Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الكاتب: جهاد حمـي - OpenDemocracy
عقب رحلة العودة من السعودية إلى تركيا، في أواخر كانون الأول العام الفائت، سُئِلَ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان من قبل الصحفيين فيما إذا كان تطبيق نظام رئاسي بصلاحيات موسعة ممكناً بالتزامن مع المحافظة على "البنية الموحدة للدولة". أجاب أردوغان :"هنالك أمثلة سابقة عن هذه الحالة في العالم. يمكنكم النظر إلى التجربة الهتلرية في ألمانيا." وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز العام الجاري، بدأ أردوغان بطرد وسجن منافسيه السياسيين، واضعاً أسس نظام سلطوي، الأمر الذي دفع ببعض النقّاد إلى أخذ مقارنته المذكورة أعلاه بجدية أكثر.

في الحقيقة، يرسم أردوغان سياساته بالاعتماد على نفس المفاهيم السياسية التي روجت عبر أطروحات كارل شميت، الباحث والمحامي الألماني الذي كان بدوره متحمساً ومدافعاً عن نظام هتلر. ووفقاً لأفكار شميت،السياسة تعتمد فقط على الاختلاف بين "الصديق" و"العدو" . لم يجري تحديد هذا المفهوم السياسي عن طريق التصنيفات الاقتصادية والأخلاقية. بدلاً من ذلك، تحتاج الدولة إلى خلق أعداء لها لترتيب نفسها وضمان بقائها. وهذا التماثل في مسيرة سياسات أردوغان تعادل هذه الفرضية المركزية إلى حد كبير كما هو موضح في قوله:
"الديمقراطية، والحرية وسيادة القانون بالنسبة لنا....كلمات لا قيمة لها بعد الآن. أولئك الذين يقفون إلى جانبنا لمحاربة الإرهاب هم أصدقائنا. بينما الذين يقفون على الجانب الأخر هم أعدائنا". 16 حزيران 2016
في تركيا الحديثة يتم اعتبار الآراء والسياسات خارج حدود إيديولوجية الحكم التركي الرسمي، خطر على وحدة وأمن الدولة. فمقاربة الصديق والعدو ليست جامدة. فالعدو قد يصبح صديق والأخير قد يصبح في خانة العداوة بشكل لا متوقع. بالنسبة لما سبق فإن السياسة لا تتمحور حول المبادئ الأخلاقية. فالعدو بالنسبة لأردوغان هو كل من يقف في طريقه وأمام مشروعه الساعي إلى بناء دولة بنظام سلطوي،وعليه قام بإعلان حالة الطوارئ مسبقاً،وشن حملة اعتقالات واسعة للمعارضين والاكاديميين وبالتالي تصفيتهم إما سياسيا أو جسديا كالحالة الكردية.
وصف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، محاولة الانقلاب الفاشلة بـ "هدية من الله"، حيث ستساعده في سحق منافسيه داخل الدولة. وهو ما أثبت وجود عدو كان يتم تبنيه خطابياً خلال السنوات السابقة. بناء على ذلك، سيصبح الطريق ممهداً لأردوغان كي يقوم بتعزيز سلطاته داخل الدولة، بالتالي السماح له بتأسيس نظام رئاسي سلطوي. الآن، الجميع في تركيا كالجيش، الأكاديميين، الصحفيين، القضاة والمعارضين السياسيين يمكن أن يكونوا أعداءً في نظر أردوغان. هدية الله ستلعب دورها كلما كان الأمر ضرورياً، حيث يتم اعتقال جميع "أعداء" الدولة من المعارضين السياسيين تعسفيا. هدية الله كانت فرصة لإعلانـ "حالة الطوارئ أو الحالة الاستثنائية" التي أشار إليها كارل شميت في كتابه، لاهوت السياسة، الذي يبدأ بتعريف "الحاكم .. بالشخص الذي يقرر الاستثناء". الحاكم هو الشخصية الكاريزمية التي تنقذ الشعب من "الخطر" عبر تجاوز القانون إن لَزِمَ الأمر. هو حاكم بكل ما للكلمة من المعنى، بكلمات أخرى شخص دكتاتوري.
