Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الدكتور سالار باسيرة

المقال بصيغة pdf

الفهرست

المقدمة

1-    القسم الأول: موضوع الإبادة الجماعية

  • المحور الأول: مفهوم الإبادة الجماعية

  • المحور الثاني: الإبادة الجماعية ضمن الاتفاقيات الدولية وقرارات منظمة الأمم المتحدة

  • ·المحور الثالث: أهداف الإبادة الجماعية

  • المحور الرابع: الإبادة الجماعية والقتل الجماعي في التأريخ

2-    القسم الثاني: الإبادة الجماعية وتحويلها إلی قضية عالمية وبعض الأمثلة لها

  • المحور الأول: الإبادة الجماعية ضد الكرد

  • · المحور الثاني: أدوات بخصوص تحويل الإبادة الجماعية إلی قضية دولية (قرارات الدولة العراقية)

  • المحور الثالث: اليهود وعقوبة النازیین لهم

  • · المحور الرابع: موضوع الإبادة الجماعية ضد الهنود الحمر في قارة أمريکا

3-    الخلاصة

4-    المصادر

 

مقدمة

 

إن الإبادة الجماعية إنما هي جريمة دولية مدونة ضمن بنود قرارات منظمة. سجل تاريخ الإنسانية العديد من مظاهر القتل الجماعي، حيث يعتبر أعنفها وأبرزها هي عمليات القتل الجماعي ضد الهنود الحمر واليهود والمعروفة بالهولوكوست. أما سياسة الإبادة الجماعية في كردستان، فقد نفذت من قبل النظام البعثي البائد في العراق.

يتألف البحث من قسمين، يتناول الأول موضوع الإبادة الجماعية نظريا، في حين يركز القسم الثاني على عدة مواضيع مختلفة منها استخدام أدوات الإبادة الجماعية، وجعل الإبادة الجماعية قضية دولية، ثم الإشارة بأمثلة للإبادة الجماعية ضد بعض الشعوب، من ضمنها الكرد واليهود والهنود الحمر.

 

القسم الأول

 

موضوع الإبادة الجماعية

 

المحور الأول

 

مفهوم الإبادة الجماعية

 

الإبادة الجماعية في الأصل هي مصطلح مصدره لاتيني، وهو يستعمل في لغة القانون والسياسة. وموضعا تعتبر جريمة دولية، تأتي بمعنی القتل الجماعي للشعب، أو الإبادة الجماعية للعرق. "هذا المصطلح في الأساس متكون من مقطعين: (جینۆ) وهو بمعنی عرق، و (سايد) وهو بمعنی إبادة. وإن المقطعين معا يأتيان بمعنی إبادة العرق.إن موضوع الإبادة الجماعية لو نظرنا إليه من الناحية الدولية، فهو في الأساس يأتي بمعنی التطاول علی الأمن والسلام العالمي. لذا فمن الأفضل التعامل مع هذا الموضوع علی مستوی القانون الدولي. هذا يعني بأن ظاهرة الإبادة الجماعية هي ليست فقط بذاتها مشكلة سياسية، بل هي مشكلة قانونية أيضا.

في ضوء ونتيجة الإطلاع علی تقارير المآسي بخصوص الإبادة الجماعية المنفذة من قبل النظام النازي في ألمانيا، والتي هي منفذة بصورة بشعة جدا ضد اليهود، والمعروفة بالهولوكوست، فقد قامت منظمة الأمم المتحدة في عام ١٩٤٨ بإصدار قرار بمنع ظاهرة الإبادة الجماعية، وكذلك إصدار عقوبة بحق منفذي الإبادة الجماعية في أي بقعة من العالم. ودون هذا القرار فعليا في القوانين الخاصة بحقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في ٩ ديسمبر من عام ١٩٤٨ والمصدقة بقرار رقم ٢٦٠ والمعمول به منذ تأريخ ١٢ من كانون الثاني عام ١٩٥١، ووقعت الدول على الاتفاقية بتوقيت متفاوت: ألمانيا في آذار من عام ١٩٥٥، والنمسا في ١٩ آذار من عام ١٩٥٨، وسويسرا في ٧ أيلول من عام ٢٠٠٠. والتعريف الذي أعطاه منظمة الأمم المتحدة بخصوص الإبادة الجماعية، أعطياه ألمانيا وسويسرا أيضا في قوانينهما الوطنية. ولكن كثير من الدول، رغم توقيعها علی تلك الاتفاقية، إلا أنها لم تلتزم بها.

