Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

طارق حمو *

ينهض الإسلام السياسي، كفكر وتنظيم، على مرجعيات شرعية/أصولية مستنبطة من أساس الدين الإسلامي، وأخرى سياسية للتعامل مع الشأن الحياتي وأمور الحكم والإدارة في حال تسلم السلطة وقيادة الدولة. والمرجعيات الأصولية المستمدة من الشرع هي: مرجعية القرآن والسنّة، ومرجعية الشورى، ومرجعية دولة الخلافة/الدولة الإسلامية. أما المرجعيات السياسية، أو المفاهيم السياسية للأصولية الإسلامية، فهي: عالمية الإسلام، جاهلية العالم، الجهاد، والسلام. وسنخوض ضمن هذا البحث في هذه المرجعيات، وسنعرض الآراء المختلفة حولها، وكيف يتفق منظروا الإسلام السياسي ورموزه على ضرورة جعل هذه المرجعيات من المقدس المسلم به في فكر وعمل التنظيم الإسلامي السياسي الساعي إلى السلطة عبر "تطبيق شرع الله" وحاكميته في الدولة الإسلامية المنشودة.  

 

أولا: المرجعيات الأصولية المستمدة من الشرع:

1ـ مرجعية القرآن والسنّة:

تقوم جماعات الإسلام السياسي، التي ترى في الإسلام دينا ودنيا وتريد ممارسة السياسة وإدارة مناحي حياة الناس وفق مرجعيات الشريعة، تقوم أولا على مرجعيتين أساسيتين وهما القرآن والسنّة. وكل أدبيات هذه الجماعات، وكل كتابات منظريها، تذهب في الاعتراف بالقرآن، ومن بعده بسنّة النبي محمد، كمرجعين أساسيين للتشريع واستنباط الأحكام والقوانين، حيث لا يجوز لأي قانون وضعي أن يخالف أمريهما أو أن يٌشكل طريقة حياة وإدارة تخالف ما ورد نصا في القرآن والسنّة. وفي رأي هؤلاء فإن "الأمة الإسلامية الصحيحة، إنما قامت في حياتها العامة والخاصة، على أساس القرآن الذي هو هاديها المرشد إلى كل شأن جليل أو ضئيل من شؤون حياتها" (1).

وبحسب الرؤية الأصولية لا يجب أن تتراخى العزائم في الاعتماد على القرآن والسنّة بمرور الدهر، فهما مرجعان ثابتان لا يؤثر فيهما الزمن ولا يٌقلل من قيمتيهما، فالتطور لا يمكن له أن يٌلغي الاعتماد على مراجع الإسلام الأساسية، والأمر " في فجر الإسلام وضحاه، أي في زمن الرسالة المحمدية وعهد الخلفاء الراشدين والصحابة، كان القرآن هو القاموس الوحيد لمعاجم هذه الحياة، وكان النبي صلى الله وعليه وسلم، هو مرجعهم فيه مدة حياته. ثم كانت أحاديثه الصحيحة الثابتة، مرجعهم بعد وفاته في أنظمة حياتهم ومعاملاتهم وشؤونهم من عامة وخاصة" (2).

والقرآن كمرجع وأساس للشريعة، في رأي جماعات الإسلام السياسي، هو نبع دائم الجريان، والعلم الحديث لا يناقضه بل على العكس فقد يساهم الزمن في كشف أسراره للمسلمين أنفسهم، من الذين لم يعوا بعد عظمته ولم يلتمسوا كل حقائقه من علم واستشفاف، لذلك فإن القرآن هو "كتاب الدهر، ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلا الزمن، وكذلك كلام نبينا المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنّة الواردة في معضلات الكون، ومشكلات الاجتماع لم تفهم أسرارها، ومغازيها إلا بتعاقب الأزمنة، وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون، وكم فسرت لنا حوادث الزمن، واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن، ومتون الحديث" (3).

ويعتبر المسلمون كتابهم معجزة لا يمكن الإتيان بمثلها، وتحدّوا العالم عبر العصور بالإتيان بكتاب يشبهه في بلاغته وإحاطته لأمور الدين والدنيا، لذلك ازدادوا تمسكا به وجعلوا كل حكم يٌستنبط من آياته حكما صحيحا لا يمكن رده أو حتى الاقتراب من قداسته وسلامته، ومن هنا فإن"هذا الكتاب نزل على محمد عليه الصلاة والسلام الذي لم يقرأ من قبله كتابا ولم يخط يمينه حرفا، وبلغه لقومه والناس جميعا، وتحدى به البلغاء والشعراء على أن يأتوا بمثله، وطال زمن التحدي فلم يجرءوا على ذلك أو شيء منه. وهو معجزة أبدية يطاول الخلود بما فيه من علوم ومعارف وإنسانيات وإرشادات تحتاج إليها الإنسانية ما بقيت، وهذه المعجزة ستظل فتية خالدة تزداد قوة كلما تقدم الزمن وتقدم العقل البشري" (4).

ولكي لا ندخل في الجانب الفقهي والتشريعي كثيرا، ونغرق في دلالة مكانة القرآن لدى الإسلام والمسلمين بشكل عام، نرى انه من المفيد الإشارة إلى بعض الآيات التي دلت على مكانة القرآن وألزمت المسلمين اعتباره الأساس والمرجع في الدين والحياة، وبعض الآيات الدالة على مكانة القرآن الكريم: "رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينت من الهدى والفرقان"( البقرة/185). "وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه"( المائدة/ 48). " قل لأن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"(الإسراء/ 88)" (5).

واعتمدت أدبيات جماعات الإسلام السياسي على هذه الآيات وآيات أخرى، بالإضافة إلى أحاديث النبي محمد وما تواتر من سير وأخبار السلف على اعتبار أن القرآن هو المنهل الأول للشرع والقوانين الناظمة للحياة، والتي لا يجب على أي مسلم مخالفتها. كذلك عمدوا إلى خلق نظريات تتعلق بكل فروع الحياة والسياسة والتدبير من الآيات القرآنية، وتفسيرات هذه الآيات، والتي جاءت غالبا مفضلة ومقبولة من قبل أساطين الأصولية مثل أبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ومن بعدهم المعاصرين مثل أبو الأعلى المودودي وسيد قطب.

وقد رد هؤلاء على الآراء التي تعتبر القرآن كتاب دين مقدس لا يقدم أي نظام للحياة، وكتبوا ضدها، بل وكفروها، ثابتين على "حقيقة" واحدة هي أن القرآن كتاب دين ودنيا، شامل، ناظم لكل مناحي الحياة بغض النظر عن الزمان والمكان، ونرى مثالا الرأي الآتي: "يشيع بين بعض الناس الذين يقرؤون القرآن بعقلية نقدية تحليلية انطباع، بان القرآن من الناحية الموضوعية لا يتبع نظاما محددا، ويبدو وكأنه مركب من عناصر متناثرة. ولكن، لا بد أن يكون مفهوما بادئ ذي بدئ، أن القرآن ليس كتابا أدبيا وإنما هو حياة. والإسلام نفسه طريقة حياة أكثر من كونه طريقة في التفكير" (6).

ولأن الرأي الأصولي يعتبر القرآن مصدرا للحقيقة المطلقة يجب إتباعه دون إيلاء الزمان والمكان أية أهمية، وتنفيذ أحكامه وأوامره بحسب التفسيرات المتشددة والجامدة، فإنه كذلك ينطلق من "مسلمّة" وهي إن هذا القرآن هو وحده "الوثيقة الإلهية" الصحيحة، وغيره من الكتب المقدسة ما هي إلا تحريفات ولا تملك من الحقيقة مثل كتاب المسلمين، و "الشيء الذي يٌذكر للمسلمين بالخير هو أنهم حافظوا على القرآن من ناحية كلماته وحروفه، حافظوا عليه وحفظوه عن ظهر قلب، ولا توجد أمة من الأمم تحفظ كتابها كالأمة الإسلامية، فقد عرفنا اليهود وعرفنا النصارى وعرفنا أصحاب الديانات المختلفة فلم نجد أمة يحفظ الألوف من أبنائها كتابها كالأمة الإسلامية(..)، نحن وحدنا الذين نملك الوثيقة الإلهية السماوية التي لم يطرأ عليها تحريف ولا تبديل" (7).

ونستخلص مما سبق بأن فكر الإسلام السياسي يعتمد وبطريقة حرفية على ما ورد في القرآن من آيات، ويعتبر الأخذ بالنص وتطبيقه على كافة مناحي حياة المسلمين، في أي مكان وزمان، هو الإيمان الصحيح الذي لا يٌقبل غيره، وهو الواجب والأمر الإلهي الملزم على كل مسلم. فالقرآن هو نبع الحياة والكتاب السليم غير المحرف، ومن لم يعتمد على أحكام القرآن ولم يأخذ بآياته، بل أرتكن إلى القوانين الوضعية أو تراث البشر المكتوب على شكل شرائع وحقوق، فأنه لن يٌقبل منه، بل سيٌكفر ويٌعتبر مارقا وخارجا عن الملة. فالعقل الإسلامي الأصولي يأخذ بالنص وبالمصدر ويرفض أي نص مكتوب من بشر، مهما كان هذه النص يٌجسد الواقع المعاش في هذا الزمن. الشريعة ثابتة عندهم ويجب ان تٌطبق ولا يحق لبشر الخوض في صحتها أو مناقشة ذلك.

أما المرجع الثاني لدى جماعات الإسلام السياسي، بعد القرآن الكريم، فهو السنّة. والسنّة هي الأحاديث التي تواترت عن النبي محمد ونقلها عنه أصحابه، وشملت بعض اوجه الدين والحياة، من التي لم يفصّل فيها المرجع الأول: القرآن. وقد تعرضت كتب الفقه بالشرح والتفسير الكثير لأحاديث النبي محمد، وقسمت تلك الأحاديث إلى صحيحة وضعيفة من أجل ألا تختلط الأمور على المسلمين. لكن فكر الإسلام السياسي اعتمد على الأحاديث والسنّة وفق نظرة خاصة به، وتشدد في نقل أحاديث النبي والعمل بها، مبينا بأن الإيمان لا يتم إلا بتطبيق سنّة النبي على أكمل وجه، وكالعادة بشكل حرفي لا يراعي الزمان والمكان ولا التشريعات الوضعية المعاصرة.

والسنّة تعريفا هي"الطريقة المعبدة، والسيرة المتبعة، أو المثال المتبع، وجمعها سٌنن، وذكروا أنها مأخوذة من قولهم: سنّ الماء إذا والى صبه. فشبهت العرب الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب، فإنه لتوالى جريانه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد. وفي الأساس: سنّ سنّة حسنة، طرّق طريقة حسنة، وأستّن بسنته. وفلان متسنن، عامل بالسنّة. وقال ابن تيمية: السنّة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة. قال تعالى: " قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض". وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" لتتبعن سنن من كان قبلكم". والاتباع هو الاقتفاء والاستنّان. وسنّة النبي طريقته التي كان يتحراها، وسنّة الله تعالى قد تقال لطريقة حكمته وطريقة طاعته، نحو: " سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا". و"لن تجد لسنّة الله تحويلا" (8).

ويذهب التعريف الأصولي للسنّة على اعتبارها كل ما صدر عن النبي محمد من غير آيات القرآن، وعليه فتتبعه أمر واجب وملزم شرعا وإيمانا، و"تطلق السنّة تارة على ما يقابل القرآن الكريم، ومنه قوله صلى الله وعليه وسلم: " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنّة". وتطلق تارة على ما يقابل الفرض وغيره من الأحكام الخمسة فيقال: السنّة: ما يثاب على فعلها، ولا يعاقب على تركها. والمشهور في تعريفها عند الأصوليين: ما صدر عن النبي من غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير" (9).

والحقيقة بأن المسلمين لم يقتربوا بنفس القدر من التقديس الذي أولوه للنص القرآني من أحاديث النبي محمد، فبحثوا في الأحاديث وتجادلوا فيها، وحاولوا أن يقارنوها مع روح النص القرآني، وان يبحثوا في مصادره وتواتره وعدد وهوية ناقليه، وخلفيتهم الإيمانية وسيرتهم في بطون كتب السيرة. ولذلك عدة أسباب لعل منها أن "النبي لم يجعل لحديثه كتابا يكتبونه عندما كان ينطق به كما جعل للقرآن الكريم، وتركه ينطلق من غير قيد إلى أذهان السامعين، تخضعه الذاكرة لحكمها القاهر. ولم يدع صلوات الله عليه الأمر على ذلك فحسب، بل نهى عن كتابته، فقال فيما رواه مسلم وغيره: " لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه". وهكذا ظلت الألفاظ تختلف والمعاني تتغير بتغير الرواة" (10).

وبالاعتماد على أحاديث النبي محمد والتفسيرات التي جاءت في عصور ما بعد الخلافة الراشدية وكتب الحديث والتفسير، ظهرت الخلافات بين المسلمين واختلط الدين بالسياسة وبرغبة الحكام في شرعنة الفقيه لحكمه ومدى أحقيته هو وعائلته بالخلافة. وظهر التكفير هنا، فقد جاءت فتاوى كثيرة تكفر جموعا من المسلمين، واسٌتحدثت أحاديث كثيرة على لسان النبي محمد، وقد أثر الخلاف الكبير بين علي ومعاوية ومن ثم أبناؤهما على كافة المشهد في ذلك الحين، وفي العصور التالية، بسبب تحول المسلمين إلى فرقتين كبيرتين تختلفان في التفسير والعبادات. وادعت كل فرقة من المسلمين على أنها هي الناجية، وكثرت الفِرقة، وتبعا لهذا الكلام " إذا كانت كل فرقة من المسلمين تدعيّ إنها الناجية وأن ما سواها هلكى، فإن رسول الله قد بيّن سمات الفرقة الناجية وهي الجماعة التي تلزم كتاب الله وسنّة نبيه وتقتفي أثر الصحابة وتعمل بنصح رسول الله: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ". و" تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنتي"، و"تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترة أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض". فهم يوالون أهل البيت في غير مغالاة تخرج عن الملة، ويوالون الصحابة ولا يكفرون أحدا منهم ويمسكون عما شجر بينهم بعكس فرق الضلال من الخوارج و الروافض. وهم يؤمنون بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنّة دون تحريف لها وتعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل كما فعلت فرق الضلال من المعتزلة نفاة الصفات ومن المشبهة والمجسمة" (11).