ما يحاول أن يحققه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن طريق السياسات السابقة هو بناء دولة بنظام سلطوي وتقليص التعددية داخل جسم الدولة، وذلك عبر محاربة الأحزاب المعارضة له إيديولوجيا، كحزب الشعوب الديمقراطية HDP –الذي جُردَ أعضاءه من الحصانة البرلمانية في الآونة الأخيرة بسبب مزاعم "التحريض على الإرهاب"وبسبب طموحاته الديمقراطية المشكلة عائقاً أمام أردوغان الساعي إلى تأسيس نظام رئاسي سلطوية (دكتاتورية) – ، وحركة فتح الله غولن وخلاياها المنتشرة داخل مؤسسات الدولة التركية ،ساعيا بدلك إلى اختراق المجال الاجتماعي عبر سياساته الرامية إلى تحويل الشعب لحشود سلبية غير فعالة سياسيا.
السياسات الثورية كبديل في تركيا
السياسة القائمة على مفهوم الصديق-العدو تهدف في المقام الأول إلى تقليص نطاق الاختلاف والتنوع في إدارة المجال الاجتماعي. هذه النظرية الثنائية المحضة لا يمكن أن تشمل التعقيد وثراء الحياة ،ولا حتى يمكنها احتواء المفهوم الغني للسياسة الذي خرج بها اليونان القديمة وهو (إدارة المدينة لنفسها ذاتياً)، أي الإدارة التي تعتمد على تعزيز مشاركة المؤسسات الديمقراطية في الفضاء السياسي الاجتماعي. بالنسبة للمقاربات الأردوغانية، فهي ليست سوى الخيار بين الأسود أو الأبيض، بخلاف البديل المبتكر من لدن الناس الذين يديرون حياتهم اليومية بكافة ألوانها الزاهية. تصدى ثيودور أدورنو، ، الفيلسوف والعالم الاجتماعي الألماني في كتابه ( تأملات في الحياة الخاطئة) للمفهوم المركزي لـ كارل شميت مركزاً على الحرية حيث معلقا:
"كارل شميت عرف الجوهر العميق للسياسيات من خلال تصنيفات الصديق والعدو.... الحرية لا يمكن أن يتم اختيارها ما بين الأسود والأبيض بل من خلال تجنب هكذا الخيارات المقررة".
في تركيا اليوم نرى تناقضاً في الرؤى. فمن ناحية يسعى أردوغان وراء سياسة الألماني شميت، ومن ناحية أخرى هنالك آخرون يسعون لتبني سياسات ثورية تخالف سياسة أردوغان جذريا. رغم ظروفه القاسية في السجن الانفرادي منذُ عام 1999 على جزيرة إيمرالي التركية، طورّ المفكر والزعيم الإيديولوجي لحزب العمال الكردستاني PKK عبد الله أوجلان أفكاره حول السياسة الثورية ، معتمدا بذلك على أفكار كبار الفلاسفة أمثال حنا أرندت وموراي بوكشتين. حيث جسدت حركة حرية كردستان في شمال كردستان (جنوب شرق تركيا) هذه السياسة الثورية إضافة إلى ممارستها بشكل عميق في روج آفا. وتهدف سياساتهم الثورية إلى تشكيل سلطة ثنائية مقابل سلطة الدولة القومية الطاغية، متجسدة في كيانات مجتمعية غير دولتية من قبل القاعدة الشعبية القائمة على كونفدراليات البلديات الديمقراطية ، المنتخبة من قبل الناس عن طريق الديمقراطية المباشرة.