 

أما دولة العراق فوقعت بتاريخ ٢٠ كانون الثاني عام ١٩٥٩ علی قرار الاتفاقية الصادرة من قبل منظمة الأمم المتحدة في عام ١٩٤٨ ضد ظاهرة الإبادة الجماعية، ولكن لم تلتزم حكومة البعث في العراق بالاتفاقيات الدولية، بل قامت بإتباع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكردي دون أي خجل. ومن ثم فإن جرائم الهولوكوست قد تم تنفيذها في زمن لم توضع فيه بعد اتفاقية منظمة الأمم المتحدة بخصوص الإبادة الجماعية. هذا يعني بأن قرار الاتفاقية الدولية فقط بقي كمصطلح وحبر علی ورق ليس إلا. ورغم ذلك فإن هناك رأي جماعي من قبل المتخصصين في مجال قانون الجرائم الدولية مدعاة إلی أن الهولوكوست من دون شك قائم علی فعل الإبادة الجماعية.

هنا موضح أربعة أشكال من الجرائم الدولية:

 

١ــ جرائم ضد الإنسانية: بمعنی كل الأفعال التي تمارس والتي قد تؤدي إلی إبادة الناس في مجتمع ما، وبالسلاح الكيماوي علی سبيل المثال والذي استخدمته حكومة البعث في العراق ضد السكان المدنيين في مدينة حلبجة الكردية. وبلا شك فإن الإبادة الجماعية هي بتعريف آخر أيضا جريمة ضد الإنسانية.

٢ــ جرائم الحرب: فإن الحرب هو نوع آخر من الجريمة الدولية بأسلوب ممارسة العنف المباشر. علی سبيل المثال، حرب العالمية الثانية الذي أقامته النازية الألمانية، وكذلك تلك الحروب المدامة من قبل سلطات العراق وإيران وتركيا وسوريا ضد الكرد. لو نظرنا إلی جرائم الحرب القائمة عبر التأريخ، لنری مئات الملايين من الأرواح أزهقت بهذه الطريقة؛ خلال الخمسة آلاف السنة التي مرت في التأريخ، وحسب بحوث المتخصصين في التأريخ، سجلت ما لا يقل عن أربعة عشر ألف حربا. وأكثر من أربع مليارات من البشر قضی نحبهم بسبب الحروب، وهذا العدد ما يعادل نسبة ٣/٢ من مجموع عدد سكان الكرة الأرضية. وفقط في النصف الأول من القرن العشرين، حدث حربان عالميتان. وقد قدر نسبة من ماتوا بسبب الحرب العالية الثانية، بنسبة مقابلة لمن ماتوا منذ نهاية الحرب العالمية وحتى الآن.

٣ــ جرائم الاعتداءات: هي بمعنی القيام بالحملات العسكرية القوات المسلحة من قبل دولة ما ضد سيدة وحدة واستقلالية دولة آخری. علی سبيل المثال: قيام النظام البعثي بالحملات العسكرية ضد دول الجوار لها: الكويت وإيران وضد الشعب الكردي أيضا.

٤ــ جرائم القتل الجماعي: والتي هي أيضا أحدی الجرائم الدولية والتي تؤدي إلی قتل جماعي وإبادة كل أو جزء من مجتمع ما حسب تعريف منظمة الأمم المتحدة. علی سبيل المثال ما قام به النظام البعثي في العراق في إستخدامه للسلاح الكيمياوي ضد السكان المدنيين في مدينة حلبجة في عام ١٩٨٨. وكذلك القتل الجماعي في كومبوديا من قبل البول بوت في عام (1975- 1979).

 

المحور الثاني

 

الإبادة الجماعية ضمن الاتفاقيات الدولية وقرارات منظمة الأمم المتحدة

 

إن مفهوم الإبادة الجماعية جاء تعريفه في جميع نقاط اتفاقيات منظمة الأمم المتحدة علی أنه فعل يأتي بهدف إبادة كل، جزء من قومية، أو أقلية، أو مجموعة بشرية، أو مجموعة سكان، إما بشك عمدي، ‌أو متعمد، أو بمخطط، أو مباشر، أو بشكل غير مباشر.

