنّ السياسة والمجتمع السياسيّ جوهر إنسانيّ عندما قال: " إنّ جماعة إنسانيّة لا تستطيع أن تنمو دون أن تغدو سياسيّة" (4). لذلك فالمجتمعات المنحطة خلقياً، أو التي تفتقر إلى الأخلاق، تدلّ على مدى ضعف ذاكرتها السياسية أو خسرانها إيّاها، وتشير بالتالي إلى مدى فقدانها لقوّتها المؤسساتية والقواعدية التقليدية، فالإنسان جزء من الطبيعة.
أمّا الفيلسوفُ العظيم سبينوزا ذو الأصول اليهودية، الرائد الأوّل في الانطلاقة الفلسفية الدنيويّة – العلمانية الكبرى، أخذ من أمستردام منطلقاً، التي تعدّ إحدى معابد البدايات للحداثة الرأسمالية، حيث يقول في علاقة الإنسان بالطبيعة: " من المحال ألّا يكون الإنسان جزءاً من الطبيعة وألّا ينقاد إلى نظامها الكلّي" (5). لكنّ سبينوزا لم يركّز على أنّ الإنسان قد غدا طبيعة ثانية على الرغم من انقياده إلى نظامها الكلّي لكنّه يشترك مع الطبيعة في إدراك ذاته وكينونته كما تدرك الطبيعة ذاتها، وبالتالي استمد من الذكاء الكوني وهذا ما أكّده هيجل، وعليه أن يتآلف مع الطبيعة لأنّه جزء منها، فلا يدمّرها ولا يحاول السيطرة عليها، وهنا جوهر الأخلاق، وعليه أن يتعلّم من الطبيعة مفهوم الحماية؛ تلك الحماية التي فقدها المجتمع وخسرها بعد أن ضعفت ذاكرته السياسيّة الأخلاقيّة، بل خسرها في كثير من الأماكن بعد أن فقد مؤسساته وقواعده، وسقط تحت نير الاستعمار والهيمنة والصهر والإبادة.
إنّ التردي الاقتصاديّ لمجتمع كالمجتمع الكرديّ الذي يعدّ مخطّطا إباديّاً بكل معنى الكلمة يعني التردي الاجتماعيّ والأخلاقيّ بالضرورة، وبالتالي يؤدي بالمجتمع إلى مجتمع بلا عمل وأخلاق وسياسة، فالفكرة القائلة: "إنّ الفقر ينبغي أن يساعد الناس على كسر  أغلال الاضطهاد، وذلك لأنّ الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه سوى أصفادهم" (6)، مقولة في مكانها حيث أنّ ثورة الشعب الكرديّ ثورة مشروعة لأنّها ثورة أخلاقيّة بالضرورة، "فالبؤساء هم قوّة الأرض" كما يقول سان جوست (7).
لكنّ الحداثة الرأسماليّة لم تهتمّ بهذه النتيجة في احتكارها كلّ شيء، فمن حسن حظّ الشعوب والأفراد الذين فقدوا كلّ ما كانوا يستحقّونه في تمثّلهم القيم الثورية المملوءة بالحرّيّة والأخلاق والجمال، وفي تبنّيهم إيّاها وكأنّهم عطشى لها. ويكمن حظّ الشعب الكرديّ في كردستان عموماً، رغم هذه الحرب الإباديّة عليهم ودفاعاتهم المتواصلة، أنّهم لم يتلطّخوا كثيراً بقيء الحداثة الرأسماليّة، والأروع من كلّ ذلك أنّهم لم يتعايشوا مع الحداثة الديمقراطيّة. ويعدّ موقع كردستان والشعب الكرديّ القابع فوق أرضه، أكبر أرضيّة لإحياء المجتمع الكومينالي الطبيعيّ وفق الإدارة الذاتيّة في الأمّة الديمقراطيّة، وطراز الحياة الاقتصادية الكومونالية الأيكولوجية، وتشاطر علمها وفلسفتها وفنّها بروح مفعمة بالحرية والمساواة والديمقراطية، وجعل كلّ ذلك ملكاً للمجتمع، "فالأحرار فقط يكونون في غاية الامتنان بعضهم إلى بعض" (8).
