Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

آّذار "مارس "  2015
الدكتور خطار أبودياب
" مركز دراسات الجيوبوليتيك"- باريس :في سياق " الفوضى الاستراتيجية" التي تدمغ النظام الدولي في هذه الحقبة،  لا يزال الشرق الاوسط ومنطقة غرب آسيا  من المسارح الكبرى للنزاعات .  مع بدايات هذا القرن وسقوط الرهان على اتفاقيات أوسلو تكرست المسألة الفلسطينية كأطول مشكلة اقليمية مزمنة . بعد هذا الانسداد ، برز إلى السطح في غمار الحرب على العراق مشروع الشرق الاوسط الكبير الامريكي النشأة والذي لم يكتب له النجاح في مواجهة مقاومات متنوعة من داخل العراق إلى مشروع الشرق الاوسط الاسلامي على الطريقة الإيرانية. ولاحقا أخذ دور تركيا أردوغان بالبروز على حساب ما تبقى من نظام إقليمي عربي . في ظل هذه الظروف يمكن القول أن الهبة اللبنانية الكبيرة في 14 آذار- مارس  2005  شكلت نقلة لجهة طموح شبابها في صياغة عقد وطني واستقلال متجدد ، لكن هذا الحراك لم يكتمل فصولاً بسبب  تعدد قياداتها وبسبب  التركيبة الطوائفية المعقدة والهجوم المضاد الذي نجح به  المحور الايراني ـ السوري .

في العقد الأول من هذه الألفية كان الشرق الاوسط خاضعاً  بشكل أو بآخر لتجاذب وتلاقي الرباعي الامريكي - الايراني – الاسرائيلي – التركي.  ومن هنا فأن الغليان في البلدان العربية منذ 2011 ، لم  يحصل حصريا بسبب  انعدام الكرامة والحرية وفشل دول الاستقلال ، بل  ان الانتفاضات ضد المنظومة الاستبدادية كانت ايضاً  بمثابة رد على الضعف البنيوي العربي وعلى  تغييب وتهميش الموقع العربي ضمن المعادلات الاقليمية والدولية.        
على ضوء المتغيرات الجديدة الآخذة في التشكل  منذ أواخر عام  2010 ( الحراك الثوري العربي وتداعياته) وبناء على  تفاقم الوضع في سوريا وانتكاسات المراحل الانتقالية من تونس إلى مصر مرورا بليبيا واليمن، تكتسح العواصف ما سمي  " الربيع العربي" ويكثر الكلام عن إعادة رسم الخرائط وعن تجاذبات أو  ترتيبات دولية جديدة.  في هذه الأثناء، يستمر تحطيم الدول المركزية  ويبدو  التفتت سيد الموقف بالإضافة إلى مخاطر امتداد  النزاع السني ـ الشيعي   وآثاره السلبية على وحدة المجتمعات وعلى كل إعادة ترتيب للبيت العربي المشترك.  إن تطور الوضع  في سوريا   يمكن أن  يغير وجه المشرق أو يمس التوازنات الاقليمية الدقيقة الممتدة نحو مصر وشبه الجزيرة العربية والخليج والجوار الروسي.  
من العراق وسوريا إلى شمال إفريقيا: نحو تفكك أو انهيار الدولة !
تمر سوريا  ومحيطها الواسع في دورة الزمن الصعب ،أقله خلال هذه العشرية التي تذكرنا بتحولات هامة إبان مثيلتها من القرن المنصرم ( 1914 – 1920) إذ مع تزامن الحرب العالمية الأولى وأفول الامبراطورية العثمانية أتت اتفاقية سايكس – بيكو في 1916 ووعد وبلفور في 1917 ليغيرا وجه المنطقة وليتركا بصماتهما عليها حتى هذه اللحظة.