وهنا يأتي هذه النقاط التالية ضمن البند الثاني من الاتفاقية:

 

١ــ الإضرار بالأرواح.

٢ــ قتل أفراد المجتمع.

٣ــ فرض نوع من الحياة القسرية علی أفراد مجتمع ما، مع العلم المسبق بأن هذا الفعل سوف يؤدي إلی هلاك كل، أو جزء منهم.

٤ــ إصدار قرارات للحيلولة دون ولادة الأطفال.

٥ــ نقل الأطفال قسراً من ضمن مجموعة إلی مجموعة أخری.

 

إن هدف التخطيط للإبادة الجماعية هو التدمير المتعمد للمؤسسات السياسية، الاجتماعية، الثقافية، اللسانية، المشاعر القومية، الدينية، والحياة الاقتصادية لشعب ما. وكذلك دمار الضمان الشخصي، الحرية الشخصية، والصحة والكرامة الإنسانية، وإلخ..

إن عمل الإبادة الجماعية في مرحلة من المراحل إنما هو بالتالي تدمير الخصائص القومية لمجموعة بشرية، أو شعب مضطهد (بفتح الهاء). وكذلك هو فرض الخصائص القومية المضطهدة (بكسر الهاء) علی القومية المضطهدة (بفتح الهاء). إن المعتقلين (بفتح القاف) لم يحق لهم الخروج من البلاد، ولكن يمكن طردهم من قبل المحتل، وأن يحتل أرضهم قسرا من قبل أفراد، أو جماعات مضطهدة (بكسر الهاء). إن مظهر القتل الجماعي سببه ليس فقط الحرب، بل ربما اللاحرب أيضا.

بموجب مسودة منظمة الأمم المتحدة of progressive development of international law council، المقدمة في ٧ تموز من عام ١٩٤٧، مذكورة فيها بأن: القتل الجماعي إنما هو نوع من الجرائم التي تمارس بأشكال ثلاثة: جسدية (فيزيائية)، جسدية (حيوي)، وثقافية، والتي في كثير من الأحيان ترتبط فيما بينها. إن التدمير العمدي لأية ثقافة إنما يجب التعامل معه بنفس الجدية القانونية، كأن يكون تدميرا للجانب البدني ككل، حيث أن القتل الجماعي الثقافي كما هو محدد في اتفاقية منظمة الأمم المتحدة إنما هو اتخاذ إجراءات قسري من أجل تدمير الشخصية المعنوية لشعب، أو مجتمع ما، كنقل أطفال من مجمع سكاني إلی آخر، أو الإبعاد القسري للناس من ثقافتهم الأصلية، أو منع لغتهم الأم، أو منعهم من ممارسة طقوسهم الدينية والمذهبية أو عقائدهم الخاصة بهم، أو منعهم من ممارسة الفكر أو الكتابة أو اڵطباعة والنشر. ثم التدمير المنظم لإرثهم التاريخي والديني والفني، أو إرغامهم لممارستها بشكل سيء وخاطئ، بالإضافة إلی تدمير تركيبتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

يبدو أن مظاهر الإبادة الجماعية مختلفة عن بعضها. علی سبيل المثال، إن اليهود الذين مورست الإبادة الجماعية ضدهم من قبل النازيين في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية رأوا ذلك أكبر من الإبادة الجماعية (الجينوسايد) كمفهوم، لذلك أعطوه أسم الهولوكوست. ولكن في الحقيقة إن الهولوكوست بذاته كان أيضا مظهرا من مظاهر الجينوسايد. هذا يعني أن مظهر الإبادة الجماعية لا يقاس حسب مأساة يتعرض لها قوم إن كان عددهم بالآلاف أو بالملايين أو إن كانوا يهودا، أرمينيون، كرد، أو إن كانوا من الهنود الحمر، إذ أن الإنسان لا يختلف باختلاف العِرق.

