Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

قسطنطسن ماكنيس *
ما زالت الطرق التي خلفها الشيّخان ورائهما تتقاطع حتى يومنا هذا. أحدهما، مضت 7 أعوام على رحيله عن دنيانا. الآخر هو بسام طيبي، الأستاذ الجامعي وعالم السياسة السوري، الذي درّس وبحث في جميع أرجاء المعمورة: في (Göttingen) و(Harvard) و(St.Gallen)و(Standford) و(Jakarta). طيبي هو مبتدع مصطلح "الثقافة السائدة". وقد ألف طيبي 30 كتابا، ونال جائزة الدولة التقديرية من ألمانيا. في الخريف الماضي بلغ بسام طيبي 70 عاما. لم يحتفل أي شخص أو مؤسسة في ألمانيا بالمناسبة، وهو ما حزّ في نفس طيبي.

تحدث بسام طيبي عن صديقه القديم صامويل هانتغتون. حتى اليوم يحدث تماهي وخلط بين مشروعي طيبي وهانتغتون. في عام 1982 ساعد أستاذ للعلوم السياسية في جامعة هارفارد، وهو رجل هادئ يضع نظارات سميكة، صديقه بسام طيبي على التدريس هناك، وكان ولمدة 18 عاما يجلس مع طيبي في نفس المبنى، ويتجادل هو وإياه كثيرا على نفس الطاولة. هذا الرجل كان صامويل هانتغتون. في عام 1995 كتب بسام طيبي أكثر كتبه شهرة وإثارة للجدل وهو كتاب (حرب المدنيات/Krieg der Zvilisationen). بعد عام واحد، أصدر هانتغتون كتابه (صراع الحضارات). لقد دافع طيبي عن جوانب كثيرة في نظرية هانتغتون، وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، زاد الاهتمام بالكتاب وتعرض مرة أخرى للبحث والدراسة، وكذلك اهتم الناس بكتاب طيبي، والذي تصدر، هذه المرة، إلى لائحة الكتب الأكثر مبيعا.  
منذ تلك الفترة، يقول طيبي، "تم تصويري في ألمانيا، وكأني مساعد لصاموبل هانتغتون، وقد ضرني هذا التوصيف والتقدير بشكل كبير". وعندما توفي هانتغتون في عام 2008، وهو في الحادية والثمانين، كان لا يزال يغطي بشهرته على طيبي ويحشره في الظل. والآن، في أيامنا هذه، وكلما وصل الحديث عن الإسلام، بدا هانتغتون حاضرا. كذلك يستدعي النقاش حضورا ما لبسام طيبي. مثلا عندما يتم الحديث عن هجمات باريس الأخيرة والدوافع التي وقفت وراءها، يبحث المرء عن بسام طيبي ليسائله عن رأيه في القضية. بسام طيبي الذي يأتي من مدرسة فكرية، طبٌعت باسم هانتغتون.
يقول كونراد آدم، وهو نائب رئيس حزب "البديل الألماني" بأن الإسلام يحمل جوانب دموية، وذلك في التعليق على هجوم باريس. ويستشهد آدم ببعض الفقرات من كتاب (صراع الحضارات). على النقيض منه، يأتي جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، ويقول بأن الفاعلين في باريس ليسوا جزءا من "صراع الحضارات"، بل مجرد قتلة فقط. لكن هل يصح أن نعتمد نظريات أستاذ جامعة هارفارد المتوفي، كمقياس لمستجدات وحوادث تحصل الآن؟. هل يصح أن نعتمد نظرية "صراع الحضارات" ونقتبس أفكارها في الحكم على حوادث ومجريات تحصل الآن في عام 2015؟. هل ستساعدنا هذه الأفكار والشروحات في تفسير حالتنا الراهنة؟ ماذا كان هانتغتون سيقول عن الهجمات الحالية وعن "داعش" لو كان موجودا بيننا في هذا الوقت؟ من قرأ كتاب (صراع الحضارات) لن يتردد كثيرا في التكهن بما سيقوله هانتغتون حول كل هذه الأمور.

