Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

:

 الاستعداد للأسوأ في الصراع الكردي – التركي
الكاتب: مركز سياسة الحزبين


تاريخ إصدار البحث: 14 حزيران 2016
الترجمة من الإنكليزية للعربية: المركز الكردي للدراسات


كلمة شكر وتقدير:


بكل امتنان وتقدير نشكر كل من السادة إليزا ماركوس – أمبيرين زمان – ماسون هيل – وكيلسي روثرفيرد لمساهمتهم ومساعدتهم في إنجاز هذا البحث.


تنويه:


هذه الورقة البحثية هي نتاج برنامج مركز سياسة الحزبين BPC. النتائج والمعلومات المستخلصة من هذا البحث هي فقط تابعة لبرنامج الأمن القومي، لذلك فإنه ليس ضرورياً أن يكون أي عضو في المركز مقتنعاً بأي صيغة واردة هنا كما ولا يعبر التقرير عن وجهات نظر وآراء مركز سياسة الحزبين، الممولين، أو مجلس الإدارة.
الرئيسان المشتركان لفريق إعداد البحث:
1-    السفير مورتون أبرامويتز – سفير أمريكي أسبق لدى تركيا.
2-    السفير إيريك إيدلمان – سفير أمريكي أسبق لدى تركيا.


الأعضاء المشاركون في إعداد البحث:


1-    هنري باركي – جامعة لاهاي – مركز ويلسون للدراسات.
2-    سفانتي كورنيل - مدير البحوث لدى المعهد المركزي لـ أسيا والقوقاز.
3-    السفيرة باولا دوبرينسكي – وكيلة وزارة الخارجية للشؤون العالمية.
4-    جون هانا: المساعد السابق لنائب الرئيس الأمريكي المختص بشؤون الأمن القومي.
5-    خليل كرافيلي: زميل كبير في برنامج الدراسات لدى المعهد المركزي لـ أسيا والقوقاز.
6-      آرون لوبل: مؤسس ورئيس شبكة " America-Abroad " الإعلامية.
7-    ألان ماكوفسكي: عضو سابق في لجنة الشؤون الخارجية داخل مجلس النواب "الكونجرس".
8-    الأدميرال غريغوري جونسون: القائد السابق للقوات البحرية الأمريكية، كما أنه يشغل حالياً منصب أحد كبار المستشارين لدى مركز "سياسة الحزبين.
9-    اللواء تشارلز والد: النائب السابق لقائد القوات الأمريكية الأوروبية، عضو حالي في مجلس مركز سياسة الحزبين.
هيئة برنامج الأمن القومي:
1-    بلايز ميزتل – مدير برنامج الأمن القومي.
2-    نيكولاس دانفورث – كبير المحللين السياسيين.
3-    جيسيكا ميشيك: محللة سياسية.


المحتوى


-    ملخص تنفيذي
-    الدولة التركية والكرد في القرن العشرين
1-    الاستيعاب القسري – الطاعة في الدولة التركية 1923
2-    الاندماج الناقص في عهد الديمقراطية عام 1950
-    العودة إلى القمع: 1980 – 1990
-    الصراع الكردي في عهد حزب العدالة والتنمية AKP: وعود ومخاطر السياسات العامة
1-    الآمال المبكرة: 2003 – 2009
2-    التحديات الواقعية: 2009 – 2015
3-    الانهيار والعودة إلى القتال: 2015


-    الصراع الكردي اليوم: الكفاح نحو المستقبل


1-    حالة الصراع
2-    ماذا سيحصل في المستقبل القريب؟
•    احتمال التصعيد
•    طموحات أردوغان السلطوية
•    المجتمع الكردي المنقسم
•    الصراع السوري
-    خاتمة
•    السلطوية التركية
•    الاستقطاب - اللاستقرار
•    المصالح الأمريكية والصراعات الإقليمية
•    مستقبل الاتحاد الأوروبي
-    ملحق
............................................................................................................


ملخص تنفيذي


تتدهور الشراكة الأمريكية  - التركية القوية والصلبة أكثر فأكثر ويتم ذلك على نحو ثابت ومستمر إلى أن تصل للنقطة التي يبدو أن كلا البلدين لا يشتركان فيها بأي مصالح مشتركة، إن وجدت، بعد الآن. حتى الآن، هنالك عدد لا يحصى من الشؤون والأمور التي تقلق واشنطن والتي يمكن للمشرعين الأمريكيين وصناع القرار أن يخرجوها إلى العلن حول سلوك حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا AKP، ابتداء من علاقتها مع أفرع وكتائب المجموعات المتطرفة في سوريا انتقالاً إلى الديمقراطية التي باتت تتدهور يوماً تلو الآخر – والأمر الذي يجب أن يقلق الجميع وهو الأقل نقاشاً وطرحاً في واشنطن: تجدد الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني PKK. بدأ الاصطدام الأول بين الطرفين (واشنطن – أنقرة) منذُ خمسة سنوات وبالتحديد عام 2011، وذلك حول أحقية واختيار مجموعات المعارضة السورية المناهضة للأسد، لتقديم الدعم لها، مما أدى إلى ظهور هوة واسعة بين البلدين في السياسة الخارجية والتي كانت متينة في وقت ما.
بعد عامين من ذلك، وبالتحديد عندما قام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان وبطريقة وحشية بقمع المظاهرات السلمية في حديقة جيزي بمدينة إسطنبول، ازداد قلق صناع القرار الأمريكي على نحو متزايد حول وضع الديمقراطية التركية التي بدأت بالتآكل وظهور حكم الرجل الواحد المتمثل في أردوغان. مع تزايد القلق حول الوضع في تركيا، بقيت بقعة واحدة مضاءة نسبياً في تركيا ألا وهي: مفاوضات السلام بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب العمال الكردستاني في مسعى لإيجاد تسوية سلمية تنهي الصراع المستمر منذُ عقود طويلة. أعطى وصول حزب العدالة والتنمية للحكم قبل ما يزيد عن عقد من الزمن الأمل، حينما قدّم الحزب نفسه كقوة سياسية لبرالية ديمقراطية متعهداً بكبح جماح الجيش التركي وإدخال البلاد إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن أدى انتهاج الحزب سلوكاً أكثر سلطوية، إلى تحول الاتفاق الذي عرضه أردوغان على الكرد إلى صفقة خاسرة: مساعدته في الحصول على السلطة المطلقة مقابل تأمين درجة معينة من الحرية الثقافية والسياسية بالنسبة لهم. ولكن بدلاً عن ذلك، اختار السياسي الكردي صلاح الدين ديمرتاش وحزبه، حزب الشعوب الديمقراطية HDP، في سبيل إحقاق الحقوق الكردية، قيادة حملة ليبرالية ضد أردوغان وطموحاته الرئاسية في ربيع عام 2015. ظهور حزب الشعوب القوي في الانتخابات البرلمانية التي جرت في حزيران العام الفائت، منعت العدالة والتنمية مؤقتاً من تشكيل حكومة لوحده وهو الأمر الذي تغير لاحقاً في انتخابات تشرين الثاني\نوفمبر من العام نفسه. ولكن الآمال المعقودة من أجل تحقيق السلام سرعان ما تحطمت بعد استئناف العمليات العسكرية في تموز العام الماضي.
الآن وبعد مقتل المئات، جرح الآلاف وتشريد مئات الآلاف خلال المعارك التي تجري منذُ عشرة أشهر، هنالك أسباب قليلة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الوضع الحالي سيتحسن. ويشير تحليل سياسي متعلق بالأوضاع الحالية التي تزداد شدتها وتضاءل إلى الديناميكيات في الساحة التركية والدول المجاورة لها ستؤدي إلى اشتداد الصراع، من المحتمل أن يصل إلى أعلى درجاته والتي ستكون تكلفتها البشرية كبيرة كما جرى في تسعينات القرن الفائت.
تاريخ الصراع بين الدولة التركية والكرد هو طويل ووحشي في المرحلة التي سبقت صعود حزب العمال الكردستاني في ثمانينات القرن المنصرم. ويعود إلى الفترات المبكرة من تاريخ الجمهورية التركية وبالتحديد عام 1923. وعندما خفت حدة الصراع، كما في خمسينات القرن الماضي، حيث حدث ذلك في لحظات الانفتاح الديمقراطي والتي استغلتها الأحزاب السياسية، سعياً منها في كسب الأصوات الكردية في الانتخابات ضد مؤسسات الدولة المتحصنة، تماما كما فعل حزب العدالة والتنمية في عام 2003.  وكلما اندلعت موجات العنف، كما حصل في عشرينات وثمانينات القرن المنصرم، ترافق ذلك مع تزايد الاستبداد الذي كان يصر وبقوة على سحق المعارضة – سواء أكانت ضد الدولة التركية أو إيديولوجيتها القومية – وفي سبيل ذلك كان شبح الحرب الأهلية ذريعة مناسبة ومُقنعة حتى لشرعنة المزيد من العنف والقمع.
تلعب هذه التغييرات دوراً فعالاً في المرحلة الحالية. وتؤثر طموحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان ضد طموحات الكرد في تركيا بالحصول على الحكم الذاتي الذي يسعون إليه، في حين تلعب استراتيجية المحاولة على إذعان الكرد عن طريق القوة دوراً وظيفياً في كسب الناخبين القوميين والذين يعتمد أردوغان على دعمهم ليتمكن من تعديل الدستور التركي. كما يجعل الشقاق الحاصل في المجتمع الكردي والحركة السياسية الكردية من فرص التسوية بين الدولة التركية والقيادة الكردية ضئيلة وغير قابلة للتحقق على نحو كبير. أظهرت الانتخابات التي جرت مؤخراً أن الاختلافات الإيديولوجية بين المجتمع الكردي في تركيا لا تزال واضحة كما كانت في ثمانينات وتسعينات القرن الفائت، في حين ظهر توتر بين أطراف الحركة القومية الكردي نفسها، بين حزب الشعوب الديمقراطية، وزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في جزيرة إمرالي، عبدالله أوجلان وبين قيادة حزب العمال في جبال قنديل، وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة الراديكالية لدى الشباب الكردي في العديد من المدن الكردية. أضف إلى ذلك، هنالك مجموعة من المؤثرات الإضافية التي من الممكن أن تؤدي إلى توسع وإطالة القتال، كما ويمكن أن تتضمن زيادة في عدم الثقة بسبب فشل المفاوضات السابقة وأكثر من أي شيء أخر، هنالك الحرب السورية. سيكون تفاقم الصراع الكردي – التركي مدمراً بالنسبة لتركيا، وبشكل خاص بعد التغييرات الجوهرية والانعكاس في الجوانب الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية خلال عقد ونصف من الزمن، وتغييرها عما كانت عليه من فترة مظلمة غير مستقرة، مشوهة بسبب التسلط والعنف والقمع السياسي.
لكن على أي حال، لن تكون المأساة في تركيا لوحدها، حيثُ سيفعل صنّاع القرار الأمريكي ما بوسعهم لمعرفة أبرز القضايا التي تقلقهم والمتعلقة بتدهور وضع تركيا متصلة بالصراع الكردي – التركي. أنقرة لن تصبح حليفاً وثيقاً يمكن الاعتماد عليه في القتال ضد تنظيم "داعش" ولا حتى في بناء مجتمع أكثر ديمقراطية إذا لم تكن قادرة، على الأقل، الوصول إلى وقف إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني، وإيقاف اضطهاد السياسيين الكرد والعودة إلى طاولة المفاوضات.
على النقيض من ذلك، تطلّعت واشنطن لمساعدة أنقرة للتخلص من جميع الديناميكيات والمتغيرات التي تقلق الولايات المتحدة ولاستئصال العنف الطائفي والعرقي على المستوى الإقليمي والذي يشبه الورم الخبيث في جسد الإنسان، كما وتطلعت من أنقرة مساعدتها في التعامل مع التدخلات الروسية والإيرانية، وكذلك طوفان اللاجئين المزعزع للاستقرار في الاتحاد الأوروبي – والعكس سيحدث إذا تورطت تركيا في حرب أهلية متصاعدة. ولكن مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تلتزم بالتنسيق مع كلا الطرفين (الكرد – الأتراك) في حربها ضد تنظيم "داعش"، يهدد استمرار الصراع الكردي – التركي أو تصعيده إلى مستويات أخطر، وبشكل جدي، على المصالح الأمريكية الاستراتيجية في الشرق الأوسط. إذ يحمل الصراع مخاطر أخرى أيضاً من شأنها أن تقوض التحالف بين الطرفين ما استمر سوء التفاهم وعدم معالجة الأمر، سيما أن هذا التطور جاء على خلفية العلاقات الأمريكية – التركية المتوترة سابقاً.
غياب أي تغيير في المنطق والدوافع يصعّد الصراع بشكل حتمي – تغيير من غير المحتمل أن يتحقق في هذه المرحلة – ومن المرجح أن يتحول الانقسام بين واشنطن وأنقرة قريباً إلى هوة لا يمكن تجاوزها. فالعوائق التي تمنع إعادة إحياء مفاوضات السلام أو على الأقل إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات كبيرة ومهمة جداً. حتى الآن، وبالنظر إلى حجم، إذا ما لم تكن الخطوط العريضة للحل خارطة طريق لتحقيق الحل واضحاً، يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى جميع الفاعلين المؤثرين في الحل، بذل كل ما بوسعهم لمنع احتدام الصراع بين الطرفين.