 

المحور الثالث

 

أهداف الإبادة الجماعية

 

إن الإبادة الجماعية لا يتم تعريفها حسب كثرة، أو قلة عدد القتلى، لإدانة من يقومون بالفعلة. إن إي نوع من القتل لو لم يكن هدفه إبادة جز‌ء، أو كل مجتمع، أو شعب ما، لا يعتبر (جينوسايد). لذلك، فمن أجل تعريف شروط الإبادة الجماعية، علينا مراجعة الشروط الأربعة التي تم ذكرها من قبل.ولهذا الغرض أريد أن ألمح هنا إلی عدد من البنود بخصوص أهمية الاتفاقية الدولية، والتي سبق أن وقعت من قبل منظمة الأمم المتحدة حول الإبادة الجماعية في العام ١٩٤٨.ففي البند الأول من الاتفاقية تم إعلان الأهداف الرئيسية لفعل الإبادة الجماعية، والتي أكد الدول الأعضاء من خلالها علی أن فعل الإبادة الجماعية، إن كان في الأوقات العادية، أو في أوقات الحرب، ما هو إلا جريمة دولية.ثم إن هذه الدول الأعضاء قد توعدوا علی أن يصدوا مسبقا أي فعل قد يؤدي إلی الإبادة الجماعية، ثم لو حدث، فعليهم أن يقودوا الجناة إلی العقوبة الشديدة.

ولكن في ما يخص البند الثالث من الاتفاقية الدولية تلك، بخصوص فعل الإبادة الجماعية ومعاقبة منفذيها، هو ما يلي:

١ــ موضوع تنفيذ جرائم الإبادة الجماعية.

٢ــ موضوع التخطيط لتنفيذ جرائم الإبادة الجماعية.

٣ــ موضوع التحريك المباشر والواضح لتنفيذ الإبادة الجماعية.

٤ــ موضوع الإشتراک في فعل الإبادة الجماعية.

 

المحور الرابع

 

الإبادة الجماعية والقتل الجماعي عبر التاريخ

 

إن عدد عمليات القتل الجماعي المنفذة في التأريخ الإنساني لم يكن قليلا، ولكن بسبب عدم تدوينه وكتابته، ولعدم وجود تكنولوجيا متقدمة في زمانه من أجل تدوينه، لذی فقد ضاع ببساطة.

من الجدير بالذكر، إن أحد أكبر عملية قتل الجماعي في التاريخ قام تنفيذها بأمر ليوبولد الثاني ١٨٨٥ ــ ١٨٠٨ ملك بلجيکا ضد سكان دولة كونغو (الزائير). حيث تم فيها إبادة نصف سكان ذلك البلد، وانخفض عدد سكانها من عشرين مليونا إلی عشرة ملايين، وحيث أن عملية إبادة اليهود المعروفة بالهولوكوست، تم تنفيذها بأمر أدولف هتلر، والذي قاد إلی إنهاء حياة سبعة ملايين من البشر. في حين أنه كان قد خطط لإبادة أحد عشر مليون يهوديا في أوروبا، ولكن في النهاية فقد تمكن الحلفاء من صده في ذلك المخطط، والقتل الجماعي للأرمن من قبل الأتراك في العامين ١٩١٥ و١٩١٦ أدت إلی مقتل مليون ونصف مليون إنسانا بريئا، ومن كان هناك قتل جماعي خلال العالمية الثانية ضد الكرد أيضا، وقتل جماعي ضد الصينيين الأندونوسيين في عام ١٩٦٥، وكان ضحيته مليون فردا.

 

وفي عام ١٩٧١، وبعد استقلال بنغلاديش، النزاع والصراع المذهبي كان نتيجته قتل جماعي ضد الهندوس، والذي أدی إلی إبادة ثلاثة ملايين شخصا، وقتل جماعي ضد المسيحيين في التيمور الشرقية من العام ١٩٧٥ وحتى العام ١٩٩٩، حيث أدی إلی هلاك مائة وثمانون ألف شخصا، وهي نسبة ٢٠٪ من السكان فيها.وجرت في عام ٢٠٠٣ قتل جماعي في دارفور في السودان ضد المسيحيين الطالبين بالانفصال من السودان، وهذا أدی إلی إبادة ستمائة ألف مسيحي.وفي التأريخ الإسلامي كما هو في التأريخ المسيحي جرت هناك مرات عديدة ممارسة قتل جماعي. ولكن كلها منسية، لأن التأريخ إبان ذلك لم يكن يكتب إلا من قبل أتباع وأصحاب السلطة، وجری أيضا ممارسة قتل جماعي ضد السكان الأستراليين الأصليين، وضد قوم الشركس في عام ١٨٦٤ من قبل الإمبراطورية الروسية القيصرية، وجری أيضا في عهد الإتحاد السوفياتي خلال العامين ١٩٣٢ و١٩٣٣ قتل جماعي ضد الأوكرانيين، وقتل جماعي ضد الهندوس في باكستان وضد المسلمين في هندستان، كانت الضحايا فيه مليون شخصا من كل طرف، وفي عهد الزعيم ماو تسي تونغ تم تنفيذ قتل جماعي ضد التبتيين. وفي نيجيريا في الأعوام من ١٩٦٦ إلی ١٩٧٠ جری قتل جماعي ضد الإيبوسیین، وكان ضحيته مليون شخصا. وعملية قتل جماعي في الأعوام من ١٩٧١ إلی ١٩٧٩ في كومبوديا. وعملية قتل جماعي من قبل الهوتو ضد التوتسيين في عام ١٩٩٤، حيث تم قتل ما يقارب مليون إنسانا خلال مائة يوم فقط. وكان هذا ٧٥٪ من نسبة التوتسي في إقليم رواندا في القارة الأفريقية.