ليس بالضرورة أن يكرر التاريخ نفسه في المشرق  أو أن  نشهد " سايكس – بيكو" جديدة في  هذه المرحلة،   نتيجة  عدم حسم الامور في التعددية القطبية عالمياً  واحتدام التنافس الاقليمي من العراق في  2003 إلى لبنان في 2005 و سوريا في 2011 – 2013 ، وهذا يجعل من الصعب التغيير الجذري أو  عقد الصفقات في ظل الصراع المفتوح والمتعدد الاطراف .  هكذا تصبح للوهلة الأولى أي فكرة لإعادة تركيب الاقليم وتغيير خريطة الدول أو تقسيمها  ،  دعوة من أجل اندثار الكيانات وتفكك المجتمعات بما يخدم مصالح  أطراف اقليمية  غير عربية ، ويسهل لعبة الامم الخارجية في منطقة تتميز بموقعها الجيوسياسي    وبثرواتها الهائلة من الطاقة  (من النفط والغاز في الخليج إلى اكتشافات الغاز الحديثة في شرق المتوسط) . لكن منطق التطور يشير الى انه من الصعب العودة الحرفية لما كان قائم وربما يحصل تصحيح او تقويم لمظالم وانتزاع حقوق كما في حالة الكرد مثلا.
لكن مقابل عدم تبلور صورة المشهد الاقليمي ومصير وحدة الكيانات في مستقبل منظور، نلحظ استمرار تحطيم الدول المركزية استناداً إلى مخاطر امتداد  النزاع السني ـ الشيعي في المشرق والمعطوف على صراع في سوريا وحولها متصل بمصالح ايران وإسرائيل وتركيا وغيرها من أطراف لعبة الأمم   . أما في مصر والمغرب العربي فتبرز الصراعات الايديولوجية والقبلية والجهوية لكي تترك آثارها السلبية على وحدة المجتمعات.  كل ذلك يطرح تساؤلاً رئيسياً حول السيناريو الأكثر ترجيحاً بالنسبة لمستقبل  نموذج الدولة القومية عبر نهايته أو  تأقلمه وتحوله لدولة مختلطة تعددية لا مركزية تسمح  بتلبية مطالب المجموعات الاثنية والمكونات الاقلية ، مما يتيح لاحقا تحديد السمات الرئيسية للنظام العربي بشكل فيديرالي خاصة في المشرق.
 تاريخياً، تعتبر الدولة ظاهرة القرن العشرين بامتياز وفيه تصاعد عدد الدول من 20 دولة إلى 195 دولة بعد نهاية الحرب الباردة. ولم يشذ العالم العربي عن القاعدة العامة إذ أن دوله نشأت في القرن المنصرم كنتاج لتفكيك الدولة العثمانية ونزع الاستعمار الأوروبي لاحقاً. وفي السياق التاريخي يمكننا القول ان " الصحوة العربية" المنطلقة من تونس هي ثالث محاولة نهضوية للتخلص من الانحطاط والاستبداد وبناء انموذج تغييري او حداثي أو سلفي جديد تبعاً لطروحات هذا التيار الفكري او ذاك . كانت المحاولة النهضوية العربية الاولى في أواخر القرن التاسع عشر وكانت ردة فعل على الاستبداد العثماني، وكانت المحاولة الثانية مع التيار القومي العربي الذي بلور مشروعاً نهضوياً كرد على النكبة في فلسطين، لكن هزيمة حزيران 1967 وانعدام الحريات الأساسية قوضا هذا المسعى. وما المحاولة الجارية حالياً إلا نتاج حراك غير ايديولوجي رداً  على  مأزق عدم وجود ديناميكيات قادرة على التغيير والخلاص من " الدولة الامنية العربية" التي كانت النموذج الاكثر رواجا للدول الوطنية منذ الستينات في القرن الماضي .
ومن الملفت للنظر إلى ان الانتفاضات  اندلعت في نطاق الكيانات، ولم تكن لها في البداية اطروحات فوق قومية أو دينية.  وبدا عامل العدوى  طبيعيا ومنتظرا  بالرغم من تحرك قوى الثورة المضادة من قوى اقليمية ودولية أو من قوى ايديولوجية استعجلت قطف الثمار لبناء مثالاتها في " الدولة الاسلامية" أو في الخشية على " دولة القانون" ( او دولة الحق المدنية والعلمانية الطابع) مما زاد في احتدام الصراع بين التيار الديني والتيار المدني.