 

الدولة التركية – الكرد في عشرينات القرن المنصرم

 


يكشف تاريخ الصراع والاستقطاب بين الكرد والدولة التركية خلال القرن المنصرم أثنين من السمات الرئيسية التي لا تزال تقود القتال المستمر اليوم. الأول هو استمرار مساعي الدولة التركية لاستيعاب وتأمين ولاء ودعم الكرد ولكن هذه الجهود تتقوض على الدوام بسبب جهودها لتأمين ولاء وطاعة الكرد عن طريق استخدام القوة العسكرية. الثاني هو نجاح الدولة التركية على امتداد رقعة كبيرة من الخارطة السكانية الكردية، وهو ما يفرض تصور بأن الصراع التركي مع القوميين الكرد المعاديين للدولة التركية هو صراع بين الكرد أنفسهم أيضاً.
الاستيعاب القسري (تحت اسم الطاعة) في الدولة التركية (1923 – 1950)
أدرك الرجال الذين أسسوا الدولة التركية الحديثة عام 1923، بشكل خاص واعترفوا علنياً في بعض الأحيان بوجود عدد كبير من الكرد في الدولة التركية. العديد من هؤلاء الرجال المؤسسين أنفسهم لم يكونوا أتراكاً بل كانوا ينحدرون من أسلاف بلقانيين ومن القوقاز – وظنوا أن الكرد سينصهرون كما حدث لهم من خلال تعلم اللغة التركية وتقبّل هويتهم الجديدة ضمن سياسة الأتركة والتسليم بالأمر، بمعنى من المعاني أن "تصبح تركياً"، كانت سياسة حيوية، ويعتبر فرضاً من فروض الطاعة للدولة الجديدة.
سعى القوميون الأتراك في السنوات الأولى  للجمهورية التركية، إلى تعريف الصيغة الدقيقة لكي تستخدمها الدولة لتعزيز الطاعة من خلال الهوية. فخلال فترة وجيزة قبل تأسيس الجمهورية، كان القوميون الترك أكثر اهتماماً بضرورة كسب هذه المجموعات، وعدم نبذ هوياتهم الاجتماعية في سبيل تحقيق مصالح الدولة الوطنية الصاعدة، أعلن كمال أتاتورك بنفسه قائلاً:
"الأقليات المسلمة المتعددة التي تعيش في هذا البلد هم أخوة حقيقيين، وسيحترم أحدهم عرق الآخر كما احترام المبادئ المحلية والأخلاقية أيضاً. إذا ما كان هنالك أمر مؤكد وثابت فهو: الكرد، الأتراك، اللاز، الشركس، كل هؤلاء المسلمين الذين يعيشون ضمن هذه الحدود لهم مصالح مشتركة مع بعضهم البعض".
 على الرغم من الإصرار على الأخوة والمصالح المشتركة إلا أن سرعان ما تلاشى هذه المقاربات، حيث كان الإصرار على هوية عامة موحدة يفرض ذاته على الواقع المتشكل. وهو مقاربة تمت تبيانها بصورة مفصلة في مقدمة دستور الجمهورية التركية لعام 1924:
"دولتنا هي دولة قومية واحدة. ليست دولة متعددة القوميات. الدولة لا تعترف بأي قومية سوى التركية. هنالك أقوام أخرى من أعراق مختلفة (مجموعات قومية) ويجب أن يكون لديهم حقوق متساوية في هذه البلاد. حتى الآن ليس ممكناً إعطاء الحقوق إلى هذه الأقوام وفقاً لحالتهم العرقية (القومية)".
اندثرت صيغة التباين وتم خلطه مع العصيان، في الفكر القومي الرسمي خلال بدايات تأسيس الجمهورية التركية، ومع مرور الوقت بات الاستيعاب القسري المقياس الوحيد لموالاة الدولة أي بما معناه، من لم يندمج قسريا ويتحول إلى تركي فهو عدو للدولة وفي المحصلة، غدا التنّوع نفسه إلى تهديد للدولة وخصوصاً عندما كان يفصح التعبير عن هذا التنوع بطرق مختلفة. الأقليات لم يتمكنوا، إلى حد معين، من الحصول على الدعم ليكونوا مختلفين في اللغة أو في الدين. عندما كانوا يعبرون عن ذواتهم الجمعية ويفتخرون في ذلك الاختلاف، كان الخطاب الرسمي يرفض هذا السلوك، ويدرجه في خانة العصيان ضد الدولة القومية.
إضافة إلى تعزيز الجمهورية فرض الولاء الثقافي المتجانس على مواطنيها، وسّعت الجمهورية التركية الجديدة مساعي الإمبراطورية العثمانية، التي اتخذتها فبل الانهيار، لتوسيع صلاحياتها وسلطتها المركزية في منطقة شرق الأناضول، ما دفعهم إلى الدخول في صراع مع القبائل المحلية في المنطقة والتي عاشت في هدوء نسبي لفترات طويلة بنوع معين من الحكم الذاتي. فضلاً على أن الحكومة التركية تحركت بذهنية "هندسة المجتمع" والبدء بعملية "العَلمنة المتطرفة" وهو الأمر الذي مهّد الطريق لظهور المقاومة المحلية لأسباب جغرافية ودينية وعرقية. وكانت المقاومة تتخذ سلسلة من الثورات في جنوب شرق تركيا خلال فترة عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم والتي تمت قيادتها، في الغالب من قبل القيادات العشائرية الكردية التقليدية. غير أن لا أحد كان يملك الأمل لتحقيق الانتصار على الدولة التركية في ظل التفوق العسكري الكبير للجيش التركي والذي وبحلول عام 1938 ووفقاً للمزاعم تضمنت عملياته العسكرية استخدام الغازات السامة ضد العشائر الكردية. وعلى الرغم من تفوق الجيش التركي والميزات التي كان يملكها إلا أنه عندما ثارت القبائل الكردية ضد الدولة، استنجدت وبشكل اعتيادي إلى قبائل كردية أخرى لتقوم بمساعدته في إخماد هذه الثورات، وإعادة ضبط النظام في المنطقة كما حصل في ثورة الشيخ سعيد بيران المعروفة.
من الواضح، إتباع هذا النهج من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج متعارضة لتلك الأهداف التي أعلنتها الحكومة بوجوب إدماج الكرد قسرياً في الهوية السياسية الجديدة للدولة، ودمجهم في البنية المجتمعية الجديدة للدولة المتبلورة، وعوضاً عن ذلك، ولّد ذلك زيادة في مقاومة وإدامة للبنية القبلية التي حافظت على نفسها. في عام 1925، قاد الشيخ سعد البيران، وهو قائد وشيخ الطريقة النقشبندية مع عدد كبير من الأتباع في المنطقة المحيطة لمدينة ديار بكر تمرداً ضد الدولة التركية واستطاع بيران جمع عدد من المقاتلين وصل إلى ما يقارب 10 آلاف رجل. بعدما ما تمكن الجيش التركي من هزيمة بيران وأتباعه وفي النهاية إعدامه – مستفيدة من دعم قبائل كردية أخرى للجيش والدولة التركية- استغلت الجمهورية التركية هذا الأمر وأطلقت حملة منظمة استخدمت فيها العنف هدفت إلى مآسسة سلطاتها في منطقة جنوب شرق البلاد. حيث كانت القرى تتعرض وبشكل متكرر لغارات انتقامية يتم إعدام القرويين فيها وبشكل جماعي، كان لافتاً حجم ترحيل ونفي بعض القيادات الكردية العشائرية" الدينية والمثقفة" إلى غرب تركيا، وتصفية البعض الأخر.
بادئ الأمر استهدفت الحكومة التركية، القيادات الكردية التي ساعدت ودعمت الثورات إلا أنها سرعان ما وسعت نطاق حملتها لتشمل مجموعة واسعة من الشخصيات البارزة. جنباً إلى جنب، دفعت الحكومة التركية على تهجير الكرد خارج المنطقة، وأطلقت مشروعاً معاكساً لجلب الأتراك وتتريك جنوب شرق البلاد من خلال تشجيع الهجرة التركية. وكما وصفها المؤرخ أوجور أوميت أونجور " الإجراءين كانا مكملين لبعضهما البعض" وهما أشكال من "الهندسة لاجتماعية". الدولة سوف "تضرب عنق الأمة الكردية" من خلال (نفي فئة النخبة) وترك السكان المحليين والتي (نظر إليها كالمادة الخام) ليتم إدماجها عن طريق القوة المفرطة وهو ممارسة سيتم تنفيذها لاحقاً من خلال تدفق المستعمرين والمستوطنين الأتراك. (5)
كانت الحكومة التركية تأمل من هذه العملية، أن يتم تفكيك وتدمير المجتمع الكردي المنظم عشائرياَ وإذابته داخل المجتمع التركي المهيمن. (6) ولكن وعلى الرغم من ترحيل ما يقارب 25 ألف خلال فترة العشرينات والثلاثينيات القرن الماضي، إلا أن المشروع برهن فشله في تحقيق الهدف المرجو. ويشير أونجور إلى كيفية قيام قائد شرطة ديار بكر في ثلاثينيات القرن المنصرم وبمساعدة أعضاء من عشيرة (Pirinccizade) في تنفيذ عمليات التهجير المنظم "للعشائر والعائلات الكردية التي كانت هذه العشيرة تنظر لها بمثابة الخصم والمنافسة لها في منطقة ديار بكر".
 لم يكن مفاجئاً أن توظف الدولة عشيرة (Pirinccizades) واستثمرت عمليات التهجير القسري للاستيلاء على كل ما تملكه العشائر المنافسة لها، تماماً كما فعلت عشائر أخرى في أماكن أخرى، ولكن في نطاق أقل. وبالتالي وبدلاً من تدمير البنية القبلية في المنطقة، قامت الحكومة بتعزيزها على نحو غير متعمد. في الواقع، تؤكد المصادر التركية إلى أي مدى كانت الحكومة التركية لا تزال ترى البنية القبلية كجزء من المشهد الاستراتيجي للمنطقة بعد عقدين من المحاولات الرامية إلى القضاء عليها.
في تقرير صادر عن الجيش التركي عام 1946، على سبيل المثال تحت عنوان "عمليات التمرد في المنطقة الشرقية والدروس المستخلصة منها". (8) مع التشديد على كلمة "الدروس المستخلصة" وردت جمل من قبيل "القرى التي يتم إطلاق النار منها نحو جنود الجيش التركي يجب أن تُدَمَر بالقصف المدفعي". ويتضمن الكتيب الموجود (أدناه) خارطة تظهر العشائر والقبائل الكردية في منطقة جنوب شرق الأناضول حيث أن الخارطة مقسمة بناء على "هؤلاء المنخرطين في التمرد على الدولة التركية حتى الوقت الحاضر وأولئك الغير منخرطين في التمرد". باختصار، حتى وبعد أن أطلقت الحكومة التركية هجوماً مُنسقاً على البنية القبلية للمنطقة مقترناً ببرنامج ممنهج لهندسة ديموغرافية المنطقة، هذه الجهود لم تستطع كسر البنية القبلية، بل قامت بتعزيز النظام القبلي الموجود سابقاً. وعلى هذا النحو، كان الأفضل للحكومة أن تتجه نحو شراء وإجبار القبائل على الطاعة.

 

الإدماج الناقص في خمسينات القرن المنصرم (عهد الديمقراطية)


عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، بدأت الحكومة التركية الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية الديمقراطي والذي من شأنه أن يشكل تحولاً في قضية ولاء القبائل وسياسة الدولة تجاه الكرد. الديمقراطية التركية سرعان ما فتحت المجال لصراع لم يسبق له مثيل على السلطة في البلاد بين الأطراف المنقسمة من الحكومة التركية – أحدها تجسد بتأسيس حزب الشعب الجمهوري والطرف الآخر تجسد بأولئك المنشقين عن حزب الشعب الجمهوري والذي أسسوا الحزب الديمقراطي الجديد. حيث كانت النخبة الموحدة كثيراً ما تعتمد على القوة في قمع المطالب الكردية ولكن الانقسامات الجديدة جعل من إمكانية اختيار الكرد كحلفاء أكثر قبولاً وتصديقاً في تلك الحقبة الزمنية.
هكذا، ومع أول انتخابات حرة تماماً في تركيا خلال عام 1950، ظهر نظام جديد إلى الساحة، حيث بدأ الحزبان يتنافسان على دعم قيادات العشائر الكردية وبالتالي أصوات أتباعهم. وعلى الرغم من ذلك، فاز هذا النظام الجديد بولاء العشائر من خلال سياسة الجزرة بدلاً عن العصا، فالنهج الذي اتبعته الدولة سابقاً عبر الاعتماد على العنف ضد القبائل المتمردة من جهة، والتلاعب بالتناقضات العشائرية بغرض استمالة تأثير قادة القبائل داخل المنطقة الكردية من جهة ثانية، انحصرت المقاربة الجديدة في الجزئية الثانية، حيث مارست سلطات الدولة صلاحياتها عن طريق الفاعلين المؤثرين، بينما احتفظ قادة القبائل بسلطتهم المحلية الخاصة.
وإذا ما عدنا للوراء بنظرة الواقع الحالي ونظرنا إلى أصول وثبات هذا النوع من المشاركة البرلمانية، يكتب الباحث سفانتي كورنيل:
"من بين عدد كبير من البرلمانيين المنتخبين في المنطقة الكردية، جنوب شرق تركيا، ينحدر العديد منهم إن لم يكن الغالبية من عائلات إقطاعية أو تابعين لهم. ويعتبر الأمر مماثلاً في حالة الأحزاب اليمينية والمنحلة حالياً في الحزب الديمقراطي DP".
ليس من الشائع أن تجد نسبة تصل إلى 80 % قد صوتت لحزب واحد في محافظة لوحدها خلال الانتخابات في جنوب شرق تركيا، وفي نفس الوقت قد صوتت محافظة مجاورة بشكل قوي ومتساوي لعدد مختلف من الأحزاب، يجب أن يتم تفسير نتائج انتخابات برلمانية غريبة كهذه كما ولا يفترض أن نطويها في طي النسيان. الحصول على موافقة ودعم قيادي قبلي لحزب معين من شأنه تأكيد جمع أصوات العشيرة بغالبيتها لذلك الحزب. ولا عجب بعد ذلك أن يعود القادة السياسيين إلى إتباع سياسة الاستقطاب، والتي ليست فقط أكثر أماناً من محاولة تحطيم البنية القبلية بالقوة بل وتحمل ميزات استثنائية منها الفوز بعدد كبير من الأصوات دون حملات انتخابية كبيرة.(9)
مشاركة القيادات الكردية من خلال السياسات الحزبية أثبت نجاعته كحل مؤقت للقضية الكردية في تركيا في خمسينات القرن الفائت. وعقب مرحلة الانتقال إلى نظام الحكم الديمقراطي، ربما يربط بعض الكرد في جنوب شرق البلاد معاناتهم على مر العقود الماضية بالحزب الحاكم المنهزم مؤخراً( حزب الشعب الجمهوري)، بدلاً من تحميلها إلى عاتق الدولة التركية.  وربما تم إرضاء آخرين من قبل نهج الحزب الحاكم الجديد( الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس) الأكثر تسامحاً مع التدين في البلاد، بيد أن التحول الديمقراطي في الخمسينات لم يخل بتركيبة إيديولوجية تأسيس الجمهورية التركية، والتي مفادها أن الولاء للدولة يمكن أن يظهر فقط من خلال التحدث باللغة التركية وتبني الهوية التركية المحضة. ما أدى انتشار هذه الإيديولوجية القومية لدى جميع أطياف الحركة السياسية في تركيا إلى استمرار جعل عمليات الإدماج القسرية الموسعة لصهر الكرد في تركيا مستحيلة التحقق. ومهدّت الحكومة التركية الوضع للعودة إلى العنف بين الدولة والمواطنين الكرد وبين الكرد أنفسهم داخل تركيا في العقود اللاحقة، من خلال إشراك القادة الكرد في العمليات الانتخابية التابعة للأحزاب السياسية دون وجود التسوية الضرورية للفوز بولاء الشريحة الأوسع من السكان الكرد.

