Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

طارق حمو *
 هزّ الشعب الكردي في سوريا العالم أجمع عندما ثار على ظلم النظام السوري في 12 آذار 2004 ، وتصدى بصدور أبناءه لآلة القتل والتدمير التي سيّرها هذا النظام إلى المناطق الكردية بغية ممارسة القتل والفتك بالمدنيين وترهيبهم. محطات التلفزة العربية والعالمية نقلت الصور والمشاهد الشحيحة الآتية من "مملكة الصمت" حول "ثورة الأكراد ضد النظام"، بينما بثت وسائل أخرى مشاهداً لاقتحام العشرات من الشبان الكرد لسفارات النظام السوري في العديد من المدن والعواصم الأوروبية، احتجاجاً على حملة القتل المفتوحة التي قادتها أجهزة الاستخبارات والشرطة ضد الأطفال والنساء والشبان، والتي أسفرت، في حصيلة غير مؤكدة حتى الآن، عن استشهاد 35 شخصاَ وجرح المئات واعتقال الآلاف.

الكرد في سوريا لم يألفوا ذلك المشهد المروّع: الانتفاض على الظلم اليومي المٌعاش، وترجمة هذا الشعور والكبت، إلى أفعال تتمثل في تحطيم تماثيل حافظ الأسد، وإضرام النيران في مقار الاستخبارات والشرطة، ورفع الأعلام القومية الكردية، وحرق شعارات ورموز حزب "البعث" الحاكم. محاكاة واضحة لما حدث في العراق في نيسان 2003 من عمل شعبي عفوي عندما سقط نظام الطاغية صدام حسين الذي أذاق العراقيين الويلات. أما السلطة في دمشق، فقد سحبت السكين ووثبت لتذبح المواطنين الكرد العزل المتظاهرين، مثلما ذبحت أهالي حماة وغيرها مطلع الثمانينات، ومثلما ذبحت كل المتظاهرين في سوريا بعد عام 2011، حيث تعاملت مع المظاهرات السلمية، في أول الحراك، بالحديد والنار.  ولو لم تكن الظروف الدولية قد "تغيّرت" وأصبح الفضاء مليئاً بصور ومشاهد الشبان الكرد وهم ممزقون بالرصاص المنطلق من فوهات بنادق رجال الشرطة والاستخبارات، لكان للنظام رأي آخر. لكان هذا النظام قد كررّ مشهد ضرب حماة، أو ربما جزءاً من هذا المشهد على الأقل.


المشاريع العنصرية التي تلت الانتفاضة:


مضت الانتفاضة الكردية، وراجعّ النظام السوري سياساته تجاه المكون الكردي في البلاد ( تلك السياسة التي لم تتغير حتى نيسان 2011)، ليقرر تشديدها أكثر وأكثر، وتجريب مشاريع أخرى، أقوى تأثيراً من مشروعي "الحزام العربي" في محافظة الحسكة ( انطلق عام 1970، وتمحوّر حول توطين آلاف العائلات العربية المستجلبة من محافظة الرقة في أراضي كردية خصبة، وفي عشرات القرى النموذجية على طول 350 كيلومترا وبعرض 15 كيلومترا) و"الإحصاء الاستثنائي" ( وقع عام 1962، وحرم عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، وأعتبرهم "أجانب" في أرضهم). مشروع قادر على اجتثاث الكرد من جذورهم وإجبارهم على الهجرة وترك مناطقهم، دون أن يسمع أحد صوت تأوهاتهم. أما الكرد فقد لملموا أنفسهم ودفنوا قتلاهم وبدؤوا يصحون من "السكرة" التي دخلوها منذ إطلاق محافظ الحسكة سليم كبول الرصاصة الأولى على الأطفال في الملعب البلدي في القامشلي في 12 آذار، وصيحته المشهودة "اقتلوا الأكراد أولاد الـ ...".
لقد كٌتب الكثير حول انتفاضة 12 آذار 2004، وتم تمجيد "الثورة الكردية" و"نهوض الشعب" و"ردود فعل الشباب"، ولكن مرت السنون، وبدأ الوضع يعود إلى تشكّله الأول ( قبل ثورة الشعب السوري العارمة في 15 آذار 2011، والتي تحولت فيما بعد إلى صراع مسلح بالوكالة، وحرب أهلية مدمرة) ، ورجع الناس إلى حالتهم الأولى، لكن النظام السوري لم يعد مثل كان وقرر الانتقام وبقوة. لقد وضع أسس خطط جديدة (أو: حرب جديدة) تهدف إلى اقتلاع الكرد من مناطقهم وتهجيرهم إلى خارج البلاد، أو إلى داخلها، ليتحولوا إلى عمال وخدم و"يتمرمطوا" في العمل الوضيع هنا وهناك.