 وقد لاحظ الكاتب زاكروس عثمان أن " الربيع العربي كان  ثورة فريدة سبقت العالم إلى إعلان انتهاء عصر الدولة، فهو ليس مجرّد تمرّد على أنظمة حكم استبدادية فاسدة، بل ثورة على الدولة الفاشلة، وقفزة نحو المستقبل لإيجاد تنظيم أوسع من الدولة التي أصبحت في حدّ ذاتها مشكلة عالمية". في هذه المقاربة حسم مبكر لنتائج مخاض لن تظهر نتائجه حالاً، لكن المراقبة للمشهد العالمي تبين بالفعل انه بعد مرحلة صعود وتضخم للدول بعد نهاية الحرب الباردة وبالتزامن مع العولمة الشمولية، نعيش مرحلة انحدار الدولة عالمياً .  مع بدايات القرن الحادي والعشرين ، نستنتج تراجعا  مع زيادة المناطق الرمادية ( اللا دولة) وتأكد تفكك الدول من الصومال إلى كوسوفو و تيمور الشرقية والعراق والسودان... ناهيك عن حالات تفكك ممكنة في قلب اوروبا بالذات من كاتالونيا الاسبانية إلى بلجيكا واسكتلندا وايطاليا . وهكذا في مواجهة العولمة والتجمعات الكبرى ، يعمل تيار ليبرالي من اجل خصخصة وظائف الدولة السيادية ( الامن والجيش) أو من اجل تذويبها نقدياً كما في حال منطقة اليورو... وهناك ايضاً تيارات قومية او دينية تعمل لمزيد من الانكماش وضرب انموذج الدولة القومية الغربي المنشأ وغير الملائم حسب وجهة نظرها للتطور التاريخي الحالي.   
هكذا بدل تباشير تحول عربي ايجابي كانت تلوح في افق 2011 ، يبرز اليوم واقع سياسي معقد ربما يجعل مفهوم الدولة القومية متضارباً مع العالم العربي الجديد الناشئ. لذا لا بد من مشروع  ديموقراطي عربي ينهل من التراث العريق ويتأقلم مع متطلبات الشمولية في عالم تسوده التجمعات الكبرى، وخصوصا أن الحلول للأزمات ضمن إطار الكيانات لم تكن ناجعة. إن الشرعية الدينية  ليست كافية لوحدها  ولا يجوز ان تطغى ايديولوجيتها  على عناصر الدولة القومية الناجحة: الشورى الديمقراطية، الاستقلال الاقتصادي ،النمو المدعوم ذاتيا، والأمن السياسي داخل الحدود الوطنية.
                              خصوصيات الحالة السورية
من يتأمل خريطة الشرق الاوسط وموقع سوريا فيها كقوة وسط  في  منطقة حساسة بين الشرق والغرب، يتذكر بسرعة عبارة  نابليون بونابرت: "إن سياسة الدولة تكمن في جغرافيتها "، يتوجب أن ينطبق هذا مليا  على مقاربة سياسات  سوريا.
  مع استمرار استخدام سوريا كساحة صراع مفتوح،  يكشف  معسكر اللاعبين الاقليميين عن اوراقه . فها هي ايران التي لم تتردد على لسان  أحد مسؤوليها في اعتبار سوريا بمثابة المحافظة ال35 لإيران  ، وتقوم بأرسال  خبرائها وضباط الحرس الثوري وفصائل حزب الله والجماعات الحليفة من العراق وعناصر من دول أخرى  للقتال فيها لأن "سقوط دمشق يعني سقوط طهران" . أما مع  تركيا فالحال ليس بأفضل إذ  يستنتج من يراقب ما يجري على الحدود التركية ـ السورية ، سيطرة  الهاجس الكردي  على صانع السياسة التركية المندفع في لعبة  إعادة رسم للمعادلات من خلال لعب ورقة التركمان مثلاً وتضخيم حجمهم الديموغرافي اضعافا، او من خلال عدم المساعدة الفعلية في دعم الجيش الحر والقوى الديمقراطية والمدنية أمام التغلغل الآتي من وراء الحدود لمجموعات متشددة. وكان سونر چاغاپتاي مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن و باراغ خانا الباحث  في مؤسسة أمريكا الجديدة، قد تساءلا في مقالة لهما في مجلة ذي اتلنتيك ( تشرين الثاني 2012) بما فحواه : " لماذا يمثل تقسيم سوريا فرصة تاريخية بالنسبة لتركيا؟"   . ومن يرجع لتاريخ ما قبل انهيار السلطنة العمانية وما بعده ، يتراوح تقييمه للدور التركي بين خضوعه لوزن الاطماع التاريخية ( اقليم الاسكندرون) و منطق المصالح المشروعة. لكن احتمال اقتطاع اجزاء من سوريا او العودة لنغمة الولاية ،  سيستحيل تطبيقهما لأن تفتت سوريا سيكون بداية تفتت النسيج المعقد في كل الاقليم، ولأنه في ضوء كل الأسباب المقنعة التي ربما  تبرر دعم كيان كردي مستقل في سوريا،   توجد عقبة رئيسية تقف أمام تركيا وتتمثل في  سكانها الأكراد الذين ظلوا لأمد طويل يثيرون مسألة استقلالهم.  