وفي تلك العصور عمد الحكام إلى تجبير المؤسسة الدينية لمصالحهم، فظهرت الفتاوى المؤيدة لحكمهم، وجاءت أحاديث نبوية توافق سياساتهم وهواهم، حيث ظل هذا المشهد المظلم موجود منذ بدأ حكم معاوية بني سفيان العائلي وإلى نهاية حكم السلطنة العثمانية. كما وظهرت نظريات المؤامرة باتهام اليهود والأجانب بتخريب الدين الإسلامي والنيل من السنّة وتحريفها، وقلما اقترب أحدهم من الحاكم الفاسد الذي سطا على الدين وجيّره لحكمه وبرر به سياساته الظالمة، "جميع الاختلافات الاعتقادية التي فرّقت دين الأمة وجعلتها شيعا أضرمت بينها نار العداوة والبغضاء وجعلت بأسها بينها شديدا، وأضعفتها أمام أعدائها كانت كلها بحمد الله وليدة عوامل أجنبية لا صلة لها بالدين، فكان أصحابها لا يصدرون فيها عن فهم صحيح الكتاب والسنّة والاستمساك بهما، ولكن يصدرون إما عن هوى غالب أو عصبية ممقوتة أو تقليد أعمى، أو تأثر بالفلسفات الأجنبية والأفكار الدخيلة، أو خدمة لأغراض خاصة، أو حقد على الإسلام ورغبة في إفساده على أهله" (12).

وما عدى الخلاف بين الشيعة والسنّة فيما بعد، وإشارة كل فريق إلى" أخطاء وتحريفات" الفريق الآخر، إلا أن المشهد العام كان يكمن في تجيير الحاكم للدين لمصالحه ولتثبيت حكمه وشرعنة هذا الحكم، و"كان المفتي أو الفقيه عونا له، حيث جاءت الأحاديث والنصوص كلها لمصلحة هذا الحاكم. وقد سمي لاحقا هذه المرحلة بأزمة الإسلام. حيث جاءت الدعوات لتخطي هذه المرحلة وعصرّنة الإسلام عبر تخليص من التفسيرات التي لا توائم وروح العصر الحديث، و"لكي يخرج العقل المسلم من أزمته الراهنة، وينتقل إلى مرحلة الرؤية السليمة والقدرة والعطاء، والاستجابة لمتطلبات المرحلة وإعادة بناء المنظومة الفكرية والثقافية للأمة، لابد من إعادة قراءة مصادر الإسلام الثابتة: الكتاب والسنّة، بوعي وفهم دقيقين، ونظر إسلامي معاصر قادر على ملاحظة جميع المؤثرات وسائر الأبعاد لاستلهام المقاصد ومعرفة الغايات، وتبين الكليات، واستنباط المنهج اللازم للاستجابة الإسلامية لتحديات المرحلة وإعادة بناء مقومات الأمة" (13).

ومن هنا نجد بأن الاتفاق لم يكن حاصلا على تبني سنّة النبي والتمسك بها مرجعا ثانيا بعد القرآن، وظهرت خلافات كثيرة كان مردها رغبة الحاكم في استغلال الدين ونص الحديث لمصالحه وسياساته، لكن العقل الأصولي ظل ينظر نظرة قداسة إلى السنّة النبوية، بوصفها ركنا من أركان الأيمان، وظلت أحاديث النبي محمد تلعب الدور الكبير في تبرير سياسة واستراتيجية هذه الحركات، واتسم الاعتماد والاقتباس على النزعة الانتفاعية والتجيير الواضح لصالح الهدف السياسي لهذه الجماعة الأصولية أو تلك.

2ـ مرجعية الشورى:

شكلّ مبدأ الشورى ركنا آخر من أركان التشريع لدى الفقه الإسلامي، واعتمد عليه فكر الإسلام السياسي بدوره، وقدمه كبديل إسلامي عن الديمقراطية الغربية التي رفضها رفضا كاملا، متقدما عليها بنظام "الشورى الإسلامي" الذي قال بأنه يفي بالحاجات وقادر على تنظيم شؤون المسلمين.

وتعني كلمة الشورى في اللغة العربية "استخراج أفضل الآراء بالتداول مع نفر من الناس يظن فيهم توافر العقل والحجة والحنكة والتجربة والدهاء...الخ، مما يؤهلهم إلى تقديم الرأي السديد والقرار القويم ولا تدل تلك اللفظة على الحصول على رأي الأغلبية بقرار يصوتون عليه" (14).

والشورى تشمل، كذلك، كل تشاور يؤدي إلى مناقشة الآراء المختلفة، ويمكننا من الترجيح والمفاضلة بينها واختيار أقربها لمقاصد الشريعة ومبادئها، ويمكن أن نسميها "المشاورة" أو "التشاور" أو المشورة، أو الحوار. والشورى الملزمة بالمعنى الضيق الدستوري هي " شورى الجماعة أو الشورى الجماعية التي تضمن مشاركة أفراد الجماعة والهيئات المكونة لها في صنع القرارات المعبرة عن إرادتها وسلطانها في تقرير مصيرها، والتصرف في شئونها العامة عن طريق الحوار الحر، ومناقشة الآراء من أجل اختيار أفضلها، أي أقربها لهدى الإسلام وشريعته وعدالته" (15).

وقد جاءت الشريعة الإسلامية مقررة لمبدأ الشورى في العديد من الآيات والأحاديث، وقد اتفق الفقهاء والمفسرون على أهمية الأخذ بها في الحياة العامة باعتبارها أمرا إلهيا لا غنى عنه في تسيير شؤون دولة الخلافة الإسلامية. و"يظهر هذا التقرير لمبدأ الشورى في قوله تعالى: " وأمرهم شورى بينهم" (الشورى/38)، وفي قوله: " وشاورهم في الأمر"( آل عمران/159)، ولم يكن تقرير النظرية نتيجة لحال الجماعة، وقد كان العرب في أدنى دركات الجهل وفي غاية التأخر والانحطاط، وإنما قررت الشريعة النظرية لأنها قبل أي شيء من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل" (16).

إذن هناك نصوص قرآنية تدعو للاعتماد على الشورى كونها مبدأ شرعي في القرآن، وهو مقرر في كل مجتمع إسلامي، وغير محدود بوجود دولة الخلافة الإسلامية التي تطبق الشريعة وتعلن ذلك، أي انه مفروض في كل زمان ومكان ولا يمكن تأجيله، وعليه ف"نظرية الشورى تقوم على أصول وقواعد شرعية تبدأ بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية والسوابق التاريخية والإجماع في عهد الصحابة. والشورى مبدأ شرعي يستمد قوته ووجوبه من القرآن، ويكتسب قوله من الصفة الإلهية للشريعة، إنه منهاج مرتبط بالعقيدة والشريعة، فهو مبدأ عميق الجذور واسع النطاق في نفوس الأفراد وفي كيان المجتمع، انه يوجد حيث توجد الشريعة والجماعة ولو لم توجد دولة" (17).

وفي دولة النبي محمد كان للشورى حضورا واضحا، وقد أوصى عليها النبي، و"وضع في ذلك العهد المبكر أسس الحكم في المجتمع الإسلامي في مختلف الشئون، والدعامة الرئيسية لهذه الأسس في اتباع النص الصريح إذا وٌجد، فإذا لم يوجد فالشورى والاجتهاد" (18). وبالرغم من أن "نظام الشورى الإسلامي يؤمن بحق الإنسان المسلم في اختيار السلطة التي تحكمه ولم يرد فيها نص من القرآن الكريم أو السنّة النبوية الصحيحة، فقد تركها الإسلام لاختيار المسلمين. وقد تحقق ذلك في بيعة السقيفة لاختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين، وفي اختيار الخلفاء الراشدين" (19).

إلا أن الاتجاه الأصولي قد ذهب إلى الاعتماد الكلي على الشورى في عملية اتخاذ القرارات وتسيير أمور الشعب، رافضا بذلك الديمقراطية بصيغتها المعاصرة، كما ذكرنا سابقا، وعليه فأن كلام أهل الحل والعقد هو الذي سٌيعتمد عبر الشورى، وليس رأي الجماهير بنظام الأغلبية، كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية ونظم الانتخابات فيها. لذلك نرى "أن ميزة الشورى هي إشعار من يصدرون قرارا في أمر من الأمور، أنه يجب عليهم ديانة أن يثبتوا لأمتهم أن أساس ترجيحهم له هو أنهم يرون أنه أقرب للعدالة من غيره، وأنه يكتسب شرعيته وصحته من هذه الأدلة ورجاحتها، فلا يجوز لنا أن نصدر قرارا لمجرد أن هذه هي إرادة الشعب أو إرادة الجماهير أو الأغلبية، أو ما إلى ذلك من الرموز البشرية التي يستخدمها أصحاب الأساليب "الغوغائية" (20).

ويتمسك الإسلاميون بصيغة الشورى رافضين معادلتها بأي صيغ وضعيّة أخرى: " إننا نعارض وصف الشورى بأنها ديمقراطية، بل يجب في هذه الحالة إضافة صفتها الإسلامية، لأن عدم ذكر هذه الصفة قد يؤدي إلى أن يفهم البعض أن الديمقراطية تغني عن الشريعة أو أنها بديل عنها، وأنه يكفي أن تقرر الديمقراطية أو الأغلبية أمرا حتى يعتبر هذا الأمر شرعيا دون حاجة للبحث في مدى التزامه بأحكام الكتاب والسنّة" (21).

وعليه، فان (مجلس شورى المسلمين) يجب أن يٌراعي فقط ما سنه الإسلام وورد في نصوص القرآن والسنّة، بدون أن يتأثر بالنظام الديمقراطي الحديث وأسسه، وهذه ـــ بحسب النظرة الأصولية وتفسير الإسلام السياسي ــــ مسلمّات لا يجب الاقتراب منها أو مناقشتها، كونها "معلوم من الدين بالضرورة"، ومن هنا ف"إن الأحكام المنصوص عليها في بيانات واضحة من القرآن أو السنّة، لا سبيل لأي تشاور في أمرها، ومن ثم فإن مجلس الشورى، مهما كان مستواه، لا يتدخل فيها، وحسبنا دليلا على هذا قول الله عز وجل: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا"، (الأحزاب: 33/36)" (22).

أما الآراء المعاصرة، من غير المنتمية إلى مدارس جماعات الإسلام السياسي، فتسمح لنفسها بالخوض في نظام الشورى، وتشكك في أهلية هذا النظام في الإيفاء بمتطلبات دول ومجتمعات المسلمين في العصر الراهن، أو قدرته على الحيلولة محل النظام الديمقراطي، وهنا تظهر تساؤلات كثيرة من قبيل "إذا كانت الشورى، قيمة ومفهوما، يجب أن يلتزمه المجتمع المسلم في إدارته لشؤونه، فإن السؤال المهم هنا: ما هي الآليات والإجراءات والأساليب التي تضمن لنا نزاهة وصدقيّة هذه الشورى؟...لأنه من البداهة أن ثمة شورى لا قيمة لها عمليا، ولا تٌحقق مقصود الشارع من التأكيد عليها، كأن يقوم الحاكم المتغلب المستبد باستشارة مستشاره الخاص الذي لا تزيد مهمته على أن يهز رأسه بالموافقة على أفكار هذا الحاكم المٌلهم والفذ!. فهل تحققت قيمة الشورى حينئذ؟" (23).

ولا شك بأن نظام الشورى قد عٌد من جوهر الشريعة الإسلامية، ولا تستقيم دولة الإسلام بدونه، وهذا موجود في إيران والسعودية، اللتان تطبقان الشريعة الإسلامية، كل بتفسيره. وتتشدد جماعات الإسلام السياسي في اقتباس نموذج السلف في الشورى، رافضة أي تطعيم ديمقراطي، وذاهبة بأن النظام الإسلامي هو الذي يخرج برأي متفق عليه، يٌعد فيما بعد رأي جموع المسلمين، وعلى الحاكم تقبله وتطبيقه. أما النظام الديمقراطي فهو في نظر هذه الحركات من بدع الغرب ولن يستطيع أن يحل محل الشورى الإسلامية، والتي هي هنا من أوامر الله وسنّة رسوله ويجب اتباعها.

ويٌعتبر تطبيق نظام الشورى أحد أهداف جماعات الإسلام السياسي بعد الاستحواذ على السلطة وتحقيق دولة الخلاقة وإحقاق الشريعة. ويأتي التناقض هنا بأن المسلمين المخولين بصنع الشورى لتمثيل رأي الأمة، إنما يخافون من الحاكم ولا يستطيعون قول كلمة الحق والمجاهرة بها في وجهه، بل يٌزينون له الخطأ أما من أجل مطمع دنيوي، أو تفاديا لشره، وهو الأمر الذي يٌفقد نظام الشورى أحد أهم الصفات التي تتمتع بها الديمقراطية وهي المصداقية والمحاسبة والإشارة إلى مواضع الأخطاء والنواقص.

3ـ مرجعية دولة الخلافة:

تركز جماعات الإسلام السياسي على ضرورة إعلان دولة الخلافة، بحيث تشمل كل العالم الإسلامي، وتعتمد الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للحكم والتشريع وإدارة كافة مناحي حياة المواطنين وتحديد العلاقات مع بقية الأمم والدول. وتقع هذه الفكرة في صلب مشروع جماعات الإسلام السياسي، فهي ترى بأن الإسلام هو دين ودنيا، وتطالب بإشرافه على كافة مناحي الحياة والسياسة، ولتحقيق هذا الهدف لابد من وجود دولة الخلافة التي تقوم على القرآن والسنّة والشورى، وتٌعتبر استمرارا لدولة النبي محمد والخلفاء الراشدين التي أقاموها بداية انطلاقة الدعوة الإسلامية، وعلى هذا الرأي يمكن القول أن "الدين الإسلامي هو دين عالمي يجمع بين السياسة والديانة، والنبي الكريم لم يكتف بوضع الشريعة فقط، بل اشتغل بوضع القوانين الشرعية وتبليغها من جهة ومن جهة أخرى تعهد بذاته تنفيذ أحكامها وإجراءاتها، وكان ينظر إلى مصالح الأمة ويمشيها ويبعث الولاة والقضاء للإنحاء ويتقلد بنفسه القيادة العامة في الأمر المهم، ألا وهو الجهاد" (24).