السلطات السورية أصدرت مراسيم جائرة مثل المرسوم المرقم (49) منعت بموجبه الكرد من البيع أو الشراء في مناطق الحسكة/الجزيرة وغيرها بحجة أنها "مناطق حدودية"، وساهم الإهمال المتعمد للمناطق الكردية إلى هجرة الناس للداخل. ثمة أرقام تحدثت عن هجرة نصف مليون كردي إلى دمشق وحدها. الخطة الممنهجة في "تأديب" الكرد والقضاء عليهم في سوريا، لضمان عدم حدوث "12 آذار" أخرى مضت بنجاح كبير. الشعب الكردي انشغل بلقمة عيشه، والمحظوظ من تمكن من تدبير لقمة الخبز أو الهجرة إلى خارج سوريا. بدأ النظام السوري في" تأديب" الكرد إذن. قتل أكثر من 100 جندياً في الجيش على خلفية قومية ما بين 2004 و 2011 ولم يٌحاسب أي مسؤول في جرائم التصفية الك.


 حزب الاتحاد الديمقراطي مٌدير الانتفاضة والهدف الأكبر للنظام:


تم استهداف حزب الاتحاد الديمقراطي بشكل خاص. هذا الحزب، ومنذ اليوم الثاني للانتفاضة، عمل على تحريك الجماهير الكردية في عفرين وكوباني وحلب ودمشق مما خفف من البطش والقتل في القامشلي وبقية مدن محافظة الحسكة التي انتفضت. كان حزب الاتحاد الديمقراطي قد تأسس في عام 2003، وما يزال يرتب أموره ويبني منظماته وفروعه في المناطق الكردية والسورية عامة، حينما فاجأته الانتفاضة على حين غرة. اختار الاتحاد الديمقراطي الانخراط في الانتفاضة فورا وبقوة، وسيّر المظاهرات الكبيرة والعارمة لتشمل أكبر مساحة ممكنة، وذلك لاشغال النظام. كانت فضائية (Roj tv) تبث على مدار الساعة لتغطية الانتفاضة وفضح جرائم النظام السوري. اتصلت هذه الفضائية، التي كانت صوت الانتفاضة ومنبرها الأوحد بحق، مع مثقفين ومعارضين ونشطاء كرد وعرب من داخل وخارج سوريا لاستطلاع رأيهم حول جرائم النظام حيال الشعب الكردي. جاهدت لمنع اندلاع صراع أهلي بين العرب والكرد، كما تمنى النظام ذلك وخطط له كثيرا. الجنرال محمد منصورة، ممثل بشار الأسد في المناطق الكردية، والمشهور بلقب "ملك الجزيرة" استدعى بعض مسؤولي الاتحاد الديمقراطي وهددهم بالتصفية الجسدية ووعد حزبهم بالسحق. قال لهم حرفيّا: "انتم من تحركون الساحات. انتم من يمتلك أدوات عمل لا يملكها غيركم من الأحزاب. انتم من تقفون وراء تنظيم الشارع والشحن الإعلامي، وستدفعون الثمن". وكتب محمد جمال باروت ( منظرّ النظام السوري آنذاك، والباحث "المعارض" في المركز العربي للأبحاث ولدراسة السياسات/ في الدوحة، حاليا!) مقالا في صحيفة "المستقبل" اللبنانية حمل عنوان:" الأوجلانيون قادمون للاقتصاص من سوريا"!.
وكان "قصاص" النظام السوري وانتقامه من حزب الاتحاد الديمقراطي رهيبا ومكلفا...