يجزم البعض بقرب انهيار منظومة سايكس بيكو،  لكن أحد هؤلاء الكاتب  محمد حسنين هيكل يستدرك ولا يتوقع ذلك على صعيد رسم الحدود وتحديد الكيانات بل على صعيد تقسيم الموارد والمواقع . في مناسبات عديدة منها حرب العراق ـ ايران او حروب لبنان أو حرب  العراق ( 2003) ثبت ان الدولة الوطنية بحدودها ووحدتها الانسانية قد صمدت  بالرغم من الانقسامات المذهبية والتجاذبات الخارجية. واليوم  على ضوء عدم قدرة الفعل العربية وفي  ظل الاستنزاف بين الغرب المتراجع  وروسيا المصممة على الاحتفاظ ببوابتها السورية، تحتدم اللعبة بين مشروع ايراني  يعتمد على القوة الفظة للحفاظ على  نفوذ اقليمي، وبين  مشاريع مضادة غير موحدة ، وفي خلفية المشهد توجد اسرائيل ولعبة مصالحها.
يصعب اذن تصور النتيجة الختامية للصراع حول سوريا التي لن تذوب لا في ايران ولا في تركيا ، ومع  ان خيار التقسيم يبقى انتحاريا ، لكن الامر الواقع من  اهتراء ومناطق نفوذ في المدى القريب ( مؤلفة من النظام وانصاره من العلويين وبعض الاقليات ،ومن الجماعات الاسلامية السنية في الشمال والجنوب ومن الاكراد)  سيمدد المأساة بانتظار الحسم الاقليمي يوما وعند استنفاد النزاع السوري لوظيفته الجيوسياسية كنقطة تقاطع لصراعات الآخرين.      
                         سيناريوهات التفتت أو " التقسيم الميداني"
إبان مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق في اواخر ثلاثينات القرن الماضي، اعتبر المفوض السامي الفرنسي في سوريا ولبنان آنذاك غبريال بيو أن " المسألة السورية غير قابلة للحل وفق منطق ديكارت العقلاني"    والآن  يعود الاستعصاء  و تعود المسألة الشرقية من جديد عبر النزاع السوري المتعدد الأوجه.  إزاء تداعيات هذا النزاع بالإضافة إلى  انهيار الوضع الفلسطيني وهشاشة اوضاع العراق والاردن ولبنان، تعود نغمة " سايكس – بيكو" الجديدة أي القيام بتقسيم ما هو مقسم حسب وجهة نظر الوحدويين والقوميين. وهذه المرة لا تجد فرنسا وبريطانيا نفسيهما في موقع اللاعبين من الدرجة الاولى كما حال اللاعبين الروسي والأمريكي، بل إنهما يشهدان اندثار الرهانات على التركيبة القديمة ليس فقط بسبب خنجر أو مقص المستعمر ولعبة المصالح فحسب، بل بسبب فشل بناء  الدول الوطنية القومية بعد الاستقلال وغياب إطارات الاندماج الاقليمي الملائمة.
 في تقييم لتجربته لمدة سنتين في سوريا ولبنان ( 1939 – 1940)  يقول غابريال بيو: " كل شيء كان يحمل فرنسا على البقاء في المشرق. على هذا الشاطئ من المتوسط تمر طريق الهند وقريباً منه نجد منابع البترول" ، وما كان يسري على شرق المتوسط منذ سبعة عقود من الزمن لا يزال يسري اليوم   لناحية الاهمية الجيو استراتيجية ومصادر الطاقة  وممراتها، حيث تسعى روسيا  للحلول مكان فرنسا وبريطانيا في " اللعبة الكبرى الجديدة"  وتعمل لكي تقبل الولايات المتحدة الامريكية لعب دور الشريك المرغم من أجل تفادي العودة إلى منطق الحرب الباردة الجديدة.