هانتغتون الذي ولد في نيويورك عام 1927، والابن لصحفي، اصبح وهو في سن الثالثة والعشرين أستاذا للعلوم السياسية في جامعة هارفارد. بدأ منذ انطلاقة عمله في الجامعة في دراسة وبحث السياسة وعلومها، وفي الديمقراطية، وفي جوانب النظام والتفكير الأميركي. أصدر هانتغتون 17 كاتبا و90 بحثا محكمّا. وتحوّل الرجل بعد كل هذا الجهد إلى أهم علماء السياسة في شمال أميركا، ولكن أكثرهم إثارة للجدل. في عام 1957 كتب هانتغتون كتابا بعنوان (الجندي ورجل الدولة)، مدح فيه تراث الجيش الأميركي وتقاليده، وروّج لنظرة المؤسسة العسكرية الأميركية "المحافظة والواقعية إلى العالم". وفي كتابه اللاحق (النظام السياسي في المجتمعات دائمة التغيير)، شكك هانتغتون في نظرية "أن التقدم الاجتماعي يصب بالمحصلة في اتجاه الديمقراطية وتفعيلها". وكعضو في لجنة الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر، عمد هانتغتون، العضو في الحزب الديمقراطي، إلى المساهمة في تطوير استراتيجيات الحرب لما بعد فيتنام وكيفية تحجيم الاتحاد السوفييتي. يتحدث زملاؤه عنه فيؤكدون على استقلاليته ورصانته العلمية. ويقول روبرت كوهين زميله السابق في جامعة هارفارد، عنه ما يلي : " سام كان يكتب بحماس وحيوية، ولكنه كان يبالغ في مرات كثيرة. لم يعرف الملل والكلل. وكانت كتاباته تثير دائما عواصف من النقاش والاهتمام لدى الرأي العام الأميركي".
في المظهر الخارجي، ورغم قوة الرجل العلمية والثقافية، إلا انه كان يتمتع بقوة بدنية كذلك. تعرض إلى حادث اعتداء عندما كان يسير في أحد شوارع مدينة بوسطن، وعوض أن ينجح المعتدي في "نشل" هانتغتون، عمد هذا الأخير إلى مواصلة لكمه وصفعه، حتى اضطر المتعدي إلى الهروب.  هانتغتون كان رجلا عنيدا وصلبا، شديد التنظيم وكان ينتظر أن يكون تلامذته كذلك على نفس السويّة والانضباط التي يتمتع بها هو.
وهانتغتون في الأصل رجل وطني، وكان من المعروف عنه إنه يقيم كل عام حفلا صغيرا بمناسبة عيد العلم الأميركي، والذي يصادف في 14 يونيو/حزيران. لكن البروفيسور الذي كان يقف في استقبال ضيوفه كان يرفض الحديث لوسائل الإعلام القادمة ويقابل الأسئلة بالصمت. يقول عنه بسام طيبي انه كان من "النوع الصامت". دعاه إلى بيته حيث هو وزوجته نانسي، "كان في معظم الوقت يبقى صامتا يصغي إليّ وأنا أتحدث"، يضيف طيبي. كان يحضر الكثير من المحاضرات والندوات ويجلس دون أن ينبس ببنت شفة، يبقى صامتا لا ينطق أي كلمة، ومن ثم يغادر بعد انتهاء المحاضرة أو الندوة. كان هانتغتون، كما يقول البروفيسور روبرت كوهين، يغادر بصمت ليجلس في مكتبه ويكتب في أوراق، حالما تٌنشر، تثير جدالا ولغطا وإثارة كبيرة في عموم البلاد.
لم يثر أي مقال نشره هانتغتون الرأي العام، كما أثاره المقال التحليلي الذي نشره في عام 1993 في مجلة (Foreign Affairs) الشهيرة المختصة بالسياسة الخارجية. كان فريد زكريا، محرر المجلة، يبحث عن مقال رصين وجديد لكي يقدمه لطبعة الصيف، فأثار محتوى محاضرة قدمها أستاذه السابق صامويل هانتغتون، فطلب منه أن يؤطرها في مقال تحليلي للنشر في المجلة، وحدث هذا فعلا، وحمل المقال أسم (The Clash of Civilizatons) أي " صِدام الحضارات"!. وكان المزاج العام في الولايات المتحدة يتجه إلى الهدوء وقتها، حيث كان الاتحاد السوفييتي ينهار، مما يعني بالضرورة سيادة التصور والهيمنة الأميركية على العالم، وأن "الديمقراطية الغربية" الأميركية هي المنتصر و"القطب الأوحد". وجاءت فكرة "نهاية التاريخ" المريحة التي أبدعها فرانسيس فوكوياما، حيث سيكون العالم جميلا تحت الأعلام الغربية!.