ويٌظهر خطاب جماعات الإسلام السياسي دولة الخلافة وكأنها دولة الكمال والصلاح، لا أخطاء ولا تجاوزات فيها. إنها المثال الأكمل على الأرض من وجهة نظره، فقد قادها النبي وصحبه من بعده وأشرفوا على أمورها، لذلك يجب أن تكون "النموذج" المنشود، وبحسب هذا الرأي فقد " كانت الدولة الإسلامية بحق المثال الفريد للدولة الدينية. فمؤسس هذه الدولة رسول من الله، والهدف الذي لأجله قامت هذه الدولة هو الدعوة إلى الله سبحانه، وإخراج الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الإيمان، ومجاهدة المعاندين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغون الفساد في الأرض. ودستور الدولة وقانونها الخالد معجزة من الله، والسلطات العامة نابعة من هذا الدستور الإلهي، تطبقه وتنفذه ولا تحيد عنه. وكل فرد من أفراد الشعب فيها يدعو لهذا الدين ويجاهد في سبيل الله، ويوالي ويعادي في الله" (25).

ويواصل خطاب الإسلام السياسي مديحه لحكومة دولة الخلافة، فيعمل على تنزيهها وتصويرها على أكمل وجه، وفي المقابل تأثيم غيرها من نماذج الحكم والدول المعاصرة، والتي لا ينفي الإسلام السياسي بأن بعضها ربما يكون جيدا، ولكن ذلك يكون غالبا استثناء وليس قاعدة!، لذلك فإن "أفضل الحكومات الممكنة، ولو على سبيل الفرض والتصوير، إنما هي الحكومة الإلهية، فإنها الحكومة الوحيدة التي يكون صلاحها مضمونا، لا شك فيه، وأما سواها من الحكومات فليس فيها أي ضمانة، لذلك حتى في أرقى الأمم إذا وجدت حكومة صالحة، فلن يكون ذلك مطردا ولا محتوما" (26).

والقدوة في التمسك بالخلافة الإسلامية والاستدلال عليها فقهيا، في عرف جماعات الإسلام السياسي، هو النبي محمد، فهو الذي أسس دولة الإسلام ودعا إلى إحكام الشريعة، و" لأن الإسلام دين ودولة فقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالتخطيط والإعداد لإقامة هذه الدولة، وكان البدء في ذلك ببيعة العقبة الثانية التي تمت قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، وبمقتضاها نشأت أول دولة إسلامية، أعطيت السلطة فيها إلى الرسول ليكون أول حاكم لها، ومن خلال السلطة أقام حكم الله تنفيذا وتشريعا وقضاءا في السياسة والاجتماع والاقتصاد" (27).

وحضاريا، فإن الإسلام، كإمبراطورية وخلافة، استطاع أن يوحد المجتمع العربي القبائلي وأن يٌشكل معالم الأمة المؤطرة بحدود سياسية وسطوة وسلطة واضحة المعالم والمقدرات، ومن هنا تم اعتبار الإسلام "آخر حملة حضارية ذات جذور سامية، وقد أوصلت هذه الحملة جميع عرب الصحراء الذين كانوا متخلفين وبعيدين عن الحضارة إلى قوة حضارية إقطاعية من خلال جمعهم تحت لواء الإسلام، الذي بعث القوة في الأمة بشكل موضوعي. إن مفهوم الفكر الوحدوي في الإسلام الذي يتجاوز المفهوم القبلي هو مفهوم قوي جدا، ولذلك دخلت القبائل والعشائر التي كانت تعيش بشكل مشتت في الشرق الأوسط وبعيدة عن روح الوحدة في علاقات عرقية عن كثب" (28).

وتؤكد جماعات الإسلام السياسي على أن دولة الخلافة ما هي إلا امتداد لدولة النبي محمد، والذي سار بهدى الوحي لتوطيد الإسلام كدين ودولة، وبذلك لا يمكن القبول أبدا بأي رأي يدحض شرعية إقامة دولة الإسلام، وذلك لأن " تاريخ الإسلام ينبئنا أن الرسول سعى بكل ما استطاع من قوة وفكر، مؤيدا بهداية الوحي، إلى إقامة دولة الإسلام، ووطن لدعوته، خالص لأهله، ليس لأحد عليهم فيه سلطان، إلا سلطان الشريعة. ولهذا كان يعرض نفسه على القبائل ليؤمنوا به ويمنعوه ويحموا دعوته، حتى وفقّ الله "الأنصار" من الأوس والخزرج إلى الإيمان برسالته. ولم تكن الهجرة إلى المدينة إلا سعيا لإقامة المجتمع المسلم المتميز تشرف عليه دولة مسلمة متميزة" (29).

فالدلالة على وجوب إقامة دولة الخلافة في كل زمان ومكان يمكن استخلاصها من سيرة النبي وصحابته والقائمين على دعوته من بعده. وهي بحسب أصحاب الاتجاه الأصولي دليل دامغ على وجوب إقامة دولة الإسلام والتمسك بإستمراريتها ورفض كل الدعوات القائلة بعدم وجوبها، والدليل على هذا الزعم انه و"عند وفاة النبي كان أول ما شغل أصحابه، أن يختاروا "إماما" لهم، حتى أنهم قدموا ذلك على دفن النبي، فبادروا إلى بيعة أبي بكر، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، وبهذا الإجماع التاريخي ابتداء من الصحابة والتابعين، استدل علماء الإسلام على وجوب نصب الإمام الذي هو رمز الدولة الإسلامية وعنوانها" (30).

أما الخلافة تعريفا فهي "رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي محمد، وهي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة، بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة" (31). ويٌقصد بها أيضا "سلطة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول محمد، فكانت تعبر عن رأس الدولة الذي عليه تدبير شؤونها ـــ أي سياسة الدنيا ـــ كما عليه أيضا تدبير ما يتعلق بالأمور الدينية، أي حراسة الدين. وكما كان الرسول مبشرا بالدين الإسلامي ورئيسا للدولة الإسلامية، فإن الخليفة أو الإمام هو رئيس الدولة الإسلامية أو حارس الدين الإسلامي" (32).

واصطلح الفقه الإسلامي، كذلك، على تسمية الخليفة بالإمام، وقال بأن الخلافة هي في الأساس أيضا إمامة خليفة رسول الله للمسلمين وتولي شؤونهم، ف"الخلافة في أصلها موضوعة لمعنى كون الشخص خلفا لأحد، ولكون الشخص المحترم الذي هو إمام المسلمين خلف النبي في إجراء الأحكام الشرعية سمى (خليفة)، ويٌقال للخلافة (إمامة) أيضا. ولأجل تمييزها عن الإمامة بمعنى كون الشخص إماما في الصلاة للجماعة يعبر عنها ب "الإمامة الكبرى" (33).

وثمة شروط وضعها المشرّع في خليفة المسلمين، والرجل الذي سيقود دولة الخلافة والأمة. و"يشترط أن يكون الشخص جامعا للصفات المطلوبة والشروط اللازمة. والشروط المتفق عليها عند جمهور أهل السنّة هي: أن يكون مسلما، حرا، عاقلا، بالغا، ذكرا، سليما في حواسه وأعضائه، كفئوا، عالما، شجاعا، عادلا، قرشيا" (34).

وتكمن مهمة الخليفة الرئيسية في تطبيق الشريعة في دولة الإسلام والإشراف على شؤون المسلمين، ومراقبة أمور الحياة، بحيث يسير كل شيء وفق الشرع، ويعتبر الخطاب الأصولي هذه المهمة مركزية ومٌلزمة، ويعد أي شيء آخر لا يتعلق بتطبيق الشريعة وردع منتهكيها في دولة الخلافة أمرا هامشيا ليس ذا أهمية، لذلك فإن "وظيفة الحاكم في الإسلام أن يقيم دين الله تعالى في الناس، بما في ذلك السهر على مصالحهم الدنيوية، بحسبان هذا السهر جزءا مما يأمر به هذا الدين حاكم المسلمين، لا بحسبانه كل وظيفة الحاكم، ومنتهى الغايات عنده، كما هو الشأن في الجاهلية الحاضرة التي لا ترى للحاكم وظيفة أبعد من التعامل مع "المشكلة الاقتصادية"، وما هي وأشباهها في التصور الإسلامي إلا بعض قليل من كل واسع رحيب، هو إقامة الحياة في أرض الله على منهاج الله" (35).

ولابد لدولة الخلافة، كذلك، أن تكون ذات عقيدة ومنهج في الحياة إلى جانب كونها كيانا حافظا للمسلمين وأمنهم، ولذلك "فإن دولة الإسلام "دولة عقدية فكرية"، دولة تقوم على عقيدة ومنهج، فليست مجرد "جهاز أمن" يحفظ الأمة من الاعتداء الداخلي أو الغزو الخارجي، بل إن وظيفتها لأعمق من ذلك وأكبر. وظيفتها تعليم الأمة وتربيتها على تعاليم ومبادئ الإسلام، وتهيئة الجو الإيجابي والمناخ الملائم، لتحول عقائد الإسلام وأفكاره وتعاليمه إلى واقع عملي ملموس" (36).

ويرفض الإسلام السياسي بشدة مبدأ فصل الدين عن السياسة، ويقول بأن ذلك غير جائز شرعا، بل أن الدين هو الذي يدمغ الحياة العامة بدمغه بينما يجاهد الفرد لكي يكون مطيعا في عبادته لله ولأحكام شريعته، لذلك فإن" محاولة فصل الدين عن الدولة لن تؤدي إلا إلى حالة انفصام في شخصية الناس، فلا أحد يستطيع أن يعيش فترة ممارسا لإيمانه وفترة كافرا به. فالمؤمن الحقيقي لا يستطيع أن يخلع إيمانه ويٌعلقه على المشجب فور دخوله مكان عمله. وكانت هذه وجهة نظر المسيحيين والغرب، من قبل ميكيافيلي ومن بعده، وحتى مرور فترة ليست قصيرة من القرن التاسع عشر" (37).

ويرفض أغلبية دعاة الإسلام السياسي تجزئة أحكام الشريعة بقبول بعضها ورفض بعضها الآخر، وينطلقون دائما من التفسير الأصولي للإسلام، فيذهبون بأن كل أحكام الشريعة هي ملزمة وصالحة لكل زمان ومكان، وفي مقدمتها الاحتكام إلى القرآن والتسليم بأن الإسلام هو دين ودنيا، ويتهكمون من الدعوات التوافقية بين مشروع دولة الخلافة ودولة الديمقراطية، أو دولة القوانين الوضعية، " مسلمون لله ولكن على طريقتهم الخاصة، إسلام لا يتجاوز الحلقوم ولا ينهض على أي ساق من استشعار معنى العبودية لله عز وجل!. مسلمون ويجلسون مع الله على مائدة مستديرة يناقشون في نظامه وأحكامه وحلاله وحرامه. مسلمون ويقول قائلهم: إن كثيرا من أحكام الشريعة الإسلامية لم تعد صالحة للتطبيق!" (38).

ويشرح أبو الأعلى المودودي علاقة دولة الخلافة بالمواطن المسلم وغير المسلم، وكيف سيكون مصير من لا يؤيد الحكم الإلهي ولا يقبل الانضمام إلى "الحزب الإسلامي" المكٌلف بتطبيق شرع الله وإقامة دولة الخلافة، فيقول" ما أتخذ الإسلام حدودا وقيودا جغرافية أو لسانية أو عنصرية، وإنما يعرض دستوره على الناس كافة، ويبين لهم غايته وبرنامجه الإصلاحي، فمن قبله منهم أيا كان وإلى أي نسل أو إلى أية أرض أو أمة ينتمي، فهو يصلح أن يكون عضوا في الحزب الذي أسس بنيانه لتسيير دفة هذه الدولة. وأما من لم يقبله فلا يسمح له بالتدخل في شؤون الدولة أبدا، وله أن يعيش في حدود الدولة كأهل الذمة، متمتعا بحقوق عادلة مبينة في الشريعة لأمثاله، وكذلك تكون له عصمة من قبل الإسلام حاصلة في نفسه وماله وشرفه، ولكن لا يكون له حظ في الحكومة في حال من الأحوال، لأن الدولة دولة حزب خاص مؤمن بعقيدة خاصة وفكرة مختصة به" (39).

ويشن الخطاب الأصولي هجوما عنيفا على كل من لا يعترف بان الإسلام دين ودولة، ويعزو ذلك إلى فساد هؤلاء وبعدهم عن أخلاق الإسلام وحقيقته تارة، وإلى تأثرهم بعقائد وأفكار الغربيين طورا. وتبعا لهذا الرأي فقد "نجح الاستعمار في خلق فئات تؤمن أن الدين لا مكان له في توجيه الدولة وتنظيمها، وأن الدين شيء والسياسة شيء آخر، وأن هذا يجري على الإسلام، كما جرى على المسيحية. وكان من الشعارات المضللة التي شاعت: أن "الدين لله والوطن للجميع"!. وهي كلمة حق يٌراد بها باطل" (40).

ويستهدف الهجوم الأصولي بشكل خاص العلمانيين من الذين قالوا بفصل الدين عن الدولة واتخذوا النموذج الديمقراطي الغربي منهجا للحياة، مقتبسين فكرة فصل الكنيسة عن الدولة في الغرب أساسا لهم، وذلك من اجل نقلها إلى بلاد المسلمين، وبذلك فإن "الدعوة للعلمانية التي رددها الخارجون عن الإسلام كالشيوعيين إنما يقصد منها القضاء على الإسلام وإقصائه عن الحياة، وخلق قاعدة سياسية في بلاد المسلمين تتولى وضع المناهج لحياتهم الفكرية والاقتصادية. ان المؤسف والمحزن أن تنطلق في بلاد المسلمين أمثال هذه الأقاويل المنكرة التي يرددها المارقون والتي كانت بوحي من الأجنبي وبإيعاز من المستعمر وليس المقصود منها إلا قلع جذور الإسلام ومحو سطوره وآثاره من البلاد" (41).

وحتى الاجتهادات التي يقوم بها بعض رجال الدين المسلمين، من المحسوبين أصلا على تيار الإسلام السياسي، والتي تنطلق من بعض القواعد الفقهية، يتم رفضها من جانب الأصوليين، وتوسم بالضلال والانحراف، " الفكر العلماني الدخيل الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة، لم يقف عند الرجال "المدنيين" وحدهم، بل تعداهم إلى بعض الذين درسوا دراسة دينية في معهد إسلامي عريق كالأزهر، كما تجلى ذلك في كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" (42).

وان لم يكن هناك نص قرآني حول وجوب تشكيل الدولة الإسلامية القائمة على الشريعة، إلا أن ذلك لا يعني بأن إقامة دولة الخلافة ليست واجبة شرعا، " أنا مقتنع تماما بأن الإسلام الذي هو دين ودولة في آن واحد، لم يحدد لا بنص قرآني ولا بحديث نبوي الشكل الذي يجب ان تكون عليه الدولة فيه وإنما ترك المسألة لاجتهاد المسلمين، فهي من جنس الأمور التي يصدق عليها قول الرسول "انتم أدرى بشؤون دنياكم" (43).