   حيال استدامة الصراع وعدم نجاح مؤتمر جنيف 2 ، لفت الانظار تصريحات  المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي ايه) مايكل هايدن امام المؤتمر السنوي السابع حول الارهاب الذي نظمه معهد جيمس تاون، في 12 ديسمبر 2013، إذ قال ان احد الاحتمالات هو ان "ينتصر الاسد". واضاف "يجب ان اقول لكم انه في حال تحقق هذا الامر، وهو امر مخيف اكثر مما يظهر، اميل الى الاعتقاد ان هذا الخيار سيكون الافضل بين سيناريوهات مرعبة جدا جدا لنهاية الصراع"  . واعتبر مع ذلك ان المخرج الاكثر احتمالا حاليا هو "تفتت البلاد بين فصائل متخاصمة". وقال "هذا يعني ايضا نهاية سايكس-بيكو و تفتت دول وجدت بشكل اصطناعي في المنطقة بعد الحرب العالمية الاولى". واضاف "اخشى بقوة تفتت الدولة السورية. هذا الامر سوف يؤدي الى ولادة منطقة جديدة من دون حوكمة على تقاطع الحضارات". واشار الى ان كل دول المنطقة وخصوصا لبنان والاردن والعراق سوف تتأثر بهذا الوضع. وأوضح "القصة هي ان ما يحصل في هذا الوقت في سورية هو سيطرة المتطرفين السنّة على قسم كبير من جغرافيا الشرق الاوسط"، مضيفا "هذا يعني انفجار الدولة السورية والشرق كما نحن نعرفه".وقال ايضا ان سيناريو اخر محتمل وهو استمرار المعارك الى ما لا نهاية "مع متطرفين سنّة يحاربون متعصبين شيعة والعكس بالعكس. ان الكلفة الاخلاقية والانسانية لهذه الفرضية ستكون باهظة جدا". وختم مايكل هايدن بالقول "لا استطيع ان اتخيل سيناريو اكثر رعبا من الذي يحصل حاليا في سورية "
 هذا التشاؤم او الاستعصاء الراهن الذي عبر عنه المسؤول الامريكي السابق يتقاطع مع خشية أوروبية من  التفتيت والاهتراء داخل سوريا، وكأن سيناريو فرنسا في تقسيم سوريا إلى دويلات خلال عهد الانتداب  ( سنية وعلوية ودرزية ) يرتسم اليوم من جديد مع مناطق نفوذ مغلقة وكانتونات طائفية ومنطقة تحت قيادة  كردية. إلا أن احد  كبار المهتمين الفرنسيين بالملف السوري لا يعتقد بإمكانية تشريع قانوني لأي تقسيم دون ان يستبعد نمط حكم فيديرالي وخصوصية كردية مع تشديد على المواطنة وحماية الاقليات.  
إزاء المنعطف الحاد في النزاع داخل سوريا وحولها ، تكثر التحليلات ويتم تداول الخرائط عن بلقنة  المشرق وإعادة رسم حدود الدول فيه. وما يعزز هذا الانطباع مستوى العنف والمجازر التي تشبه " التطهير المذهبي" من جهة ، واستعصاء الوضع السوري بشكل عام من جهة اخرى. ويتوازى ذلك  مع احتدام لعبة الامم عبر  الانغماس الكثيف للمحور الايراني
تدل قراءة تاريخ المشرق  على عدم استفادة العرب  من التحولات الدولية ودفع الثمن غاليا على حساب المحاولات النهضوية. وهذه الواقعية الحذرة غير مبالغ فيها ، إذ  ظنَّ العرب بداية انبثاق نهضتهم مع نهاية الامبراطورية العثمانية ، لكن سرعان ما خابت الآمال وطغى التفتت والفرقة عبر ترتيبات المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو المبرمة بين منتصري الحرب العالمية الأولى. وزيادة على  تفاعلات الصراع مع اسرائيل ، اتت نهاية الحرب الباردة وحقبة الاحادية الامريكية لتتسبب بانهيار النظام الاقليمي العربي إثر حرب العراق في نيسان 2003. ومنذ ضرب العراق قلب العالم العربي وخط التماس بين العرب والاكراد والترك والفرس ، وخط التقاطع بين السنة والشيعة، جرى تهميش وتغييب القرار العربي بين ثلاث قوى اقليمية هي إسرائيل وايران وتركيا.
