Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الوجود الكردي في شمال سوريا : منطقة جبل الأكراد (عفرين)

( دراسة تاريخية )

الدراسة بصيغة pdf

د. محمد عبدو علي


تقديم :


للدراسة التاريخية أهميتها في كل زمان ومكان، ولكن لنشر هذا النتاج الذي بذل من أجل انجازه د. محمد عبدو علي عملاً مضنياً وجهداً شاقاً، وفق منهج علمي رصين ودقيق، أهميةً مميزة في هذه المرحلة التي يمرّ بها شعبنا الكردي، وسط عداوات متعددة الاتجاهات والمصادر ضد وجوده وحضوره، وفي وقتٍ يتصدر فيه وضعه اهتمامات أوساط واسعة في مجال الفكر والثقافة والسياسة.
هناك ضرورة وأهمية قصوى لنشر هذا العمل على أوسع نطاق، بين أبناء الكُـرد وأصدقائهم، وإيصال فحواه إلى الرأي العام العربي والعالمي، وإلى المهتمين ومختلف وسائل الاعلام، بغية ابراز وتسليط الأضواء على الحقائق التاريخية عن وجود الكُـرد على أرضهم وفي مناطقهم، ورداً على تلك الحملات الاعلامية والتوجهات الشوفينية المستمرة التي تستهدف ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.
هذه الدراسة موثقة استناداً إلى سعة إطلاع كاتبها على الكثير من المراجع واستطلاعاته الميدانية في منطقة عفرين ومواقعها وآثارها التاريخية، متمنين للقراء الكرام الفائدة المرجوة منها.


تشرين الثاني 2016
لجنة الثقافة والاعلام - KÇR

 

د. محمد عبدو علي 
* د.محمد عبدو علي (روزاد علي - Rozad Elî ) كاتب وباحث سوري كردي ، مهتم بالتاريخ الكردي وتاريخ منطقة عفرين- جبل الأكراد- بشكل خاص. نشر كُتباً مطبوعة والعديد من البحوث والدراسات والمقالات عن الأدب واللغة الكردية وحول منطقة عفرين من النواحي التاريخية والاجتماعية والسياسية، في مجلة "الحوار" باللغة العربية، وفي مجلة  Pirs  باللغة الكردية، وفي جريدة Newroz  الكردية .

 


المقدمة والأهمية


انتشرت في الآونة الأخيرة العديد من الدراسات والمقالات في الأوساط السورية، عن الوجود الكردي في سوريا. ويحصل كثيراً أن يتطرق أحدهم إلى مسألة وجود الأكراد في سوريا، وفي منطقة عفرين تحديداً، بالقول : إنهم قادمون من خارج المنطقة منذ زمن ليس ببعيد، وحلوا محل العرب السكان الأصليين للمنطقة. في الواقع كثرت دراسات ومقالات في الوسط السوري تردد هذه المقولات، وما إن تطلب الأمر ذكر اسم عربيّ واحد كان يسكن المنطقة قديما، ثم تم تهجيره من قبل الأكراد، حتى احتاروا في الجواب، لأنه في الحقيقة لن يشاهد عربيا تعود أصوله القديمة إلى منطقة جبل الأكراد (عفرين) وهُجِرَ منها، سواء من قبل الأكراد أو من غيرهم، سلماً كان أو بالإكراه، لا قديماً ولا حديثاً.
بقى الموضوع عالقا في ذاكرتي، متوثبا في خواطري بهذا السؤال: أيمكن أن تحمل وجهة النظر هذه شيئاً من الحقيقية؟ وإن لم يكن كذلك، أليس من الضروري أن يدرك مَنْ يحمل مثل تلك الأفكار، أن الأكراد هم سكان قدماء في هذه المنطقة، قبل أن تولد دولها وحكوماتها الحالية بقرون عديدة.
 بالطبع، تثير هذه النظرة استغراباً كبيراً لدى سكان المنطقة؛ لأنه، وعلى سبيل المثال، نحن في عائلتنا نحفظ شجرة عائلتنا في قريتنا في عفرين إلى الجد العاشر، أي إلى فترة لا تقل عن 250 سنة، كما أن هناك أدلة ووثائق تشير إلى وجود كردي في المنطقة لفترة لا تقل عن العهد الأيوبي، أي إلى نحو تسعة قرون خلت. حينها قررت أن أهتم بالموضوع بنفسي، ووضعت نصب عيني إنجاز بحث حول تاريخ السكن والاستيطان في المنطقة، ومعرفة الشعوب التي استوطنتها والدول التي حكمتها عبر التاريخ، والأحداث التي مرت بها.
باشرت العمل بالبحث منذ سنوات، واعتمدت في بحثي هذا مصدرين أساسيين:
الأول، في مجال التاريخ: المصادر الكتابية التاريخية القديمة والمعاصرة المتوفرة، وجاهدت أن تكون عربية وسورية بقدر ما كان ممكناً ومتاحاً، متوخيا الدقة في نقل المعلومة التاريخية.
 الثاني، في مجال الأوضاع العامة الأخرى: استندت فيها إلى الاستطلاع الميداني في القرى والمواقع، ومقابلة المعمرين وأولي المعرفة والاهتمام من أبناء المنطقة.
وفي الحقيقة، عانيت كثيراً في السنوات السبعة التي استغرقها إنجاز بحثي هذا. أولاً: لعدم توفر المصادر الكتابية التي تبحث في شؤون منطقة صغيرة كعفرين. وثانياً: بغية التأكد من معلومة ما، كنت أضطر السفر إلى القرى البعيدة أكثر من مرة، لمراجعة أكثر من مصدر لها، وهكذا بالنسبة لجمع الصور والوثائق. وأحيانا، كنت أفاجأ بامتناع بعضهم عن الحديث لأسباب قد تتعلق بماضيه الشخصي أو بماضي أسرته، أو سواه...؟ وكان الأمر يتطلب جهداً كبيراً أحيانا لإقناع هؤلاء بأن لاخوف من إظهار المعلومات والروايات التي تتعلق بحادثة ما أو بخاصية من خصوصيات مجتمع جبل الأكراد قديما. سوى ذلك، كنت ألاقي في بعض الأحيان إعراضا عن التعاون، والجفاء من بعضهم الآخر، ولحسن الحظ كانت قليلة.
إلا أنه رغم الجهد والمعاناة اللذان بذلتهما خلال سبع سنوات من البحث التاريخي و الميداني، شعرت براحة كبيرة لما توصلت إليه من نتائج، وخاصة في بحث التاريخ، لأنني أعتقد أنها أزالت الكثير من الغموض عن تاريخ جبل الكرد. ورغم النواقص والملاحظات والانتقادات التي قد تتعرض لها، إلا أنها ولا شك تحمل جزءً هاماً من الحقيقة لا يمكن لأحد من الآن فصاعدا إهمالها لدى الحديث عن منطقة جبل الكرد-عفرين، وماضيها التاريخي والاثني وتاريخ وجود الأكراد وأسلافهم القدماء عليها.
أما الأبحاث التي تتعلق بالحياة العامة للمنطقة وأحوالها، فأشعر في قرارة نفسي أن هناك الكثير الذي لم أتمكن من جمعه وتوثيقه وتدوينه، وكلي أمل أن يتم تدارك ذلك من قبل أناس آخرين يكملون ما بدأناه، ويتضمن ما لم يكن ممكناً هنا. فجهدي المتواضع هذا، هو الثالث عن المنطقة بعد دراسة السيد روجيه ليسكو في كتابه ((جبل الكرد وحركة المريدين))-1940 وكتاب ((المظالم الفرنسية.. )) ل- جميل كنة البحري-طبع 1967، وهي ورغم أنها دراسات موجزة إلا أنها تعتبر رائدة عن منطقة جبل الكرد-عفرين.
ففي هذه الدراسة حاولت ان أضع خلاصة بحثي في موضوع أشغلني للعقود الماضية، وهو ما يخص منطقتي التي انحدر منها ، جبل الكرد- عفرين- شمال حلب، وهي تعد من المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا،  محاولاً الابتعاد كلياً عن السجال السياسي الراهن حول الوجود الكردي القومي في سوريا.
تفترض هذه الدراسة أن الوجود الكردي في هذه المنطقة قديم جداً ، يبلغ عدة قرون ، وليس وليد هجرات حديثة، قبيل وبعيد تأسيس الدولة السورية، كما يزعم البعض .
ولضرورات منهجية، وضعنا المنطقة في إطار جغرافي أوسع، وهو مثلث مدن: حلب - عنتاب- انطاكية، وتقع مدينة سيروس "نبي هوري" في مركزه . وتقوم الدراسة بدراسة هذه المنطقة الجغرافية في الحقب التاريخية المتتالية من الألف الثالثة قبل الميلاد، وتعاقب الشعوب والحضارات المختلفة حتى بدايات الانتداب الفرنسي على سوريا .
 ويجدر هنا التمييز بين منطقتين تحملان نفس التسمية في سوريا، الأولى هي المنطقة التي تتركز دراستنا هذه عليها، منطقة عفرين، أما المنطقة الثانية المسماة بـ((جبل الأكراد)) أيضاً، فهي في ريف محافظة اللاذقية الشمالي، وتقع بين طريق حلب-اللاذقية في الشمال، وناحية القساطل من الغرب، ومن الجنوب ناحية صلنفة، ومن الشرق المنحدرات المطلة على سهل الغاب. وتضم المنطقة نحو خمسين قرية، ينتمي سكانها إلى عشائر كردية كبيرة كانت ولاتزال معروفة في القسم الغربي من بلاد الأكراد، ويعود بدايات وجود  الكرد في تلك الناحية الى العهد الأيوبي.
ولضرورات كتابة الاسم باللغة الكردية إلى جانب العربية، فإن كل ما يرد في الدراسة من تسميات كردية هو بلهجة أهل المنطقة مكتوبة بالأبجدية الكردية اللاتينية .


الفصل الأول: مقدمة جغرافية


1- موقع جبل الكرد :

 

 


تقع منطقة جبل الكرد أو الأكراد أو كردداغ القديمة في أقصى الزاوية الشمالية من الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وتشغل الزاوية الشمالية الغربية من قوس الهلال الخصيب ودولة سوريا، وتعتبر مرتفعاتها من النهايات الجنوبية الغربية لجبال طوروس.
تبدأ مرتفعات جبل الكرد من المنابع العليا لنهري عفرين والأسود غربي مدينة ديلوك "عنتاب" داخل الحدود التركية ، وتعتبر امتدادا طبيعيا لجبال Reşa  و  Zagê حيث مناطق الأكراد في الشمال والشرق. وتأخذ مرتفعاته اتجاهاً شمالياً جنوبياً بانحراف قليل إلى الغرب وبطول يبلغ نحو 100 كم إلى نهايته الجنوبية الغربية غربي بلـدة جنديرس- عفرين. أما عرضها فيتراوح ما بين 25 و45 كم. وينضم إلى هذه المنطقة الجبلية ، جبل ليلون وسهل جومه، وقد شكلوا معاً عبر التاريخ منطقة جغرافية واحدة ومتكاملة على طول وادي نهر عفرين.
وكانت المنطقة لقرون طويلة، إحدى مناطق العبور الرئيسية من الأقسام العليا من بلاد الرافدين وبلاد الشام إلى ساحل البحر المتوسط وآسيا الصغرى، ومنها كانت تمر الطرق المؤدية إلى انِطاكية من جهتي الشمال والشرق.
وهي منطقة غنية بالمياه، أراضيها خصبة. الأمر الذي جعل منها عبر العصور منطقة استيطان هامة، ومحل نزاع وتنافس بين دول وأقوام مختلفة عرقيا وحضاريا، ولذلك شهدت بعض أكبر الأحداث أهمية في تاريخ الشرق الأدنى.
ويأخذ جبل الكرد، اسمه من القوم الذي يقيم في أرجائه وهم الأكراد، وهي تسمية قديمة للجبل، ولا نعرف تسمية أخرى غيرها، واستعمله العثمانيون قبل ذلك، ويسميه الأكراد بلهجتهم المحلية "جبل الكرمانج"  ، والكرمانج هي تسمية لإحدى لهجات الأكراد أيضاً.