ويذهب الشيخ الأزهري علي عبد الرازق بأن الخلافة، أو الإمامة في المسلمين، غير موجودة كشرع مٌلزم في القرآن والسنّة، إنما تم استنباطها فيما بعد لحاجة الدولة الوليدة، " إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيديك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس، فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شيء من أمر هذا الدين، " ما فرطنا في الكتاب من شيء"، ثم لا تجد فيه ذكرا لتلك الإمامة العامة أو الخلافة. إن في ذلك لمجال للمقال. ليس القرآن وحده هو الذي أهمل تلك الخلافة ولم يتصد لها، بل السنّة كالقرآن أيضا، قد تركتها ولم تتعرض لها. يدلك على هذا أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا في هذا الباب بشيء من الحديث، ولو وجدوا لهم في الحديث دليلا لقدموه في الاستدلال على الإجماع، ولما قال صاحب المواقف إن هذا الإجماع مما لم ينقل له سند" (44).

  

ويمنح بعض الباحثين للبشر سلطة الإدارة والتطبيق، بينما يعطي القرآن الكريم سلطة الحكم والتشريع، وهي محاولة مكشوفة للتوفيق بين مطلب جماعات الإسلام السياسي في دولة الخلافة من جهة وبين الدعوات المعاصرة المطالبة بالدولة المدنية الديمقراطية من جهة أخرى، " إن كون الدولة الإسلامية هي دولة القرآن لا ينفي أن تكون الأمة فيها هي مصدر السلطات. والضابط الوحيد لهذا النص التقليدي في الدساتير الديمقراطية أن السلطات هنا ليست مطلقة، ولكنها داخل الإطار العريض(القرآن)، فالسيادة هي للقرآن باعتباره التوجه الإلهي، ولكن "سلطة" الفهم والتطبيق والممارسة والإضافة والتأويل...الخ هي للأمة التي أستخلفها الله في الأرض" (45).

وهناك آراء كثيرة من مفكرين وباحثين ينتمون إلى جماعات الإسلام السياسي، ومن آخرين ينتمون إلى الاتجاه العلماني المطالب بفصل الدين عن الدولة تماما، تؤكد على فكرة مفادها بأن الدين الإسلامي لم يأت بنص مٌلزم ومحدد واضح في القرآن أو حديث نبوي صريح يطالب المسلمين بإقامة دولة الخلافة، ومن هنا و" في الحقيقة فإنه لا توجد آية واحدة في القرآن الكريم توجه المسلمين إلى أية حكومة سياسية معينة أو حتى تشير إلى النظام السياسي، فإذا كانت الخلافة أو الإمامة أو الإمارة من صميم العقيدة الإسلامية لكان من الضروري أن ينص القرآن على ذلك، وأن يحدد شكل هذه الحكومة أو حتى يرسم لها الخطوط الرئيسية. كذلك فإن الأحاديث النبوية الصحيحة لم ترسم أو توص بأي شكل للحكومة، ولو كان ثمة حديث صحيح يٌعتد به في هذا الخصوص لأحتج به الصحابة في سقيفة بني ساعدة عندما حدث اختلاف بين المهاجرين والأنصار عن حق كل في الإمارة بعد النبي صلى الله عليه وسلم" (46).

ويذهب دعاة هذا الرأي بأن الإسلام لم ينص على ضرورة وجود دولة إسلامية جامعة أو دولة الخلافة من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية وإدارة شؤون المجتمع بحسب هذه الشريعة، وعليه فلا أمر سماوي مٌلزم بوجوب العمل والنضال من اجل تحقيق دولة الخلافة في أي زمان أو مكان، وعليه " إذا كانت الشريعة الإسلامية لا تتضمن ما يوجب قيام الدولة ولم تعرض لتنظيم معين يمكن أن تقوم عليه ولم يؤثر عن النبي انه أوصى بذلك أو بما يشبه ذلك، ولم يستخلف من يقوم بعده على شؤون الجماعة الإسلامية، فلأن الدولة ليست شرطا لقيام الجماعة الإسلامية" (47).

وعلى هذا الرأي فمفهوم الدولة أو الخلافة والملك، بخلاف دعوات جماعات الإسلام السياسي وكتابات منظريها، مفهوم مستحدث ولم يأت به الإسلام، ولم يقر به النبي محمد، فالدعوة كانت للقلوب لإدخالها في الإسلام وتثبيت نظام إيماني اعتقادي يٌلزم الناس بشريعة الإسلام والعبودية التامة لله، دون تشكيل دول أو تثبيت مٌلك هنا أو هناك، وعليه فإن" الواضح في القرآن هو رفضه لصيغة الملك كشكل من أشكال السيادة على الدولة، فقال" إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة"، فالصيغة الملكية تطلب خضوع المواطنين الكامل، وهو ما ترفضه وتأباه أنفة البدوي الحر في صحرائه، لذلك لم ينضم بدو الجزيرة تحت حكم مركزي إلا زمن النبي وحده في شكل تجمع قبلي يمثل مرحلة انتقالية من القبيلة إلى الدولة، ولم يستمر هذا الطور طويلا فتفكك التجمع القبلي والنبي على فراش الموت في شكل نزعات استقلالية مرتدة. وطال هذا الطور القبلي حتى أقام ابن سعود بحلفه مع ابن عبد الوهاب شبه دولة، مازالت القبيلة فيها سيدة الموقف، يحفظون إلى اليوم أنسابهم وولائهم القبلي دون بقية أمم العالم" (48).

ولأن الجماعات الإسلامية التي ترنو إلى تطبيق الشريعة وإحقاق دولة الخلافة قد لجأت إلى السلاح والعنف لتحقيق هدفها في دولة الخلافة القائمة على الشريعة، فإن القضية خرجت عن إطار التحاور الفكري بين أصحاب اتجاهين، أحدهما مدافع عن دولة الخلافة الإسلامية والآخر يناقضه وينكر كل دعواته، حيث باتت القضية أكثر تعقيدا، وخرجت من عباءة جماعات الإسلام السياسي ومن وحي كتابات رموزها، منظمات ذات بعد دولي تستخدم العنف المفرط وفي كل أنحاء العالم من أجل تحقيق هذه الأهداف السياسية ذات الخلفية الدينية الجدالية.

كما ونرى بأن الخلافة لم تكن نظاما ملائكيا بالشكل الذي تقدمه لنا جماعات الإسلام السياسي ومنظمات الأصولية والجهادية التي تبرر بهذه الدعوى سياساتها وحملها للسلاح ولجوئها إلى العنف، بل كانت نظام حكم عادي مرّ بالكثير من الأخطاء والمثالب، بل ولم يطبق في الكثير من المحطات التاريخية أي من قيم الإسلام المنصوص عليها شرعا، وقد " بدأ نظام الخلافة بعد وفاة الرسول، واستمر فترة طويلة، واختلفت أشكال الخلافة، فهي في عهد الخلفاء الراشدين انتخابية شورية، وفي عهد الخلفاء الأمويين والعباسيين استبدادية وراثية، فقد انعدمت الشورى وأصبح الانتخاب صوريّا محضا، والتمس الفقهاء لتبرير ذلك سندا من الأحاديث، فنسبوا إلى الرسول أنه قال " الخلافة بعدي أربعون سنة، ثم تصير ملكا عضوضا" (49).

وظهر بأن النداء باسم الخلافة كان من أجل فرض السطوة السياسية وتوسيع رقعة الإمبراطورية، حيث كان لابد من وجود إيديولوجية جاذبة وشعار قوي، وبذلك فإن " الصراع على الإسلام، كما تجسد في مسألة الخلافة، هو صراع حول قضايا وأفكار ميتة أو مستهلكة تشدّنا إلى الوراء، لم تٌطبق، بل هي عملت على طمس التاريخ بوقائعه وأحداثه. فالحكومات الإسلامية، لم تتشكل عمليا، لا وفقا لمبادئ الشورى ولا لمبدأ العصمة، بل بقوة الاستيلاء، تماما أن الإسلام لم يتشكل وفقا لمنطق "التعارف" القرآني، بل بحسب استراتيجيات الاستبعاد والإقصاء" (50).

ومن هنا فإن الرأي المعاكس لرأي جماعات الإسلام السياسي يبرر الدعوة لرفض دولة الخلافة بطغيان النموذج الديمقراطي الغربي ولجوء معظم التشكيلات السياسية لأمم الأرض إلى تطبيق هذا النموذج، ولذلك تبدو فرص نجاح جماعات الإسلام السياسي ضئيلة للغاية مع كل هذا الاقتدار وهذه السطوة الغربية، قيميّا وثقافيا، وحتى اقتصاديا، وعليه فإن " الصراع على مسألة الخلافة قد فقد اليوم أرضيته، فالعالم الغربي قد اخترق المجتمعات الإسلامية وقدم لأهلها نماذج في الحكم لا يستطيعون التنكر لها أو القفز فوقها، من الدستور إلى القوانين الوضعية، ومن الجمهورية إلى الآليات الديمقراطية، ومن حقوق الإنسان إلى الحق بالتنويع الثقافي والتعددية السياسية. أما العودة للحاكمية الإلهية أو الحكومة الإسلامية، فمآله ما نشهده من الهلاك والخراب باسم الإسلام وتعاليمه، وتلك هي المفارقة لدى حماته ودعاته" (51).

وعلاوة على العامل الخارجي المتمثل بثقافة وقيم الغرب التي أصبحت كونية عبر العولمة وثورة المعلومات، فإن المسلمين أنفسهم لم يعودوا يحبذون فكرة الخلافة والمركزية المفرطة والسقوط تحت تفسيرات رجال الدين لنصوص الإسلام وحيثياته المتشعبة، " العصر الحديث افقد فكرة الخلافة ودولة الإسلام السياسي الكثير من معناها. فالناس في هذا العصر، بما فيهم المسلمون، لم يعودوا يقبلون الحكم المطلق باسم الدين. لقد ظهرت المؤسسات المدنية وثقافة حقوق الإنسان والانتخابات، وهذه كلها قيم حديثة جعلت الناس تفضل المشاركة في الحكم وتسيير الإدارة وشؤون الحياة وعدم القبول بتسليم كل ذلك إلى حكومة دينية يقيم عليها رجال يقولون بأنهم يحكمون باسم الله!" (52).

وهكذا نرى بأن جماعات الإسلام السياسي تجعل من فكرة دولة الخلافة محور دعواتها وهدفها النهائي الذي تجهد من أجله وتناور في الحياة السياسية عبر تكتيكات مختلفة وتحالفات مختلفة ومتشعبة. ونلاحظ بان فكر الإسلام السياسي يعتمد في شرعنة هذه الدعوة وتسويقها بين جموع المسلمين على التراث الفقهي وعلى تفسيرات عدد كبير من الفقهاء والعلماء من المدافعين عن الاتجاه الأصولي ومزج الدين بالسياسة والقول بأن الإسلام دين ودنيا، ولأن هذا الهدف لم يتحقق عبر الدعوة فقد لجأت منظمات ومجموعات إسلامية كثيرة إلى حمل السلاح لتحقيق هذا الهدف عبر العنف، وهو ما حذر منه الاتجاه الآخر الداعي إلى تقبل الدولة المدنية الديمقراطية مع احترام الخصوصية الإسلامية واخذ قيم الإسلام بعين الاعتبار.

ورغم أن أصحاب هذا الاتجاه قدموا رؤاهم الفقهية كذلك حول عدم وجود أدلة شرعية من القرآن والسنّة بضرورة تحقيق دولة الخلافة، إلا أنهم ذهبوا في الدعوة للمنهج الوسطي، مطالبين بالديمقراطية والمشاركة مع احترام القيم والخصوصيات الإسلامية، وقد تم تكفير هؤلاء أيضا من جانب دعاة الإسلام السياسي. وعبر ملاحظة سير الخطابين والبحث في محتواهما والظرف المعاصر، نستخلص بأن هناك هوة كبيرة بينهما، ولا يمكن في المدى المنظور إلزام الطرفين معا برأي وسطي يٌنهي العنف واللجوء إلى السلاح أو "الجهاد" وتهديد العالم الإسلامي والعالم، كما ذهب المفكر سعيد العشماوي في العديد من آرائه الوسطية المعتدلة.

ثانياً: المفاهيم السياسية للأصولية الإسلامية:

1ـ عالمية الإسلام:

تحتل فكرة عالمية الإسلام مكانة مركزية في أدبيات جماعات الإسلام السياسي. فالمؤيدون لهذا الاتجاه عدّوا الإسلام دينا عالميا يتوجه بالدعوة والإرشاد إلى كل البشر، وعلى معتنقيه ألا يعملوا على تأطيره في حيّز جغرافي محدد الملامح، أو بعصبية أو عنصرية معينة، بل عليهم أن يعملوا على نشره في كل بقاع الأرض، بوصفه جاء لكل البشر ولديه رسالة إلهية تهدف لفتح كل البلاد والأقطار وتعريفها بالإسلام، والنجاح في التحول إلى دين رسمي لكل القوميات والشعوب في كل بقاع العالم، وعليه فإن المجتمع الإسلامي هو " مجتمع عالمي، بمعنى إنه مجتمع غير عنصري ولا قومي ولا قائم على الحدود الجغرافية، فهو مجتمع مفتوح لجميع بني الإنسان، دون النظر إلى جنس أو لون أو لغة، بل دون نظر إلى دين أو عقيدة." (53).

ومن هنا فإن الدعوة مفتوحة للمسلمين ونخبهم للسعي من أجل نشر الدين لكي تكون هذه الأمة هي المسيطرة على العالم بكلمة الله، تقودها إلى الخير والصلاح، وتحمل لواء ريادتها، لذلك فإن الله تعالى "أناط بالأمة الإسلامية ريادة البشرية حتى تقودها إلى الذروة العالية الرفيعة النابعة من إرادة الله والتي شرعها الله لنا. وتتمثل هذه الذروة في ألوهية الله للجميع بلا شريك وخضوع البشرية لسنن الله كخضوع السكون لسنته الكونية. عند ذلك فقط ستكون الكرامة والعزة والرحمة والمودة والمروءة والوفرة والأمن والكرم والإيثار والعدل من مظاهر البشرية" (54).

