Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

حسين جمو
يؤدي الخلط بين المسارات المتباينة لتطور النقشبندية الكردية إلى إطلاق حكم موحد، غير دقيق، عليها، استناداً إلى مرحلتها الأخيرة في طاعة الدولة التركية. فهنالك مراحل قطع مع الماضي النقشبندي مرتين على الأقل بالنسبة لشمال كردستان. الأولى في عام 1925 بعد إعدام الشيخ سعيد بيران، والثانية مرحلة الجمهورية الثانية إثر انقلاب 12 أيلول 1980.

إشكالية "الدعم البريطاني"

إن العديد من المصادر المكتوبة حول الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وحتى ترسيخ أسس الجمهورية التركية قد اتفقت على تضليل القراء عبر ربط الحركة القومية الكردية، سواء بطابعها الديني أو القومي العلماني، بالسياسات الانكليزية. وهذا لا ينفي عدم وجود مراسلات ومحاولات من شخصيات كردية مع البريطانيين، او وعود غير جادة من بريطانيا للكرد تزامنت مع الجولة الاستطلاعية التي قام بها الميجر نوئيل في كردستان الشمالية عام 1919 برفقة البدرخانيين.
الواقع أن الدعاية التركية في ربط الحركات الكردية بمجملها، بما فيها شيوخ النقشبندية الكرد، مستقاة من اتصالات سيد طه مع البريطانيين على الأغلب. ولا يمكن النظر بحسن النية إلى كتابات الباحثين الروس حول القضية الكردية الذين حاولوا شيطنة الساعين للدعم البريطاني، يضاف إليهم الكتاب الكرد الذين تأثروا بالشيوعية ورأوا فيها خلاصاً. فالجهود التي قام بها عبدالرزاق بدرخان (اغتيل عام 1918 على أيدي الأتراك) لاستمالة الروس، وعلاقته الوثيقة بالقنصلية الروسية في تبريز لم يبلغها أي قائد كردي آخر مع بريطانيا بالمستوى نفسه (1).
وفي النتيجة استطاع هذا القائد الكردي من تحويل موقف عدد من الشيوخ النقشبنديين لقبول فكرة الدعم الروسي، وتجلى ذلك في ثورة بدليس عام 1914 والتي سبق ذكرها. لكن مع حرب الاستقلال وبروز خطر حزب الطاشناق الأرمني مجدداً فإن العلاقة الكردية التركية، في العموم، دخلت مرحلة الهدنة في مواجهة ما سمي بالخطر المشترك. والشخصية الوحيدة التي بقيت موالية للبريطانيين كان سيد طه عبر "لجنة راوندوز" التي سنأتي على ذكر أوجه من نشاطاتها.
في الواقع لم تكن هناك أية قوة دولية تدعم الكرد في هذه المرحلة، ولم تتعدى حالات الانفتاح على الكرد سوى مراحل مؤقتة دون أن تتصدر أولويات الدول الكبرى.
لقد تسببت مرحلة "الوجه الإيجابي" لمصطفى كمال بين عامي 1919 – 1923 بتشويش شامل للقطاعات الكردية المؤهلة للقيادة. وشمل هذا الأمر الجناحين الديني والقومي معاً. وتعد انتفاضة كوجكيري عام 1920 نموذجاً لثورة كردية كبيرة تُركت وحيدة لتواجه مصيرها في ربيع 1921. وبما أن نواة الثورة كانت من الكرد العلويين، فإنها لم تلقَ تضامناً من القبائل الكردية السنية ونخبها المدنية والاقطاعية حيث كان مصطفى كمال ما يزال ممثلاً لنوع من "السنية المشتركة بين الكرد والترك".

مرحلة التصفية

بدأ عهد الاتحاد والترقي منذ عام 1909 بسياسة مزدوجة. فهي استدعت النخب الكردية التي نفاها السلطان المخلوع عبدالحميد الثاني، ومن بينهم عائلة بدرخان وجميل باشا وسيد عبدالقادر النهري.والأخير انتخب رئيساً لمجلس الشيوخ في البرلمان العثماني.
من جهة أخرى وضعت الحكومة الأسس القانونية لحل التشكيلات الكردية المسلحة المتمثلة آنذاك بتشكيلات "الفرسان الحميدية". فبدأت بتغيير الاسم أولاً إلى "التشكيلات الخفيفة لفرسان العشائر الرحّل" ثم شرعت بملاحقة قادتها، وأبرزهم زكي باشا في دياربكر وابراهيم باشا الملي في ويرانشهر. وأدت الإطاحة بالإمارة الملية بشكل رسمي عام 1909 إلى انهيار آخر كونفيدرالية تعددية قومياً ودينياً. وبذلك حرمت سلطة الاتحاديين استناد القادة الكرد العائدين من المنفى بعد الاطاحة بالسلطان إلى القوة العسكرية الكردية المؤهلة للثورة. وباتت أداة التعبئة الميدانية مجدداً في أيدي شيوخ النقشبندية الذين هادنتهم السلطة في الحرب العالمية الأولى من أجل الاستفادة من فتاوى الجهاد وحشد المتطوعين للقتال على الجبهة الشرقية.
في بداية تسلم الاتحاديين السلطة اتبعوا سياسة داخلية مضطربة. فتارةً يحاولون إثبات المساواة بين المسلمين والمسيحيين، وتارة أخرى يتدخلون لصالح المسلمين في النزاعات الداخلية. وارتاب منهم الكرد رغم تلقي هذه الحرمة دعماً كبيراً بداية خلع السلطان في 1909. بعد اغتيال الصدر الأعظم محمود شوكت باشا (الشيشاني المنحدر من عائلة مماليك العراق) سنة 1913 خلا الطريق أمام الانكليز لفصل الولايات العربية عن الدولة العثمانية، حيث كان محمود شوكت بمثابة صمّام أمان الوحدة بين العرب والترك. إلا أن التركيبة الاجتماعية الجديدة للسلطة حملت معها قوىً جديدة وأزاحت قوىً قديمة. فإلى جانب الماسونية (ذات الوجود العلني حينها) "استعان الاتحاديون بالجماعات الصوفية.. ولئن كانت أغلب الجماعات الصوفية ميالة لمساندة السلطان عبدالحميد فإن بعضاً منها كانت معارضة له، ولمجمل النظام السياسي في الدولة العثمانية. أقوى جماعة بينها كانت البكتاشية ثم الملامتية والمولوية. وكان عدد كبير من أعضاء الاتحاد والترقي منتسبون لهذه الطرق (2 ).
وبينما كانت النقشبندية الكردية على خصومة مع السلطة زمن السلطان عبدالحميد، فقد ازداد النفور في عهد الاتحاديين.
كردياً، بات سيد عبدالقادر النهري من أعضاء الاتحاد والترقي، وتمكن من عقد تفاهم بين الأرمن والكرد في "وان" في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1909. ومن ضمن التفاهم الذي نقلته القنصلية البريطانية في "وان" تعهد الكرد بإعادة الأراضي التي يملك الأرمن وثيقة "طابو" الملكية (3 ).
لم تمر فترة الربيع القصير لحكم "تركيا الفتاة" دون توترات مع القادة الكرد رغم التوافق بين الطرفين على العمل معاً من أجل طي صفحة السلطان عبدالحميد. وما كان ذلك ممكناً في كردستان بدون هذا التعاون. وسرعان من ظهرت مشكلات داخلية بين القادة الكرد. واستمر هذا التناقض في المسيرة اللاحقة للقومية الكردية حتى نهاية عام 1925 الذي يمكن، بدون جدال، اعتباره بداية تاريخ انفصال الدين (النقشبندية) عن القومية الكردية. هذا الخطان: "النقشبندي والأميري" عملا سوياً حتى عام 1925، وفي الوقت نفسه تركا ثغرات كبيرة للسلطات التركية أو القوى الأجنبية بإفساد الكثير مما كان يمكن تحقيقه. ووصل الأمر إلى الخلاف على "خرائط كردستان" بحسب ما إذا كانت تشمل مناطق القادة السياسيين أم لا. وهناك عامل آخر قلل من التأثير الفعلي للتيارين الديني (النقشبندي) والأميري (البدرخاني)، وهو عودة زعماء الإقطاع كقوة أكثر ارتباطاً بالمكان مقارنة بالآخرين.
أربكت سنوات الحرب العالمية الأولى المراجع النقشبندية في كردستان. فانقسموا على أنفسهم، وتقلصت المساحة الجغرافية لـ"الطاعة" بالنسبة للشيوخ. ولم تتحول إلى مرجعية يمكن الاستفادة من مواقفها في لحظات التوافق مع القومية. فحين بدأ عبدالرزاق بدرخان العمل مع الروس أرسل القوميون وبعض زعماء العشائر الرسل إلى الشيوخ، ومن بينهم الشيخ "محمد زوقيدي" النقشبندي الذي رد على جميل جتّو (وهو آغا من غرزان) بالقول: "والله يا جميل قد بلغتُ الـ70 عاماً، ولم يعد باستطاعتي أن أجلب جيش الروس على شرف المسلمين. لكن لأنكم تريدون تأسيس دولة لكم، فافعلوا. لكنني لن أتدخل بأمركم" (4 ).
وموقف الشيخ محمد مثال على أن كتلة من الشيوخ اتخذت طرف الحياد دون أن تقف في وجه الثورات.
إلا أن الكلمة العليا لم تكن لهذه الفئات الثلاث في نهاية الأمر (الآغوات والشيوخ والأمراء)، بل للطبقة الدنيا المكونة من الفلاحين والفقراء والمهمشين والمطرودين من حماية أصحاب النفوذ. وثبت خلال النصف الأول من القرن العشرين أن الفئات الثلاث فشلت في حشد ما كانت تتوقعه من الأنصار في كل تحركاتها بسبب عدم وعيها بالتغيرات البنيوية الاجتماعية، باستثناء وحيد تمثل بالشيخ سعيد النورسي (1877-1960) كما سيتضح لاحقاً، ولم يوظف طاقاته مطلقاً لخدمة الشعب الكردي إلا على وجه العموم ضمن إطار "المسلمين". وتعد حملة التهجير الأولى، في العمق، التي بدأها الاتحاد والترقي ضد الكرد عام 1916 وشملت 700 ألف كردي إلى غرب الأناضول انعكاساً لهذا التحول الاجتماعي، أي ظهور بوادر قوة مستقلة من عوام الكرد.  