أعتبر هانتغتون هذا التصور في "نهاية التاريخ" ضربا من ضروب السذاجة. النظرة المحافظة، في تصوره، هي الأساس في نهوض الحضارات وتطورها. وقد عمد إلى استنباط نظرية جديدة بالضد من نظرية فوكوياما في "نهاية التاريخ"، نبعت أساسا من تصوره المعرفي وطريقة عيشه وعمله، ذهب فيها بأن التاريخ لن ينتهي بانتصار فكرة ما، ولكنه سيستمر وستظهر الحوادث في إطار الصراعات التي ستهز العالم. وهذه الصراعات لن تأخذ طابعا إيديولوجيا، كما هو متصور للوهلة الأولى، ولكنها ستأخذ الطابع الثقافي. بدا إذن بان "التناقضات والاختلافات بين الثقافات هي التي ستحدد محددات وخطوط الصراعات القادمة" كما ذهب هانتغتون. لقد قسم أستاذ السياسة الكون إلى 8 ثقافات أسماها بالحضارات/المدنيات البشرية، وهذه الحضارات هي: " الغربية، الإسلامية، الهندوسية، السلافية/الأرثوذوكسية، الصينية/الكونفوسيوشية، اليابانية، الافريقية، والأميركية اللاتينية". وتنبأ هانتغتون بأن الغرب سيعاني من تحديات كبيرة في الفترة القادمة جراء هذا الصراع بين الحضارات، وأبرز هذه التحديات مشكلتين كبيرتين: تحدي الحضارة الصينية/الكونفوسيوشية والمتمثل بالسطوة الاقتصادية المتنامية، والنزعة الثقافية الآخذة في الترسخ والتوسع. والتحدي الثاني هو النزعة الإسلامية الأخذة في التطور والنهوض واتخاذ الأشكال العنفية الأكثر دموية. في اعتقاد هانتغتون فإن الحضارة الإسلامية الميالة إلى المواجهة هي الآن في مرحلة الزحف والتمدد. وفي انتقاده لأوجه الحضارة الإسلامية ونزعة العنف فيها، لا ينسى هانتغتون انتقاد الحضارة الغربية، والتي يصفها هنا بأنها "تظن في نفسها التوكيل والحق في نشر قيمها الحضارية في كل العالم وفرضها على كل البشرية بحجة أن هذه القيم هي المدنية والأصلح للحياة والإدارة". وينصح هانتغتون الغرب بالتراجع عن هذا الاعتقاد والتقبل بالتحول لحضارة إنسانية ما هي، في الحقيقة، إلا واحدة من العديد من الحضارات في العالم، وليس بمقدورها ولا من حقها فرض نظرتها على الآخرين.
لقد وضع هانتغتون علامات استفهام كبيرة على دور الغرب في العالم، وكانت تساؤلاته هي بداية لسياسة جديدة فكر بها الغرب، بدت متناقضة كثيرة مع سياسة التدخل في الشؤون الداخلية للأمم الأخرى. وكل هذا كان في مقال عام 1993 الذي نشرته مجلة (Foreign Affairs) المتخصصة، ذلك المقال الذي أثار كل هذه الضجة من النقاش والردود، وكان آخر ضجة من هذا النوع قد أثيرت بعيد نقال نٌشر في نفس المجلة عام 1947 عندما كتب الدبلوماسي الأميركي جورج كانان مقالا حول كيفية احتواء الاتحاد السوفييتي.