2- القسم السوري من جبل الكرد: الموقع والمساحة


بعد احتلال القوات الفرنسية لشرقي البحر المتوسط وسوريا، قسمت منطقة جبل الكرد القديمة إلى قسمين: شمالي ضم إلى تركيا، وجنوبي احتفظ به الفرنسيون، [المصور(1)]. وبقيت التسمية العثمانية للجبل "كردداغ" في التداول الرسمي في سوريا حتى السنوات الأولى من استقلالها، ثم ترجم الاسم إلى العربية وأصبح "جبل الكرد"، فعرفت المنطقة بقضاء جبل الكرد ثم منطقة جبل الأكراد. وفي سنوات الوحدة المصرية - السورية أهمل استعمال ذلك الاسم وأصبحت تعرف بمنطقة عفرين نسبة إلى اسم النهر والمدينة. ولكن بقي اسم جبل الكرد كتسمية جغرافية متداولا في كتب الجغرافيا المدرسية وغيرها.
وفيما بعد، حينما قامت الحكومة بتعريب الأسماء في مناطق شمالي سوريا، كانت من جملة ما أقدمت عليه أن أطلقت اسم "جبل حلـب" على جبل الأكراد بدلا من تسميته التاريخية، رغم بعده الكبير عن حلب.
يقع القسم السوري من جبل الكرد بين خطي الطول 36.33 غربا و 37 درجة شرقاً وخطي العرض 36.20 جنوبا و 36.50 درجة شمالاً. وهو منطقة إدارية تابعة لمحافظة حلب وتعرف باسم منطقة عفرين، وتقع في أقصى الزاوية الشمالية الغربية من دولة سوريا، وتفصلها عن جبال الأمانوس Gewir  السهل المسمى Lêçe  بعرض يتراوح ما بين 10 و 20كم. أما أقرب نقطة في المنطقة إلى البحر المتوسط وميناء اسكندرونة ، فهي قرية قرمتلق غربي شيخ الحديد وبمسافة 38كم كخط نظر. وتبلغ مساحة منطقة عفرين الإجمالية حسب المصادر الرسمية 2050 كم2 .


أبرز ما يميز منطقة جبل الكرد من الناحية الجغرافية، هو:
- مناخها المتوسطي ، ويتميز بدرجة حرارة معتدلة ، ومعدلات أمطار تتراوح بين 400-600 ملم.
- غناها بالمياه: يعبرها نهر عفرين من الشمال إلى الجنوب ويرفده نهر سابون قرب الحدود التركية في الشمال، ويجري النهر الأسود على حدودها الغربية، كما توجد عشرات الينابيع والجداول في سهولها ووديانها الخصبة.
- سهل جومه الخصب: ويمتد لعشرات الكيلومترات على ضفتي نهر عفرين. إضافة إلى المناطق المنخفضة الأخرى بين المرتفعات الجبلية ، وهي صالحة لمختلف أنواع الزراعات الموسمية والأشجار المثمرة.
 - تضاريسها جبلية قليلة الارتفاع نسبيا، وهي صالحة للسكن والإقامة في مختلف فصول السنة، كما تناسب الرعي، وتتيح سفوحها القليلة الانحدار المجال للزراعات المنزلية الصغيرة والأشجار المثمرة. فمنحت هذه الخصائص الجغرافية مجتمعة، منطقة جبل الأكراد فرصا مواتية للسكن والاستيطان منذ أقدم العصور.

 

الفصل الثاني: منطقة جبل الكرد في العصور التاريخية : التابعية الإدارية والسياسية، هوية السكان، الأوضاع العامة الأخرى :


 1- منطقة مثلث سيروس"نبي هوري"  :


 بغية التعرف على الأوضاع العامة في منطقة جبل الأكراد عبر التاريخ، وضعنا المنطقة في إطار جغرافي أوسع، وهو مثلث مدن: حلب - عنتاب- انطاكية، وتقع مدينة سيروس "نبي هوري" في مركزه. ضمن هذا النطاق، تعتبر مناطق: سهل العمق، وانطاكية، وسهل جومه، وجبل الأكراد، ونواحي سيروس شمالاً، حتى عنتاب... مناطق متصلة جغرافياً، ومتشابهة في المناخ والتضاريس، [المصور (1)]. ونعتقد أن ذلك، "بالإضافة إلى المكتشفات الأثرية الكثيرة المتشابهة"، يوحي بل ويحتم بأنه كان هناك تماثلٌ عرقي، وارتباط ثقافي وسياسي مستمر في تلك المناطق عبر مراحل طويلة من الزمن، خاصة وأنه كانت هناك مملكة قوية في سهل العمق، عرفت باسم "آلالاخ" ظلت تحكم هذه المنطقة، وحافظت على كيانها السياسي خلال الفترة ما بين 2700- 1200ق.م. كما تدل حفريات "آلالاخ" في العمق وسهل جومه، على مدى عمق العلاقة بين سهل العمق، والمراكز المأهولة القديمة في جبل الأكراد وسهل "جومه" وموقع "عيندارا".

 

2- منطقة مثلث سيروس " نبي هوري"  في الألف الثالث ولغاية عام 1200 قبل الميلاد:


تشير التنقيبات الأثرية إلى أنه في الألف الثالث قبل الميلاد، كانت هناك ممالك متفرقة في سوريا الشمالية مثل "أوغاريت، وإيبلا، وكركميش، ومملكة آلالاخ في سهل العمق". وكانت تلك البلاد تسمى " آمورو- الغرب" أي بلاد غربي الفرات. والآموريون: اصطلاح جغرافي يدل على سكان ينتمون إلى أجناس وأعراق مختلفة سكنوا تلك المناطق / د. فرزات، ص121/. وقد أسس سكان العمق منذ سنة 2700ق.م مملكتهم المعروفة في التاريخ باسم "آلالاخ"، [المصور- 5-].
وعن هوية سكان سهل العمق ومملكة آلالاخ في فجر التاريخ، يقول السيد "ووللي" ما مفاده: بأن أبنية آلالاخ القديمة كانت مماثلة لبناء بلاد الرافدين، ولم تكن تشبه نوع البناء في سوريا، كما أن هناك تشابهاً بين فخار بلاد الرافدين وسهل العمق للفترة التي تعود إلى فجر التاريخ، أي أواخر الألف الرابع وبداية الألف الثالث قبل الميلاد، وهو يشير إلى وجود تشابه حضاري وربما قرابة عرقية في تلك الفترة بين سكان المنطقتين.