في تلك الظروف القلقة، الحافلة بغير المتوقع، بدت حركة الوعي القومي الكردي تستمد قوتها ووحيها من مصدرين متناقضين. أولهما من طرفٍ موالٍ للترك نابع عن مشاعر دينية مدعمة بعناصر تحرص على وحدوية العالم الإسلامي وتعمل بتعاون مع الموظفين والمكلفين بالخدمات العامة في دوائر الدولة ومن ضمنهم ضباط الجيش، وهؤلاء من الفريق المعادي للبريطانيين أصلاً. وثانيهما الفريق الآخر الذي لا يوالي الترك ويضم خليطاً من العلمانيين والمتدينين، ويطمح إلى استقلال كردي أو حكم ذاتي، ويرعاه القوميون الكرد في كل مكان.
على مستوى آخر من التصنيف السابق كان الفريق الموالي للترك يرفض إقامة دولة أرمنية وينظر بعداء شديد للروس، ومستعد للتضحية بأي دولة كردية في سبيل منع الأرمن من إعلان دولة بجوارهم. فيما كان الفريق القومي لا يعارض وجود دولة أرمنية جارة، ولو كانت على جزء من الأراضي المفترضة للدولة الكردية. وكانت معاهدة سيفر 1920 نتاجاً لجهود التيار الثاني، فيما لوزان 1923 ترجمة موضوعية لتوجهات التيار الأول.  
راهن البريطانيون لفترة مؤقتة على التيار المتحالف مع الأرمن بقيادة عائلة بدرخان، وبناء عليه ظهر مقترح في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 1919 بخلق دولتين كرديتين، بناء على توصية الحاكم المدني للعراق آرنولد ولسون ووزير شؤون الهند مستر مونتيكو. واللافت أن دياربكر لم تكن ضمن هذا المشروع الذي وضع تفاصيله عائلة بدرخان ممثلة بأمين عالي وأقاربه الأمراء.
مع مطلع حرب الاستقلال بدءاً من عام 1919 يحسم الجنرال الكردي شريف باشا وسيد عبدالقادر وأمين عالي بدرخان مواقفهم لصالح بريطانيا بعد سلسلة من المراوغات التركية. فقد أدى التدخل الروسي في شمال كردستان إلى ربط القضية الكردية ببريطانيا التي بقيت لوحدها في الساحة.
إن التدخلات الروسية من جهة، وعدم حسم بريطانيا موقفها من جهة أخرى، دفعا بالنخب الكردية إلى وضع أملهم وراء بريطانيا. ولهذا الغرض عقد شريف باشا عام 1919 ميثاق تعاون وتحالف كردي أرمني مثّله هو عن الطرق الكردي و بوغوص نوبار باشا عن الطرف الأرمني (5 ).
والواقع أن برقية بريطانية مؤرخة بتاريخ 8 كانون الثاني/ يناير 1919 نقلت وقائع لقاء حاسم بين سيد عبدالقادر النهري والمسؤول البريطاني للجنة الحلفاء في اسطنبول، وجاء فيها:
جاءني عبدالقادر زائراً صباح هذا اليوم. وذكر أن الكرد في الوقت الحاضر يجدون أنفسهم في موقف صعب للغاية. لا، بل في موقف تكتنفه الأخطار كما قال. فحزب الوفاق الحر الذي يقوم فريد باشا على رأسه يعمل ليحل محل الحكومة الجديدة. وقد قدم للكرد عروضاً في غاية الكرم والسخاء في نظره. ووعدوا على ما فهمت منه بما يرقى إلى حكم ذاتي تام تحت الحماية التركية.. من جهة أخرى فإن الحكومة الحالية عرضت عليه مقترحات حول منح الكرد إدارة ذاتية بموظفين كرد، لكنها تبني في الوقت عينه موقفاً استفزازياً معادياً منه ومن إخوانه (رفاقه) في القسطنطينية. وفي الوقت عينه زادت خطورة مصطفى كمال، وهو (أي عبد القادر) يشعر بقلق عظيم كبير بما سيقدم علي هذا (أتاتورك) بالتعاون مع الأذربيجانيين.. وإن الثمن الذي وجب على الكرد دفعه لعرض حزب الوفاق الحر هو أن يقفوا ضد مصطفى كمال. وقال عبدالقادر إنه يريد أن يختار لنفسه سبيلاً يتفق تماماً مع خط الحلفاء لا سيما انكلترا، لأنه يعتبر أن مصير كردستان مرتبط ارتباطاً وثيقاً ببريطانيا العظمى أكثر بكثير من ارتباطه بأي جهة أخرى من الحلفاء" (6 ).  
في الرسالة نفسها والتي حملت توقيع "ت.ب.هوهلر – سكرتير المندوب السامي"، يطمئن المسؤول البريطاني الشيخ عبدالقادر النهري بالقول: "المعلومات التي وصلت لجلنة الحلفاء العليا كانت تشير إلى دبيب الضعف في حركة مصطفى كمال فلا داعي للخشية منه". ويضيف: "استفسرت منه: هل إن المواجهة التي يتطلبها حزب الوفاق (المعارض لمصطفى كمال) منكم للوقوف ضد مصطفى كمال تتضمن استخدام القوة؟ فأجاب بالإيجاب. فلمّحت له: إن ذلك لا يبدو ضرورياً نظراً إلى ضعف حركته" ( 7).
إن هذه البرقية في غاية الأهمية كونها تشير إلى تطمينات مضللة وخادعة من البريطانيين للقادة الكرد. لم ترغب بريطانيا في تحدي الكرد لمصطفى كمال. لكن يمكن الفهم من سياق الأحداث أنّها كانت تتفهم صعود نجمه، وأنه الرجل الذي يمكن التفاوض معه حول كافة المسائل. وتجلى ذلك لاحقاً في تنصل كمال أتاتورك ورفاقه من بنود الميثاق الملّي الذي تضمن إقراراً ببنود مؤتمري أرضروم وسيواس (1919)، وفيهما اعتراف بالحكم الذاتي الكردي ووحدة كردستان ضمن الدولة التركية الجديدة. وهذا التراجع عنى بداية التخلي عن ولاية الموصل لصالح بريطانيا.