 

العودة إلى القمع
عهد الثمانينات والتسعينات

 


تَبِعَت مرحلة التسوية المؤقتة بين الدولة التركية والقادة الكرد في خمسينات القرن المنصرم، استياء في العلاقات بين الطرفين وردود فعل عنيفة. وتشكّل استياء كردي عام بسبب تركيز السلطات السياسية في أيدي عدد قليل من القادة القبليين الذين استمالتهم الدولة التركية – من خلال إرضائهم بفوائد حيث كان يصل شيء ضئيل منها لفئات الشعب – وهذا الاستياء ظهر على خلفية التوترات السياسية والاجتماعية التي قسّمت البلاد خلال تلك الحقبة الزمنية.
شهدت حقبة السبعينات في تركيا، صراعاً عنيفاً ودامياً بين مجموعات اليسار واليمين، وهو الأمر الذي تضمن عمليات اغتيال واشتباكات في الأزقة والأحياء. وهنا بدأ الشعور القومي الكردي بالظهور مجدداً في فترة السبعينات، وبرز التعبير عن الشعور الكردي وعلى نحو واسع كجزء من الحركة السياسية اليسارية. وعلى الرغم من سيطرة الجيش التركي على السلطة خلال فترة الثمانينات تزامنا مع تلك الأحداث الدموية، والذي ضبط الوضع إلى حد ما عن طريق الاعتقالات والتعذيب وعلى نطاق واسع، إلا أن الشعور القومي الكردي انتشر وبوضوح وتحول إلى حركة كردية تحارب في أسلوب حرب الشوارع (عمليات الكر والفر).
الأهم مما سبق، أن حزب العمال الكردستاني PKK وإيديولوجيته ظهرا بعيداً عن هذه البيئة القمعية التي تَبِعَت فترة انقلابات الثمانينات، بذرة التنظيم الأساسية أسسها مجموعة من الأشخاص المعتقلين في سجن ديار بكر في أعقاب الانقلاب، وهو السجن الذي أدى إلى تطرفهم بسبب أساليب القمع التي نفذتها الدولة التركية، مما أفضى إلى تبني حزب العمال الكردستاني إستراتيجية العنف الثوري حتى يومنا هذا.  وفي ظل محاولات الدولة التركية لتسليح العشائر الكردية، أعلن حزب العمال الكردستاني حرباً ليس فقط ضد الدولة التركية، بل وأيضاً ، بحكم الضرورة، ضد بنية السلطة القائمة والسائدة في المنطقة الكردية داخل تركيا. يعرّف حزب العمال كفاحه، في خطاب قومي منسجم مع الماركسية، بوصفه كفاحاً لتأمين استقلال كردستان للكرد المتواجدين في تركيا ولكن أيضاً بوصفه نضالاً لإحداث ثورة اجتماعية داخل كردستان نفسها. كما رسم حزب العمال كفاحه الثوري، فإنهم لم يكونوا يقاتلوا ضد الحكومة المركزية فقط بل وضد قيادات العشائر المحلية المتعاونة مع الدولة أيضاً والتي كانت تسعى إلى تعزيز سلطتها الخاصة على الشعب. وتدعي إيديولوجية حزب العمال بأنه حتى حق "التمثيل البرلماني" كان من بين أدوات مستخدمة بيد الدولة التركية الهادفة إلى " إدماج كردستان في الدولة الاستعمارية". (10)
ما قامت به الحكومة التركية لإدماج وتعزيز قوة القادة الكرد التقليديين داخل الحكومة التركية دون عمل المزيد لتسهيل إدماج المواطنين الكرد في المجتمع التركي، ساعد الانفتاح الديمقراطي في الخمسينات  في التنبؤ بظهور صيغة محددة من الصراع الكردي الذي سيأتي لاحقاً. إحدى أولى عمليات حزب العمال العلنية كانت في عام 1979، حين حاولوا اغتيال أحد الإقطاعيين الكرد من أصحاب النفوذ وهو الأمر الذي أدى إلى التنبؤ بظهور جانب دموي من الصراع الكردي – الكردي في الكفاح الذي يقوده الحزب.
أضف إلى ذلك، فإذا ما كان احتضان حزب العمال الكردستاني للإيديولوجية الماركسية خياراً ملائماً لقيادة كفاح حرب الشوارع والعمليات السريعة(حرب كريلا) ضد حليف الناتو خلال فترة الحرب الباردة، فإنه ناسب أيضاً رغبة المجموعة بإسقاط وهزيمة البنية "الإقطاعية" والتي كانت لا تزال سائدة ومسيطرة على المنطقة حينذاك.  ويقول المؤرخ الأنثروبولوجي مارتن فان برونسن إن:" حزب العمال الكردستاني يعتبر المنظمة الكردية الوحيدة التي تضمنت بشكل يكاد محصوراً أعضاء من الطبقة المسحوقة في المجتمع – المنحدرين من قرى متعلمة بمستويات ضعيفة والشباب المنحدرين من القرى والبلدات الصغيرة والذين كانوا يخامرونهم شعور الاضطهاد والسحق".(11)
أدرج الحزب في برنامجه السياسي والثوري دعم حقوق المرأة على نحو واسع فيما يتعلق بتمرده على النظام الأبوي والقيم القبلية والدينية المتشابكة والتي كانت تعتمد عليها هذه البنية العشائرية وتتخذ منها أساساً للبقاء. وحتى اليوم، تؤكد الحركة على نظام المجالس المحلية والإدارات المحلية، وهي الأكثر وضوحاً في البرنامج السياسي التي تحاول تطبيقه في سوريا، والذي يمكن أن ينظر له كصورة موسعة لرد الفعل المذكور أعلاه ضد النظام العشائري البطريركي. ومع صعود حزب العمال ورغبته في استخدام العنف، شهدت فترة الثمانينات تمرداً وحشياً مضاداً وكانت الفاتورة، عنف شديد من الأتراك والتي ستدوم لاحقاً حتى التسعينات. على الرغم من انتقال تركيا وبشكل تدريجي إلى فترة الحكم المدني في نهاية فترة الثمانينات، إلا أن الصراع مع حزب العمال، ساعد الجيش والعسكر في التدخل مرة أخرى بالشؤون السياسية. وبشكل خاص، حافظت القوات العسكرية على تحكمها بسياسة الحكومة تجاه القضية الكردية في البلاد. في الواقع، استخدمت هذه السلطات والصلاحيات لإتباع نهج وحشي في كل ما يتعلق بـ "القضية الكردية" بدلاً من "مشكلة الإرهاب"، حيث أن السبب الأول كان يكفي أن يكون ذريعة لاعتقال أي شخص. وخلال هذه الفترة الزمنية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، حظرت الحكومة التركية وبشكل علني، اللغة الكردية، حتى وإن كانت بشكل فردي، إضافة إلى حظر أي شيء يظهر وجود شعب يدعى الكرد.
تبعاً لهذه المقاربة الذي زواله النهج العسكري في بطانة الدولة التركية ضد الكرد، كان يتصاعد بالتوازي تغذية الشعور القومي الكردي، ومع مرور الزمن، تحولت الحرب الأهلية التركية – الكردية لتصبح أكثر عنفاً من الجانبين. حيثُ بدأت الحكومة التركية بتنظيم أعضاء من القرى الموالية لها في ميلشيات لضرب حزب العمال بها وسمّتهم بـ "حراس القرى"، أما حزب العمال فقام بالرد أحياناً على هؤلاء الحراس عبر تنفيذ مجازر ضد هؤلاء الموالين للدولة التركية والداعمين لها. في حين أجبر حزب العمال أيضاً القرويين الغير راغبين بمساعدة الحزب وتقديم المواد له، أما الدولة التركية والمتفوقة عسكرياً قامت بقصف القرى بمنوال منظم بغرض تدميرها، وارتكبت الجيش التركي عمليات قتل وإعدام (خارج نطاق القضاء) ضد هؤلاء المتهمين بدعم حزب العمال، أما الأخير ومن جانبه (استهدف معلمي المدارس وموظفي الدولة التركية المدنيين).
كمحصلة لتثوير الصراع، يستطيع كلا الطرفين وبسهولة سرد قوائم طويلة عن مجازر الطرف الآخر. وتعتمد تقارير ومقالات الصحف ومنظمات حقوق الإنسان حول تلك الفترة الزمنية على قصص معاناة الأفراد والجماعات، من ضمنهم الذين تم اختطافهم، تعذيبهم، والمقتولين من قبل القوات العسكرية لطرفي الصراع، على سبيل المثال، قامت منظمة هلسنكي بتوثيق مقتل 450 شخص "قتلوا من قبل المهاجمين والذين استخدموا القتل الجماعي كتكتيك" وعلى الأقل 100 شخص محتج سلمي قتلوا على يد البوليس التركي.(12)
كما ووثق التقرير نفسه تفاصيل مقتل 85 شخص في أقل تقدير على يد حزب العمال الكردستاني، ومن بين القتلى مدرس وزوجته، 10 مصلّين في مسجد ديار بكر، إضافة إلى عدد من المخبرين. وبقيت حصيلة ضحايا العنف ثابتة لمدة تزيد عن عقدين. ووفقاً للتقديرات، فإنه تم حرق 1000 قرية كردية على الأقل بين فترة الثمانينات والتسعينات، كما وكلّف الصراع الحكومة التركية خسارة كبيرة تصل قيمتها إلى 120 مليار دولار أمريكي.(13) وتتهم بعض المصادر التركية حزب العمال الكردستاني بالتسبب في مقتل 6 آلاف مدني في حين أن المصادر الكردية تتهم الدولة التركية بأنها تتحمل مسؤولية قتل 20 ألف مدني.(14)
من بين النتائج الأخرى المترتبة على هذه الحرب القذرة التي دمرت تركيا خلال تلك الحقبة الزمنية، كان تجريم الدولة الكرد من العمل في الشؤون السياسية المتعلقة بالقضية الكردية، وهو الأمر الذي سمح لحزب العمال السيطرة على النطاق السياسي الكردي المحدود المتبقي. ومنذُ البداية، سعى حزب العمال إلى تعزيز نفوذه على جميع جوانب القضية الكردية في تركيا، ومن ضمنها احتواء الأحزاب السياسية الكردية، وتعاظم نفوذها على المنشورات (الصحف والكتب)، والاحتجاجات العامة. (15) بالإضافة إلى إلى فرض منهج عنفي لتطويق العناصر التي تمردت على مركزية الحزب، حيث سعى عبدالله أوجلان الهيمنة على التعبير العلني عن القومية الكردية أيضاً. وبالتالي، وعلى سبيل المثال، قام بإحباط وتثبيط الانتفاضات واسعة النطاق، وسعى إلى توجيه غضب الرأي العام ضمن الأحداث التي تتم برعاية حزب العمال مثل جنازات مقاتلي الحزب الذين سقطوا أثناء المعارك. ساعدته السيطرة على توجيه الرأي العام الكردي، في تشكيل قالب للسياسة الكردية، حيثُ غدت أن الأحزاب الكردية بدون مساندته لا يمكنهم ضمان الحصول على الأصوات الانتخابية. وتزامناً مع استمرار بقاء الأحزاب الكردية السياسية محظورة واستمرار اعتقال السياسيين الكرد، بات من الصعب أكثر لأي طرف منهم تأسيس دائرة انتخابية لهم بشكل مستقل عن حزب العمال الكردستاني. وحصل ذلك بشكل مماثل فيما يتعلق بالصحف الكردية والمحطات التلفزيونية المحظورة، حيث كسب حزب العمال التمويل من جمهورهم الكرد من مختلف الخلفيات السياسية لتدعيم نشاطهم السياسي والإعلامي.
مع استمرار الصراع، عزز كلا الطرفين موقعهما داخل المجتمع الكردي في جنوب شرق البلاد. في حين إذا ما استذكرنا الماضي، فإن يبدو واضحاً أن الصراع المميت قوّض قدرة الحكومة التركية على إدماج غالبية المجتمع الكردي، في حين دفع الدعم الحقيقي الذي قدمه بعض مجموعات كردية تقليدية للدولة التركية، الحكومة إلى الاستمرار في وهم قدرتها على هزيمة حزب العمال الكردستاني. ففي أواخر الثمانينات، على سبيل المثال، كتب برونسن سلسلة من التقارير عن تقارير الصحافة التركية المتعلقة بوحشية حزب العمال الكردستاني ضد الأبرياء والتي "كان الهدف في جزء منها تقويض الدعم الشعبي الكردي لمقاتلي الحزب" . (16) وتؤكد تقارير أخرى من تلك الحقبة الزمنية، كيفية عمل السياسيين الأتراك بهذا النهج لتقويض دعم الكرد للحزب. فعلى سبيل المثال، سليمان ديمريل، رئيس الوزراء التركي سابقاً والذي سيصبح رئيساً للدولة لاحقاً أخبر منظمة هلسنكي قائلاً "لا يوجد دعم محلي للإرهابيين – ولهذا السبب يتم قتل المدنيين من قبل الانفصاليين". أما بولنت أجاويد، المنافس السياسي اليساري لـ ديمريل استخدم تماماً نفس الصيغة الكلامية حيث أدعى قائلاً "الناس خائفون من الإرهابيين- لا يوجد دعم شعبي واسع للإرهابيين"، كما وأصرَّ مصدر من وزارة الخارجية التركية قائلاً "معظم الناس في جنوب شرق البلاد لا يدعمونهم، لأنهم يهاجمون المدنيين – النساء والأطفال – كما ويحاولون ترويع السكان المحليين".(17)
 انزلاق الدولة التركية في الوهم بقدرتها على الانتصار بدا أكثر وضوحاً مع العديد من الانتصارات التكتيكية التي حققتها الحكومة. ففي منتصف التسعينات، جادلت الصحفية آليزا ماركوس قائلة إن استراتيجية الجيش التركي في تدمير وإخلاء القرى على طول الحدود العراقية – التركية – إحدى أكثر جوانب الحرب وحشية – أثبتت بالفعل فعاليتها في تقليص قدرة حزب العمال على تنفيذ العمليات العسكرية.(18) وأصبح الجيش التركي ناجحاً أكثر في قدرته على استخدام القوة الجوية، وبشكل خاص في استخدام الهليكوبترات من نوع كوبرا لاستهداف مقاتلي حزب العمال.
أما فيما يتعلق بالقوة والقدرات وهو الأمر الذي يعتبر مهماً خلال فترة التسعينات، كان حزب العمال الكردستاني دعمه محدود وكان بحاجة للداعمين الخارجيين وهو الأمر الذي لم يكن متوفراً حينها. فعلى سبيل المثال، رفضت الحكومة السورية تزويد مقاتلي الحزب بصواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات والتي كان من شأنها أن تحييد الطائرات التركية عن ساحة المعركة كما ومنعت حتى أن يقوم الحزب جلب الصواريخ وتمريرها من الحدود إلى داخل تركيا وعندما واجهت سوريا خطر التدخل التركي العسكري، قامت الحكومة السورية التي سمحت لـ عبدالله أوجلان بالبقاء لمدة تزيد عن العقدين في سوريا، بإخباره بكل ببساطة بوجوب مغادرة سوريا. وفي وقت لاحق، رفضت حتى الحكومتان الإيطاليتان واليونانية المتعاطفتان إعطاء عبدالله أوجلان حق البقاء على أراضيهما ما أدى إلى إلقاء القبض عليه من القوات التركية وبمساعدة المخابرات الأمريكية المركزية.
عندما استطاع الجيش التركي أن يحقق الغلبة العسكرية على حزب العمال الكردستاني بشكل متكرر في نهاية التسعينات، بدأت الحكومة تتساءل كيف ستعمل على استخدام هذا النصر. أعطت عملية إلقاء القبض على عبدالله أوجلان فرصة فريدة من نوعها للحكومة التركية للحصول على التنازلات التي طال انتظارها من موقع القوة، في الوقت الذي لاحت التسوية الممكنة في ظل التحديات التي فرضت على أولئك الذين أرادوا التسوية، نظراً أن الصراع على قاعدة الحلول العسكرية أفضت كيان الدولة والمجتمع إلى عسكرة مفرطة، بحيث باتت تفتقد البلاد إلى المؤسسات الديمقراطية.