قتل زبانية نظام دمشق القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي أحمد حسين حسين "أبو جودي" في أقبية التعذيب بفرع الأمن العسكري في الحسكة في ربيع 2004، بتهمة معاداة النظام وقيامه بأنشطة سياسية "ترمي إلى الانفصال". قتلت الاستخبارات، وبأمر من رؤوس النظام في دمشق، النائب الكردي السابق في مجلس الشعب (عن لائحة حزب العمال الكردستاني آنذاك)، عثمان سليمان بعد اعتقاله في (27/11/2007) وتعذيبه ومنع الدواء عنه، وهو المريض العليل، إلى أن ذوى وذاب في مشفى حلب واسلم الروح في (18/02/2008)، وكانت كلماته الأخيرة لأبنائه هي "المقاومة ورفض الاستسلام والذل مهما كان الثمن". وقتلت الاستخبارات السورية، كذلك، الشاب الكردي عيسى خليل ملا حسن (الأب لابنتين توأم بلغتا لحظة استشهاده 10 أيام) لأنه شارك في مظاهرة سلمية كان حزب الاتحاد الديمقراطي قد نظمها في القامشلي في 2/11/2007  للتنديد بالتهديدات التركية بالتوغل العسكري في إقليم كردستان العراق.
وكانت الاستخبارات السورية قد قتلت، كذلك، العلامة المجاهر بالحق، وشهيد الأمة الكردية، الشيخ محمد معشوق الخزنوي في الأول من حزيران 2005 بعد اختطافه وتعذيبه لمدة 18 يوماً. كما واعتقلت الاستخبارات التابعة للنظام في دمشق العشرات من النساء الكرديات وحكمت عليهن بالسجن، بل وربما قتلتهم مثلما يٌعتقد إنها فعلت مع الناشطة  نازلية أحمد كجل. كذلك قتلت عناصر الاستخبارات المجرمة 3 شبان كرد وجرحت آخرين في قامشلو أثناء قنصها لهم عشية الاحتفال بعيد النوروز القومي الكردي 2009.
وظل البطش الأكبر من نصيب حزب الاتحاد الديمقراطي، حيث حوكم أعضاؤه بفترات سجن مضاعفة قياسا بمعتقلي الأحزاب الكردية الأخرى المتهمين بالانفصال( كما قمع النظام، وبكل وحشية، الإضراب الكبير عن الطعام الذي أعلنه أعضاؤه الـ 300 في سجن عدرا الرهيب). هذا غير سياسة الأرض المحروقة في التضييق على الناس ومحاربتهم في لقمة عيشهم، وإغلاق المحال التي تحمل الأسماء الكردية، في العملية التي تقودها "لجنة تمكين اللغة العربية" والتي ترسل ميليشياتها لشطب الأسماء الكردية و"لصق" الأسماء العربية مكانها. 


سياسة النظام السوري ضد الكرد بعد الحراك الثوري الأخير:


والحال بان النظام السوري وضع خططه لسحق الكرد ومباشرة بعد آذار 2004، وما قضية "إعادة الجنسية السورية" إليهم إلا لإخراجهم من معادلة تأييد الثورة الجماهيرية في بداية حراكها وقبل أن تتسلح وتتحول إلى حرب أهلية تخوضها مجموعات طائفية متطرفة بالوكالة. لكن الكرد اعتبروا أنفسهم جزء من هذه الثورة، وهم في صميم الحراك السلمي المطالب باسقطاء النظام ورأسه بشار الأسد، وكل منابرهم الفضائية وإمكانياتهم في خدمة الثورة السلمية ومطالب الجماهير في الديمقراطية والتحول الحقيقي. الكرد يؤيدون الخطوط العامة للثورة ويعارضون الانحرافات الحالية مثل: دعوات التسليح وتسلم الأموال والأسلحة من أطراف خارجية، والخطاب الطائفي والعنصري، والاستعانة بدول عربية وإقليمية متخلفة ورجعية والتحول لبيادق في أيديها لتنفيذ أجندتها داخل الوطن السوري.
الشعب الكردي في سوريا، وحزب الاتحاد الديمقراطي على وجه التحديد، لديهم في رقبة النظام السوري دماء كثيرة، وهم يطالبونه بها. دماء كردية ودماء عربية سورية على السواء. دماء كل السوريين. ولن يٌسامح الكرد في دمائهم. ولن يتركوا الشعب السوري وحيدا، رغم جنوح معظم قوى المعارضة إلى العنف، وطائفيتها وعنصريتها المقيتة وتآمرها مع تركيا ضد الهوية الكردية، ورغم دعم هذه القوى لإرهاب مجاميع مثل "داعش" و"جبهة النصرة" والتحالف معها من أجل النيل من المقاطعات الكردية ومشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي تم الإعلان عنه، كنموذج مصغر لسوريا القادمة.