مصطفى كمال منتصراً

عاد فريد باشا، وهو من معارضي مصطفى كمال، إلى رئاسة الحكومة التركية في أبريل/ نيسان 1920، ووقع على معاهدة سيفر في أغسطس/ آب 1920 والتي أقرت حق الكرد في إجراء استفتاء لتقرير المصير. وهي الاتفاقية التي فجرت خلافات بين القيادات الكردية بسبب تقديم شريف باشا خريطة لكردستان لا تتضمن ولاية "وان". قبيل توقيع المعاهدة شنت حكومة فريد باشا هجوماً عسكرياً على قوات مصطفى كمال مستخدماً القوات الكردية في منطقة دياربكر وخربوط وموش بالتنسيق مع والي خربوط غالب بك وسيد عبدالقادر. إلا أن عبدالقادر كان قلقاً على سمعته من وراء تعاونه مع فريد باشا (8 ).
في هذه الأجواء انقسمت المراكز النقشبندية بالتوازي مع انقسام القوميين والآغوات. فقسم منهم يحالف المعارضين لكمال أتاتورك والسلطان وحيد الدين. وقسم آخر يقف بثبات مع خطط القوميين الكرد. وآخرون على الحياد، فضلاً عن المشوشين ومنهم سيد عبدالقادر.
الواقع أن هناك الكثير من الشكوك حول نوايا مصطفى كمال في تلك الفترة. وبث الكماليون في فترة لاحقة دعاية مفادها أن مصطفى كمال كان إيجابياً تجاه القضية الكردية حتى عام 1923، وهو رأي يتبناه القائد الكردي الأسير عبدالله أوجلان في العديد من مؤلفاته الأخيرة. لكن الصحيح أيضاً أنه يتعذر الحكم سلباً على مصطفى كمال إذا اكتفينا بالاستناد إلى الوثائق والتصريحات المنشورة له في تلك الفترة. فقد كان إيجابياً في مؤتمر أرضروم (1919) وحتى نهاية حرب الاستقلال عام 1923، لكن ليس من الحكمة إبعاد احتمال أن هذه الإيجابية الظاهرية كانت رداً على خطط خصومه الأكثر سخاءً للكرد. ففي يناير كانون الثاني 1920 حاول الباب العالي توحيد مختلف القوى التركية من المسألة الكردية. وشارك في الاجتماع ممثل عن مصطفى كمال فيما كان الأمير عبدالرحيم أفندي ممثلاً للسلطان محمد الخامس. وتذكر برقية بريطانية أنه أثناء مناقشة القضية الكردية "أيّد عبدالرحيم كردستان المستقلة المرتبط مع تركيا بروابط سياسية واقتصادية وثقافية. وقال إن كردستان بوسعها أن تصبح أفضل ممر بين تركيا والمسلمين في بلدان القفقاس" (9 ).
وألمح فريد باشا قبيل توقيعه على معاهدة سيفر أن القوى الدينية الكردية تعادي مصطفى كمال بسبب الميول البلشفية للأخير (10 ).
وكان الباب العالي ينشر دعاية قوية بين الكرد بأن مصطفى كمال ملحد وكافر. وبالتالي، يمكن في هذه النقطة إعادة النظر في خريطة الولاءات النقشبندية الكردية. فمن الواضح أن مصطفى كمال لم يكن يحظى بتأييد كبير بين الأوسط الدينية الكردية. مع ذلك، شكلت القضية الأرمنية قاعدة مشتركة بين مصطفى كمال و عدد من العشائريين الكرد، خصوصاً المتورطين في مذابح 1915.   
والفرضية المستبعدة من الرؤية الكردية خلال هذه الفترة ما قبل انتصار مصطفى كمال في حرب الاستقلال هو أن التخلي البريطاني عن الكرد كان ثمرة انتصار موظفي "الهند البريطانية"، وعلى رأسهم المندوب السامي في العراق أرنولد ويلسون وقبله برسي كوكس، اللذان عارضا بشدّة كافة خطط دعم دولة كردية من قبل "حكومة لندن" والتي يقودها لويد جورج مع وزير الخارجية اللورد كرزون. ويبدو أن "الانكليز الهنود" قد أخذوا من اسماعيل سمكو عينة قاموا من خلال تصرفاته بتكوين فكرتهم عن الكرد، وبالغوا في تصوير تصرفاته السلبية. وكان سمكو دموياً متقلب المزاج، ووصفته سكرتيرة المندوب البريطاني في العراق غرترود بيل بأن مسائل تافهة تشغل تفكيره، وسخرت من شخصيته. وكانت تعلق على رسالة بعثها سمكو إلى الحاكم المدني في العراق أرنولد ولسون، كانت الرسالة تتمحور حول تعرض سمكو لمحاولة اغتيال (11 ).
وكانت كردستان إيران قد خرجت سريعاً من المخططات البريطانية إثر رفض الزعماء الكرد توطين اللاجئين الآشوريين والأرمن في أورميه. وكان للشيخ النقسبندي سيد طه دور تحريضي كبير في إحباط هذا التوطين.
إن سنوات الإرشاد الديني النقشبندي في شمال وشرق كردستان قد تعمقت في النفوس. فبات جزء كبير من الحراك الكردي مقترناً بالمخاوف من مخططات بريطانيا إعادة الآشوريين والأرمن إلى مناطقهم، خصوصاً في كردستان الوسطى والشرقية. وهو ما حدث على سبيل المثال في 23 أيار/ مايو 1919 حين انتفض الكرد في شرق كردستان وألقوا القبض على حاكم سلماس وحاصروا مدينة خوي. "وقيل إن سبب ذلك انتشار الإشاعة بأن البريطانيين والفرس على وشك إعادة اللاجئين المسيحيين إلى أماكنهم، وبمحاولة لمنع ذلك يبدو أنهم استنجدوا بكل من (القائد العثماني) جاويد بك، قائد الفرقة الحادية عشرة في القفقاس، وحيدر بك ، والي وان، وهو من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي السابقين. وقد اشتهر بسمعته السيئة وعدائه للبريطانيين والمسيحيين" (12 ).
في النهاية، أسفرت خطط حكومة لندن التي تنظر بالحد الأدنى من التعاطف إلى  الكرد عن معاهدة سيفر، بينما أدت سياسات "إدارة الهند البريطانية" إلى مؤتمر القاهرة عام 1921 التي رسمت معالم السياسة البريطانية في كردستان، ثم معاهدة لوزان عام 1923.
كانت النقشبندية الكردية في واقع الأمر تنظر – بالتنسيق مع الحركة القومية –  بعين الأمل إلى "حكومة لندن"، وبكثير من الغضب إلى "وزراء الهند البريطانية". اصطدمت مشيخة بارزان بادئ الأمر بموظفي الهند البريطانية، ولم يكن هناك من مجال للتفاهم رغم العداء بين المشيخة والسلطات العثمانية. فقد حسم البريطانيون مبكّراً بأن الشيخ أحمد البارزاني وأتباعه يمثلون الرجعية الدينية. وشكلت غارات قبيلة السورجي، التي تتحرك بأوامر المشيخة النقشبندية المحلية للعشيرة، على البريطانيين في أربيل تأثيراً سلبياً آخر في تسهيل انتصار رأي موظفي الهند البريطانية بأن غالبية الكرد متقلبون ولن يترددوا في الانضمام لتركيا لحظة. فتكاملت الضبابية الكردية وغياب قيادة صلبة لها مع الرغبة البريطانية في التخلي عن الخطط الخاصة بإقامة الدولة الكردية.
على مستوى تركيا، كان قسم كبير من النخب الكردية مرتبطاً بالباب العالي والسلطان ضد الحركة الكمالية. لكن في العموم، حتى النقشبندية الموالية لبريطانيا لم تتسامح مع الأرمن والآشوريين. وبقيت حاجزاً مزعجاً أمام إعادة تطبيع الأوضاع في هذه المنطقة المختلطة دينياً. ويضاف إلى ذلك أن الأتراك لعبوا لعبة في غاية الدهاء والمكر.
احتجاج مصطفى كمال أن يقول للانكليز أن السكان الكرد لهم "تمثيل كامل" في المجلس الوطني التركي من أجل دفع بريطانيا إلى التخلي التام عن مساندة أي مسعى كردي. لذلك كان في المؤتمر الوطني في عام 1920 يمثل الكرد 72 نائباً. وهو ما تفاخر فيه وزير خارجية حكومة المجلس الوطني (الموالي لأتاتورك)، بكر سامي بك، أمام رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج، في مفاوضات مؤتمر لندن للصلح بين بريطانيا وتركيا ربيع عام 1921 بهدف إلغاء مواد معاهد سيفر. وكان بكر سامي شركسياً.
انتفض الكرد ضد الدولة التركية في ثورة كوجكري في 1920 وحتى مارس/ آذار 1921. وكان الطابع الشوفيني لمصطفى كمال في قمع الثورة صادماً، مستخدماً أقلية اللاز.