 

ونفذت مجزرة بشرية أيضا في سريبرينسای في يوغوسلافيا في عام ١٩٩٥، وجری أيضا مجازر بشرية من عام ١٩٩٦ وحتى عام ٢٠٠١ من قبل الطالبان ضد الهزار‌يون والذين لم يكونوا من البشتون في أفغانستان. رغم كثرة نسبة القتل الجماعي في تاريخ العالم، إلا أن القليل منها قد تم تعريفها بالإبادة الجماعية من قبل محكمة دولية. دون شك، إن الجرائم التي ذكرتها في هذا البحث، فهي جزء قليل من الظاهرة. والسؤال هنا، هل يمكن اعتبار كل ذلك من مظاهر القتل الجماعي، أو تدخل في ‌خانة أخری من الجرائم ضد الإنسانية، أو تدخل في خانة جرائم حرب؟

 

يبدو أن كل تلك الظواهر والمفاهيم في التعريفات القانونية محل نقاش وجدل. إذن إن كل من تلك الأنواع من الجرائم تندرج من قائمة من قوائم الجرائم التي ذكرتها من قبل.

 

القسم الثاني

 

الأمثلة عن الإبادة الجماعية

 

المحور الأول

 

الإبادة الجماعية ضد الكرد

 

في إطار سياسة محددة، وحسب خطة تم تنفيذ الجرائم بشكل منهجي ومنظم من قبل النظام البعثي ضد المدنيين الأكراد في كردستان العراق، والتي هي كانت:

١ــ عمليات الأنفال في عام ١٩٨٨.

٢ــ استخدام السلاح الكيماوي، الفسفوري والبيولوجي والأسلحة التي تؤدي إلی القتل الجماعي للناس‌و وإبادة الحيوانات والطيور وتسميم الطبيعة ووسائل الحياة.

٣ــ فرض الموت بأساليب مختلفة.

٤ــ تدمير القرى‌ والأقضية والنواحي وجميع مصادر الحياة، مثل: الزراعة، الينابيع، البساتين والغابات.

٥ــ الترحيل القسري للسكان، الذي أدی إلی تهديم الكيان الاجتماعي والأساس الاقتصادي وزعزعة الأمن وتدمير الوضع النفسي للمواطنين في كردستان.

٦ــ ممارسة سياسة التعريب‌و الترحيل والتهجير القسري وعن طريقها تشويه الثقافة والكيان والهوية والقيم الاجتماعية.

٧ــ التهجير والإبعاد القسري والترحيل للأكراد الفيليين من مناطق سكناهم الأصلية معظمهم إلی إيران‌، ومنعهم الحق في التجنس في العراق.

٨ــ فرض حالة الحرب المستمرة علی الكرد منذ عام ١٩٦١.

6 إن تلك الوقائع تثبت بأن الكرد تعرضوا للإبادة الجماعية تماماً من قبل أنظمة الحكم العراقية المتعاقبة تباعا منذ عام ١٩٦١، وكذلك من قبل الأتراك والإيرانيين، ولكن ما أن حقوق الإنسان في أرض كردستان لم تكن مصونة، لذی إن الشعب الكردي أصبح مضطرا للتمرد ضد والوحشية والاضطهاد، وأن يضطر للدفاع عن كيانه، كآخر حل مناسب يضطر أن يختاره تجاه الدول التي اغتصبت حقوقه، حيث جاء‌ت في المادة الأولی من لائحة منظمة الأمم المتحدة بخصوص حقوق الإنسان، إن أية قومية له الحق في تقرير مصيره وأن ينمي حقوقه السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية.