المعارضة: الكرد في 2004 "انفصاليون" و في 2012 "حلفاء النظام":
اثر اندلاع انتفاضة 12 آذار 2004، عندما نهض الشعب الكردي في سوريا ضد النظام الشمولي في دمشق، ظهر نفر من المثقفين السوريون المعارضين لاستبداد سلطة الأسدين، في بعض وسائل الإعلام العربية واتهموا الشعب الكردي بالانفصالية لأنه "يرفع أعلامه القومية ويهاجم مراكز الشرطة والاستخبارات، التي هي ملك للدولة وليس للنظام"!. ورغم محاولتنا، في ذلك الوقت وعلى منابر إعلامية كردية، إفهامهم بان العلم الكردي لا يعني الانفصال بقدر ما يعني تعبيرا عن هوية مكبوتة مقموعة من قبل كل أنظمة الدولة السورية، ناهيك عن كونه رمزا وطنيا، لأنه في النهاية يمثل جزءا من الشعب السوري، بينما مراكز الشرطة والاستخبارات، فكانت أوكارا لرجال النظام، ولا نستنكر أبدا تدميرها. إلا أن هؤلاء( مثالا: ياسين الحاج صالح) لم يكن ليقتنعوا، فبقت تهمة "الانفصالية" جاهزة لديهم، وغائرة في لاوعيهم، يعودون إليها كلما أرادوا أن "يخطوّا" شيئا في شأن القضية الكردية.
والآن، وبعد كل هذه السنين، تدور الدائرة، فيصبح "الانفصاليون" بجرة قلم "حلفاء نظام الأسد"، لأنهم لا يدمرون "مقار النظام" ولا يقبلون التبعية لتركيا أو دول عربية متخلفة، ومازالوا يتحفظون على "سلفنّة" الثورة وتسليحها وقبول الخطاب الطائفي/ العنصري الكريه إياه. وهؤلاء المثقفون لا يزالون سائرين في نفس الخط، يكتبون كل يوم ضد الشعب الكردي وضد حركته السياسية، ويفترون على الحقيقة دون أي وازع. ومنهم من صار يردد مع وسائل الإعلام التركية والعربية بان "نظام الأسد سلمّ 5 محافظات للأكراد" دون أن يرف له جفن، رغم انه يعلم كذب هذا الكلام وبعده عن الواقع.
لقد قلبت المعارضة ومثقفيها ظهر المجن للكرد، فرفضوا تشكيل المقاطعات الثلاثة في الجزيرة وكوباني وعفرين، وعدّوا مشروع الإدارة الذاتية انفصالا، وحاربوا الشعب الكردي من على المنابر الإعلامية والسياسية المحلية والعربية والدولية، واتهموه بالعمل ل"صالح النظام"، و"العداء للثورة"، بل وأكثر من ذلك، بررّوا جرائم المجموعات الإرهابية مثل "جبهة النصرة" و"أحرار الشام" و"أحفاد الرسول" و"داعش" ضد المقاطعات ومكوناتها، وعدوا هذه المجموعات الإجرامية فصائلا من "الجيش السوري الحر"، ولم يدينوا هجماتها على القرى العربية، وتخريبها لكنائس المسيحيين، وقتلها وأسرها للشباب الكردي على الهوية القومية. وبدأت ماكينة "المعارضة" الإعلامية تسابق الريح في حربها على الشعب الكردي، حيث تم تجنيد بعض المجموعات الكردية المعزولة وتقديم الأموال إليها، لاستخدامها كرأس حربة ضد المقاطعات، أي تشكيل ميليشيات مأجورة شبيهة ب"ميليشيات حماة القرى" التي شكلتها الدولة التركية ضد ثورة الشعب الكردي هناك. وبدت الأيدي التركية واضحة وهي تحرك قوى المعارضة السورية، وتستخدمها ضد الشعب الكردي، إعلاميا وسياسيا وميدانيا، فتوالت المؤتمرات المعادية لحقوق الكرد، وتعاقبت البيانات التي تعلن فيها "المعارضة" الكرد "أعداء للثورة السورية" وشكلت مجموعات مسلحة، طائفية، وعشائرية وعرقية ودينية، وبمسميات مختلفة، تهدف كلها لمحاربة "النزعة الانفصالية" في شرق وشمال شرق الوطن العزيز!.