التلاعب البريطاني بتركيا

راقبت بريطانيا تطور الحركة القومية الكردية بشقيها البورجوازي والديني، واستخدمتها في اللحظة المناسبة في وجه تركيا ووضعتها بين خيارين: إنقاذ الجمهورية مقابل الموصل. وهي القاعدة التي بنى عليها عبدالله اوجلان معظم تحليلاته الخاصة بهذه الحقبة.
خلال فترة الغموض السياسي بعد 1918 خرجت النقشبندية الكردية في شمال كردستان من "التكية" واندمجت مع الحركة القومية الكردية بشكل غير مسبوق. حتى "سيد طه النهري" الذي استمر في موقعه الديني فقد اضطر في النهاية إلى تبني المطالب القومية الكردية – وإن كان ذلك بطابع إسلامي – من مقره في راوندوز، غير أنه لم يتحالف مع النخبة السياسية الدينية التي كان يقودها عمه سيد عبدالقادر، والأمراء بقيادة آل بدرخان وشريف باشا.
وكمدخل لتهرب بريطانيا من دعم المطالب الكردية فإن ممثليها كثفوا من تذكير القادة الكرد بـ"الانشقاق وعدم الاتفاق بين الكرد". وهي مجرد ذريعة. فالقادة الكرد كانوا في الواقع أكثر توحداً – رغم الخلافات – لدى المقارنة مع القيادت التركية التي كانت في حرب داخلية طاحنة بين أجنحتها المختلفة.  
خلال هذا الوقت لم يكن هناك أي دور للشيخ سعيد بيران. حتى أن اسمه لا يرد ضمن أعضاء الجمعيات الكردية السابقة. لا في لجنة راوندوز التي شكلها سيد طه، ولا جمعية "تعالي كردستان". لكن ظهر اسمه في لجنة آزادي عام 1923. والمرجح أن آل بدرخان وسيد عبدالقادر هم الذين كانوا وراء إبراز شخصية سعيد بيران بسبب الطاعة التي كان يحظى بها وسط مريديه في مناطق الكرد الزاز (السنة) شمالي دياربكر.  
 لم تكن توجهات الشيخ سعبيد بيران النقشبندي ذات صيت سيء على الإطلاق لدى جيرانه العلويين الكرد. غير أن مقامه الديني وصفته النقشبندية كانتا كافيتين ليرفض زعماء عشيرتي هورماك ولولان العلويتين من الاشتراك في ثورته. خصوصاً بسبب ثارات كبيرة لهما مع قبيلة جبران الذين كانوا القادة الفعليين للثورة. وكان العلويون الكرد قد تعرضوا لمقتلة كبيرة في ثورة كوجكري بين خريف 1920 وربيع 1921 بدون أي مساندة من العشائر السنية و شيوخ النقشبندية. وفضلاً عن ذلك، من الصعب أن ينخرط الكرد العلويون في ثورة ترفع شعار كردستان وتربطها بعودة الخلافة.
إن تسليم راية قيادة الثورة للشيخ سعيد بيران لا يعدو كونه تكتيكاً من الزعماء القوميين، المدنيين والعسكريين، في سبيل حشد التأييد. لم يكن الضابط العسكريون يمتلكون التأثير الشعبي الذي يوازي شيوخ الدين ولا يتحدثون بلغة خطاب عامة السكان. وقلصت عمليات النفي المتكررة من هامش حركة البرجوازية الكردية داخل كردستان وقطعت صلتهم المباشرة بالمنطقة.
أعاقت طبيعة القيادة النقشبندية للثورة تلقي المساعدات الإقليمية. وهناك حالة واحدة موثقة تشير إلى ما هو أكثر من ذلك. فقد رفض الشيخ سعيد بحزم مساعدات سخية "قدمها الأرمن والمسيحيون في حلب وأرضروم" ( 13).
أعدم سيد عبدالقادر بعد فشل ثورة شيخ سعيد بيران في صيف 1925 مع خالد بك جبران. وكان يرأس جمعية "تعالي كردستان" التي انقسمت عام 1920 بسبب إعلان الشيخ النهري بأن "الكرد مرتبطون بالخلافة".
كانت ثورة سعيد بيران عام 1925 آخر محاولة للعمل في الفراغ الثمين الذي كان يسود تركيا. لكنها من جهة أخرى كرّست الانفصال بين الحركة النقشبندية والحركة القومية في كردستان الشمالية. وهذا الانفصال أسفر عن فقدان النقشبندية طابعها الكردي الذي لازمها منذ التأسيس الأول للطريقة في كردستان عام 1811 بجهود مولانا خالد.  
قبيل ثورة آرارات قام تيار سيد طه النهري النقشبندي بآخر مساهماته في الحركة القومية الكردية حين رفض الاتفاق الاستراتيجي بين جمعية خويبون الكردية بقيادة جلادت بدرخان وحزب الطاشناق الأرمني.
اعترضت لجنة رواندوز بقيادة سيد طه الاتفاق بين خويبون والأرمن. وكانت اللجنة التي هي عبارة عن تجمع زعماء ومشايخ، تضم أسماء بارزة مثل الشيخ عبدالرحمن أفندي (شقيق الشيخ سعيد بيران) والشيخ علي رضا (ابن سعيد بيران). كما بقيت على علاقة وثيقة مع حاجو آغا.
طرح سيد طه فكرة محوّرة سبق وطرحها السلطان عبدالحميد الثاني. فقد دعا الشيخ إلى تشكيل "الجامعة الإسلامية" ضد الأرمن. فارتيابه الشديد من هؤلاء الجيران أدى إلى فشل مساعي الأمير جلادت بدرخان في نيل موافقته على الاتفاق مع الطاشناق. وقد زاره الأمير وبرفقته فاهان بابازيان الأرمني في راوندوز. لكن سيد طه وافق على استقبال جلادت بدرخان لوحده، ولم يتوصلا إلى اتفاق. وأطلق الشيخ على عائلة بدرخان اسم "بدرخانيان" واتهمها بأنها "باعت كردستان للأرمن" (14 ).  


نقشبندية الجمهورية التركية


في الربع الأول من القرن العشرين تمت تصفية طبقتين من النقشبندية. الأولى الطبقة الأكثر كردستانية، رغم ميولها الدينية، وقادها ملا سليم بدليسي والشيخ شهاب الدين خلال ثورة بدليس عام 1914. فيما بقيت طبقة نقشبندية أخرى مشوشة تجاه هذه الأحداث، لكنها حسمت موقفها في عام 1925 مع الشيخ سعيد بيران، وتمت تصفيتها هي الأخرى.
عام 1925 أغلقت تركيا التكايا الصوفية وأنهت بذلك نحو قرن من العلاقة غير المستقرة مع النقشبندية الكردستانية. أثّر قرار الإغلاق بشكل كبير على ممارسة الطقوس في الطريقة القادرية إلا أن تاُثيرها كان محدوداً على النقشبندية. ذلك أن الأخيرة شرّعت منذ تأسيسها إلى عدم الالتزام بممارسة طقوس الذكر في التكايا.
اختتمت النقشبندية الكردية المتمردة مسيرتها بثورات متتالية في الربع الأول من القرن العشرين. فمن ثورة بدليس عام 1914 وثورة الشيخ عبدالسلام البارزاني في العام نفسه، إلى ثورة الشيخ سعيد بيران. فشلت الثورات الثلاث في إرغام الدولة على تحقيق مطالب هذه الحركات. وقد نفذ حكم الإعدام على القادة الثلاثة. إلا أن مشيخة بارزان نجت من الخطط اللاحقة للدولة التركية بسبب إلحاق جنوب كردستان بالدولة العراقية، وهذا ما سيضمن لها مساراً منفصلاً ضمن لها الاستمرارية.
على الرغم من النزعة الكردستانية للنقشبندية إلا أنها كانت في الوقت نفسه أشبه بالمصيدة. فمن ناحية لم تكن تقدمية اجتماعياً مقارنة بالطروحات النظرية للجمهورية التركية في المحافل الدولية، ومن جهة أخرى كانت الأداة الوحيدة لحشد الكرد ضد الدولة القومية التركية.