أما في الثلث الأخير من الألف الثالث ق.م، فقد كان سكانها خليطا من شعوب شمالية وشرقية. وقد بقيت آلالاخ من الناحية السياسية مستقلة طوال الألف الثالث ق.م، سوى خضوعها بعض الوقت للملك الأكادي سارجون الأول، الذي قام بغزوها سنة 2300ق.م لإخضاع ملكها الذي كان يتحكم في أخشاب جبال الأمانوس. ولكن التنقيبات لا تشير إلى أي سكن آكادي فيها. وبقيت آلالاخ مملكة مستقلة لغاية 1900ق.م. وفي هذا التاريخ، احتل الفرعون "سنوسرت" الأول مملكة يمخاض "حلب"، وبلغ آلالاخ، ووضعها تحت وصاية ملك يمخاض المدعو"آبان".
وفي فترة تراجع النفوذ المصري عن سوريا 1870- 1750 ق.م، ثار سكان آلالاخ على ملك يمخاض الموالي للمصريين، ولكن ثورتهم قمعت بشدة، وضمت آلالاخ إلى يمخاض مباشرة. بل إن ابن "آبان" المسمى " ياريم ليم" - وتحسبا من هجمات البابليين على حلب- نقل مركز حكمه إلى آلالاخ.
وقد أظهرت التنقيبات أن سلالته، بخلاف غالبية سكان آلالاخ الجبليين، بقوا غرباء عن سكان آلالاخ، ولعدم ثقتهم بسكان آلالاخ، كانت حماية المواقع العسكرية في المدينة تسند إلى جنود أجانب يؤتى بهم من عاصمة حكمهم في حلب، ربما لأن الفئة الحاكمة كانت من العنصر السامي، حسب قول ووللي. ورغم ازدهار آلالاخ في ذلك العهد، فإن التنقيبات في تل العطشانة تدل على أن سكانها قاموا بثورة على " نيقميد - إيبوخ ابن ياريم ليم"، وحرقوا قصره للحصول على استقلالهم عن حلب، وذلك في الفترة ما بين 1750 و 1730ق.م.
وفي نهاية الربع الأول من الألف الثاني ق.م، كانت المجموعات السكانية الهورية قد انتشرت بكثافة على مناطق واسعة من الشرق الأدنى في وادي الخابور، والجزيرة، وإبلا، وآلالاخ وأوغاريت، ووصلت إلى ساحل البحر المتوسط.
وقد اكتشفت في تلك الأماكن رقم كثيرة باللغة الهورية، منها أول نوطة موسيقية مدونة في العالم لأنشودة دينية باللغة الهورية، وبلغت سعة انتشارهم في سوريا في القرنين الخامس والسادس عشر ق.م إلى درجة أطلق المصريون على سوريا وبلاد كنعان اسم "خورو".
وكان الهوريون قد أسسوا منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد ممالك وإمارات، من بينها مملكة نوزي "كركوك" في أقصى الشرق، ومملكة "عنتاب" في أقصى الغرب.
وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر ق.م، اكتسح الهوريون بلاد الهلال الخصيب وسماهم الإغريق بالهكسوس، وهم على رأي د. صفدي /ص103/ كانوا خليطا من الهوريين والكاشيين والحثيين الذين ينتمون إلى الأصول الهندو أوربية، فاستولوا على حلب، وعلى مصر في سنة 1730 ق.م. وبعد حركتهم الكبرى هذه، أسسوا مملكة كبيرة في الشرق الأدنى سميت بمملكة "ميتاني" التي امتدت حدودها من جبال زاغروس في الشرق، إلى البحر المتوسط في الغرب. وشملت بذلك شمالي سوريا، وآلالاخ،  وأوغاريت، حتى جبال الأمانوس.
وقد عثر في آلالاخ على وثائق مكتوبة مختومة بالخاتم الخاص للملك الهوري "شاوشتار". كما كشفت حفريات "ووللي" النقاب عن معبد خصص للإله الميتاني "ميثرا". وفي سوية البناء العائدة إلى الفترة 1595-1447ق.م عثر على تمثال "لزوجين" من البازلت لرجل وامرأة، وكان قد عثر على تمثالين مطابقين لهما على أحد أبواب دياربكر في قلب البلاد الميتانية، وهذا يدل على ارتباط آلالاخ بالاتحاد الميتاني واعتناقها للديانة الميتانية.
وفي عام 1527ق.م غزا الفرعون "تحوتمس" الأول سوريا، واحتل حلب. وتدل الآثار على تمركز قوة مصرية في آلالاخ، ولكن الاحتلال لم يدم طويلا، حيث ثارت الحكومات الهورية والمملكة الميتانية، وتمكنوا من طرد المصريين.
وفي عام 1482ق.م، عاد المصريون واحتلوا آلالاخ، ودام حكمهم لشمالي سوريا نحو مائة عام، حيث بقيت آلالاخ خلالها مملكة تابعة للفراعنة، واتسعت حدودها وسميت بمملكة "موكش، أو موكيش"، ونصب الفرعون "تحوتمس الثالث" الملك الهوري المسمى "تاكو" حاكماً لها، وأسس سلالة "نقمي با" الهورية في آلالاخ.
بعد وفاة تحوتمس الثالث عام 1447ق.م، قامت ثورة في سوريا على المصريين بتحريض من مملكة ميتاني، فتراجع نفوذ المصريين أمام قوة الميتانيين. وأصبحت آلالاخ مملكة شبه مستقلة ضمن الاتحاد الهوري في ظل حكم ملكها "نقمي با".
وكشف النقاب في آلالاخ عن قصر الأمير الميتاني "نقمي با" من فترة أوج المملكة الميتانية، والقصر نموذج من البناء الميتاهوري المسمى "هيلاني". ومن بين الرقم العديدة المكتشفة في آلالاخ من زمن ملكها "نقمي با"، رقيم يتضمن وصفاً لعملية ارتقاء شخص من آلالاخ إلى مرتبة اجتماعية تسمح له بالحصول على مرتبة "هوري". كما تضمن الرقم ذكراً لأرباب الميتانيين، وهذا يوحي بأن آلالاخ كانت خاضعة لمملكة ميتاني مباشرة.
وقد أثبتت أبحاث ووللي وفريقه أن العنصر الهوري كان هو الغالب في آلالاخ، كما كانت توجد أعداد كبيرة منهم في منطقة أوغاريت. وكانت اللغة السائدة هي الهورية، /د. فرزات ص141/.
ومن الأواني الفخارية السوداء المنقوشة من نموذج " نوزي " التي اكتشفت في آلالاخ في الفترة 1450-1350ق.م، بدا وجود علاقة وطيدة بين آلالاخ والعواصم الهورية الهامة مثل نوزي "كركوك"، وتل براك على الفرات الأعلى. وان علاقتها كانت حسنة مع حكومات سوريا الشمالية أكثر من شرقها. كما كانت على علاقة تجارية قوية مع منطقة غربي بحيرة وان "منطقة أورارتو لاحقا"، المتطورة في صناعة المعادن.
ومن الجدير بالذكر عن فترة القرنين السادس عشر والخامس عشر ق.م، أن حلب كانت مركزا هوريا تقليديا، وفيها حكومة هورية قوية. وبعد وفاة "نقمي با"، انتقل حكم آلالاخ إلى ولده "إيليم إيليما". ولكن بسبب ميوله للفراعنة، قامت عليه ثورة في آلالاخ أودت بحياته. وتوارثت أسرة "نقمي با" حكم آلالاخ حتى عام 1370ق.م، حينما استولى الحثييون على بلاد حلب وموكيش "آلالاخ"، ففقدت آلالاخ استقلالها، وضمت إلى مملكة حلب التي بقيت خاضعة للسيطرة الحثية، رغم قيام ثورات عديدة  عليها في حلب وآلالاخ عام 1280ق.م.
أما على الصعيد السكاني في المرحلة الحثية، فإن رُقُم سويات البناء الثالثة 1370-1347ق.م في آلالاخ، تشير إلى تبدل في الأصول العرقية لبعض السكان. حيث عمد الحثييون إلى تغيير الإدارة والمعتقدات ومحاولة جعل كل شيء حثيا، بهدف جعل آلالاخ مركزاً سوريا للديانة الحثِّية. والشيء الملفت للنظر في هذا العهد الحثي الجديد - على رأي السيد ووللي- هو ظهور فخار "نوزو" ذو الأصل الميتاني، بكثرة في آلالاخ. ويبدو أن هذا كان نوعا من تحدي شعب آلالاخ للحكم الحثي.
وتشير الأبحاث، أنه بعد وفاة الملك الحثي "شوبيلوليوما" سنة 1347ق.م، وتولى ابنه "مورشيل الثاني" الحكم، قامت ثورات ضد الاحتلال الحثي في  كل من آلالاخ وحلب، إلا أنها سحقت من قبل الحثيين. ورغم ذلك بقي الناس يعبرون عن نقمتهم على الحثيين باستمرار استعمالهم للفخار النوزي "الهوري" رمزا لتحدي الحكم الأجنبي. بل شجع الملوك الميتانيون تداوله وصناعته في جميع البلاد الخاضعة لنفوذهم، بدءاً من نوزو "كركوك" في الشرق، إلى آلالاخ في الغرب. إلا أنه رغم النفور من الحثيين من قبل السكان الهوريين في آلالاخ، سادت فترة هدوء وسلام طويلة في عهدهم، ازدهرت فيها آلالاخ، وتمكن الحثييون خلالها تعزيز مراكزهم في سوريا حتى عام 1280ق.م، حيث قامت ثورات ضد الحكم الحثي في كل من آلالاخ وحلب.
وتشير الدلائل الأثرية، "من النصف الثاني من القرن الثالث عشر ق.م"، أن حشدا كبيرا من سكان آسيا الصغرى بداوا يفدون إلى آلالاخ، فظهرت عادة حرق الموتى، حتى أصبحت عامة في آلالاخ كما يقول ووللي، وهي عادة غير سامية.
كما أن هجرات كبيرة من شعوب "هندو أوربية" سمّوا بالشعوب البحرية منهم الفريجيون "أجداد الأرمن" والفلسطينيون والسكيث والكيمريون…، وفدت إلى شرقي المتوسط والأناضول، فسقطت عاصمة الحثيين "حاثوشا" أمام غزواتهم الكاسحة، ثم اجتاحت سوريا أيضاً، وسقطت حكومات حلب وكركميش في أيديهم. أما آلالاخ: فقد سقطت سنة 1194ق.م ولم تقم لها قائمة بعد ذلك، وظلت مملكة منسية إلى أن أزال عنها السيد "ووللي" وفريقه العلمي التراب قبل بضعة عقود.


3 – منطقة مثلث سيروس في الفترة ما بين 1200-333ق.م:


استغل الآشوريون ذلك الفراغ الدولي الذي أحدثته غزوات شعوب البحر في الشرق الأدنى، وبدؤوا بالتقدم شمالا نحو آسيا الصغرى، وغرباً نحو سوريا القديمة، فاصطدموا بالآراميين الذين كانوا أيضاً قد استغلوا ذلك الفراغ السياسي وبدؤوا بالاندفاع من موطنهم الأصلي في الجولان باتجاه الشمال والشرق، إلا أن المقاومة الآشورية ردتهم إلى غربي الفرات، فاضطرت بعض القبائل الآرامية الغازية إلى البحث عن سبيل آخر تجد فيها المقاومة الضعيفة، وكانت البلاد الميتانية فريسة سهلة لتلك القبائل، فاستطاعت خلال 300- 400 سنة الوصول حتى "مراش، وملاتيا" في أقصى الشمال، ونجحت في تأسيس إمارات صغيرة في قلب العالم الهوري. إلا أن تلك الإمارات الآرامية في الشمال وأنحاء سوريا، لم تدم أكثر من قرنين من الزمن، إذ سقطت الواحدة تلو الأخرى بيد الآشوريين. أما إماراتهم في سوريا الشمالية وما جاورها في أواسط الأناضول، فكانت شمأل "زندشيرلي" 900-738ق.م، في نواحي عنتاب. آرباد أو بيت جوش "جوشي" في تل رفعت وعيندارا وعفرين، وسقطت آخر المدن الرئيسية لهذه الإمارة الأخيرة وهي خزازو "أعزاز" بيد الآشوريين عام 738ق.م.
ورغم سقوط تلك الممالك؛ إلا أن العنصر الآرامي ترك شواهد كثيرة تدل على إقامة طويلة في سوريا الشمالية. وعلى سبيل المثال، لا تزال العديد من المواقع والقرى في منطقة عفرين تحتفظ بأسماء ذات دلالات آرامية.
أما المقاطعات الحثِّية، مثل حطينا "العمق"، وكركميش، وجورجوم "مراش"، وملاتيه، فقد قدمت فروض الطاعة للملك الآشوري "تيغلات بلازر" الثالث 745-727ق.م. ولكنها بقيت حثية، وحافظت على ثقافتها الوطنية والوجود القومي لهم في مراش حتى أواخر العهد الإسلامي. وكانوا مسيحيين، وسموا بالجراجمة نسبة إلى اسم مدينتهم جرجم "مراش الحالية"، كما بقي اسم "حاثيا" يطلق على سوريا.
من الجدير بالذكر، أنه جاء في تقويم الملك الآشوري " تيغلات بلاسر" لعام 738ق.م، بأن الآشوريون قد هجروا عددا من الأسرى الكوتيين،  وهو اسم كان يطلق على جميع الأقوام التي كانت تقطن شمال وشمالي شرقي المملكة الآشورية أي بلاد المملكة الميدية فيما بعد، وهم شعوب "ماد وميتان وأورارتو وسكيت وكيمر…" /دياكونوف، ص191-192/، وتم استيطانهم في شمالي سوريا وفينيقيا الشمالية. وحسب أقوال بطليموس، أنهم كانوا يسمون تلك المنطقة التي أجبر الميديون "الكوتيون" على الاستيطان فيها بـ "سوريا الميدية- "سورميد"، /دياكونوف، ص191-192/.
وفي الفترة ذاتها، كان ملوك أورارتو قد أسسوا مملكة كبيرة في شرقي الأناضول، وامتد نفوذها إلى سوريا الشمالية وحلب وكوماجيني- ملاتيه. وفي سنة 743ق.م، اصطدم الآشوريون بهم وبحلفائهم من الممالك الآرامية الصغيرة في شمالي بلاد الشام، مثل إمارة "ماتي ايلو- بيت أجوش - ارباد "، تل رفعت الحالية، وتراجع على إثرها "ساردور" الثاني، ملك أورارتو إلى بلاده، وضم  الآشوريون بلاد الشام نهائيا إلى إمبراطوريتهم.

وفي عهد الملك الآشوري الأخير "أسارحدون" كانت القبائل الهندو أوربية "الميدية، والكيمرية، والسكيت" قد اتحدوا في دولة واحدة، وبدأوا الهجوم على العاصمة الآشورية "نينوى"، وتمكنوا في عام 612ق.م بالتعاون مع البابليين من الاستيلاء عليها. واكتفى الميديون بحكم الجزء الشمالي من الشرق الأدنى. وأصبحت المناطق الشمالية من قوس الهلال الخصيب، بما فيها مناطق جبال الكرد والأمانوس وصولا إلى البحر المتوسط، ضمن ممتلكات الإمبراطورية الميدية، ومسكونة بهم، [المصور (6)].
ويذكر المستشرقان المعروفان /نيكيتين ص139، وليرخ ص13/، أن الميديين انتشروا مع توالي الأجيال على أجزاء كبيرة من غربي آسيا، وأقرب مركز لهم من ناحية الغرب، كانت ضواحي انطاكية، وبالتحديد حول حلب. أما في آسيا الصغرى، فكان نهر "الهاليس: قزل إيرماك" الحد الفاصل بينهم وبين المملكة الليدية اليونانية. ثم سقطت هذه الدولة الميدية الكبرى سنة 558ق.م بيد أمير مقاطعة فارس المتمرد "كيروش أو كورش" حفيد الملك الميدي. وكانت فارس إحدى مقاطعات الإمبراطورية الميدية، وتأسست بذلك المملكة الأخمينية الفارسية المعروفة في التاريخ.
ومن الجدير بالذكر هنا أن المستندات والوثائق التي وجدت في حصون الملك الفارسي داريوش، كشفت أن الميتانيين - في تلك الفترة- كانوا يسمون بالميديين، فقد كان الميتانيون اختلطوا في ذلك العهد بالميديين تماما، /دياكونوف- ص297/.
وفي سنة 540ق.م. هزم الأخمينيون الجيش الليدي، واستولوا على كامل آسيا الصغرى ومناطق حلب. وفي السنة التالية خضع لهم كامل سوريا. واستمرت الإمبراطورية الأخمينية في حكم الشرق الأدنى إلى سنة 330ق.م، وانتهى حكمهم باستيلاء الاسكندر المكدوني عليها.