في شهر أغسطس/آب من العام 1993 ترجمت أسبوعية (Die Zeit) الألمانية أجزاء طويلة من مقال هانتغتون، حيث أنطلق في ألمانيا أيضا النقاش، وتوالت ردود الفعل على النظرية الجديدة في "صراع الحضارات". وفي ذلك الوقت كان رومان هرتسوك هو رئيس ألمانيا. في كل زيارته حول العالم، من الصين إلى باكستان وغيرهما، كان هرتسوك يحذر من آراء هانتغتون ويفندها. بل وصل به الأمر إلى أن يصفها ب"الآراء الشريرة"، معارضا بشكل قاطع فكرة "صراع الحضارات". بعد ذلك بزمن ألف هرتسوك كتابا لمناقشة أفكار هانتغتون والرد عليها، أسماه (الأكيد ليس صراع الحضارات). سأل هانتغتون بسام طيبي في إحدى أروقة جامعة هارفارد: "ما هي مشكلة رئيسك"؟. واستمع هانتغتون من صديقه طيبي إلى شرح لأحلام هرتسوك في توحيد الحضارات البشرية!. بسبب النقاش الذي أثارته المقالة المحكمّة آنذاك، قرر هانتغتون توسيع الفكرة وتعميق الدراسة في النظرية التي اعتمدها، ومن ثم إجراء أبحاث ميدانية، والخروج بكتاب شامل حول الموضوع.
يقول روبرت كوهين، الأستاذ في جامعة هارفارد وزميل هانتغتون حول النص الذي قدمه زميله قبل إقرار نشره في كتاب: " النص كان جريئا للغاية، وكذلك سام نفسه". وبدأت دور النشر تتقاتل على تلقف المخطوطة ونشرها في كتاب. دار نشر (Simon and Schuster) عرضت مبلغا من المال مضاعفا لخمسة مرات على هانتغتون للاستئثار بحق الطبع والتوزيع. يقول المسؤول عن دار النشر تلك، إنه يعرف هانتغتون منذ 20 عاما ويعرفه كيف يكتب بشكل لا يتوافق مع رأي الجماعة، ويقدم لنظرياته الدعائم الملفتة، لذلك وافق على الفور على نشر الكتاب وتبني توزيعه. في مكتب دار النشر الواقعة في مدينة نيويورك، عرض المؤلف والناشر الخرائط المحددة للحضارات البشرية المتصارعة، بينما وصلت الكثير من الخرائط الفرعية الأخرى وإرشادات نشرها عبر خدمات الفاكس والهاتف. في مدينة ميونيخ الألمانية كان العمل يجري على قدم وساق من أجل ترجمة النسخة الإنكليزية، وطرح الكتاب في الأسواق الألمانية بأسرع وقت ممكن. لقد تمكنت دار (Europa Verlag) من الاستحواذ على حقوق النشر، من خلال عرض مضاعف لستة مرات، منتزعة الصفقة من دار (Fischer Verlag). وتقول غيزيلا آنا شتومبل رئيسة الدار المشرفة على الطباعة والنشر بأن الاتفاق كان نشر الكتاب تحت اسم (حرب المدنيات/Krieg der Zvilisationen)، ولكنهم اكتشفوا بأن بسام طيبي قد سبق ونشر كتابا بهذا العنوان، فاضطروا لتغيير الاسم واستنباط اسم آخر هو (صراع الحضارات/Kampf der Kulturen)، لقد أدى هذا الإجراء، كما قال بسام طيبي بعد ذلك، إلى غضب هانتغتون وعدم تقبله للعنوان في النسخة الألمانية. فالصراع أعم من كلمة الحرب وكذلك كلمة "المدنية" أعم وأشمل من كلمة "الحضارة"، هكذا قال أستاذ السياسة الأميركي لدار النشر الألمانية، ولكن دار النشر كانت لها حساباتها، فمضت في قرارها للأمام.
في صيف عام 1996 صدر كتاب (صراع الحضارات) بشكل متزامن على ضفتي الأطلسي، تقول غيزيلا آنا شتومبل ما يلي: " طيلة عملي لمدة 8 أعوام مع دار النشر تلك، لم أجد كتابا أحدث كل هذه الضجة والنقاش وأثار الجدل مثلما فعل ذلك كتاب صامويل هانتغتون. الصحافة الألمانية غطت على نزول الكتاب إلى الأسواق، وكانت أغلب التعليقات وردود الفعل سلبية، حيث كان الرفض هو السمة الطاغية للكتابات التي تعرضت لمؤلف هانتغتون الجديد". بدا الكل يرفض فكرة "صراع الحضارات"، وعدم تقبل وجود "حضارات بشرية" وهي تتصارع لدوافع وبواعث ثقافية لا غير. اليساريون اعتبروه عدوا للتعايش وللمجتمع "التعددي المنفتح"، وداعيا من دعاة فرض سيطرة الغرب وثقافته وطريقة حياته. مع ذلك ظل (صراع الحضارات) يحافظ على مكانه الأول في قائمة الكتب الأكثر مبيعا في ألمانيا. وعندما زار هانتغتون ألمانيا بغية عرض الكتاب والمشاركة في ندوات حوارية مختصة حوله، لاقى استقبالا حافلا وحشدا كبيرا من المتابعين والراغبين في رؤية أستاذ السياسة الأميركي والاستماع إليه بشكل مباشر. الاقتصادي الألماني هيلمار كوبار، رئيس البنك الألماني، أرجع الاهتمام الشعبي والرسمي والنخبوي بالكتاب إلى "رغبة الألمان الدفينة في خلق مخاوف كبيرة، والمضي قدما في الاستعداد لمواجهتها".  