الفخ الجديد: الحزب الديمقراطي


أتاحت حملة تصفية النقشبندية الكردية خيارات جديدة أمام الدولة الجديدة. فتم العمل بعد سنوات على دعم شخصيات محددة مرتبطة بالسلطة، ولاحقاً أتاح ذلك فصل النقشبندية عن أي مطلب كردي، لتتحول إلى أداة مدمّرة للوعي بالتمايز القومي. وفيما سيّرت الدولة أيديولوجيا علمانية في غاية التطرف حتى عام 1950 أدت الطرق الصوفية الملحقة بالدولة وظيفة إبقاء شعار "كلنا مسلمون" فعالاً بين عامة الكرد في سبيل مسح شعار "كردستان للكرد" التي كانت لها أصداء في التكايا الصوفية قبل ذلك. ومع تسلم الحزب الديمقراطي السلطة عام 1950 كان حزب الشعب الجمهوري والعصبة الفكرية للقومية الطورانية قد أنهت برامجها في فرض قطيعة ثقافية بين الكرد وماضيهم. وحين فتح الحزب الديمقراطي الباب أمام الكرد فقد قبلهم بصفتهم أتراكاً. فيما كان إقبال الشرائح الكردية على السياسة من بوابة هذا الحزب من منطلق مغاير ومخدوع فقد اعتقدوا أنهم يسدون الطريق أمام النموذج السلطوي السابق الممثل في الأتاتوركيين. والواقع أن تشريع إينونو للتعددية الحزبية عام 1947 كان توجهاً دولتياً وفيه إنكار للذات الحزبية في سبيل استيعاب الشرائح المستبعدة من السلطة. لقد أوهم الشرائح الغاضبة أنه وقت الانتقام من العلمانية! وتم ذلك عبر الحزب الديمقراطي الذي اعتمد بشكل كبير على النقشبندية التي تخلت عن كردستان بعد سلسلة التطورات والتحولات وتصفية الطبقة القديمة. لكن، قام الحزب بنقل مركز الطريقة من عمق كردستان الشمالية إلى طرفها الغربي الحدودي مع الأناضول، مدينة أديامان، ومنها حظيت الأسرة الأرواسية برعاية الدولة.
عمل الحزب الديمقراطي بقياد رئيس الوزراء عدنان مندريس أداة خلفية لأيديولوجية الجمهورية التركية. ولم يتررد في "التعامل بقسوة مع أعضاء الطريقة النقشبندية والقادرية والتيجانية في عام 1951 بعد أن شُوّهت عدة تماثيل وأخرى نصفية لأتلتورك الموجودة في كل بلدة تركية. وأوقف حزباً ديمقراطياً إسلامياً في عام 1952 باعتباره غير شرعي، كما حدّ من نشاطات النورسية طوال فترة الخمسينات" (15 ).
إن السياسة التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية منذ تسلمه السلطة عام 2002 ترجع جذورها إلى الحزب الديمقراطي. فقد وصلت السلطة إلى قناعة منذ ذلك الحين إلى أن الإبادة الناعمة لكردستان لا تكون سوى عن طريق أيديولوجيا الإسلام منزوعاً عنها القومية. "ومن السخرية بمكان أنه في الوقت الذي تمّ فيه الحد من الطرق الدينية في إيران والعراف خلال الخمسينات ولم تتلق أي تشجيع من الدولتين، فإن الدولة في تركيا العلمانية ساعدت على إحيائها سياسياً ودينياً مانحة الدعم المالي والمعنوي للشيوخ الأكراد. لهذا كان الأكراد السنّة يشعرون أنهم قريبون من الأتراك السنّة أكثر من الأكراد العلويين، وهو عامل أعاد الطمأنينة إلى قلوب الكثيرين في المؤسسة التركية" ( 16).
في الوقت نفسه جذب الحزب الديمقراطي شبكة من الآغوات الذين أبعدهم حزب الشعب الجمهوري وهمّشهم. وعندما فاز في الانتخابات عام 1950 "كانت نسبة كبيرة من أصواته من هذه الدائرة الانتخابية، حيث شكل الآغوات المنفيون فيما بعد عنصراً بارزاً في المجلس القومي الأعلى (البرلمان)" (17 ).
وبدفاع الحزب الديمقراطي عن الملكية الخاصة، خصوصاً الأراضي، مستنداً على آيات من القرآن وأحاديث نبوية، انتعش الآغوات من جديد بعد تخلصهم من البرامج ذات الطابع الاشتراكي (ظاهرياً) لحزب الشعب الجمهوري. "وفي انتخابات عام 1954 حصل الديمقراطيون على 34 مقعداً من أصل 40 مقعداً في كردستان" (18 ).

النورسي.. إخلاص مع حسابات خاطئة  


إلى جانب التيارات النقشبندية التركية، نمت النورسية كاتجاه مستقل عن النقشبندية ومتطور عن القادرية. وكانت قاعدة شعبية انتخابية للحزب الديمقراطي الحاكم بين 1950-1960. وكان سعيد النورسي أنشط الدعاة في عصره، وأسلوب الدعوة لديه لم يتفوق عليه أحد من معاصريه. وهذا النشاط المتناقض مع طروحات النقشبندية الكردستانية المشوّشة في ذلك الحين قد ترك أثراً سلبياً في قدرة المراجع الكبيرة على جمع كلمة الكرد خلف راية واحدة. فجولة النورسي بين عشائر كردستان البدوية عام 1910، وإجاباته عن الأسئلة التي تلقاها في الاجتماعات مع أبناء العشائر توضح المقدرة الفائقة له في إقناع محاوريه مهما كان مستواهم المعرفي. لكن تركيزه كان مسكوناً بهاجس استيلاء الأرمن والروس على كردستان، لذلك انحاز بلطف إلى جانب السياسات البريطانية في الفترة التي يسميها هو "سعيد القديم" (19 ).
اتخذ سعيد النورسي موقفاً سلبياً من أشهر تمردين كرديين في الربع الأول من القرن العشرين اندلعتا في بيئة دعوته: 1913 – 1925. بل إنه قرر الانضمام إلى اللجنة السرية لـ"تركيا الفتاة" بعد قمع محاولة ملا سليم احتلال بدليس حيث كان النورسي في المدينة حينها، ولعب دوراً سلبياً في هزيمة هذه الحركة التي كانت تساندها عائلة بدرخان. وفي هامش الكتاب الذي يتناول سيرته الذاتية ذُكِر أنه حال دون انضمام عشائر "بيت الشباب" إلى تلك الثورة (20 ).
تلخصت فلسفته السياسية حتى قيام الجمهورية في أن الصبر على فساد الاتحاد والترقي، ثم الجمهورية، أقل ضرراً وفق خلاصات إجاباته المنشورة في ثنايا "كليات رسائل النور".
لكن مهما يكن، فإنه لا يمكن تصنيفه ضد الحركة القومية الكردية بشكل مباشر، ذلك أن في فكره ما يدل على حرصه على مصلحة كردستان والارتقاء بالعشائر والمجتمع وفق مرحلة زمنية أطول من تلك التي كانت تطرح في حينها بشكل ثوري. حتى رفضه المشاركة في ثورة الشيخ سعيد أوضحها بنفسه لاحقاً أن مثل هذه الخطوة كان محكوماً عليها بالفشل مسبقاً وألمح بأن الظروف لم تنضج للقيام بمثل تلك الثورة.  وسواء كان ما يقوله ذريعة للتهرب أم قناعة راسخة فإنه لم يفرط باستقلاليته ولم يتحول إلى أداة للدولة إلا في سنوات الحزب الديمقراطي (1950 – 1960) بدوافع مناهضة الإلحاد.
حمل سعيد النورسي (ذو الخلفية القادرية النقشبندية المشتركة) العديد من الصفات الاستقلالية التي امتاز بها مولانا خالد النقشبندي، لكن بحسابات خاطئة للغاية زمنياً. وكلفه ذلك سنوات من السجن ثم الدفن في مكان مجهول عام 1960. هنا استولى العقل الأمني التركي على هذه الطريقة وقام بتفكيكها هذه المرة من الداخل، وتفريغها من مضمونها الكردي "الكامن" باستيلاء الشاب الصغير فتح الله غولن على الطريقة وتحريفه لها باتجاهات قومية تركية قريبة من النزعة الطورانية.
والملفت أن عمليات النفي التي تعرض لها الشيخ النورسي حرصت دائماً على فصله عن البيئة الكردية ووضعه ضمن بيئات تركية. ومع ذلك تم السماح له بالحركة داخل المناطق التركية التي نفي إليها!  
 