الصراع الكردي في عهد حزب العدالة والتنمية...
وعود ومخاطر السياسات الشعبية:

 


عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم لأول مرة، اعتقد قادة الحزب أن صنع السلام والفوز في الانتخابات سيتم إنجازهما في آن واحد، تجلت مراهنة ساسة حزب العدالة أن السياسيات الموالية للسلام يمكنها أن تخلق موالين لها بين جمهور الناخبين الكرد الذين سيجلبون الانتصار للحزب في صناديق الاقتراع. ولكن وفي الوقت عينه، وجد حزب العدالة والتنمية نفسه أمام مواجهة عسكرية قوية ونفوذ المؤسسة البيروقراطية ضد من شعرت أنهم سيكونون حلفاء له.
كما في فترة الخمسينات، دفعت العوامل البنيوية والمناخ الديمقراطي، حزب العدالة والتنمية إلى السعي وراء الدعم الكردي في المواجهة السياسية للوصول إلى السلطة. وكما في الخمسينات، وبعد تعزيز العدالة والتنمية سيطرته على الحكم في البلاد، وضعت جانباً جميع الجهود التي من شأنها أن تؤدي إلى تسوية مع الكرد وبالتالي إشراك المعارضة الكردية في الحكم. وحتى الآن، تظهر الأحداث على مدى العقد المنصرم كيف فشلت جهود حزب العدالة باستمرار في التواصل مع الكرد لكسب أصواتهم الانتخابية، في حين أن الحزب نجح وباستمرار في استبعاد أصوات القوميين الأتراك. أثبتت الفجوة بين الناخبين الكرد والأتراك أنها كبيرة ولا يمكن تجاهلها، كما أن رغبة أردوغان السلطوية أثبتت أنها جامحة. بعد عشر سنوات من الحكم، اختتم الحزب هذه المدة الزمنية بدولة منقسمة بعمق، حيث أصبح شعار السلام من ضمن سياسات سيئة في حقيبة الحزب.
تزامناً مع قيام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان بتحييد منافسيه السياسيين، عاد أردوغان إلى الخطاب القومي والسياسات المتصلبة والمماثلة لسياسات الحكومات التركية السابقة. في نهاية المطاف، تراجع حزب العدالة والتنمية بعد تعزيز موقعه وسيطرته على البلاد، إلى فرز وضع جديد أجبرت فيه الدولة على استخدام القوة العسكرية بهدف ضمان ولاء المواطنين الكرد، حيث فشلت الحكومة في الفوز بولائهم بطرق أكثر سلمية.
الآمال المبكرة: 2003 – 2009
افترض حزب العدالة والتنمية في البداية أنه من خلال كبح جماح الجيش التركي، والترشيد في الحكم مع الرخاء الاقتصادي في جنوب شرق البلاد، علاوة على توظيف هوية إسلامية متجددة لتجاوز الاختلافات القومية، فإن سيمكّنه من الفوز بأصوات الناخبين الكرد. وكان هنالك اعتقاد حقيقي بين صفوف أعضاء حزب العدالة والتنمية بأن الإسلام يمكن أن يكون "حجر الأساس" لربط الكرد والأتراك معاً وجعل العلاقة بينهما أقوى، وتالياً فإن المطالب القومية الكردية ستتبدد عندما تزول القبضة الحديدية للجيش التركي.(19)
إضافة إلى جملة هذه المعطيات، أدت عملية إلقاء القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان إلى وضع مختلف نسبياً في جنوب شرق البلاد، حيث دفع بالحزب إلى إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد وهو الأمر الذي دام حتى عام 2004. واستمرت المعارك المتقطعة بين الطرفين بمستوى أقل بكثير بالمقارنة مع فترة التسعينات. وسعى الزعيم الكردي، عبدالله أوجلان ومن معتقله إلى تحويل نفسه إلى أحد كبار رجال الدولة، حيث تنازل عن مطلب الدولة الكردية المستقلة ووضع مقاربات فلسفية جديدة حول كيفية إدماج وإشراك الكرد في تركيا الديمقراطية. باختصار، كان الأمر بداية عقد جديد سيتم خلاله اختبار صحة فرضية تحقيق تركيا أكثر ديمقراطية، ما يعني استبدال سياسة الإكراه بسياسة الاندماج الطوعي، وإيجاد مكان للكرد في المجتمع التركي بشروط أقل قمعاً.
التحدي الذي يعترض طريق حزب العدالة والتنمية في السنوات الأولى، تمثل في منح الكرد حقوقاً وامتيازات مهمة والتي تتجاوز الخطوط الدائمة المفروضة من قبل الجيش التركي الذي كان لا يزال مهيمناً على قرار الدولة. وكما يوضح المخطط أدناه، فإن بداية حزب العدالة توجت بفوزه بالعديد من أصوات الكرد الذين اعتقدوا في بادئ الأمر بأن وصول الحزب للسلطة قد يجلب لهم المزيد من الحريات والحقوق.(21) وفي انتخابات عام 2002، والتي جلبت العدالة والتنمية إلى الحكم، انقسمت الأصوات الكردية بين الموالين للحكومة التركية وبين الأحزاب الأخرى المحافظة كحزب الوطن الأم( تورغوت أوزال) على سبيل المثال، وهو الحزب المهيمن بشكل تقليدي على تلك المنطقة. ومع انتهاء الانتخابات القادمة، لم ينجح حزب العدالة والتنمية فقط بتعزيز موقعه بين الكرد المحافظين، بل أنه وسع قاعدته الشعبية بين صفوف الذين صوتوا سابقاً لليمين الوسط وهو حزب الوطن الأم الذي فضلوا عنه حزب العدالة والتنمية. وفي نفس الوقت، كانت مساعي دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، تنتعش مجدداً ولو بصورة غير رسمية على مستوى الدولة والحكومة، إلا أن الحقوق الكردية الثقافية والنشاطات الأخرى في جنوب شرق البلاد توسعت بشكل غير مسبوق، فخلال العام الأول من فترة حكم العدالة والتنمية، انخفضت أعداد المحاكمات بحق دور النشر الكردية فضلاً عن ازدياد مماثل في عدد الكتب الصادرة باللغة الكردية. كما وباتت الموسيقى والأغاني الكردية سائدة في الأزقة والأحياء، وعلى نحو أكثر أهمية، تناقصت أعداد المحاكمات العسكرية (والأنواع الأخرى خارج نطاق القضاء) والأشكال الأخرى من العنف السياسي بشكل كبير جداً.
على الرغم من هذه المتغيرات وظهور بعض الإشارات الرمزية المميزة، كافح حزب العدالة والتنمية ليعطي الآمال الكردية شكلاً وصيغة محددتين. وبقيت مخاوف قيام الجيش بانقلاب عسكري من الأمور الأبرز التي انهمك فيها الحزب الحاكم في تلك السنوات، وبشكل خاص عندما قام الحزب بإثارة غضب وسخط القيادات العسكرية الكبرى من خلال قيامه بدعم مقترح الأمم المتحدة لإعادة توحيد قبرص، بينما كان القلق يعصف بحزب العمال الكردستاني حول المحافظة على التماسك الداخلي للحزب والأمور السياسية وثيقة الصلة بالحزب بعد إلقاء القبض على أوجلان، مما دفع الحزب إلى إنهاء وقف إطلاق النار عام 2004، غير أن وتيرة القتال بعد قرار الاستئناف لم ترتقي بتلك الحدة التي كانت في فترة التسعينات، وأرجعت الحزب قرار تجديد التمرد العسكري إلى وجهة النظر التي تقول بإن القضية الكردية تحتاج إلى أن يتم معالجتها بشكل مباشر وليس كما يصور حزب العدالة والتنمية في حلها تدريجياً عن طريق جهود توسيع وزيادة الديمقراطية في البلاد.
بحلول عام 2009، كان حزب العدالة والتنمية متماسكاً وراسخاً بشكل أكبر. حيث نجا الحزب من المحاكمة في المحكمة الدستورية العليا، وقام بتأمين انتخاب عبد الله جول رئيساً للبلاد رغم مخاوف العسكر، وببراعة فاز الحزب بالانتخابات البرلمانية بزيادة وافرة في عدد الأصوات. كانت الفرصة حينها مواتية للحزب للقيام بأول جهد منتظم بغرض ترجمة خطاب الحزب بخصوص القضية الكردية من الأقوال إلى أفعال.


تعليق: الجدول أعلاه يقارن الأصوات الانتخابية بين حزب العدالة والتنمية منافسه الكردي الرئيسي، حزب الشعوب الديمقراطية HDP، في 10 محافظات كردية رئيسية على مدى 14 عام. (20)