 

المحور الثاني

 

أساليب يمكن اتخاذها لتعريف الإبادة الجماعية دوليا

 

(القرارات الصادرة من دولة العراق)

لقد تم محاكمة وإدانة رجالات البعث المتهمين بموجب قوانين في محكمة الجنايات العراقية. إن هذه القوانين التي مصادق عليها من قبل المجلس الرئاسي الوطني العراقي في العام ٢٠٠٥، حيث أن المحكمة العليا العراقية اعترف بأربعة ملفات مهمة بخصوص موضوع الإبادة الجماعية والقتل الجماعي، والتي تتألف من: حملات الأنفال، القصف بالسلاح الكيماوي علی مدينة حلبجة، القتل الجماعي للأكراد الفيليين والقتل للبارزانيين وهم من أفراد عشيرة كردية معروفة ينتمي إليها مسعود البارزاني. إن ما كان مهما للأكراد أن يعمل عليها، هو استخدام هذا الملف القانوني علی المستوی الدولي عن طريق منظمة الأمم المتحدة.

إن عدد ملفات الأنفال المتحققة من قبل المحكمة العليا للجنايات في بغداد تتألف من ٤٣ ملفا متكونا من ٨٥٠٠ صفحة ومخصصة لها ٦٠ جلسة.بالإضافة إلی السلطة السياسية في بغداد باتت معرضة للانتقادات، لأنها هي أيضا لم تخطو أية خطوة لإلقاء القبض علی مجرمي الإبادة الجماعية ومحاكمتهم بموجب قرارات محكمة لجنايات العليا العراقية.

                

المحور الثالث

 

موضوع اليهود ومعاقبة النازيين

 

إن القتل الجماعي لليهود من قبل النازيين، بلا شك فهو موثق في العشرات، بل المئات من الأفلام والتقارير والوثائق والمسرحيات والقصص والروايات والمؤتمرات الدولية والمراكز البحثية.وعلی هذا الأساس لا يزال يعمل اليهود علی تذكير أجيالهم الحديثة بالمآسي التي تعرضوا لها في عملية الإبادة الجماعية التي تعرض آبائهم لها من قبل النازيون الألمان، حتى أنهم لم يتوانوا في البحث في كل بقاع العالم أحد أهم مجرمي الإبادة الجماعية بحق آباءهم اليهود حتى تمكنوا في إيجاده في الأرجنتين وخطفه إلی إسرائيل ومحاكمته هناك وإعدامه في تل أبيب بعد سنتين في عام ١٩٦٠، وكان هو ئه‌دۆڵف ئايشمان.

                                      

المحور الرابع

 

موضوع الإبادة الجماعية ضد الهنود الحمر في قارة أمريكا

 

 

اكتُشِفت القارة الأمريكية في عام ١٤٩٢ من قبل الرحالة كريستوفر كولومبوس. وحسب المعلومات التاريخية فإن هذه القارة وقبل أن يطأ كولومبوس قدمه علی ترابها، كان يعيش عليها ما يقارب مائة وعشرة ملايين من الهنود الحمر.

وعندما وصلت إليها المستعمرين الأوروپيون، كان عدد السكان الأصليين وهم الهنود الحمر فیها، في جزر الأنتيل وخليج المكسيك يبلغ ثمانية ملايين، وفي المكسيك نفسه خمسة وعشرون مليونا، وفي منطقة إنكا ثلاثة ملايين، وفي محيط الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب ثمانية عشر مليونا، والباقي كانوا يسكنون في منطقة جزيرة أريزونا. ثم بعد، ذلك قام المستعمرون الأوروبيون بفعل مجازر لا مثيل لها ضد أولئك السكان الأصليين الذين كانوا هم الهنود الحمر. إن عدد الهنود الحمر في عام ١٥٠٠ في أمريكا الشمالية وحدها كان يبلغ ثمانية عشر مليونا، ولكن بعد إبادتهم، بقي منهم في عام ١٩٠٠ مائتي ألف فقط، وبعد نزول عددهم، كانوا يظهرون بالندرة في جزر أنتيلن؛ إلا أنهم هناك أيضا كانوا يتعرضون للاستعباد.