تكايا المدن


بات الشيخ عبدالحكيم الأرواسي (توفي عام 1943) وهو من أسرة نقشبندية لعبت دوراً قيادياً في ثورة بدليس 1914، المرجع الأكبر للطريقة، وأقام في نهاية حياته في اسطنبول. وكانت الدولة تتساهل مع المراجع الصوفية المقيمة في المدن الكبرى لصعوبة تشكيل هؤلاء خطراً مفاجئاً، وذلك على عكس النقشبندية الريفية التي أنهكت الدولة، وهي خاصية تميزت بها الصوفية الكردستانية.  
بعد وفاة الأرواسي الذي ينسب نفسه للسلالة الهاشمية، ظهرت ثلاثة تيارات رئيسية من النقشبندية: الأولى لمحمد زاهد كوتكو، الذي اتخذ من جامع اسكندر باشا مركزاً لنشاطه بدءاً من عام 1952 حتى وفاته عام 1980. ويلاحظ أن خط الأرواسي الكردي انقطع عن هذا الفرع من النقشبندية والذي بات تركياً خالصاً عبر تكية اسكندر باشا، وهو الجذر الذي تفرعت منه كل الأحزاب الإسلامية في تركيا. التيار الثاني جمع بين أفكار الأرواسي وسليمان طوناخان (توفي في 1959) وعرفت بالطريقة السليمانية المتخصصة بمدارس القرآن. ولهذا الفرع حضور قوي وسط الجالية الأوروبية في ألمانيا، وقامت هذه الحركة بدعم حزب الحركة القومية في انتخابات 2015 وضمنت له تجاوز عتبة الـ10%.
التيار الثالث للنقشبندية التركية أسسه حسين حلمي إيشيك وعرفت بـ"إيشيكجيلر"، وهو الأكثر تزمتاً من بين الاتجاهات الثلاث وتعارض بشدة أطروحة الإسلام العصري (22 ).
حوّل زاهد كوتكو النقشبندية إلى طراز مدني حديث لعب دوراً ترويجياً رئيسياً في ربط القيادات السياسية النقشبندية في المدن بالقواعد الانتخابية في الضواحي والأرياف، وهي الفترة التي بدأت تظهر فيها ما يعرف بـ"رأسمالية الأناضول" التي مهّد لها كوتكو بأطروحة "الإنتاج الصناعي وفق نمط الحياة الإسلامية".
يعد كوتكو، الداغستاني الأصل، المرجع الروحي لنجم الدين أربكان. فقد بدأ العمل في الطريقة الخالدية عام 1918، وحظي بمنحة من السلطة ليصبح شيخاً في عام 1952 . وتولى الوعظ في إسطنبول. كذلك تولى إدارة مسجد إسكندر باشا عام 1958 وبقي هناك حتى وفاته.
وضمن البيروقراطية التركية، تمكن أتباع محمد زاهد من الدخول بنجاح في هيئات تخطيط الدولة، وهو ما سمح لهم بالتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتعيين موظفي البلديات. بحلول عام 1970 أصبحت النقشبندية جزءاً من النظام السياسي عملياً مع تأسيس حزب النظام الوطني عام 1970 بزعامة تلميذ زاهد كوتكو، نجم الدين أربكان ، الذي ترجع إليه جذور حزب العدالة والتنمية. وقد استطاع أربكان الجمع بين النورسية والنقشبندية في حزبه، واستمر ذلك حتى تخلي النقشبندية عنه عام 1978 بسبب أسلوبه المركزي في إدارة الحزب.
ولا تقتصر قائمة تلاميذ محمد زاهد وأعضاء تكية إسكندر باشا الذين تمكنوا من بلوغ مناصب سياسية بارزة على أربكان فقط، بل تضم أيضاً الرئيس التركي السابق "تورغوت أوزال، وشقيقه الأكثر تديناً، كوركوت أوزال، ورئيس الوزراء السابق والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ووزير الداخلية السابق عبد القادر إكسو والقيادي الكردي المنحدر من مدينة وان، بشير أتالاي"، عدا عن عشرات الوزراء أو المقربين خلال فترة حكم أردوغان ( 23).
عرقل الخلاف بين كوتكو وتلميذه أربكان هيمنة الأخير على الحياة السياسية في تركيا. فقد سحبت تكية اسكندر باشا دعمها له هاية السبعينات. من هنا جاء جذر الانشقاق بين مجموعة غول – أردوغان عن أستاذهما أربكان بعد الانقلاب الأبيض عام 1997. فقد رفضت مراجع نقشبندية كبرى دعم أربكان بسبب نزعته التصادمية مع الدولة.
بحلول الثمانينيات كان بإمكان الطرق الصوفية أن تمارس نشاطها علانيةً مرة أخرى. وباتت هذه الطريقة ممثلة للقومية التركية وأحد فروعها الدينية ( 24). كذلك التزمت الأجنحة الكردية فيها بالتوجهات الرسمية، وباتت ممثلة للسلطة في المجتمع. وبينما كان الأصل العربي أو التركي للشيوخ الكرد في السابق تشريفاً لا أكثر، باتت في هذه المرحلة "أيديولوجيا". وانعكس ذلك بشكل فاقع في أحمد الأرواسي.
لقد خفّ ارتباط النقشبندية بالقومية الكردية وخاصة في مناطق التماس الكردي التركي. وباتت أداة لمواجهة ما سمي بـ"الإلحاد" في فترة الصراع الدامي بين اليسار واليمين طيلة السبعينيات.
كانت النقشبندية الجديدة هي النسخة التركية الخاصة في استخدام الإسلام ضد الخطر السوفييتي في إطار حلق الناتو. في أماكن أخرى من العالم الإسلامي كان حائط الصد هو الإسلام السلفي أو الإخواني.   
 واللافت أن العديد من الشيوخ في المناطق النقشبندية انتسبوا، ابتداء من أواسط السبعينيات، إلى حزب العمل القومي التركي الفاشي ضمن الصراع مع اليسار التركي.
"فأحفاد القائد القومي الكردي الشيخ سعيد، مثلاً، انتسبوا بشكل غير متوقع إلى حزب العمل القومي التركي الفاشي مثلما فعل الكثير من شيوخ الطريقة النقشبندية في منطقة ملاطيا- ألعزيز. كما أن فرداً آخر (سيد أحمد أرواسي) وهو من عائلة مشيخية مشهورة في كردستان أصبح أحد المناصرين الرئيسيين للجناح التركي القومي اليميني ومعارضاً قوياً للنزعة الانفصالية الكردية" ( 25).
في الحالات التي كانت فيها قيادة بعض التكايا كردية فإنها جذبت أعداداً كبيرة من المريدين غير الكرد. وبغض النظر ما إذا كان إثقال كاهل التكايا الكردية في المدن الكبرى بالأتباع غير الكرد سياسة منظمة أم تلقائية، فإن هذه الهندسة ضمنت أن لا يتحول أي احتجاج نقشبندي إلى حركة قومية. فما كان من الممكن على سبيل المثال حمل حركة الشيخ سعيد بيران أو عبدالسلام البارزاني لواء الدفاع عن الكرد لو أن غالبية أتباعهما من الترك والعرب.