في الولايات المتحدة خلق الكتاب الكثير من ردود الفعل، منها ما هو مؤيد، ومنها ما هو معارض ومخون، لكن في المحصلة الكل كان يريد اقتناء الكتاب وقراءته والتعرف على أفكاره وآراءه. بينما صار الكتاب مرجعا في العلوم السياسية والاستراتيجيا، وكان يعتبر المصدر الدائم لطلاب الجامعات، بل وحتى في المدارس العادية، كان يٌقرأ وتٌجتزأ منه فقرات يتم الاستشهاد بها وحث الطلاب على التفاعل مع أفكاره ومناقشتها. لقد تم ترجمة الكتاب إلى 26 لغة، وانضم رئيس وزراء سنغافورة والرئيس الروماني إلى النقاشات التي دارت حوله. أما هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، فقد مدح الكتاب وقال عنه بأنه "من أهم الكتب التي صدرت منذ نهاية الحرب الباردة". أما وزير الخارجية الباكستاني آصف أحمد علي، فقد عنفّ الكتاب وقال: " لا أجد فرقا بين هذا الكتاب المتضمن نظريات هانتغتون، وبين كتاب {كفاحي} لأدولف هتلر". الرأي العام والمزاج العام في فترة نهاية التسعينات كان رافضا للمصطلحات التي استخدمها هانتغتون في كتابه، وكان الاعتقاد بأن الصراعات التي تنهض بين أبناء الثقافات الواحدة هي أكبر وأخطر واكثر حضورا من الصراعات بين الثقافات والحضارات المتعددة. وكان الكل يمتعض من الزعم بوجود حالة عداء بين الحضارة الإسلامية والغرب، وكان الكثيرون يعتبرون بأن العداء والتربص الإسلامي بالغرب وتهديده، محض خيال و"أسطورة خطر" يٌراد لها أن تحتل مكان الخطر الشيوعي بالنسبة للغرب، بعيد فترة انتهاء الحرب الباردة.
وفي 11 سبتمبر/أيلول 2001 حدث الهجوم على أميركا وبدأت الأصوات الناقدة لنظرية هانتغتون تخفت. البروفيسور فؤاد عجمي، المختص بشؤون الشرق الأوسط، كان قبل ذلك قد كتب مقالا في مجلة (Foreign Affairs) سخر منه من تنبؤات هانتغتون في إمكانية أن يسيطر الإسلاميون على الحكم في مصر، أو تنحو تركيا منحى التشدد الديني، وتعطي ظهرها لمبادئ العلمانية. ولكن عاد الآن بعد 11 سبتمبر/أيلول ليكتب في صحيفة نيويورك تايمز: " لم أكن أؤمن بنظريات هانتغتون وتنبؤاته حول صراع الإسلام والغرب. كنت مخطئا". وكتب روبرت بندر: " إن الناس فهمت من كتاب هانتغتون إنه يدعو للعنف وللتصارع بين الحضارات، ولكن على النقيض من ذلك. الرجل حذر من وجود احتقان وطاقة كبيرة لظهور الصراع، وطالب بالعمل على تفاديه والحيلولة دون اندلاعه. لقد دعى هانتغتون إلى فهم الحضارات الأخرى والتفاهم معها والتحاور معها من أجل تهيئة فرص عيش مشترك أفضل في هذا العالم". في الفترة التالية، كانت إدارة الرئيس جورج بوش الابن تعتمد كثيرا على هذا "العمل" في الاستدلال على الصراع والاختلافات وضرورة النيل من الخصوم لإنقاذ "الحضارة من البربرية".ولكن هانتغتون رفض هذا الاستغلال لآراءه، وقال:" إن هذا الفعل يصب في خانة مساعي أسامة بين لادن في اعتبار أن هناك حربا بين الإسلام والغرب، وأن الغرب يضمر الحرب للدين الإسلامي، ولو نجح بن لادن في ذلك المسعى فستحل الكارثة". ومن المحتمل أنه لو كان هانتغتون حيا، وهو الذي توفي عام 2008، لأطلق نفس الكلام على الهجوم الإرهابي الذي طال باريس في 2015.