التحديات الصلبة 2009 – 2015
حاول حزب العدالة والتنمية في عام 2009، إلى إطلاق برنامج لإعطاء المطامح الكردية شكلاً محدداً والتي أطلق الحزب عليها اسم "الانفتاح الكردي" – وهو الفشل الذي أعطى فيما بعد مثالاً واضحاً، حيث تمثل السؤال الحيوي بكيفية إيجاد التوازن بين عملية السلام من جهة وعدم خسارة أصوات الأتراك مع الحفاظ على إرضاء الكرد من جهة ثانية؟ وخلال الترويج لهذه المبادرة الجديدة، استفاد أردوغان من خطاب التركيز على الهوية الدينية المشتركة، استطاع وببراعة في إثارة شجون لدى عدد من البرلمانيين عبر القول إنه هنالك خطأ فادح، حيث تقوم أمهات كلا الطرفين( الجنود الأتراك ومقاتلي حزب العمال الكردستاني) بتلاوة نفس الصلوات على أرواح وأجساد أبنائهم.
قبل أن يفسح ماهية البرنامج من قبل الحكومة بصورة واضحة، واجهت هذه المقاربة انتقادات لاذعة من الأحزاب التركية المعارضة الذين اتهموا الحكومة بوضع الهوية القومية التركية ووحدة الأراضي في خطر. وعندما أصبح اقتراحات حزب العدالة محدداً بشكل أكبر تجاه القضية الكردية في إطلاق أول قناة ومحطة راديو رسمية باللغة الكردية، على سبيل المثال، تتالت انتقادات كبيرة من معسكر المعارضة على الرغم من الحكومة فرضت رقابة صارمة على محتوى برامج القناة. وما زادت من حدة انتقادات ضد العدالة والتنمية، حينما اقترح الرئيس التركي عبد الله جول العودة إلى استخدام الأسماء الأصلية للقرى والمدن والتي هي باللغة الكردية، صرح حينها رئيس الحركة القومية التركية بأن هذه ليست إلا الخطوة الأولى على طريق إعادة تسمية إسطنبول بـ "القسطنطينية".
هذه الخطوات  التي تقدمت بها الحكومة وإن كانت محدودة بغرض زيادة الحريات والحقوق الثقافية، جرى مواجهتها بالعداء من قبل القوميين الأتراك، بينما لم تكن كافية بتاتاً حسب وجهة نظر الكرد. وخصوصاً أن القادة السياسيين الكرد كانوا أمام امتحان إرضاء الدوائر الانتخابية لجمهورهم القومي، علاوة على أن الانفتاح على القضية الكردية شكلت مناسبة استثنائية بعودة عدد من مقاتلي حزب العمال أواخر عام 2009، بعد عفو عنهم من قبل الحكومة التركية. وهو حدث جرى احتضانه بنشوة النصر بين حشود مناصري حزب الشعوب الديمقراطي وقيادته على وقع أنغام الاحتفال بينما كان صور الزعيم الكردي عبدالله أوجلان وأعلام حزب العمال الكردستاني ترفرف. ووفقاً لـ آكين أونفر، باحثة في علم الاجتماع، فإن القيادات الكردية تصرفت على هذا النحو لتأكيد حصولهم على الثقة والدعم من مؤيديهم للمضي قدما في عملية السلام، الثقة التي ربما كانت ستذهب بطريقة ما إلى حزب العدالة والتنمية.(22) وحتى الآن لا تزال مسألة جعل المقاتلين يعودون تبدو وكأنها نصر لحزب العمال الكردستاني والتي خَلَقَت رد فعل عنيف في الصحافة التركية وبين الأحزاب التركية المعارضة. ولمواجهة المعارضة القومية الواسعة النطاق حينها، مما دفع حزب العدالة والتنمية بالتخلّي عن جهود توسيع الحقوق الكردية.
في أعقاب انهيار الانفتاح الكردي، حولت الحكومة التركية إستراتيجيتها من سياسة الإشراك إلى سياسة المؤامرة مباشرة. فبدلاً من محاولة الفوز بالأصوات ونزعها من حزب الشعوب الديمقراطية، بدأ حزب العدالة يستكشف إمكانية التفاوض للتوصل إلى تسوية مع أوجلان والتي من شأنها أن تعزز مكانة الطرفين في نفس الوقت. هذه المفاوضات كانت جدلية منذ بدايتها، حيث كانت تعقد في السر لتجنب رد الفعل الشعبي العنيف. وكان حزب العدالة في الحقيقة حذراً خلال المفاوضات، حيثُ كان بحاجة إلى الوصول إلى اتفاق من شأنه أن يكون مقبولاً للناخبين القوميين. وهذا كان يعني أنهم كانوا تواقين لرؤية مقاتلي الحزب وهم يتخلون عن السلاح من جانبهم، مقابل أن يظهر العدالة والتنمية الاستعداد ولو بمرارة (بدون رغبة فعلية) على منح الحقوق الثقافية، الاعتراف الرمزي بالهوية الكردية، وزيادة صلاحيات الحكم المحلي وهو الأمر الذي كان يعتبر مهماً للناخبين الكرد.
ما يبدو لنا واضحاً، إذا ما استعدنا الماضي، هو أن حزب العدالة والتنمية انتهج سياسة ومقاربة مماثلة للمفاوضات لتلك التي انتهجها تجاه عملية الانفتاح الكردي. أضف إلى ذلك، لم يقم الحزب الحاكم بالتخلّي بالكامل عن القبضة الحديدية لعناصر نهج الدولة التقليدي. ففي عام 2009، على سبيل المثال، أغلقت المحكمة العليا في تركيا الحزب الكردي الذي سبق حزب الشعوب والديمقراطية، بحجة علاقته بحزب العمال الكردستاني. وخلال الفترة الممتدة بين 2009 – 2012، اعتقلت الحكومة التركية أعضاء قياديين من حزب الشعوب الديمقراطية لعضويتهم المفترضة في الهرم السياسي لحزب العمال.
في ذات الوقت، شكلت الشكوك المتبادلة من الطرفين في مسيرة المفاوضات سلسلة من العقبات أمام خطر الاندلاع العسكري من المفاوضات، في حين كان شعور عبد الله أوجلان المتضخم من قوة حزب العمال تزايد مع النجاحات التي حققوها في سوريا. الإرث المليء بالعداء والشك كان حاضراً في كل المحادثات من البداية. وبالرغم من قيام حزب العمال بالالتزام بوقف إطلاق النار من جانب واحد خلال فترة المفاوضات إلا أن الاشتباكات المتقطعة استمرت بين الطرفين طوال تلك الفترة. وكان كلا الطرفان متخوفين، بشكل مبرر، بأن الطرف الآخر يستفيد من المحادثات لتحسين موقعه العسكري في جولة القتال القادمة. حزب العمال الكردستاني كان قلقاً من استخدام الحكومة للانسحاب الجزئي لمقاتلي الحزب، يعبد لها الطريق ببناء قواعد عسكرية جديدة كما واتهمت الحكومة التركية حزب العمال بتخزين الأسلحة وزرع المتفجرات على الطرق المحيطة بالمنطقة. أمثلة توضح وتفسر الصعوبات التي واجهت العملية منذ البداية، فالانتقادات الموجهة للحكومة من بطانة بعض القيادات في الجيش التركي تزايدت، حيثُ استشاط غضباً على نحو متزايد بسبب فرض الحكومة قيوداً على العمليات العسكرية ضد حزب العمال خلال فترة المفاوضات.


انهيار المفاوضات والعودة إلى القتال: 2015


نجاح محادثات السلام بدا أمراً صعب المنال للمرة الأولى خلال صيف عام 2014، تزامناً مع بدء أردوغان باستخدام نبرة قومية على نحو متزايد خلال فترة حملته الانتخابية الرئاسية، كما وأغضب أردوغان الناخبين الكرد على وجه الخصوص عندما أبدا ترحيبه بسقوط مدينة كوباني الكردية بيد تنظيم "داعش". وعندما خرج ممثلو حزب العدالة والتنمية وحزب الشعوب الديمقراطية معاً في مؤتمر صحفي أمام قصر "دولمه بهشه" في شباط عام 2015، بدا الأمر انجازاً كبيراً، على الرغم من النقاط العشر الغامضة الواردة في اتفاق "دولمه بهشه". لكنه أثبت أنه كان وعداً قصير الأمد، حيث بعد شهر واحد، أبعد أردوغان نفسه علنياً من الاتفاق، مما قاد العديد من الناس إلى الخوف من عودة العنف قريباً.(23)
وسط مفاوضات الحكومة وانهيارها، كان هنالك سؤال يتردد حول كيفية تواجد منطقة حكم ذاتي مستقبلاً في ظل رغبة أردوغان بتوسيع صلاحياته الخاصة. في الحقيقة، من المرجح أن تصريح صلاح الدين ديمرتاش حول توجه حزبه لمعارضة خطط أردوغان الرامية إلى تعزيز صلاحياته الرئاسية دفع الرئيس التركي إلى الرد بهذه الطريقة على اتفاقية (دولمه بهشه). وبنفس القدر الذي كان يتأمل فيه أردوغان أن تؤدي عملية السلام إلى فوزه بأصوات الناخبين الكرد، كان يراهن أيضاً على كسب دعم حزب الشعوب الديمقراطية في البرلمان بهدف إعادة كتابة الدستور لتعزيز موقعه الرئاسي.
في البداية كان أوجلان وحزب الشعوب الديمقراطية منفتحين على الأقل لتوقيع اتفاق يتضمن هذه البنود، على ما يبدوا أنهم وصلوا لمرحلة اعتقدوا فيها بأنه يمكن التوصل لاتفاق من هذا النوع والذي من شأنه أن يسمح لكلا الطرفين بتعزيز سلطتهم في مختلف المجالات. وكان واضحاً أن الترقب الحذر الذي ظهر في موقف حزب الشعوب الديمقراطي حيال احتجاجات حديقة جيزي بمدينة إسطنبول عام 2013، عكست التزام الحزب بالتوصل لترتيب معين مع أردوغان، حتى ولو أدى الأمر إلى خلافات بين الحزب والحلفاء الليبراليين المحتملين. وعلى العكس من ذلك، حينما جرى التخلي عن هذا الترتيب – ربما بعدما تضمن طموحات أردوغان المتزايدة والمتعارضة مع نفسها –  كان  حزب الشعوب الديمقراطي يراهن أن يقدم نفسه مرة أخرى كبديل ديمقراطي ليبرالي لحزب العدالة والتنمية السلطوي.
واستطاع حزب الشعوب الديمقراطية وبأداء غير مسبوق من أن يحقق نجاحاً في الانتخابات البرلمانية في حزيران عام 2015. تمكّن الحزب من الفوز بحصة صغيرة غير متوقعة من الناخبين الأتراك، غرب تركيا، إضافة إلى زيادة عدد الناخبين بين المحافظين الكرد في الجنوب الشرقي، الذين نفروا من خطاب أردوغان العِدائي. بشكل حاسم، أدى نجاح الحزب في الانتخابات إلى منع حزب العدالة والتنمية من جميع الأصوات الكافية لتشكيل حكومة بشكل منفرد. ولكن وعلى أية عادت الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني خلال شهرين أثنين إلى الحرب مرة أخرى.
ماذا حصل؟ في العشرين من تموز 2015، تعرضت مجموعة شبابية كردية لهجوم انتحاري وذلك عندما كانوا يتجهون إلى كوباني للمساعدة في إعادة بناء المدينة. وتبنى تنظيم "داعش" في نهاية المطاف مسؤولية العملية، ولكن سرعان ما اتهم العديد من الكرد، حزب العدالة والتنمية بالتورط في التفجير الانتحاري سواء عن طريق تدخلها وتورطها المباشر في تدمير كوباني أو على الأقل السماح بحصول التفجير. وفيما قتلت مجموعة كردية شرطيين تركيين في منزلهما انتقاماً للعملية الانتحارية. وبالرغم من أن المجموعة التي نفذت عملية قتل الشرطيين لم يكونوا أعضاء في حزب العمال، إلا أن الحزب لم يدين أو يبعد شبهات العملية عن نفسه. وكان رد الحكومة التركية على ذلك، تجسد بإطلاق عملية عسكرية كبيرة بهدف الانتقال ضد أهداف ومعاقل حزب العمال داخل تركيا والعراق. وتزامناً مع تصاعد الوضع، حضر كلا الطرفين نفسيهما جيداً، خطابياً على الأقل، ورحبا بالعودة إلى الحرب. وعلى الرغم من الجدل الكثير حول كيفية وسبب استئناف القتال عام 2015، من السهل رؤية أفعال ومصالح كلا الطرفين التي جعلت العودة إلى الحرب أكثر احتمالاً.
يعتبر قرار تصعيد القتال بالنسبة لحزب العدالة، أمراً منطقياً بسبب خطاب الحزب القومي المتزايد. وليس من المفاجئ، أن قام العديد من المراقبين بتقديم قرار العودة للقتال على أنها حيلة من أردوغان ليعكس خسائره في انتخابات كانون الثاني\نوفمبر، وهو الأمر الذي أُثبِتَ صحته عندما أدى الصراع في الحقيقة إلى مساعدة حزب العدالة في الفوز بأصوات القوميين. بالنسبة لحزب العدالة والتنمية وفرّ قرار العودة إلى الحرب فرصة للتصالح مع منافسه السابق، فالجيش التركي كان غاضباً من الإجراءات التي كان ينظر لها كتنازلات في عملية السلام. ومع انهيار عملية المفاوضات وفشل السلام في تحقيق أي فائدة ملموسة للحزب، أعطى الصراع أملاً للحزب الحاكم لتعزيز  فوزه الجديد وموقعه المهيمن داخل الدولة، وكسب دعم الرأي العام القومي والمؤسسة العسكرية على حد سواء.
على الجانب الآخر - أي حزب العمال الكردستاني- كانت هنالك عوامل دفعت الكردستاني للميل نحو العودة إلى القتال. حتى قبل انتخابات حزيران، كانت الحركة الشبابية الثورية الكردية (YDG-H)، حركة تتكون من مؤيدي حزب العمال المتطرفين قومياً، كانت مؤسسة ومنظمة بشكل جيد في المدن الكردية، وتمثل الفئة المتحمسة لتبني استراتجييه ذي توجه صِدامي. وفي نفس الوقت، اعتقد العديد من المراقبين أن قيادة حزب العمال الكردستاني في العراق كانت متخوفة من أن دورهم ونفوذهم سيتم استئصاله بعد النجاح الجديد لحزب الشعوب الديمقراطية والتزامهم بعملية السلام السياسية.(24) تشير معلومات منقولة عن قيادة حزب العمال أن المجموعة كانت قلقة من أن تظهر ضعيفة في أعين الناخبين والمؤيدين الكرد في حال رفضت التحرك ومواجهة تصعيد الحكومة التركية.(25)

بالعودة إلى الماضي، لم يكن حزب العدالة والتنمية أكثر نجاحاً في المنافسة على أصوات الناخبين الكرد من بدايات وصوله للحكم في البلاد عندما كانت وعوده بإجراء الإصلاحات غامضة، فبدلاً من تنفيذ كل الوعود كجزء من حملة حزب العدالة والتنمية الأوسع لدمقرطة البلاد، طالب أردوغان بثمن زيادة حقوق الكرد، والذي كان تقديم الدعم له فيما يتعلق بخطته لتعزيز سلطاته الرئاسية. وحين بدت التوجهات الجيوسياسية أنها تتحول لصالح الكرد، بدأ أردوغان يستحضر خطاب أكثر قومية لتوسيع سلطته الشخصية أكثر من أي وقت مضى، تحولت هذه الصفقة لتكون خاسرة وغير قابلة للتنفيذ. وكنتيجة لذلك، كلا الطرفين، فشلا في تحقيق السلام عبر الطرق السياسية وفق الشروط التي سعوا إليها، عادا إلى القوة العسكرية. ولكن السؤال الذي يواجه تركيا الآن هو فيما إذا كان هذا الصراع – كما عملية السلام – فقط تكتيك سياسي من قبل أردوغان في حملته الساعية للحصول على السلطات المطلقة، وبالتالي سيتم التخلي عنها عندما يراها لا تخدم هدفه أو فيما إذا كان قد بدأ لأسباب وديناميكيات عديدة لا يستطيع أي طرف من الاثنين التحكم بالوضع كاملاً.