نقشبندية كنعان أفرين


لا توجد النقشبندية اليوم كقوة مقاومة في أي بقعة تتواجد فيها داخل تركيا وخارجها. وتتعرض قاعدتها الشعبية إلى تحولات بنيوية لم تظهر بوضوح إلى الآن، لكن انفتاح الدولة التركية على تنظيمات متطرفة سلفية مثل داعش وجبهة النصرة في سوريا أحدث نوعاً من التلاقي بين النقشبندية والسلفية، في حالة غير متوقعة.
ويجري الخلط أحياناً بين النقشبندية في نسختها التأسيسية مع مولانا خالد وتلك السائدة حالياً. الواقع أن هذه الطريقة تعرضت للتفكك خلال القرن العشرين، ولم تعد تشكل حركة مقاومة، بل غرقت المشيخات الفرعية في العمالة للأنظمة خلال القرن العشرين، مع استثناءات صمدت، وعلى رأسها المشيخة البارزانية التي بقيت في حالة تمرد على السلطة حتى نهاية التاريخ الفعلي لهذه المشيخة كمرجعية روحية في عام 1969 مع وفاة الشيخ أحمد البارزاني.
ما بعد هذا التاريخ في كردستان العراق، وما بعد عام 1925 عقب ثورة الشيخ سعيد بيران في كردستان تركيا، مسكت السلطة الحاكمة بخيوط كثيرة لهذه الطريقة وباتت بعض فروعها جزءاً من النظام.
لكن هناك تاريخ معين يمكن تحديده كانطلاقة جديدة للطرق الصوفية الموجهة ضد التعبير القومي التحرري للكرد: انقلاب كنعان افرين عام 1980.
وقد "حاول انقلابيو (1980) السيطرة على أمور الدين من خلال تأسيس مؤسسة إدارة الشؤون الدينية التابعة لرئاسة الوزراء كوسيلة لاخضاع الدين وممارساته وشؤونه لسلطة الدولة. أما الطرق الصوفية مثل المولوية، البكتاشية، النقشبندية، رغم حظرها قانوناً إلا إن مسالك تأثيرها السياسي والعمل الاجتماعي يتوافر من خلال العلاقات القائمة بين هذه الطرق والقيادة السياسية (ارتباط أوزال بالطريقة النقشبندية، وديميريل بالطريقة النورسية). وكذلك من خلال ارتباط العديد من الجمعيات والهيئات الدينية الأهلية بدرجات متفاوتة من العلاقات مع الطرق الدينية" (26 ).
يذكر الزعيم الكردي الأسير عبدالله أوجلان في لقاء مع محامييه عام 2006 ما يلي: "ثمة معلومة أخرى لدي؛ حيث وصلتني معلومة في عام 1982 تفيد بأن كنعان أفرين كان قد عقد لقاءات في ذلك التاريخ في ماردين مع قسم من الشيوخ من كل من تركيا وسوريا، وكذلك مع شيوخ عائلة الخزنوي. بل حتى أن الجنرال القائم على انقلاب 12 أيلول كان يذهب ويقوم بعقد اللقاءات معهم أيضاً. لقد كانوا يتحدثون عن العلمانية وغيرها، ولكنهم في المقابل كانوا يدعمون ويساندون الكيانات المتمحورة حول الدين تجاه الشيوعية الروسية. كما أنهم استخدموا قسماً من هؤلاء ضدنا في السنين الثلاثين الأخيرة" (27 ).
ما ذكره أوجلان ليس تصريحاً معزولاً عن الواقع بل تسنده وقائع إحياء الطرق الصوفية بعد انقلاب أفرين. ولا مبالغة في القول إن النقشبندية الكردستانية الباقية اليوم جذورها لا تعود إلى مولانا خالد النقشبندي ولا مشيخة بارزان أو نهري، بل إلى مؤسسة انقلاب 1980. ومن هذه المؤسسة أيضاً صعد نجم الشيخ الذي كان على وشك الاستيلاء على ميراث انقلاب كنعان أفرين بالكامل: فتح الله غولن.
إن النقشبندية لها دور واضح في الحياة السياسية التركية بعد انقلاب 12 أيلول 1980، وكانت لها مكانة بارزة داخل حزب الوطن الأم في عهد تورغوت أوزال، المريد النقشبندي وتلميذ زاهد كوتكو. لكن الطرق الصوفية لم تتحرك في مسار واحد. فقد شابتها صدامات، خصوصاً بين التوجه القادري بثوبه النورسي الذي تبناه سياسياً سليمان ديميريل والنقشبندية المتحالفة مع تورغوت أوزال. لاحقا اتحدت المراكز الصوفية (الضامنة للأصوات الانتخابية) خلف حزب العدالة والتنمية. لكن الشقاق حصل مرة أخرى بخروج النورسية -نسخة فتح الله غولن- من التحالف وبقاء النقشبندية التركية ولواحقها الكردية. وكانت النقشبندية خلال مسيرتها السياسية في السبعينيات أكثر انفتاحاً على حزب الشعب الجمهوري على عكس النورسية بنسختها المقرصنة (التركية) التي سحبت دعمها لأربكان حين دخل في حكومة ائتلافية مع الحزب الأتاتوركي في السبعينات.
احتل العديد من زعماء النقشبندية أماكن مرموقة في الدولة بعد انتخابات 2002، وعام 2004، امثال: عبدالملك فرات (الكردي)، رئيس حزب الحقوق والحريات. وغونايت زابسو رئيس الهيئة الاستشارية في فترة رئاسة أردوغان للحكومة، وحسين جليك وزير التعليم القومي (28 ).
وفق تصور أوجلان فإن الدولة التركية تقوم بإعداد نماذج كردية إسلامية جديدة. "وما يمثله فتح الله غولن بالنسبة للأتراك، هو عينه لدى كل من غونايت زابسو وملك فرات بالنسبة للكرد؛ حيث يمثل هؤلاء تركيبة إسلامية – كردية جديدة" (29 ).
واعتمد تخطيط الدولة التركية إلى توزيع النقشبندية الكردية المرتبطة بها إلى تيارين، الأول ناكر لهويته القومية بالمطلق ويتم التعامل معه كتركي طوراني، مثل الرئيس تورغوت أوزال. والتيار الثاني يحتفظ بهوية كردية مستسلمة للسلطة، حتى حين ترفع شعارات قومية، مثل كردستان أو علم كردستان، فإن ذلك يأتي للتشويش على التيار الممثل للكرد: حزب العمال الكردستاني والأحزاب السياسية القريبة منه.
سهّل التحول الاقتصادي والسياسي الليبرالي أثناء إدارة تورغوت أوزال، ظهور "سوق دينية" في تركيا. فتنافست الطرق النقشبندية وحركة فتح الله غولن وحزب الرفاه حول تأويل الإسلام ودوره الملائم في المجتمع التركي (30 ).
وأدت النقشبندية التركية دوراً مركزياً في تسيير السياسة الاقتصادية للدولة. وهي بنسختها التركية الأخيرة تعبير عن تحول اقتصادي كبير ارتبط برأسمالية الأناضول التي باتت، فعلياً، تسيطر على تركيا ومناطق في دول أخرى. فتقوية الطريقة "ضمان حماية" للسياسة الاقتصادية المعتمدة على الرأسمالية التجارية في عهد حزب العدالة والتنمية. وهي النسخة الأحدث من الرأسمالية التي يقودها الإسلام السياسي منذ عهد مندريس (1950) حين انطلقت عجلة الرأسمالية الزراعية مقابل الرأسمال الصناعي المتمركز في المدن. واستطاع هذا التيار الرأسمالي الإسلامي مد نفوذه إلى إقليم كردستان العراق ويكاد يتحكم باقتصاد الإقليم كاملاً، يدعمه في ذلك وكلاء له مرتبطون به مالياً في مراكز السلطة.  

النقشبندية كأداة للتعمية  


لقد فقد الكرد سيطرتهم على النقشبندية منذ إعدام الشيخ سعيد بيران عام 1925. واكتمل انزياح مراكز الطرق إلى المدن مع وفاة سعيد النورسي عام 1960. فباتت التكايا النقشبندية في اسطنبول الممثلة الرسمية لهذه الطريقة التي باتت جزءاً من النظام السياسي الرسمي، وجداراً دينيا واجتماعيا ضد الطروحات القومية الكردية، سواء كان شيوخها من الكرد أو الترك.
يبقى الجزء الأخطر من اللوثة الأمنية التي أصابت النقشبندية الكردستانية الخاضعة للدولة التركية اعتبارها، ولأسباب غير مفهومة، أن هذه الدولة امتداد للدولة العثمانية. والواقع أن الشيخ سعيد النورسي نفسه وقع في هذا الفخ في وقت مبكر، حين رفض تقديم يد العون للشيخ سعيد بيران النقشبندي خلال ثورة 1925، ورد عليه بالقول: "إن ما تقومون به من ثورة تدفع الأخ إلى قتل أخيه ولا تحقق أية نتيجة. فالأمة التركية قد رفعت راية الإسلام وضحّت في سبيل دينها مئات الألوف بل الملايين من الشهداء فضلاً عن تربيتها ملايين الأولياء، لذا لا يستل السيف على أحفاد الأمة البطلة المضحية للإسلام، الأمة التركية، وأنا لا أستله عليهم" ( 31). رغم المظالم التي لحقت بالنورسي من الجمهورية التركية فإنه ظل يعتبر الجيش التركي هو جيش المسلمين حتى وفاته عام 1960. وهي رؤية لم تتبناها النقشبندية، المتمثلة في كل من مشيخات نهري وبالو وبارزان. لكن رؤية النورسي ألهمت الدولة التركية. فرغم السياسة المتبعة التي يراها بعينيه فإنه ينكر تجريم الجيش التركي! فجرى العمل بشكل دقيق من قبل الدولة التركية على آليات نقل هذه الفكرة المضللة (أن الجيش التركي لا يمثل السلطة) إلى أتباع النقشبندية الكردية وتفريغ روح التمرد منها. فتحولت المرجعية السياسية للنقشبندية إلى الأحزاب التركية، وبدأ ذلك أولاً عبر الحزب الديمقراطي الذي تسلم السلطة عشر سنوات متواصلة بين 1950 – 1960 وحظي بدعم النورسي. وخلال فترة حكومة عدنان مندريس تم تغيير مقر النقشبندية من عمق كردستان إلى طرفها الغربي الرخو: "أديامان" عن طريق نقل الشيخ الأرواسي إليها وتنصيبه كمرجع رئيسي للطريقة.
ويعتبر هذا تحولاً في تاريخ هذه العائلة. فقد شاركت بفعالية في الهجوم على بدليس عام 1913 بقيادة ملا سليم والشيخ شهاب الدين بن الشيخ صبغة الله الأرواسيّ الحيزانيّ. لكن هذا التاريخ الثوري للعائلة انتهت بمجرد خروج سلسل العائلة النقشبندية عبدالحكيم الأرواسي إلى أديامان ثم اسطنبول. ثم جاء ابنه أحمد الذي عاش طيلة حياته خارج كردستان، فبات قومياً طورانياً.
لعبت عائلة الأرواسي الكردية بعد خروجها من كردستان دوراً تخريبياً في تعطيل ديناميات القومية الكردية غربي الفرات وهي مستمرة في ذلك حتى اليوم. فأديامان مدينة ذات غالبية كردية بنسبة تتجاوز 70%، ومع ذلك فإن أفضل نتيجة انتخابية حققها الكرد هناك وصلت إلى 26 % فقط ( 32).
هكذا اكتمل وضع النقشبندية في خدمة الدولة التركية، عبر شيوخ كرد سخّروا أنفسهم للقومية التركية، وكذلك عبر ترقية النقشبنديين الأتراك والأرناؤوط، وسحب مراكز النقشبندية من الأرياف الكردية إلى المدن التركية الكبرى، مع الحرص على تحويلها إلى سوق للانتخابات والتأسيس للاغتراب القومي تحت شعار "كلنا مسلمون" (33 ).