إنّ السلطة قد حاولت دائماً وأبداً، ومازالت تحاول، إقحام المجتمع تحت إرادتها من خلال القانون أحاديّ الجانب، وطمس الأخلاق المجتمعيّة من خلال تهديم السياسة والإرادة الذاتيّة، ويتميّز إنشاء الأمّة الديمقراطيّة بتحقيق التواؤم بين المهام الأخلاقيّة والسياسيّة، والتطلّع إلى الحرّيّة ضمن المجتمع الأخلاقيّ والسياسي وذلك من خلال العيش بالذهنيّة الديمقراطيّة على مدار الساعة. فما سادَ في القرون الأخيرة من قبيل الحروب وعمليات السلب الاستعماريّ وتعريض المجتمع إلى عبودية مأجورة عصرية أسوأ بكثير من العبودية الكلاسيكية، بل وتعريضه إلى البطالة على نحو أكثر تعسّفاً وجوراً وبهتاناً، وفقدانه بالتالي وحدتَه وتكامله الأخلاقيّ والسياسيّ، من خلال تخريبِ البيئة، والإخلال بالتوازن البيولوجيّ العالميّ، وذلك إفراغٌ وامتصاص ما في باطن الأرض، وتلويث ما على سطحها، وكذلك الكوارث المناخية، وإنّ أفظع أشكال التردّي الأخلاقيّ والشناعة والقبح يتولّد عن نمط الحياة المنغمسة في الرجعية والجهل والبدائية، ولا يكمن الحل في الهروب والالتجاء إلى المدنية الرأسماليّة حيث يصوّر على أنّها الحلّ للمجتمع، من خلال الوعيٍ الذي خلقته الحداثة، هي إقناعها الفرد بإمكانية عيشه من دون أيّة أواصر اجتماعية، وإفراغ المجتمع الكوميني القروي الطبيعيّ من الذاكرة الأخلاقيّة السياسيّة.
إذأ أهناك ثورة أخلاقيّة في الكون تشابه الثورة الكرديّة؟! إنّه السؤال الذي يجب أن يسأله كلّ من يسعى إلى الحرّيّة والأخلاق، ويجاوب عنه بأخلاقيّة، فتأييد أيّ شعب للشعب الكرديّ ضدّ الإبادة المنظّمة عليه، وما نضاله الحاليّ ومقاومته ضدّ أكبر عدوّ يهدّد الإنسانيّة هو النقاش الذي يجب أن يدور في المحافل المجتمعيّة كافّة، فالحياة المجرّدة من الأخلاق والعدالة والسياسة، هي حياة ينبغي عدم عيشها على صعيد المجتمعية أبداً، لطالما تكمن غاية الإنسان في البحث عن الحرّيّة والديمقراطيّة والأخلاق والمساواة والعدل والعيش المشترك.

باحث في المركز الكردي للدراسات
إشارات:
1ـ هيجل: "أصول فلسفة الحق"، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، الطبعة الثانيّة 1982، الصفحة 598.
2ـ هيجل: "العقل في التاريخ"، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 1981، الصفحة 104.
3ـ ريمون بولات: "الأخلاق والسياسة"، ترجمة: عادل العوّاد، دار طلاس، الطبعة الثانية 1992، الصفحة 194.
4ـ نفس المصدر، الصفحة 198.
5ـ سبينوزا: "علم الأخلاق"، ترجمة: جلال الدين سعيد، دار الجنوب للنشر، تونس، الصفحة 343.
6ـ حنّا أرندت: "في الثورة"، ترجمة عطا عبد الوهاب، المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى 2008، الصفحة 103.
7ـ نفس المصدر، الصفحة 3.
8ـ سبينوزا: "علم الأخلاق"، مصدر سبق الإشارة إليه، الصفحة  333.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net