4-  منطقة مثلث سيروس في الفترة 332 ق.م – 637 م :


بعد أن أنهى الإسكندر المكدوني في سنة 332ق.م توحيد البلاد اليونانية، توجه بقواته نحو ممرات الأمانوس، فدارت بينه وبين الملك الفارسي "داريوس الثالث" معركة "إيسوس" المعروفة في التاريخ، وانتصر فيها، ثم تابع زحفه على طول ساحل المتوسط، ففتح مصر، ثم توجه نحو بلاد الرافدين وانتزعها من الفرس بعد معركة قرب "أربيل" سنة 331ق.م، ثم زحف نحو فارس، ووصلت قواته إلى حدود الهند.
وبعد وفاة الإسكندر سنة 329ق.م، انقسمت إمبراطوريته إلى ثلاث دول: إحداها: الدولة الشرقية التي قامت في سوريا وبلاد الرافدين، وعرفت باسم السلوقية، نسبة إلى مؤسسها القائد "سلوقس نيكاتور"، واتخذت من مدينة انطاكية المبنية حديثا عاصمة لها. وعاشت هذه الدولة إلى سنة 189ق.م. كما بنيت مدينة سيروس "نبي هوري" عاصمة ج.الكرد قديما في عهد هذه الدولة السلوقية. وفي سنة 64 للميلاد، دخل الرومان سوريا وأصبحت مقاطعة رومانية وعاصمتها انطاكية، ورابط في مدينة سيروس الفيلق الروماني العاشر "فريتنسيس" ومن بعده الفيلق الرابع "فلافيا".
وتشير المصادر التاريخية إلى صراع شديد بين الفرس والبيزنطيين على امتلاك مناطق ج.الكرد وسمعان التي كانت مشهورة بغناها في تلك الفترة. فأقدم الفرس في إحدى غزواتهم في أوائل القرن السابع الميلادي على تدمير كثير من القرى، وقطع أشجارها، واتلاف مزروعاتها، وتركوها خراباً، / د. شعث  ص12/. وكان هذا القتال الفارسي – الإغريقي هو الأخير حول حلب وجبلي سمعان والكرد في سوريا، حيث بدأت بعدها العهود الإسلامية.
ويمكن إيجاز صورة الأوضاع الإثنية في شرقي المتوسط، بين فترة دخول اليونانيين وظهور الإسلام، على الشكل التالي:
كانت حدود العرب هي الصحراء، ولم تكن للغتهم أي أثر في سوريا على عهد السلوقيين والرومان، /الدر المنتخب - ص27/. فكانت الآرامية هي اللغة الشعبية الأكثر انتشارا، واليونانية لغة الثقافة، واللاتينية لغة الدواوين. وكانت لليونانيين مدن ومعاقل عسكرية منتشرة بكثرة في جميع أرجاء ممتلكاتهم في بلاد الشام وآسيا الصغرى. كما كانت لهم مستوطنات تجارية في سوريا قبل مجيء الفرس إليها في القرن السادس ق.م. وكانت النقود اليونانية "دراخما" هي المتداولة بين الناس قبل مجيء الإسكندر بنحو 125 سنة. فتطورت تلك المستوطنات اليونانية القديمة بعد استيلائهم على الشرق.
أما الميديون والحثّييون فقد استقروا في الشمال والشرق من سوريا، وبقي بقايا الآراميين في بعض مناطق إماراتهم القديمة، إضافة إلى أكثرية منهم في سوريا الوسطى والجنوبية.
وبظهور العرب المسلمين، كقوة سياسية جديدة في الشرق الأدنى، وذات حركة عسكرية ناجحة، فتح الطريق أمام تبدلات عميقة وجذرية في الأوضاع السياسية والإثنية، وغيرت وجه الشرق الأدنى مجدداً ولقرون لاحقة.


5- منطقة مثلث سيروس في عهد الخلافة الإسلامية:


أ - فترة الخلفاء الراشدين  636-660م :


وصل العرب المسلمون إلى مناطق شمالي سوريا في خلافة عمر بن الخطاب 634-644م بقيادة أبي عبيدة بن الجراح. وتمكن أحد قواد جيش المسلمين "عياض بن عبد غنم" من فتح انطاكية بعد قتال شديد مع حاميتها، وأخذ الجزية منهم سنة 636م. ثم تحولت قوات المسلمين شمالا نحو مناطق ج.الكرد وسيروس، كما يقول البلاذري /ص163/ عن ذلك: ((إن خيول أبي عبيدة فتحت قرى الجومه، … وانطاكية سنة 637م، وسار نحو قورس " نبي هوري" وفتحها صلحا بموجب اتفاق عقد مع راهبها خارج المدينة في قرية "شرقينا ، وغلبت على جميع أرض قورس...)). واستمرت تلك القوات في الصعود شمالا بقيادة "حبيب بن مسلمة الفهري"، فاستولى على مدينة الجرجومة "مراش" على جبل "اللكام" سلماً. وهكذا استولى المسلمون على منطقة سيروس سنة 637م، بعد التنويه بأن اسم سهل "جومه" هو نفسه وقتئذ، وكان فيه قرى مسكونة حينها.


ب - في العهد الأموي 660-750م :


لم تجرِ أحداث هامة في هذه الفترة في مناطق مثلث " سيروس "، سوى في سنة 707م، حيث وجه الوليد بن عبدالملك قوات له إلى مدينة الجرجومة "مراش" ودمرها، وأنزل الجراجمة النصارى من الجبل إلى مناطق السهول وألبسهم لباس الإسلام، وأسكنهم جبل الحوار "هاوار"  ، وسنح اللولون "سمعان"، وعمق تيزين في العمق. كما هجر بعضهم إلى حمص، / فتوح البلدان، ص 163 و 165/. أي أن جبلي هاوار وليلون من منطقة عفرين الحالية صارا مستقرا لبعض هؤلاء الجراجمة الحثيين.
وتقول المصادر التاريخية والكتب الدراسية في سوريا، إن المارونيين في لبنان هم أحفاد هؤلاء الجراجمة. ويستدل على ذلك بقصة ولادة مار مارون وحياته ووفاته في منطقة عفرين الحالية، وقصة تحويله سكان جبل ليلون إلى الدين المسيحي، وكان لسكان جبل ليلون وجبل الأكراد في تلك الفترة، صلات انتماء وقرابة مع الشعوب الجبلية، ومنهم الحثييون بطبيعة الحال، الذين أُسكِنَ بعض الجراجمة بينهم وفي مناطقهم.


ج - في العهد العباسي 750- 1256م:


في بداية هذا العهد اتضحت الأمور أكثر، وترسخت الحدود بين الدولتين العباسية والبيزنطية، وسميت مناطق سيروس والحواضر الحدودية في الشمال بالثغور والعواصم.
في عام 944م، أسس سيف الدولة الحمداني إمارته في حلب، وأخضع شمالي سوريا لسلطته. وكانت سنوات حكم الحمدانيين فترة حروب وغارات مستمرة مع البيزنطيين، فتحولت مناطق جبال سمعان "ليلون" والكرد إلى خطوط تماس حدودية بين الدولتين. ففي عهد سعد الدولة الحمداني كان خط التماس الحدودي يمر من قرى باسوفان وكيمار وبرصايا "قسطل علي جندو" وينتهي في مردج دابق، /كتاب اليواقيت والضرب، ص128/. وبين أعوام 962 و 985 م، تبادل الحمدانيون والبيزنطيون السيطرة على حلب وانطاكية عدة مرات. وفي هذا العام الأخير، استعاد سعد الدولة كنيسة سمعان من البيزنطيين وكانت قلعة حصينة. وانتهت الدولة الحمدانية في حلب سنة 1001م، بسيطرة المرداسيين عليها، وتأسست الإمارة المرداسية فيها.
تداول حكم حلب بعد هذه الفترة بين المرداسيين والفاطميين حتى عام 1079م، حينها استولى عليها السلاجقة وجعلوها أحد المراكز الرئيسية لحكمهم. وفي عام 1082 جمع مسلم بن قريش العقيلي صاحب حلب والموصل قبائل من العرب والأكراد، وأستعاد بها حلب وبعض الحصون من السلاجقة، كما قبض على ولدين لمحمود بن مرداس وأخذ منهما قلعة أعزاز.
أما انطاكية فقد استعادها سلطان السلاجقة سليمان بن قتلميش من البيزنطيين سنة 1084م، ودارت بينه وبين مسلم بن قريش العقيلي، معركة في موقع "بئر راحل" قرب نهر عفرين للسيطرة على حلب، انتصر فيها سليمان وتمكن من قتل مسلم في المعركة، لكنه عجز من السيطرة على حلب.
وفي سنة 1105م، سقطت انطاكية بيد الصليبيين في حملتهم الأولى، فأسسوا فيها إمارة لهم، وخضعت مناطق جبل الأكراد لحكمهم فترة طويلة من الزمن، وقعت فيها وقائع عديدة بين الصليبيين أمراء الرها وانطاكية وبين السلاجقة، إلى أن تحول حكم حلب سنة 1128م إلى عماد الدين زنكي، فبدأت معها فترة حكم الزنكيين في حلب وبلاد الشام.

 

د - الفترة الزنكية


اتسمت الفترة الزنكية أيضاً بالحروب المستمرة مع الصليبيين، إذ كانت الغارات المتبادلة تأخذ مسارين، الأول: المناطق الخاضعة لإمارة الرها الصليبية في شمال حلب، وهي مناطق أعزاز وجبل الأكراد، وسيروس، والراوندان، وعنتاب امتدادا إلى الشمال والشرق. والثاني: محور حلب وحارم وانطاكيا باتجاه المناطق التابعة للإمارة الصليبية في انطاكية.
أستولى عماد الدين زنكي في عام 1145م على الرها عاصمة الإمارة الصليبية وممتلكاتها شرقي الفرات، إلا أن "جوسلين الثاني" الصليبي أمير الرها بقي مسيطرا على مناطق الإمارة غربي الفرات، وكان من حصونه وقلاعه "أعزاز، قورس، راوندان، دلوك "عنتاب"، مرعش، نهر الجوز…"، إلا أن نورالدين تمكن من احتلال هذه القلاع عام 1155م. وفي سنة 1164م استعاد حارم أيضاً من الصليبيين، ولكن بقي الطرفان يتناوبان السيطرة علي مناطق مثلث سيروس، وذلك على ضوء التقلبات السريعة والمتلاحقة في الأوضاع السياسية والعسكرية التي كانت من سمات تلك المرحلة.