 

فيالخمسة وثلاثين سنة، من سنة ١٥٠٥ إلی سنة ١٥٣٧، كان يبلغ تعدادهم في هاييتي فقط ثلاث ملايين، إلا أنه بعد ذلك بقي منهم ألفين فقط. لدرجة أن ثمن حصان واحد أصبح يحتسب مقابل ثمانين من الهنود الحمر. وكان الهنود الحمر العبيد يتعرضون في عصر الكولونيالية الإنجليزية الحديثة للبيع الرخيص. حيث كان ثمن كل منهم مقابل أربعون جنيها إسترلينيا. ولكن لو كان أحدهم مؤهلا للعمل الشاق أو للمقاتلة به، كان ثمنه يعادل مئة جنيه إسترليني. إن الهنود الحمر كان معرضين بسرعة وسهولة لأمراض الكوليرا والملاريا والحصبة أو الجدري.

 

من الجدير بالذكر هنا إن عدد الهنود الحمر في السنوات الأخيرة ارتفع بشكل ملحوظ. ففي عام ١٩٩٠، علی سبيل المثال، ارتفع نسبتهم إلی مليونين، ولكن نسبة العاطلين عن العمل فيه تبلغ ٩٠٪.

إن ما هو واضح هنا، هو هذه الحقيقة بأن الهنود الحمر، الذين أمريكيون بالأصل، قد تعرضوا للإبادة الجماعية من قبل المستعمرين الأوروبيين بمنهجية وبأشكال متعددة ومخططة ومتعمدة، وكذلك تعرضوا للإبادة بشكل جماعي ولتغيير تركيبتهم السكانية وتبديل ثقافتهم ومسح تراثهم الأصلي، وتعرضوا كذلك للتهجير القسري من أماكن سكناهم الأصلية والفرض عليهم الانتقال إلی أماكن أخری‌و منعهم من التكاثر، بالإضافة إلی تعرضهم للتعذيب الروحي والجسدي بهدف تغيير هويتهم القومية. يبدو أن كل تلك الممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية تجاه الهنود الحمر، إما كانت نوع من أفعال الإبادة الجماعية، لذا فإن الإبادة الجماعية تأتي تماما بمعنی أنه منذ عام ١٤٩٢ قد باتت سببا لإبادة ما يقارب مائة مليون من البشر، وإن من نفذوا جرائم الإبادة الجماعية تلك، لم إلا بشرا. لذا، فلوا نظرنا إلی ما جری في التأريخ من الإبادات الجماعية ضد البشر من قبل البشر ضد البشر أنفسهم، نستنتج بأنها قتل جماعي بنسبة ضخمة جدا بالمقاربة مع عدد أفراد البشر علی الأرض.

 

خلاصة

 

إن الإبادة الجماعية لو نظرنا إليها من منطلق القانون الدولة، فبلا شك نری أنها إعتداء سافر علی الأمن والسلام العالمي.

لذا يجب التعامل مع هذه القضية علی صعيد القانون الدولي. بمعنی أن قضية الإبادة الجماعية هي ليست سياسية فقط، بل هي أمنية بالدرجة الأولی. ثم أن حجم الإبادة الجماعية لا يقاس بمقدار عدد القتلى من الناس، ويحاسب عليها القائمين بها كمجرمين فقط، لأن الإبادة الجماعية لا يمكن فقط أن يحسب علی أن الهدف منها هو إبادة مجموعة معينة من الناس، أو جزء من شعب ما أو قومية ما، بل هي في الأخير خطر علی أمن وسلام حياة كل البشر. لذلك فإن فعل الإبادة الجماعية جاء تعريفه في معظم نقاطه علی أن الهدف منه هو تدمير وإبادة كل، أو جزء من شعب، قومية، أقلية، عرق، أو مجتمع أو ديانة، وتنفذ بمخطط متعمد. ثم إن الإبادة الجماعية هي ملف سياسي وقانوني كبير خطر، علی سبيل المثال في يد الأكراد علی المستوی الداخلي والدولي الهدف من حماية الأمن القومي والدولي والعالمي.