 هكذا منذ بدايات القرن الحادي والعشرين ارتسم مشهد اقليمي ملتبس في الشرق الاوسط وتصادمت المشاريع المتناقضة لإعادة تركيب المنطقة وهي تختصر بالمشروع الامريكي عن " الشرق الاوسط الكبير" ( الذي تعثر بصيغته التبشيرية الاولى حول قشور الديمقراطية)، والمشروع الايراني عن " الشرق الاوسط الاسلامي" تحت زعامة طهران ( يروي أبو الحسن بني صدر في مذكراته ان الامام الخميني ابلغه بان ايران ستتزعم العالم الاسلامي لمدة اربعة قرون كما العثمانيين) والمشروع التركي المتبلور مع اردوغان منذ 2007 والهادف لاستعادة النفوذ المفقود. أما بالنسبة لإسرائيل المستفيدة الاولى من  الضعف البنيوي العربي ، فقد وجدت ضالتها في تهميش القضية الفلسطينية بالقياس لإقليم منشغل بمشاكل متعددة.   
 
  عبر التاريخ حفلت بلاد الشام بصراعات نفوذ تتخطاها في صراعات تشبه  حلقات تاريخية متسلسلة ومتشابكة ، وها هي تعيد نفسها اليوم  عبر نمط  الامتداد التركي من جهة، والامتداد الايراني من جهة أخرى، إلى جانب العامل  الاسرائيلي . وهذا المستوى  الاقليمي من لعبة الامم المعقدة  يعلو عليه المستوى الدولي حيث يتعارك النفوذ الروسي مع محاولة الابقاء على سطوة أمريكية وتأثير اوروبي إلى جانب بزوغ النجم الصيني.  
 أما الناحية الاخرى المهمة في اعادة ترتيب البيت السوري فتكمن في دور ايران وركيزتها حزب الله. إن حزب الله التابع لإيران تمتع بعلاقة طيبة مع النظام السوري بعد اعتماده بديلا في موضوع المقاومة عن حركة أمل والاحزاب اليسارية في لبنان منذ اواخر الثمانينات . ومنذ وصول الرئيس بشار الاسد تعززت هذه العلاقة واصبحت مصيرية للطرفين إذ لم تعد دمشق فقط الجسر لمرور السلاح بل ان مصانع تجميع الاسلحة الايرانية في سوريا عملت لصالح هذا الحزب وتجلى ذلك  في حرب 2006. ولذا كان حزب الله يراهن ان تبقى ما يسمى حركات الربيع العربي في دول يتموضع ضدها مثل مصر ( حقبة الرئيس مبارك)  وألا تصل لسوريا وكانت مفاجأته كبيرة وتورطه بدأ منذ البداية لأنه اعتبر ان سقوط النظام في سوريا هو سقوط لجوهرة المحور الايراني.
عدا " رمزية" حماية مقام ديني ( السيدة زينب) ينخرط حزب الله في المشاركة في حماية طريق بيروت – دمشق وكذلك طريق دمشق – حمص – الساحل السوري . والطريق الاخيرة استراتيجية لأنها خط تواصل النظام مع الجبل العلوي وفي خرائط تقسيم متداولة يكثر الحديث عن تواصل بين علويي سوريا وشيعة لبنان عبر حمص – الهرمل وهذا يفسر استقتال حزب الله لضمان المنطقة الحدودية ولفتك النظام السوري بحمص التي ينظر اليها غلاة العلويين كعاصمة لدولتهم في حال انهيار النظام في دمشق. إذن انها الخطة ب التي يمكن ان يلجأ لها النظام وايران ولكنها تتطلب تغطية روسية اذا ارادت موسكو التمسك بقاعدة طرطوس .
 إن العوامل  الكردية والايرانية والراديكالية المتشددة ، بالإضافة لمصلحة اسرائيل ، يمكن ان تسهم في تمزيق النسيج السوري والمشرقي . في اواخر ايلول سبتمبر 2013 ، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية خريطة تظهر فيها خمس دول بالشرق الأوسط وقد قسمت إلى 14 دولة، وذلك بفعل النزاعات الطائفية والسياسية الدائرة حاليًا، وذلك وفقًا للمحلل روبن رايت.