______________________________________________

 1 - لتفاصيل اتصالات عبدالرزاق بدرخان مع روسيا، يُنظر: عبدالرزاق بدرخان.. السيرة الشخصية – إعداد: جليلي جليل – ترجمة: دلاور زنكي – مطبعة أميرال،  بيروت، 2010    
2- للمزيد حول توغل الاتحاديين في الطرق الصوفية يُنظر: نادية ياسين عبد- الاتحاديون.. دراسة تاريخية في جذورهم الاجتماعية وطروحاتهم الفكرية- ص 263، 292
3 - Janet Klein – The Margins of Empire..Kurdish Militias in Ottoman Tribal Zone– Stanford University press, California, 2011 – p: 106
4- جكرخوين – سيرة حياتي – ترجمة: جوان أبو ديلان شوقي – دار بافت للطباعة والنشر – ص 66
5- جرجيس فتح الله - يقظة الكرد – دار آراس، أربيل – الطبعة الأولى، 2012 - ص 145
6- المرجع السابق– ص 145، 146
7- المرجع السابق– ص 146 – 147
8- للمزيد حول هذه النقطة يُنظر: لازاريف – المسألة الكردية 1917، 1923 – ترجمة: عبدي حاجي- دار آراس، أربيل – الطبعة الثانية، 2013 – ص 310
9- ينظر الهامش رقم 1 في: لازاريف – المسألة الكردية 1917، 1923 – ترجمة: عبدي حاجي- دار آراس، أربيل – الطبعة الثانية، 2013 – ص 312
10-المرجع السابق– ص 322
11 - للاطلاع على الرسالة، يُنظر: جرجيس فتح الله - يقظة الكرد – ص 162
12- المرجع السابق – ص 163  
13- روبرت أولسون – تاريخ الكفاح القومي الكردي – ترجمة: محمود أحمد الخليل – دار آراس، أربيل، الطبعة الأولى 2013 – ص 211
14- ينظر: جوردي غورغاس – مرجع سابق – ص 290، 295
15 - ديفيد مكدول- مرجع سابق – 593
16 - المرجع السابق – ص 593، 594
17 - المرجع السابق – 595
18 - المرجع السابق – 596
19 - أنظر أجوبة سعيد النورسي عن أسئلة العشائر في كتابه "صيقل الإسلام" ضمن مجموعة كليات رسائل النور. ترجمة : إحسان قاسم الصالحي – دار النيل، القاهرة – ط2، 2013 – ص 357، 405.
20 - سعيد النورسي – كليات رسائل النور، الجزء التاسع (سيرة ذاتية) – إعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي – دار سوزلر للنشر، اسطنبول-  ط 1، 1998- – ص 118
21 - Yıldız Atasoy- Turkey, Islamists and Democracy: Transition and Globalization in a Muslim State- London: I. B. Tauris, 2005- p: 82, 83
22 -  Svante E. Cornell & M. K. Kaya - The Naqshbandi-Khalidi Order and Political Islam in Turkey.
23 - عرف بعض السياسيين المنتمين للنقشبندية حب معاقرة الشراب. وقد كان أوزال مثلا يشرب الخمر في العشاءات الرسمية التي يقدم فيها. أما أردوغان فذُكِر أنه كان مرتبطاً بفرع إسماعيل آغا من الطريقة النقشبندية (المسمى باسم مسجد اسطنبول الذي يحمل اسم منشئه)، وهو فرع أكثر تزمّتاً. كذلك فإن الرئيس السابق عبدالله غول والقيادي في حزب العدالة والتنمية بولنت أرينج أيضاً من خلفيات نقشبندية. أنجيل راباسا وستيفن لارابي – صعود الإسلام السياسي في تركيا – ترجمة: إبراهيم عوض – دار تنوير، القاهرة، ط1، 2015 - ص 39
24 - مارتن فان برونسن - الكرد و الإسلام – الطرق الصوفية وأدوارها الاجتماعية والسياسية.
يقول برونسن: "يوجد الآن في استانبول عدة فروع كردية من الطريقة النقشبندية إما لأن الشيخ نفسه انتقل إلى هناك أو لأن مجموعة من مريديه نظموا أنفسهم هناك".
25 - وصال نجيب العزاوي - بنية النظام السياسي وصنع القرارات في تركيا – مجلة قضايا سياسية – جامعة النهرين، العراق – العددان الخامس والسادس، صيف 2004.
26 - لقاء عبدالله أوجلان مع محاميه بتاريخ 6-12-2006: نواجه المصاعب في العثور على مخاطب جاد وجدّي قادر على حل القضية الكردية.
27 - للمزيد ينظر: أحمد نوري النعيمي - تركيا بين الموروث الإسلامي والاتجاه العلماني - عمان : دار الجنان للنشر والتوزيع – 2011
28 - أوجلان- الدفاع عن شعب – 437
29 - أحمد نوري النعيمي – مرجع سابق- ص 40
30- النورسي – سيرة ذاتية – ص 208
31 - إنّ أحمد بن عبدالحكيم الأرواسي، الّذي شاع بين مريدي آبائه أنّ عائلتَه تنحدر من سلالة الحسين بن علي ابن أبي طالب، من الغريب أنه يتناسى هذه النسبةَ، بل يكتمها بلباقةٍ عندما يهاجم القوميةَ الكرديّةَ ويشدّد النكيرَ على من يدّعي أنّ للأكراد لغة خاصّة باسم اللّغة الكرديّة. والّذي يُستَغْرَبُ من أحمد الأرواسيّ في هجومه الّذي نشره في كتابٍ خاصٍّ؛ (هذا الكتاب نُشر عام 1992. تحت عنوان: Doğu Anadolu Garçeği ) أنّه اتخذ هذا الموقفَ الحماسيَّ من منطلَق الدفاع عن القومية التركية.
ينظر: دور الطريقة النقشبندية في السياسة الشرق الأوسطية – أكاديمية عبدالله أوجلان للعلوم الاجتماعية – 21 تموز 2011
32 - "وكم هو غريب أمر الشعار الذي هتفت به مجموعة "طريقة الشيخ سعيد" الدينية – التي تنتمي بجذورها إلى النقشبندية – في بينغول، أثناء الانتخابات المحلية لعام 2004؛ حيث قالت: "إدريس البدليسي هنا، فأين هو ياووز سليم؟"! يبدو أنه يُنتَظَر من أردوغان أن يلعب دور ياووز الثاني".
  - أوجلان – الدفاع عن شعب-– ص 246


 




 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net