إحدى أهم خصائص السياسة الثورية هو ارتباطها مع الأخلاق العقلاني في المجتمع. ففي حين يحاول علم الأخلاق تحديد الأفعال الجيدة معنوياً وأخلاقياً وجمالياً، تسعى السياسة إلى خلق أفضل الأعمال والأفعال. أي عمل أو سياسة يتم تنفيذها وفقاً للحاجات الأخلاقية، وهذه السياسات هي مظهر الأخلاق التي تسعى إلى تمكين وإدراك المجتمع ذاتياً من خلال المشاركة في مجتمع حر لا هرمي. في مجلده الخامس من مرافعة مانيفستو الحضارة الديمقراطية، يشير أوجلان إلى دور الذي تزاوله الأخلاق كالدور الذي تلعبه السياسة في إدارة المجتمع. يجادل أوجلان قائلاً: "بينما تقوم السياسة بالدور المبدع، والحامي، والمغذي، فإن الأخلاق تقوم بنفس الخدمة في المجتمع، وذلك عبر القوة المؤسساتية والقواعد التقليدية ، والإنسان يستطيع أن يحكم الأخلاق باعتبارها الذاكرة السياسية للمجتمع."
تصادمت سياسة أوجلان بسياسة أردوغان عندما احتضن حزب الشعوب الديمقراطية السياسة الديمقراطية الثورية، وحقق انتصاراً عظيماً في الانتخابات البرلمانية، حزيران 2015، متجاوزاً عتبة الـ 10% البرلمانية في تركيا. هذا الأداء المؤثر وضع طموحات أردوغان في مأزق لفترة مؤقتة، وبالتالي أدى إلى تصعيد الصراع والقيام بحملات وحشية ضد الحركة الكردية. منذُ ذلك الحين. أنهى أردوغان عملية السلام وأعلن الحرب على القاعدة الشعبية لحزب الشعوب الديمقراطية. كرد فعل على ذلك، قام الناس بتنظيم مجالسهم الشعبية المحلية وأعلنوا الحكم الذاتي في شمال كردستان، وحثت هذه الواقعة إلى اختيار الحكومة التركية الإكراه وسياسة الهندسة الاجتماعية كنهج لها لاقتلاع بذور السياسات الثورية في شمال كردستان.وبالتالي يمكن اعتبار الحرب الدائرة في شمال كردستان بالحرب ضد إرادة الشعب الكردي ومواصلته السياسة الثورية المكرّسة من أجل الحرية، الديمقراطية، الاختلاف والتنوع. قادر على فعل ما يريده ولن نقف في طريق شعبنا
إثناء قيام رجب طيب أردوغان مدعوماً من حزبي (الحركة القومية MHP –الشعب الجمهوري CHP - وهما حزبان يملكان عقلية مماثلة لتلك التي يملكها حزب العدالة)  بتجريد برلمانيي حزب الشعوب الجمهورية من الحصانة البرلمانية، عبرّ صلاح الدين ديمرتاش وبفصاحة عن رؤيته السياسية الثورية المتجذرة في الشعب. حيث قال:
"الشعب يشكل البرلمان، لا الأحزاب، والشعب يستطيع تشكيل برلمانات متعددة إذا ما أراد فعل ذلك... الشعب، قادر على فعل ما يريده ولن نقف في طريق شعبنا."
وعليه الخطوة التي ينبغي البدء بها لحل القضية الكردية في شمال كردستان هي إنهاء الحالة العسكرتارية السائدة ، التي تخنق الدور الحقيقي للسياسة، وتعرقل المشاركة في عملية بناء السلام بين الكرد والأتراك.
تركيا تتجه نحو مستقبل مظلم في ظل سياسات حزب العدالة والتنمية القائمة على الاستبعاد ومحاربة كافة أشكال الديمقراطية والتنوّع في البلاد. ولتجنب الذهاب نحو الهاوية، يحتاج الشعب إلى سياسة ثورية جديدة تهدف إلى تقليص سلطة الدولة ومنح الشعب إدارة حياتهم بشكل حر، ديمقراطي، أخلاقي.

ترجمة: المركز الكردي للدراسات

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net

http://www.nl-k.net

http://www.nl-k.com