وبحسب التقرير، فقد تم تقسيم سوريا إلى ثلاث دول، هي: الدولة العلوية، وكردستان السورية، والدولة السنية، أما السعودية، فتم تقسيمها إلى خمس دويلات، وذلك وفقا لاعتبارات قبلية وطائفية، ونتيجة خلافات الجيل الشاب من الأمراء، على أن تكون الدويلات على الشكل الآتي: السعودية الشمالية، والشرقية، والغربية، والجنوبية، والدولة الوهابية. وأوضح التقرير أنّ اليمن هو البلد العربي الأكثر فقرا ويمكن فصله مرة أخرى إلى قسمين بعد إجراء الاستفتاء في جنوب اليمن بنتيجة واحدة هي الاستقلال، لتعود دولة جنوب اليمن من جديد.
وتوقع التقرير نشوء دولة شمال العراق على أن يضم إليها شمال سوريا "الأكراد، كردستان"، كما تنشأ الدولة العلوية "علوي ستان"، وتدمج المناطق السنية في العراق وسوريا بدولة واحدة تدعى "سنة ستان"، وفي جنوب العراق تنشأ دولة شيعية، فيما تنشأ دولة جديدة غرب جنوب سوريا تسمى "جبل الدروز".
أما ليبيا، فيمكن تقسيم الأجزاء التاريخية "طرابلس وبرقة" وربما "فزان" دولة ثالثة في جنوب غرب البلاد.
حتى الآن تبقى السيناريوهات على الورق ولكن الحدود سترسم بشلال الدماء في حال سقوط منطق التسوية
بالنسبة لسوريا تكمن الطامة الكبرى في اختصار الدولة والنظام بشخص الرئيس وعدم بقاء الجيش كمؤسسة وطنية حامية للدولة والمجتمع. بيد أن ارادة دولية وتهدئة اقليمية والخوف من غول التطرف يمكن ان ينتج تسوية ولو عرجاء تمنع التفكك وتماديه لأن الحرب السنية – الشيعية إن استفحلت فستدوم طويلا وستكون مدمرة.
بالرغم من أهمية العوامل التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية في الصراعات القائمة في المتوسط وحوله، لا يمكننا اختصارها بصراعات شمال ـ جنوب أو صراعات مسيحية ـ مسلمة أو صراعات متصلة بإسرائيل. إنها صراعات أكثر تعقيدا تتدخل فيها القوى العظمى والقوى الإقليمية المجاورة ، وهي تتصل بالدين واللغة و عدم التقسيم العادل للثروات. حسب عالم الجغرافيا الفرنسي  إيف لاكوست، تعتبر المقاربة الجيوبوليتيكية  وليس التاريخية المحض ، هي المقاربة الافضل لفهم موازين القوى وطبيعة الصراعات بين دول ومجموعات على امتداد  12000 كلم. ابعد من الرؤية الثنائية للبحر المتوسط بين الشمال والجنوب ، هناك أهمية للتنافس على الأرض والإقليم إذ أن معظم التوترات الجيوبوليتيكية حول المتوسط تترجم التنافس على الارض :  الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي،  صراع الصحراء الغربية، وصراع الاتراك والاكراد  أو صراعات الاسبان الكاستالانيون والباسك والكاتالان  وايضا صراعات البلقان
والأدهى من كل ذلك ، ان النزاع السوري الحالي نادر الطابع ، إذ هو اول صراع دولي متعدد الاقطاب في القرن الحادي والعشرين  وربما لا بد من " معاهدة وستفاليا" جديدة ( او اتفاق يالطا جديد)  في نطاق الشرق الاوسط الواسع ما بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي وموافقة القوى الاقليمية البارزة لمنع تحول سوريا وجوارها إلى نقطة ارتكاز لنزاعات طويلة مهددة للمنطقة والعالم.
اقتراحات
على ضوء العرض الوارد اعلاه تتبين مراوحة سورية على الاقل حتى نهاية ولاية اوباما آخر 2016 بعد معركة كوباني اصبح اللاعب الكردي السوري الرقم الصعب الذي لا يمكن الالتفاف عليه
بناء على ذلك يمكن وضع سيناريوهات التحرك والمتابعة إن على صعيد مناطق الادارة الذاتية او على مجمل الساحة السورية او مع النظام او المكونات المعارضة او الجماعات الجهوية والطائفية والاثنية والقوى الفاعلة الاقليمية والدوليى
الامر يتوجب تداول اوراق عمل وتفكير ملي لاخذ القرار المناسب لكي يكون الكرد ضمن أي تصور مستقبلي من الرابحين وليس ضحايا فرصة ضائعة كما في القرن الماضي.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net