هـ - الفترة الأيوبية:


في 1175م انتقل حكم شمالي سوريا من الزنكيين إلى الأيوبيين ، فقد توجه صلاح الدين إلى أعزاز وفتحها بعد حصار دام شهرا كاملا، وسلمها إلى ابن أخيه تقي الدين عمر، وفتح عنتاب في سنة 1182م. وفي سنة 1188م استعاد قلعتي "دربساك وبغراس" المجاورتين لانطاكية من الإفرنج، وسلم أمرها إلى صاحب أعزاز "علم الدين سليمان بن جندر". وبعد وفاة السلطان صلاح الدين سنة 1193م، تولى ابنه الملك الظاهر "غياث الدين" حكم حلب وتوابعها مثل حارم واعزاز وتل باشر ودربساك وغيرها، إضافة إلى جميع مناطق سوريا الشرقية. وفي عام 1240م استلم الملك الحافظ ارسلان شاه بن الملك العادل الأيوبي حكم اعزاز وتوفي فيها في العام التالي. واستمر الأمر بيد الأيوبيين إلى مجيء التتار بقيادة هولاكو، فاستولى على أعزاز وحارم مرورا بجبل الكرد سنة 1258م.
ذكر الغزي ص 291، أن الأيوبيين أشادوا في أعزاز جامعا كان يسمى في أيامه بالجامع الكبير، وقد ذكر ما هو كان مكتوبا على باب الجامع (( بسم الله الرحمن الرحيم في سنة 644 هـ /1246م أمر بعمله مولانا السلطان العالم العادل الملك الناصر صلاح الدنيا والدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن أيوب ناصر أمير المؤمنين خلد الله ملكه)).


6- منطقة سيروس في الفترة المملوكية 1260-1516:


أ: الإمارة المندية


كان الأيوبيون قد منحوا ناحية القصير في سهل العمق لأمير كردي يسمى "مند"، فأسس مند إمارة عرفت في المصادر التاريخية بـ "إمارة كلس وأعزاز" ، في منطقة مثلث سيروس، أي كامل منطقة عفرين الحالية إضافة إلى نواحي حارم، وشمالي سهل العمق وأعزاز وكلس، وإمتدادات جبال الكرد شمالا داخل الحدود التركية الحالية.
 [المصور (7)].  ولعل خير من أرخ لهذه الإمارة ، وتطرق لشؤونها هو "شرف خان البدليسي" ، في مؤلفه المشهور /شرفنامة- سنة 1596م/، فقد عاصر الإمارة، وكان قريبا من الباب العالي العثماني، ومطلعاً على أحداث الإمارة ووقائعها.
يقول شرفخان عن الأمير "مند" ونسبه: أن المنديين أبناء عمومة لحكام هكاري والعمادية (في كردستان العراق). فشمس الدين من أسرة حكام هكاري، وبهاء الدين من حكام العمادية، ومنتشا أو مند شاه مؤسس إمارة كلس، كانوا ثلاثة اخوة.
فإن "مند" كان قد جمع في بدء ظهوره قوة من العشائر الكردية، لازم بها السلاطين الأيوبيين، فأنعم عليه أحدهم ناحية "قصير-انطاكية" وقلعتها كسنجق ليقيم بها مع أتباعه. فلحق به الأكراد القاطنون في جورم "هكذا ذكرها شرفخان، ولاشك أن شرفخان قصد بها الأكراد الذين كانوا يقطنون سهل جوم وكلس أيضاًّ". ثم اجتمع حوله من الأكراد الإيزدية في تلك النواحي الكثيرون، فعلا شأنه، وأخذ يتدرج في توسيع نفوذه ليمتد إلى سهل جومه ومناطق جبل الأكراد وأعزاز وكلس، وأنشأ إمارة في كلس، ثم عطف عليه السلطان الأيوبي، وولاه على كافة الأكراد القاطنين في ولايتي الشام وحلب.
نازع الأمير مند في إمارته في أوائل عهده فئة من الشيوخ الإيزدية الساكنين بين حماه ومرعش، فنشبت بينهما حرب امتدت أياما، انتصر فيها "مند"، ثم أخضع هؤلاء لأمره باللطف تارة، وبالقسر تارة أخرى. فدان له جميع الأكراد في تلك الأنحاء، ولما جاءته المنية، خلفه ابنه "عرب بك"، وبعد وفاة عرب بك، خلفه ابنه الأمير جمال، وحين وفاته قام ولده أحمد بك بن الأمير جمال مقامه.
انتهت دولة الأيوبيين في حلب على يد المغول سنة 1261م، باحتلال هولاكو لكافة مناطقها، مثل أعزاز ونواحي جومه وج.الكرد وسهل العمق ومدينة حارم سنة 1259م، ولكنهم ما لبثوا أن تراجعوا إلى هضبة إيران سنة 1260م بعد معارك مع المماليك البحرية.
وكان أحمد بك في تلك الفترة حاكما على إمارة الأكراد في كلس، كما ذكرنا آنفا، ولما انتقلت كافة حكومات الأيوبيين إلى المماليك، أبى أحمد بك المندي الإذعان لهم وبقيت الإمارة محتفظة باستقلالها، يحكمها أمراء الأسرة المندية إلى حين استلام المماليك البرجية الحكم في سوريا ومصر سنة 1380 ميلادية.
وفي نهاية عهد المماليك البرجية كان "قاسم بك" من أحفاد الأمير "مند" يتولى زمام حكم الإمارة وأكرادها، وكان ذا بأس ودهاء، فأراد سلاطين المماليك عزله وإناطة حكومة الأكراد بالشيخ عزالدين من أكراد سلالة الشيوخ الإيزدية. فأذعن لأمره بعض الأكراد الإيزديين، وسار عزالدين في أتباعه، مع قسم من جند حلب المملوكي، لإقصاء قاسم بك. فنشبت بينهم معارك، أسفرت عن إخفاق الجيش المملوكي وقوات الشيخ عزالدين، وانتصر قاسم بك فيها، وحافظ بذلك على استقلال إمارته كاملا.

 


7- منطقة مثلث سيروس في الفترة العثمانية 1516-1918م


أ‌-    الفترة ما بين 1516-1607م:


عندما أزمع السلطان سليم الأول على قتال المماليك الجراكسة في الشام ومصر، عرض قاسم بك أمير كلس بالاتفاق مع خيري بك الجركسي الطاعة عليه، وحظيا بزيارة السلطان. وحينما احتل السلطان سليم تلك البلاد، حمل قاسم بك معه ابنه جان پولات  - وكان يومئذ في الثانية عشرة من عمره - وسار به مع الموكب السلطاني نحو الأستانة. وفي تلك الآونة، قصد الشيخ عزالدين ديوان أمير لواء حلب العثماني أحمد بن جعفرالمشهور بـ"قراجه باشا"، وتمكن بواسطة بعض المتنفذين من إغرائه وحثه على الوشاية بالأمير قاسم. فعرض قراجه باشا مساوئ قاسم بك على ملازمي السدة السلطانية، وبالغ في الوشاية به، فصدر الأمر السلطاني بقتل قاسم بك، ونفذ فيه الأمر. أما ولده "جان پولات"  فقد احْتُفِظَ به في بلاط السلطان سليم وعني بتربيته ورعايته.
بعد مقتل قاسم بك، تولى شقيقه "حبيب بك" أمر حكم أكراد المنطقة، إلا أن "قره جه باشا" دعاه إلى حلب، وقتله فيها غدرا بصلبه تحت قلعتها بتهمة أنه جمع بين تسع نسوة في آن واحد. وذكر الغزي أن ذلك كان سنة 922هـ/1516م، وبأن حبيب بك ابن عربو هذا كان من طائفة معتبرة من أمراء القصير "المنديين".
كما جاء في كتاب عبدالرزاق الحسني – اليزيديون - أنه جاء في كتاب " درر الحبب، للرضي الحنبلي" أحد رجال القرن العاشر للهجرة أن: عزالدين بن يوسف الكردي العدوي، أمير لواء حلب في آخر الدولة الجركسية وأوائل الدولة العثمانية، كان من طائفة ينتسبون إلى طائفة شيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه، ويعرفون ببيت الشيخ مند… وفي أيامه صلب الأمير حبيب بن عربو تحت قلعة حلب، وذلك أنه كان بين الأمير عزالدين وبين أولاد عربو… عداوة بينة لأسباب دينية ودنيوية. لأن بيت عربو كانوا من أهل السنة… وبيت الشيخ مند كانوا إيزدية… /ص 18/.
بعد ذلك، أسندت، إمارة الأكراد من قبل ديوان السلطان سليم، إلى الشيخ عزالدين المذكور. وبعد وفاة الشيخ عزالدين، لم يكن بين أولاده وذوي قرابته الرجل الكفء لإدارة شؤون الحكومة فيها، فأُضيفت الإمارة إلى الخواص السلطانية في إنطاكية، وأُنيطت حكومة الأكراد فيها بالملك محمد بك من سلالة حكام "حصنى كيفا" الأكراد.
بعد انتقال زمام السلطنة إلى السلطان سليمان "القانوني" 1520-1566. أخرج جان پولات بك من البلاط السلطاني، وأُدخل في تشريفات الباب العالي. ولما ظهرت منه في بعض المعارك أعمال جليلة، استحق بها عطف السلطان، واستدعى ذلك منحه حكومته التي ورثها من آبائه وأجداده. بيد أن السلطان سليمان خاف من أن يؤدي رجوعه إلى إثارة الأكراد، فأنعم عليه تولية الحكم في أحد السناجق التابعة لولاية حلب، لكن جان پولات بك لم يرض بها، فأسند حكم الإمارة إلى "حسين خان الخادم"، وفوض إليه القيام بتفحص أحوال الأكراد في إيالة كلس، وإمكانية منح حكومتها الوراثية لجان پولات بك. وبعد أن درس حسين خان الحالة، رفع إلى السلطان تقريراً جاء فيه:  
((إذا لم تسند إمارة الأكراد في هذه المنطقة إلى جان پولات بك، فليس هناك من يستطيع القيام بمهام حكومتهم، وإخماد الثورات والفتن بينهم، والقضاء على أشقاتهم. ولا يأمن السكان وأبناء السبل والمارة من حلب وسائر الولايات العربية مكرهم... )) فأدى هذا التقرير إلى أن ينعم السلطان بإيالة كلس وملحقاتها على جان پولات بك، فأدار شؤونها بدراية وحزم.
توفي جان پولات بك سنة 1572 عن عمر تراوح بين 90-100 سنة، وخلف عدداً كبيراً من الأولاد عرفت أسماء عشرة منهم وهم: حبيب وعمر وأحمد وعبدالله وحسين وجعفر وغضنفر وزينل وحيدر وخضر، وكلهم حملوا لقب " بك".
بعد وفاة جان پولات، تولى ولده جعفر حكم كلس بموجب وصية  والده، والعهد الصادر من ديوان السلطان مراد. وبعد مرور أربع سنوات على حكمه، كان مصطفى باشا السردار قد اتجه إلى منطقة شيروان في كردستان ليحتلها، فعزم جعفر بك على الالتحاق به، وسار إلى دياربكر، غير أنه لما بلغ جبل " قره جه داغ الواقع بين سيورك ودياربكر"، سقط عن حصانه ولقي حتفه.
أما حبيب بك فقد كان قد تعرض إلى الكثير من الظلم على يد أخيه جعفر مع حرمانه من الميراث بموجب وصية والده. ولكنه كان صلب العود، يثأر لنفسه، فبعث من يتظلم له في ديوان السلطنة، وحظي بمقابلة الوزير الأعظم محمد باشا. ولكي يقطع هذا الأخير دابر النزاع، منحه سنجق نابلس من أعمال الشام، إلا أن حبيب بك لم يرض بذلك، والتمس منحه إيالة بالس (مسكنة) من أعمال حلب، وكانت تحت تصرف شقيقه حسين بك، وتحقق له ذلك. ولما بلغ حسين بك هذا الأمر، أوفد إلى الأستانة من استصدر أمراً بإلغاء الأمر السابق وبعزل حبيب بك. فلما سمع حبيب بك بذلك، قصد أعتاب السلطان مراد حاملاً معه خمسة آلاف دينار ذهب ليهديها إلى شيخ السلطان الخاص، وعرض عليه أن يتوسط لدى السلطان لإعطائه حكومة كلس. فأدى توسط الشيخ إلى أن يصدر الأمر بمنحه سنجق سلمية في إيالة حلب. غير أنه لم يرض بها، وأمام إلحاحه على الشيخ، صدر الأمر السلطاني بمنحه إيالة كلس، وأسند سنجق سلمية إلى أخيه حسين بك.
ظل حبيب بك يحكم كلس لمدة ثلاثة أعوام، إلى أن عزل وأسند حكم الإمارة إلى شقيقه حسين بك، فبقي على حكمها سنين عديدة بالاستقلال التام. كما نال منصب ميرميران "أمير الأمراء" في طرابلس الشام سنة 1592م، إضافة إلى حكومة كلس، ومنح لقب باشا، وأصبح ذا مكانة ونفوذ.  
وفي بداية حكم الأمير حسين جان پولات، جاءت انكشارية دمشق بدعوة من السلطنة لقتال الثائرين المعروفين بالجلالية في شمالي حلب. وحدث بينهم وبين الحلبيين نزاع شديد، فأحضر قاضي حلب يحيى أفندي علماء حلب وأمراءها وكتبوا إلى حسين باشا– كافل كلس- يطلبون حضوره ليصلح بينهم وبين انكشارية دمشق. فحضر حسين باشا بعساكر كثيرة، وحاول إخماد الفتنة، إلا أن الانكشاريين نقضوا الاتفاق أكثر من مرة، فغادر حسين بك حلب بعساكره قائلا من غيظه: سلط الله الكلاب على البقر، /الغزي،ج3، ص211/. فسيطر الانكشاريون على حلب ومارسوا فيها الكثير من الظلم.
وفي عام 1602م عين نصوح باشا واليا على حلب، وبعد مدة وجيزة حصل بينه وبين الانكشارية واقعة عظيمة ساعده عليهم حسين باشا ففروا إلى حماة. ثم جمعوا وحشدوا هذه المرة إلى كلس وحاصروها وخربوا ما حولها من القرى كالباب وأعزاز وقرى حلب، ونهبوا الأموال ودخلوا كلس وفعلوا فيها أفاعيل جاهلية…، فاضطر حسين باشا ونصوح باش إلى قتالهم وإخراجهم من الولاية.
ولما صفا الجو لنصوح باشا، أثار شائعة بأن حسين باشا والي كلس عاص على الدولة ويعمل على قتله، وكان ذلك خلافا للحقيقة، فقد كانت الدولة تراعي حسين باشا نظرا لشهامته وشجاعته. كما أن بقاءه زمنا طويلا واليا على كلس لم يكن بسبب عصيانه، إنما كانت الدولة ترى بعض الصعوبة في عزله، وتخشى من وقوع فتنة من عشيرة الجان پولات إذا عزل، فكانت تغض الطرف عنه وتقنع منه بالمال. ولما بلغه تهديد نصوح باشاه، أخذ في جمع عساكره والتقيا خارج كلس فهزم نصوح باشا ورجع إلى حلب. وأخذ بالاستعداد ثانية لمحاربة حسين باشا. وبينما هو كذلك، ورد إلى حلب أمر من  قبل السردار "الصدر الأعظم" سنان باشا بتعيين حسين باشا كافلا للممالك الحلبية وعزل نصوح باشا. فغضب نصوح باشا غضبا شديدا وامتنع عن تسليم حلب لحسين باشا قائلا: إذا ولوا عبدا أسود فإني أطيعه إلا ابن جان پولات. وكتب إلى الدولة أن أمراء العشائر لايصلحون أن يكونوا ولاة للدولة. ولم يمض سوى أسبوع إلا وأقبل حسين باشا على حلب، فاضطر نصوح باشا إلى التحصن وراء أسوارها بعد قتال جرى بينهما. وحاصر حسين باشا حلب مدة أربعة أشهر، فتدخل بينهما القاضي شريف أفندي وأقنع نصوح باشا بالخروج من حلب بكامل هيئته بعد أجراء الصلح بينهما عام 1604م، /كامل الغزي ج3/.
في سنة 1605م، رافق حسين باشا الصدر الأعظم " جغاله زاده سنان باشا " لقتال الفرس. ولما انهزم العثمانيون فيها، غادر بعض الأمراء الأكراد المعسكر العثماني. حينها اتهم سنان باشا حسين باشا بأنه تباطأ في اللحاق به فقبض عليه في " وان "، وخنقه وقطع رأسه، وعين محله في ولاية حلب أخاه علي بك.
ولما سمعت عشيرة حسين باشا بنبأ مقتله، ثارت فيهم الحمية، لاسيما ابن شقيقه علي بك الذي كان وكيله في غيبته، فأعلن مع عمه خضر "خزر" بك الثورة على الدولة العثمانية، وجمع حوله أخلاط الناس، وتغلب على حلب واستقل بها، كما قتل والي حلب الجديد المعين من قبل السلطان حسين بك في مدينة "أذنة"، بالاتفاق مع واليها جمشيد باشا الذي كان خارجا هو أيضا على السلطان. فأرسل الأمير يوسف ابن سيفا صاحب عكا إلى باب السلطنة رسالة يطلب فيها أن يكون أميرا على عسكر الشام، والتزم بإزالة ابن جان پولات في حلب، فجاءه الأمر على ما التزم. فجمع عساكره والتقى مع ابن جان پولات قرب حماة، فانكسر ابن سيفا وفر إلى دمشق. وسار ابن جان پولات إلى طرابلس واستولى عليها. وفي عام 1606م التقى ابن جان پولات مع عسكر الشام قرب دمشق، وتغلب عليهم وتقدم للاستيلاء على دمشق، فصالحه أهلها لقاء مبلغ من المال، فرحل عنهم عائدا إلى حلب. وفي طريق عودته، صالح ابن سيفا وصاهره، وبذلك وسع علي بك حدود حكمه من أذنة إلى غزة، كما استولى على كردستان.
وفي عام 1607م عقد معاهدة مع " أرشيدوق فرديناند "، ملك حكومة توسكانا، إحدى الدويلات الإيطالية. وأقُرِئَت الخطبة باسمه، وصك النقود، وأنشأ جيشاً قوياً، وأعلن الاستقلال التام عن الدولة العثمانية.
كانت الحكومة العثمانية تواجه ثورة الجلاليين بالأناضول، وتمرد المعنيين في لبنان، فأرسلت الصدر الأعظم "قويوجي مراد باشا السردار"  على رأس قوة كبيرة لقتال العصاة، فأبادهم في أذنة وسيواس. ثم قصد حلب. ولما بلغ خبره مسامع ابن جان پولات، وضع أثقاله بقلعة حلب وحصن أسوار البلد وتأهب لملاقاة عسكر مراد باشا، ثم أرسل فرقة من جنوده لتحصين جبل بغراس ليمنعوا العسكر العثماني من المرور. غير أن مراد باشا لم يأت من هذا الطريق الضيق، إنما من جبل "قاز" فلم يشعر ابن جان پولات إلا وعساكر الوزير قد داهمته. ودارت الحرب يوم الثلاثاء رجب سنة 1016 هـ/ شهر تشرين الأول 1607م بين سلاسل جبال طوروس، بجوار بيلان، في موقع يقال له "سهل الروج". وكان قد انضم إلى الوزير، حاكم "مرعش" ذو الفقار رستم باشا ومعه أربعون ألف كردي من أكراد دلغادر "ذو القدرية"، [المصور(7)]، إضافة إلى الجيش العثماني الأصلي، لمواجهة علي باشا ابن جان پولات ، الذي كان بدوره قد أعد قوة قوامها أربعون ألف جندي. ولما اشتبك الجيشان، كادت الغلبة أن تكون لعلي بك، ثم عادت الكرة عليه، وكانت النتيجة هزيمته في المعركة، وقتل من عسكره نحو 27 ألفاً.  فانسحب علي بك إلى مسقط رأسه كلس أولا، ثم غادرها إلى حلب مع بعض رؤساء عسكره، وبقي فيها ليلة واحدة ثم غادرها. أما مراد باشا فإنه في ثاني يوم من الواقعة سار إلى كلس للبحث عن علي بك فضبط جميع أمواله، وتوجه منها إلى حلب واستخلص القلعة من أعوان ابن جان پولات، وحجز جميع أمواله.
أما علي بك، فقد غادر إلى ملاطيه ومنها إلى المدعو "الطويل" الخارج على الدولة في بلاد الأناضول وأراد أن يتحد معه، فلم يوافق الطويل على طلبه قائلا له: " أنا وإن كنت أسمى بالعاصي، لكني لم أصل إلى مرتبتك ". ثم توجه إلى بورصة واتصل بحاكمها وعرفه بنفسه، وقال له: لقد ضجرت من العصيان، فأوصلني بالسلطان. فساعده في ذلك، ولما سأله السلطان: ما سبب عصيانك؟ قال ما أنا بعاص، إنما اجتمعت علي فرق الأشقياء وما خلصت منهم إلا أن ألقيتهم في فم جنودك وفررت إليك فرار المذنبين، فإن عفوت فأنت أهل لذلك، وإن أخذت فحكمك الأقوى. فعفا عنه السلطان أحمد الأول 1603-1617م وعينه أمير أمراء لإيالة طمشوار في يوغسلافيا الحالية ، وأودع أمه وابنه لدى السلطان. أما ابنه فقد أُدخل إلى المدرسة السلطانية الخاصة داخل السراي.
لكن يبدو أن هذا العفو لم يرق لـ "مراد باشا"، أما الغزي فيقول أنه عاد وجاهر بالعصيان، فأرسل مراد باشا من يقتل علي باشا في قلعة بلغراد، ثم أرسل رأسه إلى باب السلطنة. وكان ذلك في حدود سنة 1611م. وبذلك أسدل الستار على هذه الإمارة الكردية، وقضي على الأسرة المندية التي أسست الإمارة وحكمتها من مركزها الإداري مدينة كلس مدة تقارب أربعة قرون.
بعد مقتل علي باشا، تمكن أفراد من الأسرة الجان پولاتية النجاة من شر " قويوجي مراد باشا"، والاختفاء في جهات حلب وكلس. ثم التحق سعيد بك جان پولات سنة 1630م بالمعنيين الدروز أمراء لبنان " التي كانت لأسرته معها روابط قديمة. حيث يقال أن الأسرة المندية، اعتنقت المذهب الدرزي منذ أيامها الأولى في جهات حلب "، /موصلي، ج1 ص490/، ومن سعيد بك هذا تنحدر الأسرة الجنبلاطية الحالية في لبنان. ومن المفيد أن نذكر هنا، أنه لا تزال هناك سبع عشرة قرية درزية في منطقة حارم، يؤكد أهلها على أصلهم الكردي .
وعن عشيرة الجان پولات، جاء في "در الحبب"، أنهم كانوا في مبدأ أمرهم منحرفين عن السنة. أما مصطفى نعيم الحلبي فقد قال عنهم "بحسب رواية الشيخ كامل الغزي": أنها من عشائر الأكراد في سنجق كلس قرب حلب، وإن حسين باشا كانت له أعمال تستحق الذكر، لأن الدولة العثمانية كانت تأمره بالسفر شرقا وغربا فيسرع الإجابة هو وعشيرته ويبلي في أعدائها بلاءً حسنا.