وتستمد الأصولية الإسلامية أفكارها وبراهينها في مبدأ عالمية الإسلام وحتمية انتصاره على كل الفلسفات والإيديولوجيات، وشموله كل شعوب وأمصار الدنيا، تستمدها من القرآن والسنّة، وتعمل على توظيف هذه "البراهين" من أجل الترويج لفكرها السياسي القائم على الدعوة للأمة الإسلامية العالمية، التي لا تعرف الأوطان ولا تعترف بالحدود والعصبيات، وعليه فإن "وطن الأمة الإسلامية هو الأرض كلها، إذ إن الأرض لله " لله ملك السماوات والأرض"(آل عمران/189) والمسلمون هم أهل الله في أرضه " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض"(النور/55)، " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"( الأنبياء/105). وعلى هذا فإن الله عز وجل قد أعطى المسلمين حق تملك الأرض كلها لتكون كلها وطنا لهم، وجعل أخذ هذا الحق فرضا عليهم ولكنها فريضة مقيدة بالاستطاعة والوسع على أنه لابد من بذل الوسع في التفكير والتخطيط وإعداد العدة، " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يولونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة"( التوبة/123)." (55).

إذن فالإسلام كدين عالمي هو الوطن هنا، والولاء يكون له بالدرجة الأولى وليس للوطن المتعارف عليه في حالتنا المعاصرة كإطار سياسي حديث فيه واجبات وحقوق، "إن فكرة الإسلام تقوم مقام فكرة الوطن في معناها الطيب، الذي لا ينشأ عنه حب استغلال رقعة من الأرض لحساب رقعة أخرى، ولا فكرة استغلال طائفة من البشر لحساب طائفة أخرى، وكل ما ينشأ عنها هو الشعور بأن كل أرض يٌظللها الإسلام هي وطن للجميع، وكل مسلم على ظهر الأرض هو مواطن للمسلمين جميعا" (56).

ولكي يٌزيد دعاة الإسلام السياسي من حجة وأحقية الإسلام في النشر والريادة والسيادة على بقية الأديان والمعتقدات في العالم، كان لابد من نسف القديم السائد والنيل منه بوصفه كفرا وضلالا بشريا، لا معنى له بعد بزوغ الإسلام، وعليه لم يعد هناك أي مسوغ لدى الناس في كل مكان من عدم تقبل الإسلام والبقاء على السقوط والتردي، ومن هنا فقد "أطل الإسلام على عالم مريض متفسخ تسوده الفوضى والقلق والاضطراب ويتحكم فيه الجهل والاستبداد والطغيان. إن جميع شعوب الأرض كانت تعاني أمرّ ألوان الإسفاف والسقوط والتردي، وقد انحدرت إلى مستوى سحيق ليس فيه بصيص من النور والكرامة، وليس فيه أي وسيلة من وسائل النهوض والارتقاء" (57).

ولأن العالم غير المسلم "يعمه في الظلام والضلال"، فإن دعاة الإسلام السياسي ومنظروه ما توقفوا يوما عن دعوة الدولة المسلمة المعاصرة من أجل المساهمة في نشر العقيدة ومتابعة رسالة السلف الصالح في "الفتوحات" ونشر العقيدة، "إن مهمة الدولة المسلمة أن تهدي الناس إلى الله، وأن تزيح العوائق عن طريق الإسلام وأن تخاطب الناس بلسان عصرهم وعالمهم، حتى يفهموا عنها." (58).

وتبعا لذلك فإن الأمة المسلمة مدعوة عبر الدول المسلمة الحالية، التي تعتنق الإسلام وتجعل منه دينها الرسمي، وترفع شعاره، أن تواصل العمل من أجل نشر الرسالة بحيث يأتي يوم يغدو الإسلام فيه هو الدين الأوحد في العالم، الذي له الكلمة الفصل في كل بقاع الدنيا، "إن الإسلام ينوط بالأمة المسلمة مهمة هائلة، مهمة الوصاية على البشرية، وكفاح الظلم في الأرض، ووسيلة الأمة المسلمة لأداء هذا الواجب الضخم أن تكون كتلة واحدة تدين لعقيدة واحدة وتحكم بشريعة واحدة وتقيم نظاما اجتماعيا واحدا" (59).

وتبعا لهذه الرؤية فقد قسمت جماعات الإسلام السياسي العالم إلى "دار الإسلام" وهي بلاد المسلمين التي تٌطبق فيها الشريعة، و"دار الحرب" وهي بقية أنحاء العالم حيث لا كلمة للشريعة الإسلامية، بل قوانين وضعية بشرية، وحثت جماعات الإسلام السياسي على ضرورة إعلان الجهاد ضد "دار الحرب" حتى تخضع لكلمة الإسلام وتقبل به دينا وموجها للحياة والسياسة. وتبعا لهذا التقسيم فإن "الإسلام لا يعرف إلا نوعين أثنين من المجتمعات: مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي. "المجتمع الإسلامي" هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام..عقيدة وعبادة، وشريعة ونظاما، وخلقا وسلوكا. و"المجتمع الجاهلي" هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته، وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه" (60).

وبناء على ما سبق فإن عالمية الإسلام تحتم أن تكون السلطة في معظم أرجاء المعمورة لله وحده، كما تقول الشريعة ذلك، وعليه فأن النضال من أجل نشر الإسلام العالمي هو واجب ديني تحتمه الوحدانية والطاعة لله، " وينقسم الجنس البشري من خلال الرؤية الإسلامية للعالم إلى "دار الإسلام" و"دار الحرب". ويتكون "دار الإسلام" من كل البلدان التي تنشر فيها الشريعة الإسلامية، وهي بصفة عامة الإمبراطورية الإسلامية. أما "دار الحرب" فتتكون من بقية العالم، لذلك أنه مثلما يوجد إله واحد في السماء، فيجب أن تكون هناك سلطة واحدة وقانون واحد في الأرض. ومن وجهة النظر المثالية فإن "دار الإسلام" كان يجب أن تتكون من رعية واحدة، وتحكمها دولة واحدة وترأسها سلطة واحدة" (61).

بل وحتى "دار السلام" لا تعتبره جماعات الإسلام السياسي دارا للإسلام الحقيقي، ما لم يطبق الشريعة الإسلامية ويجعلها في كل قوانينه الحياتية والسياسية، وأسا لعلاقاته مع الآخر،" وأعجب العجب أن يقول أحد عن دولة من الدول أنها مسلمة ولم تستمد قوانينها من الشريعة الإسلامية، ولم تضع نظمها الاجتماعية على أساس إسلامي ولم تقم علاقاتها الدولية على دستور الإسلام" (62).

ومن هنا كانت نظرة العداء والرفض التي صدرت عن الإسلاميين للمواثيق الدولية وقيم الدولة الحديثة ومؤسسات المجتمع الدولي من أمم متحدة وغيرها، وكان القول دائما بأن هذه المؤسسات والأطر تقوم على القوانين الوضعية البشرية، التي ترفضها الشريعة باعتبار هذه الشريعة قانونا إلهيا واضحا، وعليه فقد "نظر الإسلاميون منذ البداية إلى القيم العالمية والمؤسسات الدولية نظرة شك وعداء، فقد قيل تارة إن تلك القيم هي قيم غربية خاصة، وقيل طورا إن الغربيين يكيلون بمكيالين. وفي صراعات الحرب الباردة، وتعملق ثقافة الخصوصية والانفصال، قبل إن القيم الواردة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان إنما تقوم على الحق الطبيعي، بينما لا تشكل ثوابت عندنا إلا الأمور التي نحن مكلفون بها في النصوص الشرعية" (63).

وفي منحى آخر اجتهادي يطرحه العديد من المفكرين والباحثين الإسلاميين المعتدلين، تتجلى عالمية الإسلام من خلال تشرّبه بالثقافات الشرقية والقديمة التي كانت سائدة قبله ومعاصرة له، وذلك من خلال الإفادة من علوم الشعوب الأخرى وترجمتها إلى اللغة العربية، فالثقافة الإسلامية وفق هذا الرأي، عالمية سمحة تتقبل ارث الآخر وفلسفته وعلومه، فكان المسلمون "منذ جيلهم الأول في عصر الخلفاء الراشدين يتعايشون هذا التعايش الجماعي مع أصحاب الكتب السماوية، ومع الصابئة عبدة الكواكب في شمال العراق، ومع المجوس عبدة النار في إيران. ومضى المجتمع الإسلامي بهذا التعايش الجماعي بين كل الأجناس والعناصر المكونة له حتى إذا شٌغف العرب بالإطلاع على ما لدى الأمم الأجنبية من معارف وثقافات تجرّد لهم عشرات إن لم يكن مئات ينقلونها ويترجمونها لهم إلى العربية(...)، وتكاثرت للمسلمين جموع النقلة والمترجمين في القرنين التاليين من فرس وهنود وسريان حتى إن لم يبق كتاب مهم لدى الهنود والفرس إلا نٌقل إلى العربية، ونٌقلت الفلسفة اليونانية وما كان لدى اليونان وغيرهم من العلوم. وانصهرت كل هذه الثقافات في الفكر العربي وانطبعت بعالمية الإسلام وروحانيته" (64).

إلا أن هناك آراء أخرى تركز على السمة العربية للإسلام واعتماده على العروبة والعربية لغة وثقافة ومكانا في خطابه وانطلاقه للآخر، وتنفي هذه الآراء عن الإسلام سمة التسامح مع وجود الآخر الثقافي واللغوي المختلف، أو التماهي مع ثقافات الشعوب التي أسلمت، أو تلك التي تم فرض الإسلام عليها. وتذهب هذه الآراء في أن العالمية كما يفهمها الإسلام إنما تعني عالمية لغة الإسلام وثقافته ومكانه، وتفوقها على بقية لغات وثقافات وأمكنة شعوب العالم المسلمة، ومن هنا " كان المشروع المحمدي، منذ بداياته، مشروعا وحدويا ذو نغمة عروبية واضحة. ولم يكن الحضور الوحدوي لهذا المشروع حضورا توحيديا أحادي الاتجاه، على مستوى إيماني وحسب، ليٌعتقد بأن الله، على هذا المستوى، واحد، والكتاب واحد، والدين واحد...وكفى!...الخ، وإنما كان حضورا توحيديا على أكثر من مستوى، وحمل في طياته وحدة كثارية الأبعاد أو أكثر من وحدة، فجاء ليقول أيضا، بأن العرب واحد، واللسان واحد، والمكان واحد، والزمان واحد،...الخ. وحتى يٌكتب لهذا المشروع النجاح والاستمرارية، كان لابد من عولمته وشموليته، من خلال ترجيح المستوى الإيماني والإعتقادي فيه على المستويات الأخرى، وبالتالي دفع المشروع وطرحه باعتباره مشروعا، سماويا، كونيا، وخاتميا معنيا بكل البشر وبما قبلهم وما بعدهم" (65).

وهكذا نرى بأن عالمية الإسلام وفق المفهوم الأصولي هو توجه رفضي للسائد القائم، وإلزام بمتابعة نشر الرسالة ليكون الإسلام هو الحاكم وهو الوصي على العالم، على رأي سيد قطب. والأصوليون يفهمون العالمية بأنها سيطرة الإسلام على العالم واعتناق كل الشعوب له، وهو مفهوم يختلف عن مفهوم آخر، عرضناه، وهو تشّرب الإسلام للثقافات الأخرى وإدماجها مع محصوله الحضاري، ليكوّن في النهاية الحضارة العربية الإسلامية كما نعرفها الآن.

2ـ جاهلية العالم:

في البداية يجب القول بأن لفظة "الجاهلية" هي في حقيقة الأمر من "مبتكرات القرآن، فلم تٌسمع في العرب إلا بعد نزوله، ثم استخدمتها السنّة النبوية، فكان لها حينئذ معنى واضح ومحدد، ولئن شابها الكثير من الغموض والاضطراب في الفكر الإسلامي الحديث، فلعل ذلك يرجع في كثير من جوانبه إلى افتقاد التأصيل المنهجي الواضح لهذا المفهوم انطلاقا من دلالته في اللغة العربية أو ومن ثم في الأصول المنزلة بعد ذلك"(66).

وبعض جماعات الإسلام السياسي ترى في العالم غير المسلم عالما يعيش في الجاهلية والضلال، وكل من لا يطبق الشريعة الإسلامية ولا يخضع للتفسير الأصولي للدين الإسلامي فهو ضال يعمه في الجاهلية والظلام. وانطلاقا من هذه النظرة فإن الأصوليين "يرون أن المجتمعات الأوروبية والأميركية والروسية والصينية وغيرها هي مجتمعات جاهلية، وهي حضارات قائمة أساسا على الإلحاد. كما أن المجتمعات الإسلامية بدأت بالانزلاق في العودة إلى الجاهلية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، يشهد العالم اليوم صراع الأنظمة للسيطرة على العالم من أجل زيادة سيطرة أحدهما على الآخر. كما أن أيديولوجياتها أوقعت الإنسان في أحضان حياة الغاب" (67).

ووفق المنظور الأصولي المتشدد فإن العالم المتقدم، ورغم كل مظاهر الحضارة والرقي، إلا انه يعيش حياة جاهلية بعيدة عن الإيمان والسعادة، وهذه الجاهلية يمكن وصفها بالجديدة، وهي هنا تختلف عن تلك الجاهلية القديمة، التي كانت مسيطرة قبل بزوغ الدين الإسلامي، " إن البشرية بجملتها اليوم...أبعد عن الله... إن الركام الذي يٌرى على الفطرة أثقل وأظلم. فالجاهليات القديمة كانت جاهليات جهل وسذاجة وفتوة. أما الجاهلية الحاضرة فجاهلية علم! وتعقيد! واستهتار!" (68).

كما ويرى الأصوليون بأن الشريعة الإسلامية متفوقة على كل العلوم والتقنيات والحضارات التي ابتدعتها الأمم الأخرى، وان هذه الأمم، ورغم كل مظاهر الرقي والتقدم، إلا أنها تعيش في حياة الجاهلية بعيدة عن الإسلام، الذي هو وفق المنظور الأصولي، أصل العلم والتقدم والازدهار، وعلى هذا الأساس فان "الشريعة الإسلامية هي الحاكمة على جميع العلوم، لأنها منزهة عن جميع أنواع الظلمات والضلالات(..)، وكل ما خالف الإسلام فهو باطل ليس بحق. وقد يزعم كثير من الكفار أن لديهم علوما دنيوية تخالف نصوص الإسلام، وهذا يدل على واحد من أمرين: إما تكون أفكارهم فاسدة باطلة لم يصلوا فيها إلى درجة العلم واليقين، وإما أنهم لم يفهموا أحكام الإسلام" (69).