كان هانتغتون يحذر دائما الغرب من إهانة وجرح المشاعر الدينية والثقافية للآخرين. وكان يؤمن بأن الحضارات الأخرى لا يمكن لها أن تسير وفق التصور الغربي للحياة. وكلما توسع النقاش حول حيثيات كتابه، وطال الجدل الأفكار الفرعية والجزئيات، بدا أستاذ السياسة أقل حماسة للكلام حول الكتاب والتعليق على الآراء الواردة بحقه. اليوم من يقرأ كتاب (صراع الحضارات) الصادر عام 1996 سوف يندهش من توصيف هانتغتون آنذاك وتحذيره من "شباب الروك" المسلم في الغرب، أولئك الذين يتعلمون فن صنع "القنابل والعبوات الناسفة". كيف إنه حذر من تشظي وتجزئة أوكرانيا، والتي "ستأتي بعواقب أكثر دموية من عواقب تقسيم تشيكوسلوفاكيا". وكيف استشهد هانتغتون حينئذ بجنرال روسي قال بأن السنوات الخمسة عشر القادمة ستشهد رجوع شرق أوكرانيا إلى حضن روسيا. كيف عبرّ هانتغتون عن مخاوفه في أن تلجأ تركيا، التي تلهث خلف الاتحاد الأوروبي، إلى خلق مجموعة إسلامية وتحالف يضم دولا تنتمي لحضارة واحدة وقيادة هذا التحالف والاندماج فيه نكاية بالغرب وأوروبا التي ترفض استقبالها. كيف نظر هانتغتون إلى معاداة ألمانيا والغرب للإسلام وكيفية تزايد أعداد المسلمين في الغرب نتيجة موجات الهجرة الضخمة، وكيف أن التحذير سيظهر من "أسلمة الغرب" في وقت قريب.
نظرة هانتغتون للمستقبل وتنبؤه بالحوادث كانت سابقة لعصره وجديد تماما. لكن ما يهدئ النفوس ويثير فيها الراحة هو أن الرجل لم يكن نبيا. لكن يبقى السيناريو الخطير والتنبؤ الذي طرحه في منتهى كل أبحاثه حول احتمالية الصراع والحرب بين الصين والغرب، مفتوحا. يعتقد بسام طيبي بأن المجريات المعاصرة والتاريخ القريب يمنح الحق لهانتغتون ويؤكد جزءا كبيرا من نظريته. ويؤكد طيبي بأن الصراع بين الغرب والإسلام قد اندلع منذ زمن، وان الهجمات في نيويورك وباريس لم تكن سوى علامات تدل على وجود هذا الصراع. لكن طيبي يذهب بأن هانتغتون قد أستخف بعملية التحول لدى الحضارات، وأخطأ عندما ظن بأن الصراع بين جهتي العالم هو صراع ثابت ويمشي في مستقر واضح.
بسام طيبي مسلم معتدل، وهو يؤمن بأن الإسلام قابل للتغيير. هو يطالب المسلمين في الغرب بالاندماج وتطوير "الإسلام الأوروبي". أسمه موجود على لائحة الموت لدى الإسلاميين المتطرفين. طالب طيبي الغرب بضرورة إصلاح نظام وسياسة الهجرة والدمج. يعتقد طيبي بأن الحكومات والدوائر الغربية تعتم عليه وتتجاهل عمله ودراساته. لم يعد يعرف طيبي أين هو موطنه. ربما لأنه يعمل ويعيش هناك حيث تتأهب الحضارات للانقضاض على بعضها البعض...
* مجلة (Cicero) الألمانية المتخصصة في الثقافة السياسية.
 الترجمة: المركز الكردي للدراسات.   

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net