الصراع الكردي اليوم: القتال من أجل المستقبل


 في نهاية المطاف، يملك كلا الطرفين حافزاً لاتخاذ قرار العودة إلى الأعمال العدائية حيث يرغب كل منهما في تعزيز سيطرته على الدوائر الانتخابية الخاصة به. وكما سيتضح لاحقاً فإنه من المحتمل أن يؤدي اكتمال سيطرة حزب العدالة وعدم اكتمال سيطرة حزب العمال إلى المساهمة في تصعيد الصراع.
حالة الصراع
بعد فترة وجيزة من بدء القتال في شهر تموز العام الفائت، تبنى حزب العمال الكردستاني حملة عنيفة من حرب المدن، من خلال تنظيم الشباب لإعلان مناطق حكم ذاتي في مراكز المدن ذات الغالبية الكردية. رد الجيش التركي بشكل قوي من خلال تطهير المناطق، وهو الأمر الذي أدى إلى تدمير ألاف المنازل، وخلق أزمة لاجئين داخلية. خلال فترات حرب المدن، فرضت الحكومة التركية حظر تجوال لمدة أربع وعشرين ساعة، وفي بعض الأحيان لأسابيع، وهو الأمر الذي منع المواطنين من مغادرة منازلهم لتلقي العلاج أو – غالباً كنتيجة – لمنع دفن موتاهم. وخلفت أشهر من القتال بالدبابات والمتفجرات مدن مثل جزيرة بوطان، ديار بكر، ونسيبين تبدو وعلى نحو مخيف كنسخة عن سوريا. الآن، لا تزال العديد من العائلات مهجّرة، في حين عادت عائلات أخرى لتجد منازلها مدمرة أو تم تخريبها بشكل متعمد من قبل الجيش التركي.
تروي لنا الأرقام – قتل عدة مئات من المدنيين وتهجّر ما يقارب نصف مليون مدني من منازلهم –جزءاً من القصة. فنحن اليوم في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، الصورة التي تظهر المعاناة والقسوة في الصراع لدى كلا الطرفين. ففي تشرين الأول\أكتوبر 2015، وبفترة وجيزة عقب استئناف القتال، التقط الجنود الأتراك مقطع فيديو يظهرهم وهم يقومون بجر جثة أحد المواطنين الكرد (نسيب نائب حزب الشعوب الديمقراطية في مدينة شرناخ والذي قتله الجيش التركي بطلقة في الرأس بعد كان مصاباً وفقاً لبعض الشهود) ومن ثم ربطوه من عنقه بمؤخرة السيارة وجالوا بجثته في شوارع المدينة. وأصبحت صورة شهيرة بعد أن قام الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطية، صلاح الدين ديمرتاش بنشرها قائلاً "لا أحد يجب أن ينسى هذه الصورة، لأننا لن ننساها"، وقُتل 16 قروياً مؤخراً عند قيام مقاتلي حزب العمال بتفجير شاحنة مليئة بالمتفجرات قرب إحدى القرى خارج مدينة ديار بكر. وسرعان ما بدأت الصحافة التركية بتقديم تقارير عن الحوادث، وفي أغلب الأحيان نشر صور مقربة بالعدسة لجثث ولحوم القتلى وهم موضوعين في أكياس المستشفيات في انتظار تحديد هويتهم.
كما  كانت ضراوة المعارك بين الطرفين مستمرة حتى تاريخ اليوم، فإنه من المحتمل أن يتطور القتال مجدداً وباتجاهات خطرة جداً. ففي معارك المدن التي بدأت منذ ما يقارب العام، أثبتت الدولة التركية قدرتها على إيذاء المجتمعات الكردية وأثبت مقاتلو حزب العمال نيتهم تبني تكتيكات من الممكن أن تضع المجتمعات الكردية في خطر. الآن وفي هذه المرحلة من الصراع والتي تنتهي على ما يبدو بإعادة فرض السيطرة على مراكز المدن في جنوب شرق البلاد، ويستطيع حزب العمال استمرار شن حرب شوارع ومجموعات تقليدية في الجنوب الشرقي وهو الأمر الذي تأكد بعد قيام مقاتلي الحزب بإسقاط طائرة تركية بصاروخ مضاد من نوع  (MANPAD)، أو كما هددت مراراً بمحاولة نقل القتال إلى المدن الغربية التركية.ونفذ فرع حزب العمال الكردستاني، تنظيم صقور حرية كردستان مسبقاً هجوميين انتحاريين (بارزين) في العاصمة التركية أنقرة، استخدم التنظيم في الهجوم الأول سيارة محملة بالمفخخات لاستهداف سيارات عسكرية تابعة للجيش التركي في قلب العاصمة التركية، أما الثاني استهدف المتنقلين في مركز النقل الرئيسي. في كلا الحالتين، عبّر حزب العمال عن دعمه للهجمات رغم وجود وفيات من المدنيين حسب المصادر الحكومة التركية.
عقب إعلان رفض استئنافه المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني أو حزب الشعوب الديمقراطية، أعلن حزب العدالة والتنمية فيما بعد خطة جديدة للسلام في شهر شباط الفائت، لكن لم يجدي نفعاً، لأنه كان موجهاً فقط لأولئك الموالين مسبقاً لحزب العدالة. وزعمت الحكومة التركية أن المحاورين الجدد تشمل من ضمنهم شخصيات كردية دينية وقياديين كرد من الميليشيات التابعة للحكومة التركية والذين قاتلوا ضد حزب العمال الكردستاني لعقود، وهو نهج شبهه الصحفي جنكيز جاندار بالحديث إلى مرآة وتسمية الحديث بالحوار بين طرفين.(26)
جراء الكشف عن الخطة الجديدة، فعلت الحكومة القليل لتنفيذها والمضي بها قُدماً. وحتى الإصلاحات الاسمية التي كان الكتاب والصحفيون الموالون لحزب العدالة يشيرون لها وينشرونها في الصحف والمواقع حول السماح بالإعلانات الكردية على الطائرات المتجهة إلى المناطق الكردية تم التخلي عنها بهدوء. بدلاً من ذلك، وسعّت الحكومة محاكمات أعضاء ومشرعي حزب الشعوب الديمقراطية إضافة إلى الصحفيين والأكاديميين الذين يتساءلون عن الانتهاكات المرتكبة في استراتيجية الدولة لمكافحة الإرهاب.
يبدو أنهُ وحتى تاريخ اليوم، لا يستطيع حزب العمال الحفاظ على الأرض والصمود ضد الجيش التركي، في حين لا يستطيع الجيش التركي منع الحزب من تنفيذ هجمات ضد المناطق في جميع أنحاء البلاد. وهو ما يشير إلى أنه في حال استمر الصراع، فإن كلا الطرفين سيحافظان على قدرتهما على ضرب الآخر دون تحقيق أي نصر استراتيجي واقعي. وسيكون للهجمات الضخمة المتكررة ضد المواطنين الأتراك الأبرياء إلى جانب العمليات العسكرية والعنف المتزايد في الأجزاء الكردية من البلاد قدرة فريدة من نوعها ليس فقط لتدمير الاقتصاد التركي بل وأيضاً في تمزيق النسيج الاجتماعي في البلاد، وضع المواطنين الكرد والأتراك في مواجهة بعضهم البعض بطرق سيكون من الصعب إصلاح الوضع بعدها.
ماذا بعد؟ احتمالية التصعيد
بعد أكثر من ثلاثة عقود من القتال، أجبر كلا الطرفين لقبول حقيقة مفادها أن لا أحد منهما قادر على تحقيق نصر عسكري شامل. ولكن رغم أن الاعتراف بأن أي نهاية يمكن تصورها تتطلب تسوية عبر التفاوض، كلا الطرفين ملتزمان الآن بفكرة النجاح العسكري وأهميته في مواصلة التفاوض وفق لشروطه الخاصة. ولا يوحي أي شيء من المعارك التي تدور منذُ عشرة أشهر أن أي منهما يوشك على تحقيق نصر عسكري، ولكن كيفما كان الأمر، إثارة التساؤل، فيما لو، كان هنالك أي شيء قد يؤدي إلى نهاية الصراع الحالي. في الحقيقة هنالك العديد من المؤثرات الإضافية التي من شأنها أن تطيل وتوسع القتال، منها حالة عدم الثقة الكبيرة بين الطرفين بعد فشل المفاوضات السابقة، طموحات أردوغان، وازدياد حالة الانقسام في الحركة الكردية، وأكثر من أي شيء آخر هي الحرب في سوريا. وهنا يمكن أن نسلط الضوء على المؤثرات التي لوحظت خلال القرن المنصرم والتي تزودنا بسبب إضافي يدعو للقلق. حيث تمتنع الحكومة التركية مرة أخرى من تقديم تنازلات من شأنها تسهيل عملية الاستيعاب الشامل والطوعي للسكان الكرد في تركيا وتختار بدلاً عن ذلك محاولة إجبارهم على تقديم الطاعة من خلال القوة. وعلى الجانب الآخر، الشِقاق المستمر في المجتمع الكردي والحركة القومية الكردية لا يمكن الحكومة التركية من تسوية خلافاتها مع بعض القادة الكرد.
طموحات أردوغان السلطوية
نهج ومقاربة حزب العدالة والتنمية للصراع ستكون خاضعة لهيمنة الحقيقة التي لاحظها العديد من المراقبين، هي أن أردوغان لا يزال ملتزما في برغبته في تغيير الدستور لتعزيز سلطاته كرئيس للدولة. هنالك عدد من الطرق التي يمكن لأردوغان أن يسعى من خلالها إلى تغيير الدستور، ولكن الأكثر وضوحاً تشمل سواء الفوز بأصوات حزب الحركة القومية أو ربما إجبار حزب الشعوب الديمقراطية على البقاء تحت حاجز الـ 10 % في الانتخابات المستقبلية. استمرار الصراع يفيد كلا الاستراتيجيين، سواء للمحافظة على ثقة القوميين بـ أردوغان أو من خلال التشكيك بحزب الشعوب الديمقراطية (وتبرير اعتقال أعضاء الحزب) من خلال ربط الحزب بحزب العمال. أضف إلى ذلك، إذا ما أراد أردوغان في نهاية المطاف تعزيز سلطاته الرئاسية عبر الاستفتاء الشعبي، سيكون السلام غير مفيداً ولن يؤدي إلى تعزيز شعبيته بين الناخبين القوميين.
السؤال الأكثر تعقيداً والذي يتعلق فيما ربما يحدث بعد تحقيق أردوغان طموحاته في سلطة رئاسية تنفيذية وتعزيز حكم الرجل الواحد. تشير البراهين التاريخية والهيكلية إلى استراتيجية أردوغان على المدى الطويل، كما هي الآن، تثير القلق والمخاوف. ربما يتخيل أردوغان أنه وبعد تحقيقه نصراً ساحقاً ضد حزب العمال الكردستاني، يستطيع إجبار عبدالله أوجلان للعودة إلى طاولة المفاوضات وقبول اتفاق ضمن شروطه التي ستكون أكثر قبولاً من جانب الناخبين القوميين. مثل هذا الترتيب، المشابه لذلك الذي تم نقاشه قبل ربيع عام 2015، من المحتمل أن يعزز أردوغان وأوجلان، في حين يعتمد نجاحه أيضاً، على قدرة أوجلان في تأمين دعم حزب العمال والكرد عموماً.  في احتمال آخر موازي لما حدث في خمسينات القرن المنصرم، حزب العدالة والتنمية سيحاول حل القضية الكردية عبر اختيار قائدة الكرد بسلطات غير مشكوك فيها وغير مفيدة سوى قليل من الشرعية الديمقراطية. الخطر سيكون في حال قبل أوجلان – رغم الشكوك حول سلطته على الحركة الكردية – ترتيباً واتفاقاً تحت نوع من التهديد والإكراه والذي لن ترضى به الأطراف الحزبية الكردية وهو ما سيمهد الطريق لجولة جديدة من الصراع الكردي الداخلي إلى جانب تمرد ضد الدولة التركية.


المجتمع الكردي الممزق


المفارقة تكمن في أن محاولة أردوغان الساعية إلى حكم رئاسي موسع ومركزي ستجعل من المفاوضات الناجحة أكثر تعقيداً وصعوبة، وهو الأمر ذاته في حال تفككت وانهارت المركزية ضمن صفوف الحركة الكردية. خلال السنوات السابقة، أثار المحللون المخاوف بشأن الآثار المترتبة على تصدع العلاقة بين أوجلان، والتسلسل الهرمي لحزب العمال في قنديل، المجوعات الكردية المنشقة كحركة صقور حرية كردستان، المجموعات الكردية الشبابية في جنوب شرق البلاد، وقيادة حزب الشعوب الديمقراطية. وفي وقت أصبحت فيه العلاقات بين الفاعلين متوترة، يتخوف أولئك الذين ربما يدعمون جهود ومفاوضات السلام من خسارة نفوذهم في جلب بقية أجزاء الحركة إلى الطاولة. وبالفعل، أثبتت استجابة ديمرتاش الغير فعالة فيما يتعلق بالعنف المتصاعد طوال الصيف الفائت، أظهرت مرة أخرى ضعف تأثير حزب الشعوب الديمقراطية على قيادات حزب العمال.
إذا ما كان أوجلان – الذي حافظ على سلطاته على حزب العمال وغالبية الرأي الكردي العام رغم وجوده في المعتقل – يتجه نحو خسارة سلطاته وتأثيره، فإن المفاوضات ستصبح وبشكل مطلق أكثر تعقيداً. في عام 2014، على سبيل المثال، أثبتت أوجلان قدرته على التأثير بعد رسالة أرسلها طلب فيها إنهاء الاضطرابات وأعمال التمرد ضد الحكومة في جنوب شرق البلاد. الآن، يتخوف ويقلق الكثيرون من أن دعوة مشابهة لتلك ربما لن تلق آذاناً صاغية. لا سيما مع الدور المتنامي للمجموعات الشبابية في المدن الكردية، وفي غضون ذلك، زاد من المخاوف بأن الغضب المتزايد ربما يؤدي إلى زيادة تطرف شريحة من الشباب الكردي إلى مرحلة لن يكونوا فيها تحت إشراف حزب العمال الكردستاني ولن يتوجهوا بتعليماته.
أوضح الصراع الحالي أيضاً الدور المحتمل للمجموعات المنشقة مثل صقور حرية كردستان، والتي لا تزال علاقتها مع حزب العمال غير معروفة بالضبط. والواقع أن جولة المعارك الحالية بدأت بهجوم من مجموعات تعلن ولائها لأوجلان ولكن ظاهرياً يبدو أنها يتصرفون من تلقاء نفسهم. في الآونة الأخيرة، أظهرت مجموعة صقور حرية كردستان قدرتها على تنفيذ هجمات بارزة وكبيرة، كان جلياً في إطلاق صواريخ مورتر على أحد أكبر المطارات التركية وقتل القوات الأمنية بسيارات مفخخة في قلب العاصمة التركية. هذه التطورات مجتمعة تذكرنا بصعوبة التوصل إلى اتفاق مع عبدالله أوجلان، حيث بات واضحاً أن نفوذ حزب الشعوب الديمقراطي والقيادية الهرمية لحزب العمال الكردستاني تتقلص في ضبط بوصلة استخدام العنف.