ويمضي خطاب الإسلام السياسي في تشويه سمعة ونتاج الحضارات الأخرى، وبشكل خاص الغربية منها، والتركيز على الجوانب السلبية فيها، وكل ذلك ليبرز في موازاتها سمو الأفكار الروحية الإسلامية في ثنائية هي هنا: العالم الآخر الجاهلي الضال، في موازاة الإسلام الذي يعني الإيمان والرقي الروحي. وهذا العالم رغم إنتاجه وتقدمه إلا انه خاوي روحيا وحضاريا، " إنهم ينتجون كثيرا، ما في ذلك شك. إنهم يكسبون كثيرا ما في هذا شك أيضا، ولكن لمن ينتجون ولمن يكسبون؟. لذات الكسب ولذات الإنتاج، العنصر الإنساني لا وجود له. تأمل ذلك الكسب وذلك الإنتاج الإحساس بدوافعه ونتائجه في يقظة فكر وحساسية قلب، تذوقه بحس الإنسان المتميز عن حس الآلة...كل ذلك لا تلمحه في سيماء وجه ولا في تعبير لسان!" (70).

إنه إذن الوجه المادي للحضارة الغربية، حضارة الجاهلية والضلال، بحسب الأصولية الإسلامية، وهي الحضارة التي بلغت منها الأمراض والفساد والانحلال مبلغه، وبات انسانها يبحث عن الخلاص،" حقيقة أن البشرية قد شقيت وتعبت من حمل هذه الحضارة المادية، والمضي في متاعها المترف. وحقيقة أن الفساد والانحلال والأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ العقلي والجنسي، وآثار ذلك كله تنخر في جسم هذه الحضارة، وتشقى الأمم والأفراد، وتفتح الأعين بعنف على الشر والفساد والدمار" (71).

ومن بين أكثر منظري ودعاة الأصولية هجوما على حضارات العالم الأخرى لصالح التفوق الإسلامي الإلهي، هو سيد قطب، فهو في مؤلفاته اعتاد التهجم على الآخر والحط منه ومن حضارته، وإظهار الأمراض الاجتماعية في هذه الحضارة، ووسمها بالجاهلية، لصالح إعلاء شأن الإسلام بوصفه المخلص والوصي على كل العالم. ويقتبس الباحثون في شؤون الأصولية كثيرا من سيد قطب إذما تعلق الأمر بقضية "جاهلية العالم"، وفي هذا المضمار، ووفق هذا التصور القطبي فإن "العالم يعيش اليوم كله في "جاهلية"، تتمثل في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وتقوم ابتداء على قاعدة "حاكمية العباد للعباد". فالجاهلية ببساطة ليست سوى اللاحاكمية، أي نقيضها المطلق منطقيا وعمليا، وفقا لمبدأ الثالث المرفوع في منطق أرسطو: ليس هناك حل وسط، ولا منهج بين بين...إنما هناك حق وباطل، هدى وضلال، إسلام وجاهلية. ومهما تنوعت ألوان الجاهلية، سواء كان اسمها حكم الفرد أو حكم الشعب، شيوعية أو رأسمالية، ديمقراطية أو ديكتاتورية، أو أوتوقراطية أو ثيوقراطية، فأحوال العالم وصراعاته ومشكلاته واتجاهاته لا تعنى "الإسلام القطبي" في شيء، سوى تحديد "جاهليته"، أي إصدار حكم فقهي عليه يبرر الانخلاع عنه" (72).

أما التوجهات التوفيقية بين الإٍسلام كوعاء حضاري يستوعب الأفكار والنظريات ويتفاعل معها حضاريا وثقافيا، وبين التوجهات والعقائد والنظريات الوضعية، فكانت محط هجوم شديد من دعاة الإسلام الأصولي المتشدد، وهو أمر اعتبروه انه لا يمكن تبريره أو التسامح معه أبدا، " بينما يقر القوم في مجموعهم ذلك الإقرار الشفهي بالعبودية لله تعالى، تجد في حياتهم من العقائد المعتنقة ما يناقض أسس التصور الإسلامي، وتجد من التصورات المقتبسة ما يعارض ذلك التصور، ثم ترى الرجل منهم يعمد عند المواجهة إلى محاولات الجمع والتلفيق أو يلجأ إلى مجادلات السفسطة والتأويل. ويجهد نفسه في محاولات للجمع الصوري بين الماركسية وأسس الإسلام، أو بين الوجودية وأسس الإسلام، أو بين الديمقراطية وأسس الإسلام، أو بين الاشتراكية وأسس الإسلام، وكل أولئك مسميات وضعية لمناهج بشرية وضعها أصحابها من البشر عقيدة للحياة، وتصورا للوجود، وشريعة للإنسان" (73).

وفي البحث عن أفكار الأصولية الإسلامية ومسوغاتها الشرعية، لا يمكن القفز أبدا فوق سيد قطب، فهو" الذي صاغ لأول مرة نظرية في العنف السياسي من وجهة نظر إسلامية تقوم على تكفير الدولة والمجتمع، ويسم العصر كله بأنه عصر جاهلي، وأبعد من ذلك تدعو إلى قلب النظم السياسية القائمة بالقوة المسلحة. وبدت خطورة هذا المشروع التكفيري حين خرج أنصاره من حيز الفكر والإيمان بأفكاره، إلى ساحة العمل الإرهابي تطبيقا لهذه النظرية" (74).

ومن وحي هذا الفكر ظهرت دعوات تكفير المجتمعات بحجة إنها جاهلية لا تطبق الإسلام الأصولي المتشدد، وتحولت هذه الدعوات إلى حراك مسلح عنفي استخدم الإرهاب للقضاء على المخالفين، لأنهم في عرف هذه التنظيمات "مرتدين"، وطال هذا العنف حتى المدنيين الأبرياء الذين لم يسمعوا عن أفكار وسجالات وتنظير هذه الجماعات وكتب منظريها، إن من فكر الإرهاب تكفير المجتمعات الحديثة كلها، لأنها تعيش ظروف عصرها ــــ وإن كان في بعض الصور تجاوزه ــــ ولا تعيش على نهج السلف معيشة القرون الوسطى البدائية التي نبذها المسلمون الأوائل بعد أقل من جيل واحد من وفاة النبي وعاشوا في بعض العصور الزاهية عيشة ناعمة مٌترفة. وهكذا تخرج الآراء الفاسدة المعتدية بتكفير المجتمع كله، وتعمد الأيدي الضالة المنحرفة إلى تخريب هذا المجتمع بدلا من هدايته بالحسنى والفعل الطيب" (75).

وهناك مبدأ (الولاء والبراء) الذي اعتمد عليه الأصوليون في رفض الآخر ووسمه بالجهالة والضلال، وهذا المبدأ يعني الولاء للإسلام والشريعة والبراء من المشركين الكافرين العلمانيين الضالين. وثمة بعض القواعد التي يجب أن يتمسك بها المسلم، من وجهة النظر الأصولية، لتطبيق هذا المبدأ، فمن خلال هذه القواعد يتسنى للمسلم تقبّل المسلمين الملتزمين وإظهار اللين لهم، ورفض ومعاداة العلمانيين منهم، وبالطبع المشركين والكفار وإظهار الغلظة والشدة لهم، " أولا: تقليد غير المسلمين في الطعام والملبس والتعامل والكلام، يعني الإعجاب بأمر هو ليس من الإسلام بشيء، وبالتالي معاداة أمر الله.

ثانيا: العيش في بلاد غير إسلامية، وعدم الرغبة في العودة إلى ديار الإسلام، في حال إمكانية ذلك، يعني إضعاف الجانب الإيماني لدى المسلم، وهو أمر مكروه.

ثالثا: لا يجب مساعدة غير المسلمين في أي موضع. يكفي فقط من خلال الكلام الدفاع عن كرامة هؤلاء.

رابعا: لا ينبغي السعي إلى طلب المساعدة من غير المسلمين أو الميل إليهم.

خامسا: لا يجب أخذ أعياد أو عطل غير المسلمين بعين الاعتبار وتهنئتهم بمناسبتها.

سادسا: لا ينبغي طلب المغفرة من غير المسلمين، أو الدعاء لهم، أو إظهار التضامن معهم" (76).

ويقول المفكر الإسلامي محمد شحرور عن "الولاء والبراء" ما يلي: " إن أسوأ أنواع الولاء والبراء هو في الحركات الدينية السياسية، وفي الحركات الطبقية التي تسمى نفسها ثورية، لأنها تشترك في صفة أساسية هي إدعاء تمثيل الناس بالقوة رغم أنوفهم حيث تعرض الوصاية عليهم باسم الشرعية الثورية أو باسم حاكمية الله، استبدادية بطبيعة أيديولوجيتها" (77).

  

وهكذا نرى بأن جماعات الإسلام السياسي، عبر أفكار منظريها، تعتبر العالم غير المسلم، أو ذلك الذي لا يطبق الإسلام وفق تفسيرها المتزمت، عالما جاهليا ضالا لا يمكن التهاون معه أو الاعتراف به. إنه عالم يحتاج إلى "إعادة فتحه" من جديد، ولكن هذه المرة بالأفكار الأصولية والتفسير الأصولي للإسلام. ولا يعترف الإسلام السياسي، كذلك، بالنظام الدولي القائم، ويصفه بالجاهلية الجديدة، التي ينبغي أن يتصدى لها الإسلام مثلما تصدى للجاهلية القديمة، في الجزيرة العربية، أيام ظهور الدعوة الإسلامية.

أما المجتمعات المسلمة فلم تنجو كذلك من تكفير الأصولية لها، فقد تم رفض جميع الإيديولوجيات الوضعية الحديثة من شيوعية وقومية ورأسمالية، وعٌدت جاهلية بدورها، مناقضة لروح الإسلام ( روح الإسلام هنا: التفسير والفهم الأصولييّن للدين الإسلامي). وكانت هذه النظرة هي بداية العمل العنفي المسلح ضد النظم الحاكمة في بعض الدول المسلمة، كمصر والجزائر وسوريا مثلا، لأنها عٌدت نظما جاهلية طاغوتية لا تحكم بالإسلام ويجب محاربتها لإعادتها لحظيرة الإسلام الصحيح.

إذن فالجاهلية ليست فقط توصيف يقتصر على بقية الأمم والحضارات، بل على الأنظمة السياسية في الدول الإسلامية من التي لا تطبق الشريعة وفق التفسير الأصولي، وتبقى هذه الأنظمة جاهلية ما لم تعلن توبتها وتٌحكم الشريعة بدل القوانين الوضعية وحل أنظمتها التي تقلد أنظمة الغرب الديمقراطية، وإعلان الشورى الإسلامية محلها.

3ـ الجهاد:

يمكن القول بأن الجهاد هو من أهم المرتكزات التي قامت عليها جماعات الإسلام السياسي للانطلاق بدعوتها ونشر أفكارها والانقلاب على المجتمع والنظام والحياة العامة في كل عصر وفي كل أرض، بوصفها كلها "جاهلية" ويجب محاربتها والتصدي لها. فكان الجهاد المذكور في القرآن والسنّة هو الوسيلة الشرعية التي استند عليها الأصوليون من أجل هدم الواقع الذي رفضوه واعتبروه جاهليا طاغوتيا لا يستوي مع الإسلام وشريعته. وعلى هذه الأساس فإن "الأصوليين يعتقدون إن الإسلام في مواجهته الجاهلية غير محدد بزمان ومكان، بل يهدف ابتداء إلى هدمها وقلع جذورها، وهذا من أجل الشروع في البناء لإقامة بنيان راسخ نظيف. لهذا، فإن نقطة البداية في مواجهة الدعوة الإسلامية هي مجابهتها للواقع الجاهلي. فهذه المواجهة أو الجهاد، هو من طبيعة الدين الإسلامي، ومن خصائص الأمة الإسلامية، وواجب على الدولة والجيوش والأفراد" (78).

أما الجهاد لغة ف"أصله المشقة. يٌقال: جاهدت جهادا، أي بلغت المشقة. وشرعا بذل الجهاد في قتال الكفار. ويطلق ــــ أيضا ــــ على مجاهدة النفس والشيطان والفسق. والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. قال النبي: "جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم"، والجهاد بالألسنة إقامة البرهان والحجة" (79).

إذن الحرب ضد الآخرين غير المسلمين ينخرط في إطار الجهاد المسموح شرعا، ولكن لها ضوابط وقواعد حددها الشرع وتوسع فيها الفقهاء. ورغم قبول هذه الضوابط والخضوع لها أثناء فترات الضعف والوهن، إلا أن الأصوليين لا يحيدون عن ما يعتبرونه من أسس مساعي الجهاد، وهم يرنون إلى الهدف الأسمى والنهائي وهو إخضاع العالم والبشرية كلها للإسلام، وهو ما يجعل من الجهاد مكتملا وقد حقق هدفه والغاية منه بشكل كامل، ف"إن كلمة الجهاد قد ذكٌرت مرات عديدة في القرآن للحث على الحرب ضد غير المؤمنين، وكان هذا هو معنى الكلمة العادي خلال القرون المبكرة للتوسع الإسلامي. وطبقا للشريعة فإنه كان يوجد قانون مقدس بين دار الإسلام ودار الحرب، ولقد صاغ الفقهاء التقليديون هذا القانون الذي أجبرت دولة الحرب على الخضوع له من الناحية الدينية والقانونية، ومن الممكن أن يؤدي هذا القانون في نهاية البشر إلى إخضاع الجنس البشري كله" (80).

ولا يحق لأي شخص أن يطعن في الجهاد أو ينهى عنه، ومن يفعل ذلك، بحسب رأي الأصوليين، فإن في إيمانه وهن وضعف لا ريب في ذلك، " وما يحجم ذو عقيدة في الله عن التفرد للجهاد في سبيله، إلا وفي العقيدة دخل، وفي إيمان صاحبه بها وهن، لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق" (81).