ورغم مضي أكثر من 4 أعوام على الحرب الدائرة في سوريا، وتلاشي العمل الوطني المعارض، مقابل بروز التيار الطائفي العنصري الممول من الخارج، إلا أن الشعب الكردي، إلى جانب المكونات العربية والسريانية/الآشورية، استطاع الدفاع عن مناطق المقاطعات بالاعتماد على القدرات الذاتية، وخاض معاركا كبيرة في وجه المجموعات الإرهابية التي تتلقى الدعم السياسي من "الائتلاف"، وحمى، مع بقية المكونات، روح التعايش السلمي، باعتراف كل العالم، ونال الإعجاب والتقدير من الحكومات والمعارضات على طول وعرض العالم كلها. وما مقاومة كوباني، والصدى الكوني الذي أحدثته، إلا نتيجة حتمية لصحة المشروع القائم على (الأمة الديمقراطية) و(أخوة الشعوب)، والمطبق حاليا في مقاطعات روج آفا. لقد نالت هذه المقاومة تعاطف العالم، ودخلت كوباني كل بيت في المعمورة، وقصد للدفاع عنها العشرات من الثوريين الأحرار من كل أصقاع الأرض. لقد شكلت كوباني الدافع الأبرز لبناء التحالف العربي/الدولي ضد الإرهاب، فسارع إلى التنسيق مع وحدات حماية الشعب(YPG) ووحدات حماية المرأة(YPJ) لضرب "داعش" ومنعه من احتلال المدينة. لقد أصبحت كوباني محرقة ل"داعش" وانعطافة حاسمة في مسيرته الدموية، فمنها بدأ خط انحداره سقوطه في مزبلة التاريخ.
وفي الحين الذي تغرق فيه سوريا في الحرب الأهلية وجنون القتل على الهوية الطائفية، ينجح الكرد ومعهم أبناء المكونات العربية والسريانية/الآشورية في بناء مقاطعات تحترم حقوق جميع المكونات وهوياتها العرقية والدينية، وتأخذ فيها المرأة دورها الريادي، وتحتضن مئات الآلاف من السوريين الهاربين من الموت على أيدي ميليشيات النظام والمعارضة الطائفية. وبدل أن يشيد المثقفون السوريون بهذا الأنموذج الفريد في الإدارة والعيش المشترك وسط بحر الدم السوري، نراهم يحاربونه، منهم جراء أموال سحت حرام يقبضها من منابر الترويج للإرهاب، ومنهم لحقد دفين في قلبه على الشعب الكردي وأهل مقاطعات روج آفا. وظهر بأن تأييد البعض لانتفاضة 12 آذار كان من منطلق "تصفية حسابات شخصية مع النظام السوري" ولأن الكرد "حطموا تماثيل الأسد وأشفوا غليله!" وليس لوجود مشروع ديمقراطي أصيل يأخذ في الحسبان مصلحة لكل الوطن السوري.
انتفاضة 12 آذار 2004 كانت البذرة التي وضعها الشعب الكردي لنفسه ولعموم السوريين في تراب الوطن، ورواها بالدم. هذه البذرة أينعت الآن لتتحول إلى شجرة باسقة هي مقاطعات الإدارة الذاتية، وطرحت ثمارا يانعة هي وحدات حماية الشعب(YPG) ووحدات حماية المرأة(YPJ) والعقد الاجتماعي/العلاقات المتينة بين المكونات العربية والكردية والسريانية/الآشورية. تلك العلاقات التي دفعت مئات الشباب من كل مكون للانضمام لقوات المقاومة وبذل الدم للدفاع عن كل الهويات والطوائف. هذه البذرة التي تحولت لتجربة أمست الآن أمل كل السوريين في العيش المشترك بعيدا عن المحاور الإقليمية التي تريد للسوري أن يكون مرتزقا يحارب بالوكالة ليقتل شقيقه ويخرب وطنه. لذلك لا غرابة في أن يتفق كل من النظام والمعارضة، ومعهم "داعش" و"النصرة"، على معاداة هذه التجربة، ومحاولة النيل منها وتدميرها، كل بطريقته الخاصة...
* باحث. من فريق عمل المركز الكردي للدراسات.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net