الصراع السوري
إلى جانب هذه العوائق الهائلة الواقفة في طريق السلام، ظهرت الحرب الأهلية السورية كعائق جديد. فبسبب التمرد القائم ضد بشار الأسد، أسس الكرد السوريون كيانهم السياسي الخاص بهم والمسمى (روج آفا) على طول الحدود السورية – التركية. والمنطقة الكردية المؤسسة يتم إدارتها من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، والذي ومع ذراعه العسكرية، وحدات حماية الشعب YPG، يمثلان الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني. ويتقاسم حزب الاتحاد ووحدات حماية الشعب البنية القيادية، الإيديولوجية، وفي كثير من الأحيان، المقاتلين مع حزب العمال، غير أن حزب الاتحاد الديمقراطي تمكن من إحراز الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية بسبب دورها الناجح في دحر تنظيم "داعش" للخلف. في هذا الوقت، تحول شمال سوريا ليصبح جبهة أخرى في الصراع الكردي – التركي وهو الأمر الذي من المحتمل أن يكون مزعزعاً للاستقرار بشكل لا لبس فيه.
حتى قبل عودة العنف إلى تركيا صيف عام 2015، كان الوضع في سوريا يسمم العلاقة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني. وكانت الحكومة التركية تخشى من أنه في حال ما عززّ حزب الاتحاد الديمقراطي موقعه في سوريا فإنه سيخدم كقاعدة انطلاق ومساندة لحزب العمال لتصعيد هجمات في الداخل التركي. وبالتوازي تشجع حزب العمال الكردستاني من نجاحاته في سوريا، إضافة إلى الدعم الدولي الذي حصلوا عليه بعد قتالهم ضد "داعش"، بينما اقتنع العديد من الكرد بأن الحكومة التركية تتعمد دعم تنظيم "داعش" لضرب حزب الاتحاد الديمقراطي. حتى ولو لم يكن هنالك أدلة دامغة تثبت هذه الاتهامات، عندما رحب أردوغان بسقوط كوباني بيد تنظيم "داعش" أواخر عام 2014، بعد أن غض البصر عن "داعش" في السنوات السابقة، أدى ذلك إلى زيادة غضب المجتمع الكرد واتهاماته ضد العدالة والتنمية وهو الأمر الذي أدى إلى تقويض المفاوضات أكثر.
رغم ذلك، ولفترة زمنية، وتحت ضغط الولايات المتحدة، امتنعت تركيا عن استهداف قوات حزب الاتحاد الديمقراطي، على الرغم من قصفها مواقع حزب العمال في جبال قنديل، واشتداد الصراع الداخلي في تركيا في بداية عام 2016، بدأ حزب الاتحاد الديمقراطي بتوسيع مناطق سيطرته على طول الحدود السورية – التركية على حساب الكتائب المدعومة من أنقرة، بدأت تركيا بقصف مواقع حزب الاتحاد، تزامناً مع دراسة احتمالية القيام بتدخل عسكري داخل سوريا. غير أن الدعم الأمريكي المستمر لحزب لاتحاد الديمقراطي فرضت صعوبات أمام مثل هذا التدخل العسكري، ناهيك عن التغييرات المتسارعة لطبيعة الصراع السوري، مما خلق وضعاً يعتبر فيه مصير الصراع الداخلي التركي مرتبطاً بشكل وثيق بنتائج الحرب السورية الغير متوقعة.
فيما لو - وهو الأمر الذي يبدو محتملاً- حقق حزب الاتحاد الديمقراطي اعترافاً سياسياً في نهاية المطاف بصيغة ما من الحكم الذاتي الكردي في المنطقة الكردية السورية، من الممكن أن يرتد ذلك بطرق عديدة متناقضة محتملة، وهو الأمر الذي يعتمد على ردود فعل نظام الأسد، مجموعات المعارضة الأخرى، روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية. إذا ما ظهرت روج آفا كحليف لروسيا ونظام الأسد، هذا سيؤدي فقط إلى تضخيم مخاوف الأسد ويؤدي إلى دوام سياسة المواجهات العسكرية مع حزب العمال.  
في حال حصل العكس، سوف يكسر انتصار بشار الأسد الاتفاقية الهشة بين نظامه وحزب الاتحاد الديمقراطي، أو في حال يدفع النظام الحزب إلى تطوير علاقاته مع مجموعات المعارضة الأخرى، سيكون لدى السياسيين الأتراك حافز لصنع السلام مع القيادات الكردية السورية. وبالمثل، فإن نجاحات حزب الاتحاد الديمقراطي الحالية تناقض التحديات الاستراتيجية طويلة الأمد والتي واجهتها من خلال التقلب بين عدد من الدول الجارة المعادية لبعضها البعض. وبشكل خاص إذا ما خسر حزب الاتحاد الديمقراطي الدعم الذي يتلقاه حالياً من روسيا والولايات المتحدة، يبدو بناء السلام مع تركيا سيكون الطريقة الوحيدة لحماية الكيان الكردي الذي تم تأسيسه.


خاتمة

 

إن آليات الصراع الراهن والعوامل المهيئة لتصعيده، تحمل بين طياتها مخاطر لتركيا والمنطقة والاتحاد الأوروبي، وكذلك للولايات المتحدة التي ينبغي ألا تقلّل من شأنها. ذلك إن كُلّاً من القضية الكردية التي تمتلك بمفردها مفاعيل تمزيق المجتمع التركي بعنف على شاكلة ما حدث تسعينيات القرن الفائت، وكذلك أحداث اللحظة الراهنة، تدفع بشركاء تركيا الغربيين إلى اعتبارها ظهيراً ضد عدم الاستقرار الذي يجتاح عموم المنطقة.

السلطوية التركية
مؤكدٌ إن الصراع المستمر سيدفع بتركيا صوب المسار السلطوي الذي تعيشه من قبل. ذلك إن معضلة الديمقراطية التركية تمتد إلى حد بعيد، ولأمد طويل، خلف القضية الكردية. لكنه من المرجح إن القتال سيجعل الحكومة أكثر قمعاً، وستغدو أي إمكانية لعودة حكم ديمقراطي أمراً بعيد المنال. فيما سبق، ساهم الغضب والخوف الناجمين عن الصراع في تبرير بعض أخطر حملات "العدالة والتنمية" على حرية التعبير، تلك الحملات التي ساهمت -بشكل مقلق أكثر- في كسب شرعية من قبل العديد من الناخبين. سيمنح تفاقم القتال فرصاً وأسباباً جديدة لأردوغان من أجل توسيع سلطته، وللدولة التركية لتدمير ما تشاء من فضاء سياسي مفتوح للمجتمع الكردي.
لم يكن حزب العمال الكردستاني PKK يوماً تنظيماً ديمقراطياً، كما أن أردوغان يظهر بهيئة حاكم ينافي القيم الديمقراطية. بالنسبة للجانبين، فإنّ إحقاق السلام ليس ضرورياً لتأمين دمقرطة حالية للسياسات التركية والكردية، بل الإبقاء على احتمال السلام ممكناً على الأقل. وسط تآكل جميع عناصر ديمقراطية تركيا -القضاء، الإعلام، حكم القانون- ربما يكون إنهاء الصراع الـمـآل الأفضل والأخير للمجتمع التركي لإنقاذ بعض معايير تحول ديمقراطي مـنشود.
الاستقطاب وعدم الاستقرار
الفجوة بين الرأي العام التركي والكردي واسعة مسبقاً، لكن المسار الحالي قد يدفع الفجوة إلى أشد مستويات حدة. فخلال العام الفائت، حينما أقدم الغوغاء على إضرام النار في عدد من مكاتب حزب الشعوب الديمقراطية HDP في عموم تركيا، بل أكثر من ذلك عندما انضمت أحزاب معارضة في الآونة الأخيرة إلى الحكومة في مسعاها لمقاضاة البرلمانيين الكرد. كل ذلك ساهم في ترسيخ الانطباع بين الكرد أن التعايش ضمن تركيا بناء على تلك السياسات لم يعد ممكناً بالفعل. في افتتاحيته الأخيرة، عرض عبد الله ديميرتاش، السياسي عن "الشعوب الديمقراطية"، تحذيراً شخصياً عن أمورٍ اعتبرها على المحك:
كما  كان مسعايَ على الدوام هو جمع المئات من النشطاء الكرد و السياسيين المنتخبين، يغادر ابني المراهق منزلنا للانضمام إلى حزب العمال الكردستاني، قائلاً لي: "إنكم تهدرون الوقت بسياساتكم وحواركم". كرّستُ جل حياتي في السعي لإثبات خطأه وإعادته إلى عائلته سالماً. انتكست عزيمتي من قبل، إلا إنني لم أفقد الأمل أبداً. اليوم، أكـافـــح من أجل إبقاء ذاك الأمل قائماً.(28)
يمضي الصراع قُدُماً بوتيرة أطول، وأقل تأثيراتها المحتملة تكمن على الأرجح في قبول الشروط السابقة التي من شأنها أن تأتيَ بتسوية معقولة. يتعرّض الكرد للعنف القابع على مجتمعاتهم من قبل الجيش التركي، وهم يتابعون مسلك أبناء جلدتهم صوب الاستقلال في كل من العراق وسوريا، فإنهم لم يكونوا على استعداد لقبول حل أدنى من بلوغ الحكم الذاتي. في الواقع، إن أعداداً من السكان الكرد في تركيا قَدِموا فيما سبق إلى سوريا وقاتل أفرادٌ منهم بأنفسهم في سوريا. كما وشوْهِدَت نزعة التطرف لدى الجيل الشاب في صفوف الــYDG-H ، والتي تناولناها في القسم السابق من البحث، الأمر الذي يزودنا بمؤشر عن واقع خطير للغاية. إنَّ جيلاً جديداً يرفض بعنف التعاون مع الدولة، ما يشكل بصورة كبيرة عامل عدم الاستقرار. أكثر من ذلك، فإنه وكما حدث في حرب المدن خلال الأشهر العشر الفائتة، فإن من المرجح أن أفعال أولئك الشباب السائرين نحو التطرف ستحثّ الدولة التركية على ردود أفعال عنيفة. إن رؤية الشباب الكرد للأحداث المجاورة في سوريا، ليس فقط مَن ألهمتهم الأحداث منهم، بل من تعلموا جيداً تقنيات القتال هناك، سوف يرفع من حدة المخاوف التركية ويقلل من المساحة المطلوبة لاتخاذ قرارات أكثر واقعية.
إن ما يثير القلق بالضبط، هو إن حالة الاستقطاب بين الدولة والكرد تهدد بالتأثير على العديد من الانقسامات الأخرى داخل المجتمع التركي –تلك الانقسامات الملتهبة من قبل بفعل حكم "العدالة والتنمية" المسبِّب للخلاف. على مدار العقد الفائت، أحسَّ علمانيو تركيا وعلويوها والكثير من النساء بالغربة على نحو متزايد بفعل حكومة حزب العدالة والتنمية. نشهد الانقلاب السريع لمواقف "العدالة والتنمية" حيال الكرد - من شريكٍ مفاوض إلى عدو- إلى جانب محاولات لنزع الشرعية عن "الشعوب الديمقراطية" كلّيةً، معارضو حكم أردوغان يخلصون بسهولة إلى أن موقفهم داخل البلاد محفوف بالمخاطر. ذلك أن أردوغان استخدم بالفعل الصراع مع "الكردستاني" ذريعةً لتقليص فرص المعارضة السياسية السلمية، ليس فقط في مواجهة الكرد، بل مع الأكاديميين والصحفيين العاملين في شتى المجالات. إذا ما استمرت هذه العملية، فإنها ستواجه خطر عسكرة تمزقات أخرى داخل المجتمع التركي، إنه اتجاه مثير للقلق لا سيما أن بعض تلك التمزقات محددة من قبل ضمن المجتمع العَلوي. بهذا المعنى، فإن القومية الكردية، وبعد أن كانت عاملاً يغذّي حالة والعنف و الاستقطاب السياسي عموماً كما وقع سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، فإن الصراع الكردي اليوم يؤسس لانهيار أوسع للنظام السياسي عبر كل الانقسامات في المجتمع التركي.