لذلك فمن وجهة نظر جماعات الإسلام السياسي فإن الجهاد قائم ولا يمكن إزالته من الحياة أبدا، والغاية النهائية هي انتصار الإسلام وسيادته على كل العالم، وذلك كله رغم الضوابط الفقهية التي تحدد علاقة "دار الإسلام" مع "دار الحرب" والتي هي هنا بقية دول العالم، كما أشرنا مرارا، و"هكذا فإنه من الناحية الفقهية من المستحيل أن تكون هناك معاهدة بين دولة مسلمة وأخرى غير مسلمة والحرب هي وحدها التي يمكن أن تؤدي إلى انتصار الإسلام العالمي، ومن المستحيل أن تنتهي هذه الحرب، ولكن من الممكن فقط أن تتم أثنائها هدنة لأسباب خاصة، أو لاستغلال الظروف. ووفقا لرأي الفقهاء فإن هذه الهدنة من الممكن أن تكون مؤقتة فقط، فهي يمكن أن تتجاوز عشر سنوات، ويستطيع المسلمون أن يتبرءوا منها في أي وقت من جانب واحد، كما أجبرتهم الشريعة الإسلامية على توجيه إنذار للجانب الآخر قبل استئناف الاعتداءات" (82).

ورغم التفصيل في قواعد وشروط الجهاد، ومحاولة جعل الجهاد شكلا من أشكال الإيمان اليقيني، وضبط النفس، ومجاهدة الواقع بالصلاح والتقوى، إلا أن الدعوة إلى الله والسعي بكل الإمكانات إلى تحقيق ذلك، يبقى من أفضل أنواع الجهاد، " ما من مصدر فقهي يتناول بحث الجهاد وأحكامه إلا ويجعل من القيام بواجب التعريف بالإسلام والدعوة إليه الركن الأساسي الأول في بنيان العمل الجهادي. وحسبك دليلا على أن بث الدعوة إلى الله هو أقدس أنواع الجهاد، بل هو أول أنواعه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" إذن فكلمة الحق جهاد وأي جهاد، وأفضله الصدع بها أمام سلطان جائر" (83).

وثمة تفسيرات كثيرة في قضية "الدعوة إلى الله" والتي هي من أهم غايات الجهاد وأهدافه، أي نشر الدين الإسلام في كل أصقاع الأرض ونزع الاعتراف من كل الشعوب في العالم بشهادة الإسلام "أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله"، ويذهب بعض المفكرين الإسلاميين بأن الدعوة إلى الله لا تكون بالضرورة عبر الجهاد الحربي، أو بالسيف، بل بالدعوة والإقناع، حيث أن الجهاد الحربي هاهو إلا فرع من الأصل الذي هو الجهاد بالنصيحة والدعوة والإقناع، " أن باب الجهاد في شق كتب الفقه، إنما يٌفتتح ببيان هذا الركن الأساسي منه، حتى يتبين لكل دارس ومستبصر أن الساحة الجهادية الأولى هي ساحة الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أما الجهاد القتالي بأنواعه المختلفة فإنما هو فرع عنها وحصن لها" (84).

ويقف الكثير من المفكرين الإسلاميين ضد الجهاد الحربي بوصفه خارجا عن أصول ومعنى الجهاد الحقيقي المذكور في القرآن، وينكرون أن يكون الجهاد الحقيقي بالقتل والاغتيال والنسف والتدمير، ويذهبون بان وراء الدعوة لمثل هذا النوع من الجهاد تنظيمات تهدف للوصول إلى السلطة والحكم وليس تطبيق الشريعة وروح الدين، " إن الجهاد لا يمكن أن يكون تحت أي ظرف من الظروف وطبقا لأي تفسير عاقل سليم قتلا أو اغتيالا أو نسفا أو تدميرا. وإن هذا الفهم الضال المضل لمعنى الجهاد جعله قتلا من المسلم للمسلم، سواء كان مواطن بلد آخر أو حاكما أو مجتهدا أو مواطنا في ذلك الوطن، وبذلك بدل من المعنى السامي معاني كريهة، وغيرّ من الدعوى الإنسانية فجعل منها اتجاها لا إنسانيا. وقد أدى ذلك كله ــــ وخاصة مع غلبته وغياب الفهم الصحيح ـــــ إلى أن يصبح الإسلام في نظر غير المسلمين ــــ بل وبعض المسلمين ــــ قتلا وقتالا وحربا واغتيالا ونسفا وتدميرا" (85).

وقدم دعاة الإسلام السياسي التفاسير المتشددة للجهاد المنصوص عليه في القرآن والسنّة، من معين واحد بهدف تمرير فكرة قتال الآخرين من حكام وأجانب بغية السيطرة على مقاليد الحكم والسلطة، فكان الاستخدام النفعي السياسي واضحا للدين الإسلامي ولنصوصه، وجرى تطويع كل ذلك بهذا الشكل المتشدد، منذ العصور الأولى للإسلام وإلى يومنا الحاضر، " تم تبني هذا الفهم المغلوط والمشوه للجهاد من قبل جميع التنظيمات والأحزاب الدينية والمجموعات المسلحة، التي تسعى تحت عناوين متعددة وبراقة إلى الاستيلاء على الحكم حصرا، في مختلف الأزمنة والعصور الماضية بداء من أصحاب الفتنة الكبرى التي انتهت باغتيال الخليفة الثالث في القرن الأول الهجري، وانتهاء بالحركات المسلحة في مصر وإيران وأفغانستان التي انتهت بمصر إلى خلع الملك فاروق، وبإيران إلى خلع الشاه رضا بهلوي، وبأفغانستان إلى قيام حكم يقوده طلاب الفقه (طالبان) في القرن الرابع عشر الهجري، مرورا بين هذين القرنين بعشرات التنظيمات التي نجحت مرة وإلى حين في الاستيلاء على الحكم وأخفقت مرات" (86).

لذلك فإن الإرهاب الناتج عن تطبيق النصوص حسب فهم جماعات الإسلام السياسي، على الصعيد الدولي وكذلك على الصعيد المحلي الإسلامي، لهو في الأصل نتاج طبيعي متوقع لفكر التشدد الرامي لسيطرة الشريعة حسب الرؤية الأصولية على معظم العالم وتحقيق "الحكومة الإسلامية"، لذلك فإن الاستغراب من كم هذا الإرهاب لا مبرر له، بل هو متوقع في ظل كل هذا الشحن والتحريض،" إن ابن لادن والزرقاوي والظواهري، وسواهم من أمراء الجهاد الإسلامي، في سبيل الله وخدمة الإسلام، لم يأتوا من عالم الغيب، وإنما هم ثمرة لشعار تطبيق الحاكمية الإلهية أو الحكومة الإسلامية، أو الأحكام الشرعية، أي هم ثمرة ما أشتغل مرشدون ودعاة ووعاظ كالشعراوي والغزالي والخميني والقرضاوي، طوال عقود لتهيئته وإعداده والحصيلة بناء جيل متشدد ومتطرف وعدواني وانتقامي، يفتش عن سفارة يحتلها، أو عن مقر يفجره، أو عن جسد يمزقه، أو عن كاتب يطعنه" (87).

ونستخلص فيما سبق بان النظرة الأصولية اعتبرت الجهاد مقرونا بالفتح والدعوة بالسيف وإجبار الآخرين على اعتناق الدين الإسلامي، وعدم التوقف عن الحروب والفتوحات حتى بلوغ الإسلام كامل الأرض وسيطرته سيطرة تامة عليها.

وذهب الأصوليون في تكفير كل من يقول بغير ذلك ويعتبر الجهاد فقط "جهاد النفس" ويختصره في "الدعوة إلى الإسلام بالحسنى"، وهو ما يرفضه الأصوليون المتشددون في تفسيراتهم وآرائهم المتطرفة، حيث أعتبر الأصوليون أصحاب هذا الاتجاه المرن من وعظة السلاطين والعلماء الأكولين الضالين المضلين، وهم بدعاواهم تلك إنما يفرغون الجهاد من معناه الحقيقي وينظرون للأنظمة الخانعة المرتبطة بالغرب الاستعماري.

4ـ السلام:

ينشغل روّاد ودعاة جماعات الإسلام السياسي بموضوع السلام والشروط الشرعية الواجبة لتحقيقه في المجتمعات المسلمة، وكذلك في المجتمعات غير المسلمة، أو في كل العالم. وكان التقسيم الأصولي الذي ظهر في كتابات مفكري هذا التيار المتشدد للعالم قد حدث بشكل متطرف، حيث ظهرت "دار الإسلام" التي تضم المسلمين الذين يطبقون النظام الإسلامي، أي الشريعة، مقابل "دار الحرب" أي بقية أصقاع العالم من الذين لا يعتنقون الدين الإسلامي ولا يطبقون الشريعة، بل يلجئون في حياتهم اليومية إلى القوانين الوضعية.

والسلام في مفهوم جماعات الإسلام السياسي هو سيطرة الشريعة على كل العالم وحكمها له، لأنها مأمورة بذلك وقد خصّها الله بالوصاية على البشرية وعلى العالم. ويتحقق هذا السلام من خلال نشر الإسلام في كل البلاد ودفع كل العباد لاعتناقه، وعليه فإن " صورة السلام في الإسلام تهدينا إلى أن الإسلام يعد البشرية كلها بشرية واحدة ويعد الدين كله دينا واحدا، ويعد المؤمنين كلهم أمة واحدة، ويعد الإسلام هو الصورة الأخيرة والنهائية لهذا الدين الواحد، فهو يصدق ما تقدمه، ويهيمن عليه لأنه الصورة النهائية له: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه"(المائدة/48). والمسلمون إذن مكلفون بتبعات إنسانية تجاه هذه البشرية بحكم وصايتهم هذه عليها ووصاية كتابهم على كتبها" (88).

إذن ثمة رسالة للإسلام، وفق نظرة جماعات الإسلام السياسي، وهي تحقيق السلام والمحبة والتكافل وإزالة الظلم والاستغلال، وغير ذلك من القيم الخيّرة عبر نشر الإسلام وتطبيق الشريعة على كل الناس، وهذه الغاية تبرر الطرق التي سيتم عبرها نشر الإسلام، طالما الأوامر إلهية ملزمة حسب نصوص الكتاب وقواعد الشريعة، أي أن الحروب الجهادية من اجل نشر الدين وإقامة الحق وتطبيق الشريعة مبررة في العرف الأصولي، لذلك فإن " حروب الإسلام لم تكن لإكراه الناس على الدين، ولا للاستعمار والاستغلال والإذلال، إنما كانت إعلاء لكلمة الله في الأرض بجعل السلطة العليا فيها للذين يفردون لله بالألوهية، وإيصال الخير الذي جاء به الإسلام للناس كافة عن طريق الرضا والإقناع، وبتحقيق العدالة والأمن والسلام في ظل سلطان الله المتفرد ـبالسلطان" (89).

أما السلام مع الأمم الأخرى غير المسلمة فله شروط أقر بها الأصوليون في كتبهم وتفاسيرهم لهذا الباب من الشريعة، فالإسلام يقر بالسلام في حال ضمان عدة أمور للمسلمين تكفل الحرية التامة في الدعوة لله، وممارسة شعائر الدين والاحتكام إليه في الحياة العامة، وعليه فإن "الإسلام لا يرضى الدخول في السلام إلا إذا توفرت شروط أساسية، أولها الحرية لاعتناق كلمة الله، ثانيها، عدم قتل المسلمين عند رؤيتهم لدينهم كنظام شامل للحياة، ثالثهما، عدم وقوف أي سلطة داعية لغير الله بوجه الدعوة، رابعها، تحقيق العدالة. فإذا ما تحققت هذه الشروط كان السلام الذي هو أساس العلاقات بين الشعوب والدول وإلا لجأ المسلمون إلى ضرورة، أي الجهاد، وهي ضرورة لتقرير سلطان الله في الأرض ولتحرير الناس من العبودية لغير الله" (90).

وفي حال عدم تحقيق شروط السلام هذه، يبقى الإسلام( وفق نظرة جماعات الإسلام السياسي) في حالة دائمة من التأهب والقتال بغية نشر الدعوة وتطبيق الشريعة في كل بقاع الأرض، وإجبار الشعوب الأخرى على دخول الدين الإسلامي، ولن يردع الإسلام أية قوة من تحقيق نشر الدعوة، ولا يجب أن يتم ذلك، " الإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبدا لتحقيق كلمة الله في الأرض، أي لتحقيق النظام الصالح الذي يقوم على مبادئه العليا في عالم الفرد وعالم الجماعة وعالم البشرية، وهو مكلف ألا يهادن قوة من قوى الطاغوت على وجه هذه الأرض، سواء تمثلت هذه القوة في صورة فرد يتأله على الأفراد والجماعات أو في صورة طبقة تستغل الطبقات، أو في صورة دولة تستغل الطبقات، أو في صورة دولة تستغل الدول والشعوب" (91).

وعليه فإن القتال مستمر وفرض على كل مسلم وعلى الأمة وحكوماتها مادامت الشريعة غير مطبقة والسلطان لغير الله، ولا سلام مع العالم وعلى الأرض وهناك من لا يقول بالإسلام دينا، " إذا استقر السلطان لله بخضوع العالم لشريعته، والقائمين بدينه، فعندئذ فقط يتحقق السلام على الأرض إذ السلام هو الإسلام، ولا سلام بدونه: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مسلما"( النساء:94) وقد وعد الله عز وجل ووعده الحق أن يظهر دينه ويغير شريعته، وهو وعد قائم سابقا ولاحقا "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" ( الصف/ 9) وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم " أن الإسلام يبلغ ما بلغ الليل والنهار"( رواه أحمد والطبراني) وفي حديث "لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام" ( رواه الطبراني)، وإن هذا لكائن بإذن الله وعندئذ تصبح الدنيا كلها وطنا للمسلم بلا حدود ولا قيود، ويومئذ يمكن أن تطمئن البشرية وتسعد" (92).

وبينما تركز نظرة جماعات الإسلام السياسي على وجوب نشر الدعوة مهما كانت الظروف، وعدم الحيّاد عن هذا الهدف الأكبر، تحاول آراء أخرى وسطية أن توجد توافقا بين تلك الرؤية المتشددة وأخرى تدعو إلى الدعوة السلمية عبر النصح والإرشاد ومحاولة الإقناع، حيث أن الرسالة "إلى الناس عامة محصورة في التبليغ بعد تجلية حقائق الأيمان، وتعرية أوهام الكفر والفسوق والعصيان، وليس للرسول ولا لأحد من بعده أن يتجاوز حدود التبليغ والإرشاد والنصح، وبذلك يٌرسي الإسلام مبدأ الحريات الإنسانية في مسألة العقيدة وهي ركن الأركان في الدين، فالعقيدة محلها القلب وليس لأحد على القلوب سلطان، إلا لخالق السماوات والأرض وما فيها وما بينها" (93).