 

لقد اعترفت محكمة الجنايات العراقية رسميا بأربعة ملفات مهمة، والتي هي: قضية الأنفال، قضية حلبجة، قضية الأكراد الفيليين وقضية البارزانيين.

إذن ما كان ضروريا للكرد أن يفعلوه، هو أن يحركوا هذه الملفات القانونية علی المستوی الدولي عن طريق منظمة الأمم المتحدة. وفي هذا الصدد وجب علی الكرد العمل على جعل تلك الملفات قضية إبادة جماعية من الناحية الدولية، لأن الاهتمام بجعل قضية الإبادة الجماعية ضد الأكراد هو في الحقيقة محاولة لجعل تلك القضية دولية وذلك للحيلولة دون تكرار فعل الإبادة الجماعية ضد الكرد من جديد. في الحقيقة طلبت محكمة الجنايات العراقية منذ عدة سنوات بعد صدور قرار برقم (ر.س. ١٠/٨٣) وبتأريخ ١/٨/٢٠١٠ من السلطات الكردية باعتقال ٢٥٨ متهما في قضية الأنفال‌ ومشاركتهم في عمليات الإبادة الجماعية ضد الأكراد، إلا أن المتهمين مازالوا حتى الآن طليقين أمام أعين أهالي الضحايا. لهذا السبب كان يجب علی وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان في العراق الفدرالي إصدار أوامر لاعتقال المتهمين، ولكن يبدو أن الحكومة هي أيضا مسؤولة عن اعتقال المتهمين من العرب العراقيين الذين أصدرت المحكمة الاتحادية قرار الاعتقال بحق أولئك الجناة.

 

وفي الأخير فإن علمية الأنفال كانت في ذاتها مأساة بحق الشعب الكردي الأعزل. ويجب أن تتحول هذه القضية من حالة عاطفية إلی مشروع سياسي لضمان الأمن والسلام. وما بقي الحديث عنه، هو أن أحداث القتل الجماعي في التأريخ الإنساني كثيرة، وهي لم تكن ضد الأكراد قليلة. ولكن بسبب عدم تمكن الأكراد من توثيق وتدوين ما جری من مأساة القتل الجماعي بحقهم، منذ بدأ الأحداث واستمرارها بسبب عدم وصول التكنولوجيا إلی التقدم الموجود اليوم، من أجل التمكن من تدوينها، لذا لم تكن توثق بسهولة.

 

المصادر

 

المصادر باللغة الكردية

 

  • خەلیل عەبدولڵا، بەجینۆساید ناسینی ئەنفال، سلێمانی، ٢٠١١.

  • د. سالار باسیرە، گۆڤاری زانستی ئەكادیمی، زانكۆی گەرمیان،

  • شادی غازی عه‌بدولكه‌ریم، جینۆساید وەك تاوانێكی نێودەوڵەتی بەرامبەر بە گەلی كورد، زانكۆی سلێمانی، ٢٠٠٩.

  • ·د. سالار باسيرة ، جينؤسايد لة ياساكاني ريكخراوي نةتةوة يةكطرتوةكان ، ضاثخانةي جةمال عيرفان، سليَماني ، 2013.

  •  

    • Barth, Boris, Genozid. Völkermord im 20. Jahrhundert. Geschichte, Theorien, Kontroversen. München 2006.
    • Desmond F ernandez; Ronald Ofteringer, Verfolgung, Krieg und Zerstörung der ethnischen Identität: Genozid an den Kurden in der Türkei, [Hrsg.: von medico international e.V.], Frankfurt am Main, 2001.
    • Konvention über die Verhütung und Bestrafung des Völkermords. Vom 9. Dezember 1948. United Nations Treaty Series Bd. 78, S. 277. Deutsche Übersetzung (nach BGB1. 1954 II S. 730).
    • Stephan Breuer, das zwanzighste Jahrhundert und die Brüder Mann, in Ruprecht Wimmer (Hrsg), Thomas Mann und das Judentum, Frankfurt am M 2004.
    • http://www.pi-news.net/2013/05/die-100-g...-mordereien-der-geschichte
    • http://de.wikipedia.org/wiki/Holocaust
    • http://www.pi-news.net/2013/05/die-100-g...-mordereien-der-geschichte.

المصادر باللغة الألمانية                      

مصادر من المواقع الألكترونية

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net