من الممكن أن يحدث انهيار مماثل بسرعة أكبر بسبب الركود الاقتصادي المحتمل كنتيجة لاستمرار القتال. التكلفة الاقتصادية التي تكبدتها تركيا بسبب الصراع الكردي في تسعينات القرن المنصرم دفعت الكثيرين لتصنيف تلك الفترة بـ "عقد الخسارة" لتركيا. وتخاطر تركيا الآن بخسارة المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي حققتها حلال العقود التي مضت، والتي يعود الكثير منها إلى المستثمرين الأجانب والتي من الممكن أن تتلاشى وتتبخر سريعاً بسبب الحملات العسكرية الطويلة الأمد ضد التمرد. إذا لم يرعب وينزعج المستثمرون الأجانب بشكل خاص من سلطوية أردوغان نفسه، فإن العنف وخطر العنف في حال انتقاله إلى غرب تركيا، سيكون سبباً كافياً للإصابة بالرعب والانزعاج.
الصراع الإقليمي
استمرارية الصراع الكردي – التركي إلى أجل غير مسمى لا يمكن أن تنجم من فراغ. بل، نرى في نفس الوقت بأن الولايات المتحدة الأمريكية وقوى غربية أخرى يتطلعون إلى تركيا باعتبارها شريكا حاسما ومهماً في محاولة هزيمة تنظيم "داعش" وإعادة بعض ملامح النظام المستقر إلى من سوريا والعراق، لكن من الممكن أن يحول الصراع الكردي تركيا إلى زعزعة الاستقرار والأمن، بل إلى الاضطراب الإقليمي أيضاً، ومن المرجح أن يؤدي التصعيد من القتال بين الكرد والأتراك إلى زيادة الهوة بين أنقرة وشركائها في حلف الناتو. ففي حين تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى مساعدة حزب الاتحاد الديمقراطي في حربه ضد تنظيم "داعش"، وتنظر إلى الحزب كمشارك مهم وضروري في أي حل نهائي للحرب الأهلية السورية، سوف تستمر تركيا بمعاملة والنظر إلى حزب الاتحاد كخطر طالما هي منخرطة في حرب ضد حزب العمال الكردستاني. الأمر الأكثر مباشرة هو أنه سيعرقل حملة واشنطن العسكرية ضد تنظيم "داعش" والتي تشمل حالياً جنوداً أمريكيين من القوات الخاصة يقاتلون جنباً إلى جنب مع مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي على الأرض في سوريا في حين يتم تأمين الدعم الجوي من قاعدة إنجرليك جنوب تركيا.
أدت محاولة الحفاظ على هذا التوازن الدقيق إلى توتر العلاقات مع تركيا مسبقاً كما وأدت إلى تقليص قدرة القوات الكردية من قيادة القتال بشكل أكبر ضد تنظيم "داعش". على المدى الطويل، ورغم كل ما سبق، ما دامت تركيا لا تزال تعتقد أن شريكتها الأساسية لواشنطن متورطة في قتل الجنود والمدنيين الأتراك، فإن الغضب تجاه الولايات المتحدة بين أوساط صناع السياسة والسكان المحليين على نطاق واسع سيستمر بالازدياد، وهو ما سيضع ضغطاً هائلاً على العلاقات الثنائية بين البلدين. بشكل أوسع، ورغم ما سبق أعلاه، فالدولة التركية متورطة في حرب داخلية لذلك لا يمكن أن تكون حليف مؤثر إقليميا للولايات المتحدة في منطقة يعتبر فيها الحلفاء المؤثرون ضرورة. إذا ما انهمك الجيش التركي في حرب داخل حدود البلاد، فلن يمكن أن يقوم بمساعدة حلف الناتو في مهماته كما فعل سابقاً في أماكن أخرى من كوسوفو إلى أفغانستان.
وربما هنالك أمر يقلق أكثر من التوترات المفروضة على العلاقات الأمريكية – التركية، ألا وهو الانفتاح الذي يمكن أن يعطي الصراع الكردي، جنباً إلى جنب مع التوتر الأمريكي – التركي، للقوى المعادية للغرب. صراع طويل الأمد ضد الدولة التركية قد يدفع حزب العمال وبسهولة إلى التحول للعمل مع موسكو وطهران كشركاء، ما يعطي كلا البلدين فرصة استراتيجية خطيرة للتطفل داخل حدود الناتو. الآن وفي ظل التوتر المتزايد ضمن حدود تركيا، وبين أنقرة وحلفائها في الناتو، موسكو تواقة لإيجاد سُبل لاستثمار وتوسيع الخلافات والتوترات بينهم. لذلك قامت بتزويد حزب الاتحاد الديمقراطي بالمساعدة العسكرية والدبلوماسية في سوريا، ورحبت بممثلية حزب الشعوب الديمقراطية عندما سافروا إلى موسكو. في الآونة الأخيرة، اتهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان وبشكل مباشر، روسيا بتسليح حزب العمال الكردستاني. في حين أنه لم يكن هنالك أدلة مباشرة تؤكد تورط موسكو في هكذا أمر.
في حين يعتقد البعض أن الدعم الروسي لحزب العمال الكردستاني سوف يجلب تركيا وباقي دول الناتو إلى توافق أكبر، ربما تكون النتيجة العكس تماماً بسبب طرق الرد المختلفة جداً التي يمكن تنتهجها تركيا وحلفائها في تعاملهم مع الخطر. يمكن أن تقوم تركيا بتفسير واعتبار التحركات والأفعال الروسية كهجوم مباشر على وحدة أراضيها وحتى أبعد من ذلك من خلال توجهها إلى البند الخامس من معاهدة حلف شمال الأطلسي، والتي تعتبر أي هجوم على أراضي أي دولة في الحلف هجوماً على كامل دول الحلف وبالتالي تلتزم جميع الدول بالدفاع عن الدولة المتعرضة للهجوم. إلا أن واشنطن والعديد من الدول الأوروبية ربما هي لا تتعاطف مع موقف تركيا ولكنها فقط تساعدها على مضض رداً على الخطر الذي اعتبروه في جزء كبير منه ذاتياً أي من تركيا نفسها.
من جانب آخر، كانت إيران أيضاً على استعداد مسبق للاستفادة من الصراع الكردي – التركي لتعزيز نفوذها وهيبتها الإقليمية. عندما بدت تركيا راغبة ومقتنعة بإفساح المجال لتنظيم "داعش" بالتوسع ليكون كجدار في وجه حزب الاتحاد الديمقراطي، تحمست إيران لتوفير الدعم للكرد في العراق وسوريا، مقدمة نفسها كحليف مهم يمكن الاعتماد عليه في أوقات الحاجة. في بدايات عام 2012، حذّر إدريس نعيم ساهين، وزير الداخلية التركي حينها قائلاً "منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية تستخدم إيران كملاذ للإقامة، التنقل، التدريب، العناية الطبية، التجنيد، التمويل ونشر البروباغاندا الإعلامية".
أضف إلى ذلك، يتم تنفيذ عمليات نقل بعض الأسلحة من هناك. لا تولي إيران اهتماماً كبيراً للتدابير الأمنية في المناطق الحدودية.(29) كما وقد يؤدي مزيد من القتال إلى تقوية إيران ويحولها إلى راعي لحزب العمال. طالما الصراع في كل من العراق وسوريا مستمران فيما يخص جزئية تدخل القوى الخارجية لتأمين المصالح الجيوسياسية، وعلى هذا النحو فإن تركيا ضعيفة وغير مستقرة قد يؤدي إلى توسع الصراع الإقليمي في منطقة الأناضول أيضاً.
من المفارقات في هذا الصدد، حين يغذي أعداء الولايات المتحدة الأمريكية الصراع داخل تركيا، إلا من المرجح تماماً أن العديد من مواطني تركيا يلومون واشنطن بدلاً عن أولئك. حيث يسردون روايات تفيد بأن دعم واشنطن المفترض لإرهاب حزب العمال الكردستاني كان ولفترة طويلة سبباً أساسياً لنظريات المؤامرة المنتشرة على نطاق واسع في تركيا. أثبت العقدان الماضيان أنه حينما يضعف الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان قدرة المواطنين الأتراك على الثقة بحكومتهم وعندما تضعف قدرة الحكومة بالثقة بمواطنيها، يصبح مستحيلاً لكليهما الثقة بالحلفاء الدوليين. طالما لدى تركيا تخوف حول سلامة أراضيها، أو اعتبار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبصورة غير معقولة، كخطر، لن تكون تركيا قادرة على مساعدة واشنطن في تأمين السلام والاستقرار في المنطقة.


مستقبل الاتحاد الأوروبي


بالمثل، في حين بات احتمال عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي أمراً مستبعدا من طاولة المحادثات لفترة زمنية معينة، إلا أن استمرار الصراع الكردي – التركي سوف يسمم العلاقات التركية – الأوروبية أكثر، وسيزيد من العداوة والإجحاف من الطرفين وسيمنع التعاون البراغماتي في القضايا المهمة الأخرى. أثارت الانتهاكات التركية للحقوق الكردية تاريخياً ومؤخراً أيضاً، انتقادات موجهة من الاتحاد الأوروبي ضد تركيا، والتي بدورها ألهمت من الهجمات التركية الغاضبة والمنتظمة على النفاق الأوروبي. ففي الآونة الأخيرة، أدى تظاهر مجموعة من المحتجين الكرد الحاملين لأعلام حزب العمال الكردستاني خارج إحدى المباني، حيث كان رئيس الوزراء التركي يعقد اجتماعاً مع مسؤولين أوروبيين في بروكسل، مما دفع أردوغان إلى الإدعاء قائلاً إن حديث الاتحاد الأوروبي عن الديمقراطية والحرية لم يعد يعني شيئاً لتركيا. في حوادث أخرى، ذهب أردوغان بعيداً ليتهم الدول الأوروبية بالعمل مع الإرهابيين الكرد لتقسيم تركيا. ويبدو أن في بيئة مماثلة هكذا، من الصعب جداً بالنسبة لأنقرة وبروكسل التعاون مع بعضهم البعض حول مواضيع وقضايا مهمة والتي تؤثر على كامل القارة من دعم اللاجئين واعتراض ومنع مقاتلي تنظيم "داعش".
ربما، وعلى نحو أكثر إثارة، إذا ما تدهور استقرار تركيا، ستكافح الدولة التركية كي تستطيع إدارة العدد الهائل من اللاجئين السوريين الذي يعيشون في البلاد حالياً. وهو ما قد يؤدي إلى تدفق كبير للاجئين الباحثين عن مأوى إلى دول الاتحاد الأوروبي، حينها ربما يضاف إليهم موجة من اللاجئين الأتراك الذين سوف يهربون من تركيا نفسها، وهو ما قد يشكل أزمة أكبر من تلك التي حصلت عام 2015. وعلى هذا النحو، فإن استمرار الصراع في تركيا قد يهدد استقرار الاتحاد الأوروبي ككل.
هنالك دائما أمل بأن طرفي الصراع سيخطوان خطوة نحو الخلف، ربما إعلان وقف إطلاق النار بدون العودة إلى طاولة المفاوضات الرسمية. ولكن في حالة مثل الوضع الحالي، يبدو مرجحاً جداً بأن النزاع يتجه نحو التصعيد، ومن المحتمل أن يصل لمستوى عنفي يشابه فترة التسعينات. خلال تلك الفترة، تحولت معركة الحكومة التركية ضد حزب العمال إلى حرب شوارع كاملة الأركان والتي التهمت بدورها جنوب شرق البلاد. بالإضافة إلى تكلفتها الإنسانية، أدى الصراع إلى تسوية ديمقراطية تركيا، التطور الاقتصادي، الصورة الدولية، بطرق متعددة وهو الأمر الذي أعاد تركيا عقداً للوراء. كما وأدى استخدام الحكومة للعقاب الجماعي والإعدام خارج نطاق القضاء إلى تآكل سيادة القانون، مشكلاً حالة من العداوة العميقة داخل المجتمع الكردي، وقاد الناس إلى الهجرة على شكل موجات من المناطق الكردية إلى غرب البلاد. أما بالنسبة للشباب المجندين في جميع أنحاء تركيا، إضافة إلى عائلاتهم، سبب الصراع تكلفة بشرية كبيرة. وحتى بالنسبة لأولئك الأتراك الذين لم يكونوا منخرطين شخصياً، أدى القتال إلى غرس فكرة دائمة في عقولهم تحولت إلى قناعة ثابتة مفادها أن البلاد واقعة تحت خطر دائم، مما نتج عنه نوع من جنون العظمة القومية والتي لا تزال موجودة في السياسات التركية حتى اليوم. الآن، يغذي جنون العظمة هذا عودة العنف مجدداً، نظراً لتلاقي المؤثرات التصعيدية، وهو الأمر الذي يمكن أن تفاقم الوضع ويؤدي إلى عواقب وخيمة على الجميع.
كما يستكشف هذا البحث، العوائق التي تحول دون تجديد مفاوضات السلام، أو إعادة الطرفين على الأقل إلى طاولة واحدة، وهي مهمة كبيرة. الآن وبالنظر إلى حجم المخاطر، وحقيقة ملامح الحل، إذا لم يكن طريق تحقيقه واضحاً،  فإن هكذا مهمة هي واجب يقع على عاتق واشنطن، إضافة إلى أي طرف مؤثر للقيام به، ولفعل أي شيء ضمن إمكانياتهم لمنع تصعيد الصراع.

 

المصادر:

 

1    See U.S.-Turkish Cooperation Toward a Post-Assad Syria. Bipartisan Policy Center. 2013; and Edelman, Eric et al. (2013). The Roots of Turkish Conduct: Understanding the Evolution of Turkish Policy in the Middle East. Bipartisan Policy Center.

2    See Edelman, Eric et al. (2015). Turkey Transformed: The Origins and Evolution of Authoritarianism and Islamization Under the AKP.

Bipartisan Policy Center.

3    Yegen, Mesut (2009). “‘Prospective-Turks” or ‘Pseudo-Citizens:’ Kurds in Turkey.” The Middle East 63(4), Autumn.

4    Ibid.

5    Üngör, U. U. (2011). The Making of Modern Turkey: Nation and State in Eastern Anatolia, 1913-50. Oxford: Oxford University Press: 122-165.

6    Ibid.

7    Ibid.

8    Doğu bölgesindeki geçmiş isyanlar ve alınan dersler [Rebellions that Have Taken Place in the Eastern Region and Their Lessons]

(1946). Turkish General Staff Printing House.

9    Cornell, Svante E. (2001). “The Kurdish Question in Turkish Politics.” Orbis. Foreign Policy Research Institute.

10    Van Bruinessen, Martin (1988). “Between Guerrilla War and Political Murder: The Workers’ Party of Kurdistan.” Middle East Report (153), Islam and the State (July/August): 40-50.

11    Ibid.

12    Whitman, Lois (1993). “The Kurds of Turkey: Killings, Disappearances and Torture.” Human Rights Watch.

13    Taşpınar, Ömer (2007). “The Old Turks’ Revolt.” Foreign Affairs, November/December.

14    (2015). “Nearly 7,000 civilians killed by PKK in 31 years.” Yeni Şafak, August 28. Romano, David (2005). The Kurdish Nationalist Movement: Opportunity, Mobilization and Identity. Cambridge: Cambridge University Press: 81.

15    Marcus, Aliza (2007). Blood and Belief: The PKK and the Kurdish Fight for Independence. New York: New York University Press.

16    Van Bruinessen, Martin (1988). “Between Guerilla War and Political Murder.” MERIP Middle East Report #153.

17    Whitman, Lois (1987). “State of Flux: Human Rights in Turkey.” Human Rights Watch.

18    Marcus, Blood and Belief, Ibid.

19    Yavuz, H. and N. A. Özcan (2006). “The Kurdish Question and Turkey’s Justice and Development Party.” Middle East Policy, Vol. 13 No. 1.
 


28
 
21    This chart reflects average vote totals from the provinces of Bingol, Batman, Diyarbakir, Elaziğ, Hakkari, Mardin, Siirt, Şırnak, Tunceli, and Van, weighted according to each province’s population in Turkey’s 2000 census. The number for the AKP in 2002 and 2004 include votes for the True Path Party, Motherland Party, and Felicity Party, which subsequently appear to have been consolidated under the AKP. The HDP’s numbers reflect the party’s previous iterations, as well as votes for independents in 2007 and 2011, and for the Social Democratic People’s Party in 2004. The data was taken from http://secim.haberler.com and http://secim.iha.com.tr.

22    Unver, Akın (2010). “Turkey’s ‘Kurdish initiative’: What went wrong? (Or did it?)” Washington: Turkish Policy Center.

23    Taştekin, Fehim (2015). “Will Erdoğan’s Backtracking Torpedo PKK Disarmament?” Al Monitor, May 6.

24    Though in November, there were also some Kurdish voters who appear to have deserted the HDP because they blamed the PKK for having reignited the conflict.

25    Geerdink, Frederike (2015). “PKK leader Cemil Bayık: ‘We haven’t declared war yet.’” Beacon Reader, December 22.

26    Doğan, Zülfikar (2016). “Erdoğan’s new Kurdish allies.” Al Monitor, February 14. Çandar, Cengiz (2016). “Mardin şakası, Halep ciddiyeti.” Radikal, February 7.
27    Selvi, Abdülkadir. “Parameters of the New Process.” Yeni Şafak, February 1.

28    Demirbaş, Abdullah (2016). Undoing Years of Progress in Turkey.” The New York Times, January 26, 2016.

29    Çandar, Cengiz (2012). “Turkey Claims Iran Providing Logistical Support for PKK.” Al Monitor, December 30.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net