ويعتبر بعض الباحثين المسلمين بأن النظريات الوضعية هي التي تحارب الإسلام لأنها غير قادرة على الإحاطة بحاجات البشر الحياتية والروحية، مثلما الإسلام قادر على ذلك، وبذلك يتشكل نوع من العداء بينها وبين الإسلام كدين وكنظام حياة، وهو ما يهدد السلم العالمي، " لا النظام الرأسمالي أو الحر ــــ كما يقولون ــــ وما يعيش في ظله من ديمقراطيات، ولا النظام الشيوعي أو الاشتراكي وما يعايشه من حتميات وصراعات، ولا الفلسفات القائمة على أساس المبالغة في تقدير قيمة الإنسان وتفضيله على الدولة ولا نظيرتها التي تبالغ في سحق الإنسان وإهدار حقوقه باسم الدولة. لا هذه الأنظمة ولا تلك يمكن أن تتفق مع الإسلام ومنهجه العادل الحكيم في تحقيق مصلحة الناس أجمعين وغرس الفضائل والآداب في نفوسهم ووضع الإنسان والدولة كل منهما في حجمه الصحيح ووضعه السليم، ومن هنا يكون العداء والصراع بين هذه النظم والنظريات وبين الإسلام" (94).

وهذا الرأي يتموضع في خندق المواجهة ويرفض الفلسفات والنظريات الوضعية التي باتت تحكم أجزاء كبيرة من العالم وتتحكم بآلة الحرب والاقتصاد، وما طرح مثل هذا الكلام وارتكان بعض جماعات الإسلام السياسي عليه، إلا نوع من المجازفة وتوريط العالم الإسلامي في صراعات ذات دافع إيديولوجي رفضي لا تخدم الإسلام والمسلمين وتؤلب التيارات المعادية في الغرب عليهم، لذلك " فإن حركات الإسلام السياسي لم تكتف بمناهضة النظم السياسية القائمة وتخوينها وتهديدها، بل شنت هجوما شرسا على ما أسمته سادة الطواغيت المحليين وهم القوى الغربية، ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا دخل بعض هذه الحركات في مواجهة مكلفة ليس مع النخب المحلية الحاكمة فقط، بل مع الغرب أيضا، غير مكترثة بالعواقب والنتائج المترتبة على مثل هذا الخيار" (95).

ومن هنا نستخلص بأن النظرة الأصولية للسلام قائمة على ضرورة خضوع العالم والآخر للفهم الأصولي للنص وللدين الإسلامي، وهو فهم قائم على وجوب تقبل كل العالم بالشريعة قانونا أساسيا للحياة والتخلي عن القوانين الوضعية والفلسفات والأيديولوجيات، وإلا فإن الحرب ونشر الدعوة بالقوة هو البديل.

وضمن هذه الرؤية المتشددة تظهر بعض الاجتهادات في طرح شروط للهدنة والسلام مع الآخر، ولكن ما هذا إلا الاستثناء من القاعدة، وهذه القاعدة هنا هي الجهاد وإخضاع العالم للإسلام والشريعة، بوصف ذلك أوامر إلهية لا يمكن الاجتهاد معها أو تأجيل البت فيها. وبسبب هذه الرؤية المتشددة وتبني حركات الإسلام السياسي لها، استعدى الكثير من العالم المسلمين واستعدوا لهم، وظهرت فرق وجماعات باتت تدعو لمحاربة الدين الإسلامي بوصفه يدعو للحرب على العالم وتغيير أفكار ومعتقدات الناس بالقوة والإرهاب، وهو ما حذر منه الكثير من المفكرين المسلمين الوسطيين.

المصـــــادر:

1ـ شاكر، فؤاد، أدب القرآن، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، من إصدارات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية 1968م، ص 10.

2ـ نفس المصدر ص 11.

3ـ رضا، صالح بن أحمد، الأعجاز العلمي في السنّة النبوية، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، مكتبة العبيكان 2001 م، ص 11.

4ـ فريد واصل، نصر، المدخل الوسيط لدراسة الشريعة الإسلامية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، المكتبة التوفيقية، بدون تاريخ النشر، ص 143.

5ـ ضيف، شوقي، الحضارة الإسلامية من القرآن والسنّة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار المعارف 1997 م، ص 20 و21.

6ـ بيجوفيتش، علي عزت، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، دار النشر للجامعات 1997 م، ص 34.

7ـ مجموعة من المؤلفين، " قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر"، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، من إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1997 م، ص 82.

8ـ أبو ريّة، محمود، أضواء على السنّة المحمدية، القاهرة، مصر، الطبعة السادسة، دار المعارف 1994 م، ص 11.

9ـ الحفناوي، محمد إبراهيم، دراسات أصولية في السنّة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الوفاء للنشر والطباعة 1991 م، ص 12.  

10ـ أبو ريّة، محمود، أضواء على السنّة المحمدية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 8.

11ـ جاد المراكبي، جمال أحمد السيد، الخلافة الإسلامية بين نظم الحكم المعاصرة، رسالة لنيل درجة الدكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق، جامعة القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، إصدارات جماعة السنّة المحمدية 1994 م، ص 130.

12ـ هراس، محمد خليل، عقيدتنا عقيدة القرآن والسنّة، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، دار الكتاب والسنّة للنشر الدولي 2007 م، ص 10.

13ـ القرضاوي، يوسف، كيف نتعامل مع السنّة النبوية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، دار الشروق 2002 م، ص 19.

14ـ عبد الكريم، خليل، الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار سينا للنشر 1990 م، ص 126.

15ـ الشاوي، توفيق محمد، الشورى أعلى مراتب الديمقراطية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، الزهراء للإعلام العربي 1994 م، ص 32.

16ـ نفس المصدر، ص 122.

17ـ نفس المصدر، ص 35.

18ـ شلبي، أحمد، المجتمع الإسلامي: أسس تكوينه، أسباب ضعفه، وسائل نهضته"، القاهرة، مصر، الطبعة التاسعة، مكتبة النهضة المصرية 2000م ، ص 65.

19ـ الجوهري، محمد الجوهري حمد، النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي، مدينة نصر، مصر، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي 1993 م، ص 98 و 99.

20ـ الشاوي، توفيق محمد، الشورى أعلى مراتب الديمقراطية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 32.

21ـ نفس المصدر، ص 55.

22ـ البوطي، محمد سعيد رمضان، حرية الإنسان في ظل عبوديته لله، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار الفكر المعاصر 1992 م، ص 96.

23ـ القديمي، نواف، أشواق الحرية: مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مكتبة المركز الثقافي 2012 م، ص 25.

24ـ مجهول، الخلافة وسلطة الأمة، ترجمة عبد الغني سني بك، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، دار النهر للنشر والتوزيع 1995 م، ص 96.

25ـ المراكبي، جمال أحمد السيد جاد، الخلافة الإسلامية بين نظم الحكم المعاصرة، رسالة لنيل درجة الدكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق، جامعة القاهرة، مصر، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 33.

26ـ الشرّي، محمد جواد، الخلافة في الدستور الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار المرتضى للطباعة والنشر والتوزيع 2000 م، ص 189

27ـ سعيد، صبحي عبده، الحاكم وأصول الحكم في النظام الإسلامي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، مطبعة جامعة القاهرة 1985 م، ص 10 و 11.

28ـ أوجلان، عبد الله، من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية"، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، نويس، ألمانيا، دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر 2002 م، ص 61.

29 ـ القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الشروق 1997 م، ص 16.

30 ـ نفس المصدر، ص 17.

31ـ حوّي، سعيد، الإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الرابعة، دار السلام للطباعة والنشر 2001 م، ص 373.

32ـ الجاسور، ناظم محمد، موسوعة علم السياسية، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي للطباعة والنشر 2004 م، ص 182.

33ـ مجهول، الخلافة وسلطة الأمة، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 95.

34ـ نفس المصدر، ص 102.

35ـ ياسين، عبد الجواد، مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، الزهراء للإعلام العربي 1986 م، ص 166.

36ـ القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 19 و 20.

37ـ هوفمان، مراد، الإسلام كبديل، ترجمة عادل المعلم، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى،  دار الشروق 1997 م، ص 86.

38ـ البوطي، محمد سعيد رمضان، الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1984 م، ص 73.

39ـ المودودي، أبو الأعلى، نظرية الإسلام السياسي، دمشق، سوريا، الطبعة الثالثة، دار الفكر 1967 م،

، ص 43 و 44.

40ـ ـ القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 13.

41ـ القرشي، باقر شريف، النظام السياسي في الإسلام، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، دار التعارف للمطبوعات 1987 م، ص 120.

42ـ القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 14.

43ـ البوطي، محمد سعيد رمضان، الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه وكيف نمارسه؟، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار الفكر المعاصر 1993 م، ص 41.

44ـ عبد الرازق، علي، الإسلام وأصول الحكم: الخلافة والحكومة في الإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة، مطبعة مص 1925 م، ص 16.

45ـ البنا، جمال، هذا هو البرنامج الإسلامي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الفكر الإسلامي 1991 م، ص 32 و33.

46ـ العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، القاهرة، مصر، الطبعة الرابعة، مكتبة مدبولي 1996 م، ص 118.

47ـ النجار، حسين فوزي، الإسلام والسياسة: بحث في أصول النظرية السياسية ونظام الحكم في الإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، مطبوعات الشعب 1969 م، ص 120.

48ـ القمني، سيد، انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مؤسسة الانتشار العربي 2010 م، ص 58.

49ـ الخربوطلي، علي حسني، الإسلام والخلافة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار بيروت للطباعة والنشر 1969 م، ص 36.

50ـ حرب، علي، الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال السياسة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2010 م، ص103.

51ـ نفس المصدر، ص 97.

52ـ أحمد، شوان، ئيسلامي سياسي، سليماني، هيرمي كوردستاني عيراق، جابي يه كم، كتيبي روناكبيري 2004 م، روبل 301.

53ـ قطب، سيد، نحو مجتمع إسلامي، القاهرة، مصر، الطبعة العاشرة، دار الشروق 1993 م، ص 92.

54ـ الموصلي، أحمد، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية 2004 م، ص 64.

55ـ حوي، سعيد، الإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 398.

56ـ قطب، سيد، نحو مجتمع إسلامي، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 97.

57ـ شريف، باقر، النظام السياسي في الإسلام ، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 125.

58ـ القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 40.

59ـ قطب، سيد، معركتنا مع اليهود، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية عشر، دار الشروق 1993 م،ص 46.

60ـ قطب، سيد، معالم في الطريق، بيروت، لبنان، الطبعة السادسة، دار الشروق 1979 م

، ص 105.

61ـ لويس، برنارد، اكتشاف المسلمين لأوروبا، ترجمة: د. ماهر عبد القادر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، المكتبة الأكاديمية 1996 م، ص 71.

62ـ قطب، سيد، معركتنا مع اليهود، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 44.

63ـ مجموعة مؤلفين، الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي فيالعالم العربي، أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى، مركزالإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية 2002 م

، ص 184.

64ـ ضيف، شوقي، الحضارة الإسلامية من القرآن والسنّة، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 72.

65ـ بروكا، هوشنك، الإسلام فضاء عروبي فصيح ليس للأعجمي فيه محل من الإعراب، مجلة "أوراق كردية" العدد 4 بتاريخ 05.11.2002، الرابط على شبكة الإنترنت: www.amude.com/ewraq

66ـ جعفر، هشام أحمد عوض، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية: رؤية معرفية، فرجينيا، أميركا، الطبعة الأولى، المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1995 م، ص 221.

67ـ الموصلي، أحمد، موسوعة الحركات الإسلامية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 68.

68ـ قطب، سيد، هذا الدين، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة عشر، دار الشروق 2001 م، ص 97.

69ـ العمري، وميض بن رمزي بن صديق، فقه الإيمان على منهج السلف، بدون مكان وتاريخ النشر، ص 81.

70ـ قطب، سيد، نحو مجتمع إسلامي، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 9.

71ـ قطب، سيد، هذا الدين، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 98.

72ـ يونس، شريف، سيد قطب والأصولية الإسلامية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار طيبة للنشر 1995 م، ص 211.

73ـ ياسين، عبد الجواد، مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 53.

74ـ ياسين، السيد، الكونية والأصولية وما بعد الحداثة: أزمة المشروعالإسلامي المعاصر، القاهرة، مصر، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، المكتبةالأكاديمية 1996 م، ص 58.

75ـ العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 142.

76- Lohlker, Rüdiger, Dschihadismus:Materialen, Wien, Östereich, Facultas Verlag 2009, Seite 63.

77ـ شحرور، محمد، تجفيف منابع الإرهاب، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، دار الأهالي للطباعة والنشر 2008 م، ص 236.

78ـ الموصلي، أحمد، موسوعة الحركات الإسلامية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 72.

79ـ طبلية، القطب محمد القطب، الإسلام وحقوق الإنسان: الجهاد، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، إصدار خاص 1989 م، ص 6.

80ـ لويس، برنارد، اكتشاف المسلمين لأوروبا، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 72.

81ـ قطب، سيد، معركتنا مع اليهود، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 57.

82ـ لويس، برنارد، اكتشاف المسلمين لأوروبا، ترجمة: د. ماهر عبد القادر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، المكتبة الأكاديمية 1996 م ، ص 72.

83ـ البوطي، محمد سعيد رمضان، حرية الإنسان في ظل عبوديته لله، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 109.

84ـ البوطي، محمد سعيد رمضان، الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه وكيف نمارسه؟، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار الفكر المعاصر، 1993 م، ص 46.

85ـ العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 143.

86ـ شحرور، محمد، تجفيف منابع الإرهاب، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 56.

87ـ حرب، علي، الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال السياسة، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 80.

88ـ قطب، سيد، السلام العالمي والإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية عشر، دار الشروق 1993 م، ص 168.

89ـ نفس المصدر، ص 35.

90ـ الموصلي، أحمد، موسوعة الحركات الإسلامية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 78.

91ـ ـ قطب، سيد، السلام العالمي والإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 173.

92ـ حوي، سعيد، الإسلام، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 398.

93ـ المطعني، عبد العظيم إبراهيم، مبادئ التعايش السلمي في الإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الفتح للإعلام العربي 1996 م، ص 50.

94ـ محمود، علي عبد الحليم، الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1981 م، ص 148.

95ـ مجموعة مؤلفين، الحركات الإسلامية وأثرها على الاستقرار في العالم العربي، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 156.

* باحث في الإسلام السياسي. من فريق عمل المركز الكردي للدراسات.

 

 

لقراءة الدراسة بشكل ملف ب د ف الرجاء أضغط الرمز

 

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net