ب - الفترة العثمانية ما بين 1607 و 1918:


بعد القضاء على حكم الأسرة المندية، أُلحقت إمارة كلس سياسيا وإداريا بولاية حلب، وعين على حكومتها رجال وموظفون بأمر من الأستانة. وفي بعض الأحيان كان يتسلم شؤونها من يسمون Derebeg وهم الإقطاعيون المحليون. وفي فترة لاحقة أصبحت كلس سنجقاً يدير شؤونها سنجقدار، أو حاكم يعين من قبل والي حلب، ثم سميت قائمقامية سنة 1854 يقوم على شؤونها قائمقام.
يذكر الباحث الفرنسي روجيه ليسكو أنه بعد مقتل علي باشا جان پولات، أرسلت الأستانة عام 1620م  كرديا "من عشيرة برواري من فرع روباري كان ذا مكانة في إستانبول، إلى كلس لتولي الحكم فيها. وبعد عزله أو وفاته، استقر أولاده وأحفاده في جبل الأكراد، وسكنوا قلعة باسوطه، ثم عملوا على الاستقلال بوادي عفرين، ودامت سلطتهم فيها حوالي قرن من الزمن.
وجاء في كتاب  تاريخ كلس، /ص36-84/ ما يلي:
في عام 1724، استلم Aşiqli ‘Elî Aĝa علي آغا العاشق رئاسة حكومة كلس بالوكالة لمدة سنتين. وكان عهده حافلاً بالمشاكل، إذ قام الأهالي بالثورة عليه، مما جعله يستعين بقوات من حلب، فتمكنوا من إخماد ثورتهم، وقتل كل من له علاقة بالعصيان من أمثال عابدين آغا، وأوربارلي أوغلوا إسماعيل آغا "إسماعيل آغا غباري"، فعاد الاستقرار إلى المنطقة. كما استغل بعض الأكراد والعرب سنة 1739 م انشغال السلطنة بالحرب مع الروس وراحو يعتدون على بعض قرى أدلب، /فايز قوصرة، ص244/.
وفي سنة 1740، استلم بطال آغا حكم كلس لمدة عام واحد، وحدثت مشاكل بين الحكومة وأهالي جبل الكرد، فاقتحم الأكراد كلس مرتين، وسببوا خسائر كبيرة للناس، وأسروا مائة شخص من الأهالي. وهذا التاريخ يتفق مع ما ذكره "ليسكو" من أن الكنجيين - نسبة إلى كنج الذين ينتمي إليهم بطال آغا - كانوا قد وفدوا إلى جبل الأكراد سنة 1736. حيث يبدوا أنهم تمكنوا من السيطرة على قلعة باسوطة من آل غباري فيما بعد، واستلم بطال آغا كنج حكم كلس، كما ذكر آنفا. وقد تكون للمشاكل بين حكومة كلس والأكراد - التي نوه إليها "القادري في كتاب تاريخ كلس"- علاقة بالنزاع بين عائلتي كنج وغباري وتعاطف الناس مع آل غباري حكام كلس السابقين.
وفي عام 1747، اعتبرت كلس وأعزاز سنجقا واحداً، وسلم حكمها سنة 1752 إلى المدعو Sari 'Ebdireĥman paşa  عبدالرحمن باشا الأشقر، ودام حكمه عامين فقط، استبد فيها بالناس وكان يقتل الناس على مزاجه، ويقطع رؤوسهم ويرميهم في مكان كان معروفاً. وفي هذه الفترة وبسبب انشغال الدولة بالحرب مع إيران، راح الأكراد والتركمان ينشطون في مناطق حارم والروج ودركوش المجاورة لكلس، فتدخل السلطان شخصيا لردعهم بقوة السلاح، /ف. قوصرة، ص247/.
وفي عام 1780 استلم محمد آغا الكردي حكم كلس حوالي ستة أشهر، وكان له الكثير من المعارضين ، فاستنجد بعبدي باشا -أحد المتنفذين في نواحي حلب- فسلب الناس وظلمهم، فقام الناس عليه وعزلوه وعينوا "ابن قره ملا" بدلا منه.
أما محمد باشا دالدابان أوغلو، فهو من المعروفين في تاريخ كلس. وكان شخصا جسورا وذكيا، وكان صاحب الأمر والنهي لفترة في جميع أنحاء كلس، واستطاع سنة 1783 أن يتسلم رئاسة حكومتها، بل إن الدولة نفسها عهدت إليه سنة 1784 باشلكية "مرتبة تماثل قائمقام" كلس وأعزاز، وتصرف كمالك لها. واستمر حكمه سبع سنوات، أسس خلالها إمارة شبه مستقلة، وغزا أطراف الإمارة، ووسع أملاكه أضعافا. وبالاشتراك مع سكان كلس والأكراد والتركمان والعرب وعشيرة رشوان "الكردية" قام بغزو عنتاب وحلب. وخفف كثيراً من الضريبة السنوية على الفلاحين، إذ كان يكتفي بالزبيب والدبس من الفلاحين الأكراد مقابل الضريبة السنوية. كما أوجد ضريبة على الحيوانات، وأخذ عن كل بغل أو جمل أو حيوان ركوب، قرشاً واحداً. ولكنه قتل عام 1795 في عنتاب، حينما تدخل في خلاف بين الحكومة والأهالي، فعين ولده محمود باشا حاكماً لكلس مدة عامين.
ثم استلم حكومة كلس سنة 1801 مصطفى بك توبال أغلو، وأسس إمارة كاملة، ولكنه استبد بالناس، فقام الأهالي بقتله والتخلص منه.
وفي السنة نفسها أي 1801م، سلمت كلس إلى أومر آغا آل عمو. إلا أن أحد حكامها السابقين، وأحدهم المسمى إسماعيل آغا "ويعرف بـ: آغا معجون"  تمكن من السيطرة عليها ثانية لفترة من الوقت. أما "أومر آغا" ولكونه كرديا  –حسب تعبير القادري- استطاع تحريك الأكراد، ومهاجمة كلس، وحاصرها لمدة ثلاثة اشهر، وقلع أشجار الزيتون من حولها، إلا أنه فشل في انتزاع حكمها ثانية.
وفي عام 1810 عين فضلي آغا حاكما لكلس، فظلم فضلي آغا الناس واستبد بهم، ولكن وصول قوات إبراهيم باشا "المصري" إلى كلس، أنهت حكمه.
في تلك الفترة، كان بطال آغا الثاني، ابن بطال آغا كنج، حاكم كلس الأسبق، قد دانت له الأمور في سهل جومه ومناطق جبل الأكراد وسمعان، فأقام في  قلعة باسوطه حكما محليا، وجمع حوله الأكراد في تلك الأنحاء وخاصة الأكراد الإيزيدية، ووسع منطقة نفوذه، حتى وصل إلى أطراف حلب وحصل على الضريبة منها، وحكم المنطقة باستقلال تام عن الإدارة العثمانية. وبقيت الأمور بيد آل عمو وكنج حتى مجيء جيوش إبراهيم باشا بن محمد علي باشا من مصر، واحتلالها سوريا ومناطق واسعة غربي نهر الفرات شمالاً.
في تلك الفترة، حدث خلاف بين إبراهيم باشا وبطال آغا على صلاحياته ونفوذه في مناطق شمالي حلب، فهدده بطال آغا بالقتال. ولكن بدلا من الشروع في الحرب، عمد إبراهيم إلى الحيلة، فاستدعى بطال آغا من خلال بعض الوسطاء إلى حلب، بدعوى إصلاح ذات البين بينهم. وهناك اعتقله إبراهيم باشا وجرى إعدامه مع ولده "إيبش" وحامل أسلحته "سلاح دار" أو Çerxcî المدعو "علي من عائلة شندي" من قرية معراته. وذلك في العقد الثالث من القرن التاسع عشر.
ومن الجدير بالذكر، أنه كانت هناك علاقة قائمة بين بطال آغا ومحمد علي باشا والي مصر قبل بدء الأخير بحملته على الجيوش العثمانية في سوريا. فهناك أغنية تراثية محلية قديمة عن بطال آغا تتحدث عن زيارة له لمصر والتقائه بمحمد علي باشا وضباطه ووزرائه. وبالقضاء على تمرد بطال آغا كنج، استطاع إبراهيم باشا والعثمانيون إخضاع الأكراد في سهل جومه لسلطتهم إلى حين.


ج- دور حج أومر وأولاده:


من المعروف أن لآل حج أومر الذين يقيمون حاليا في نواحي ديرسوان، موقعاً هاماً في تاريخ كلس. فمؤسس هذه العائلة يدعى حج أومر، وكان أحد زعماء قبيلة رشوان، وكان يقيم في قرية " قوجانلي" التابعة لكلس. وفي سنة 1742م نال لقب Derebeg وعهدت الحكومة إليه بكوية Derebeglik جبل الأكراد.
وبعد وفاته خلفه ابنه حج محمد آغا في البكوية. وبعد وفاة حج محمد استلم ابنه ولي آغا بكوية ج.الكرد، وأصبح خلال فترة وجيزة صاحب قوة ونفوذ كبيرين، وأثار وضعاً من العصيان في مواجهة حكومة كلس. فساق رئيس حكومة كلس "حج إبراهيم العنتابي" سنة 1832 قوة من الجنود إلى ج.الكرد، ووقع قتال بينه وبين ولي آغا، إلا أنه لم ينتصر فيها. فأولت الحكومة أهمية كبيرة لمسألة ولي آغا، وأخذت القوات الحكومية تتعقبه باستمرار، مما أجبرته في النهاية على التواري عن الأنظار. لكنه منح العفو بعد أن التزم بشرط اشتراكه في معارك هامة لصالح الدولة، فسلمت إليه حكومة كلس مدى الحياة مكافأة لخدماته. فدام حكمه نحو عشر سنوات، أحسن خلالها الإدارة إلى تاريخ وفاته عام 1853.
بعد وفات ولي آغا، خلفه ابنه خليل آغا في زعامة العشيرة، وبدأ تأسيس إقطاعيته، فاستطاع أن يهيمن على حكومة كلس والتحكم في أمورها في فترة قصيرة. وعندما تأسست قائمقامية كلس سنة 1854، وتم تعيين حبيب باشا قائمقاماً عليها، لم يوفق في أداء مهام وظيفته بسبب النفوذ القوي لخليل آغا وتدخله في كل شؤونها. ثم أخذ خليل آغا يبدي العصيان. فأرسلت الدولة قواتها، واشتبكت مع رجاله، فلم يستطع خليل آغا الصمود، مما اضطره إلى الاستسلام، فنفاه والي حلب إلى "أدرنه". إلا أنه تمكن بعد فترة وجيزة من الهرب من منفاه وعاد إلى جبل الأكراد، ليستعيد نفوذ إقطاعيته من جديد.
فجاء هذه المرة والي حلب درويش باشا بقوات كبيرة. وجرت مفاوضات بينهما بوساطة مفتي كلس "محمد أفندي" الذي كان يكن الود لخليل آغا، فسلم خليل آغا نفسه، وبدل العفو عنه، نفاه الوالي إلى "قوزان"، وهي قرية في نواحي مدينة "إصلاحية"، فتوفي هناك سنة 1866، بداء الكوليرا كما قيل، ومنهم من يحكي، أنه غدر به من قبل العثمانيين، ويعتقد أن هذا هو الصحيح. وبوفاته انتهى دور آل حج أومر في حياة كلس وجبل الأكراد، وساد الهدوء في أرجاء نواحي حكومة كلس، وبسطت السلطات العثمانية سيطرتها عليها وعلى جبل الأكراد.
بعد هذه المرحلة، بدأت عرى العلاقات العشائرية بالتمزق في جبل الأكراد، وراحت تحل محلها نوع آخر من العلاقات والتنظيم الاجتماعي. فبدلا من الترتيب العشائري وزعيم العشيرة، ظهرت زعامات وعائلات إقطاعية، مستغلة قانون تسجيل الأراضي والعقارات العثماني، وقانون الطابو لسنة1861، الذي لم يكن يسمح بتسجيل الأراضي إلا باسم شخص واحد في كل قرية أو عدة قرى. فاستغل بعض المتنفذين جهل الفلاحين، وسجلوا قرى بأكملها كأملاك خاصة لهم، وبذلك تحول الفلاحون بين ليلة وضحاها إلى أجراء وعبيد لدى هؤلاء المتنفذين، ومنهم من كسب لقب الآغا الإقطاعي أيضا بعد عام 1882، وهو عام البدء بتحديد وتحرير الأراضي في الولايات السورية.
ومن أبرز العائلات الإقطاعية التي ولدت حديثا، أو انتعشت مجدداً على خلفيتها العشائرية القديمة في ظل الأوضاع الجديدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، هي: آل شيخ إسماعيل، آل سيدو ميمي، آل عمو، آل غباري، آل كنج  …وغيرهم. [وقد تناولتُ مفصل تاريخ عائلات جبل الكرد وعشائرها في دراسة أخرى ]. وأصبحت هذه العائلات صاحبة القوة والنفوذ في جبل الكرد إبان الحرب العالمية الأولى وفي زمن الاحتلال الفرنسي لسوريا أيضا. وقد نأت الفئة الإقطاعية الناشئة نفسها عن أية طموحات سياسية، وانحصر اهتمامها في امتلاك أكبر عدد من القرى والعقارات، وراحوا يمارسون سلطتهم على فلاحيهم بمعونة مباشرة من الموظفين العثمانيين والفرنسيين من بعدهم، كما رضيت تلك الفئة أن تكون جزءاً من الإدارات الحاكمة.
ومن الجدير بالذكر هنا، أنه في عام 1895 تمرد الأرمن القاطنون في نواحي كلس وعنتاب ومناطق أخرى على الدولة العثمانية، وقمعت حركتهم هذه بشدة.

 

الفصل الثالث : أحوال جبل الكرد في العهد الفرنسي


هاجمت قوات الحلفاء ممتلكات الدولة العثمانية في شرقي المتوسط عام 1916. وتراجعت القوات العثمانية بقيادة مصطفى كمال نحو مدينة "أضنه" وأواسط الأناضول، فدخلت الفرقة الهندية من القوات الإنكليزية إلى مدينة كلس في شهر كانون الأول من عام 1918، ثم احتلت باقي ولاية حلب وتوغلت شمالاً حتى عنتاب ومراش.
بعد ذلك بعام واحد، أي في شهر تشرين الثاني عام 1919 تسلمت القوات الفرنسية ولاية حلب من الإنكليز، ودخلت منطقة جبل الأكراد وكلس من جهتين، الأولى: من جهة محطة "ميدان أكبز" حيث خط القطار، والثانية: من قرية الحمام إلى جنديرس وصولاً إلى محطة قطار قطمه، واتخذت من محطة "قطمه" مركزا رئيسيا لقواتها.
لاقت القوات الفرنسية التي احتلت سوريا أول مقاومة لها في منطقة عفرين، حيث أطلق المجاهد محو بن إيبو شاشو الرصاصة الأولى في مواجهتها في سوريا.
وأثناء الدعوة لتشكيل القوات الشعبية Qîwayî milî  التي سميت بالـ "جه ته Çete" بقيادة مصطفى كمال، كان من بين الذين عرفوا بمشاركتهم في اجتماعها التأسيسي من منطقة عفرين الحالية، كلٌ من: عبدو خوجه، محو إيبو شاشو، حج حنان شيخ إسماعيل، سيدو ديكو، أحمد روتو، وآخرون، وكانت الأكثرية الساحقة من تلك القوات في مناطق شرقي الأناضول من الأكراد.  

بدأت القوات الشعبية بقتال الفرنسيين، وقامت بالعديد من عمليات المقاومة في نواحي عنتاب وكلس وجبل الأكراد. وأقدم أحد زعمائها المدعو "سقيب" وفرقته على مهاجمة القوات الفرنسية في محطة قرط قلاق للقطار "شمالي مدينة عفرين"، ثم قتل في إحدى مواجهاته مع الفرنسيين قرب قرية "بيك أوباسي" Gundê Bêkê في ناحية بلبل. وبعد مقتل قائد الـ "جته" المدعو شاهين على طريق كلس- عنتاب، تم تعيين جنبلاط قائداً لتلك القوات، فجرت مصادمات عديدة مع القوات الفرنسية، كانت نتيجتها تغيير الحكومة الموالية للفرنسيين في كلس، وتعيين عبدالرحمن جان پولات رئيسا جديداً لها. وهو من الأشراف القدماء، وسليل الأسرة الجان پولاتية المندية الكردية، حكام كلس القدماء.
وفي تشرين الأول من سنة 1920 جرى اتفاق بين الحلفاء والحكومة العثمانية الجديدة في أنقرة حول خط الحدود في منطقة كلس، تم خلاله وضع الحدود الجديدة بين مناطق النفوذ الفرنسية والدولة التركية الحديثة، وذلك بموجب الخط المسمى "خط اللنبي  Elênb".
وفي 7 كانون الأول عام 1920 دخلت القوات الشعبية "التركية" كلس، واستلمت الحكومة من الفرنسيين. ثم قامت لجنة فرنسية - تركية برسم الحدود في كافة نواحي قضاء كلس، وتم بموجبه ضم ثلثي أراضي القضاء إلى
منطقة الاحتلال الفرنسية، وهي نواحي جوم Cûm  وشيخ الحديدŞiyê  وآمكا Amka وبلبل Oqce 'Ezdîn  وشكاكŞikak  وقره جه Qerece "يعتقد أنها ناحية عشيرة رشوان".
استقبل تقسيم المنطقة أرضاَ وسكاناً بالاستنكار من قبل أبناء جبل الكرد، واعتبروا الاحتلال الفرنسي سبباً مباشراً لتمزيق وحدتهم الاجتماعية وأراضيهم وعائلاتهم. وربا كان هو السبب الرئيسي الذي دفع أبناء الجبل لمحاربة القوات الفرنسية لأكثر من ثلاثة أعوام، ووقعت خلالها مواجهات عديدة بين السكان والقوات الفرنسية، وتكبد الطرفان خسائر كبيرة، وكان من بين الشهداء بعض زعماء المقاومة الكردية من أمثال محو إيبو شاشو وTekbîqli Ĥecî "حجي ذو فردة الشارب الواحدة" ، ومصطفى جولاق ورشيد حج رسول وآخرون.
ونذكر هنا بعض أبرز تلك المواجهات والمعارك التي شهدتها منطقة جبل الكرد.
في بداية دخول الفرنسيين، حدثت مواجهات عديدة بين محو إيبو شاشو ورفاقه من جهة وبين الجنود الفرنسيين من جهة أخرى، كانت أعنفها تلك التي وقعت قرب بلدة "قرق خان" في لواء اسكندرون. كما هاجم "محو" برفقة "أحمد حاجي ته ك بيقلي" Tek bîqli Ĥecî وبكر آغا من قرية سنارة وآخرين الحامية الفرنسية في قرية الحمام التابعة حاليا لناحية جنديرس، فأوقعوا فيها خسائر كبيرة. كما شارك كل من "محو وحاجي" وآخرون من القوات الشعبية في إخراج الفرنسيين من مناطق كلس وعنتاب، حيث استشهد حاجي في إحدى تلك المعارك. أما بكر آغا ابن حج مصطفى فقد اعتقلته القوات الفرنسية، وتوفي في سجن خان استانبول في حلب عام 1922.
وفي عام 1919 كان الزعيم السوري الكردي إبراهيم هنانو، "من قبيلة رشوان الكردية"، قد أعلن عن تشكيل حكومة وطنية وجيش في شمالي سوريا، واختار بلدة "ريحانية" مركزاً لها. وخاض مع رجاله أكثر من 27 معركة في مناطق انطاكية وجبل الزاوية. إلا أن قواته حُلَت بناء على أوامر من الملك فيصل، فسلم بلدة حارم إلى الفرنسيين وغادر إلى فلسطين، فأعتقله الإنكليز هناك وسلموه إلى القوات الفرنسية.   
و في تلك الفترة أيضا، اجتمع زعماء مناطق "بيان، وشيخان، وآمكا"، وهم: سيدو آغا ديكو، وحج حنان شيخ إسماعيل، وأحمد روتو Eĥmedê Rûtê وأصلان آغا، وشكلوا قوة كبيرة بلغت مئات المقاتلين، وخاضوا بها معارك عديدة ضد القوات الفرنسية. كان من أهمها، تلك التي وقعت في Gelî Tîra "وادي النشاب"، حيث قطع المقاومون خط الحديد المار فيه، فتدهور القطار وسقط في الوادي، مما أدى إلى مقتل العديد من الجنود والضباط وأسر آخرين. وفي موقعة "حَسَاري" Ĥesarê، كَمَنَ المقاومون للقوة الفرنسية المتوجهة إلى قرية Bêkê، وهي قرية أحد زعماء المقاومة "حج حنان"، فأسروا قائدها، واستولوا على عتادها، وقتل الكثير من أفرادها.


 وحينما أيقنت الإدارة الفرنسية في جبل الكرد صعوبة إخضاع سكان الجبل بالقوة العسكرية، لجأوا إلى بناء علاقات خاصة مع بعض أقرباء زعماء المقاومة، وكان من أبرزهم "حج رشيد شيخ إسماعيل" الملقبKor Reşît، واستطاع المذكور إقناع شقيقه الأصغر حج حنان وقريبه سيدو آغا ديكو بالتوقف عن أعمال المقاومة مقابل العفو عنهم. أما رجال المقاومة الآخرين، ومن أبرزهم أحمد روتو، ورفيقه أصلان آغا، فقد استمرا بالمقاومة، فأعد الفرنسيون في أواخر عام 1923 قوات كبيرة للقضاء عليهما، وتمكنت من بلوغ هدفها بعد أن قصفت قرية أحمد روتو بالمدفعية من محطة قرط قلاق للقطار، فدمرت داره وأحرقت بعض ممتلكاته، وأخيرا تمكنت من إلقاء القبض عليه، وأودع السجن في حلب. لكنه تمكن من الفرار ولجأ إلى تركيا، فقلدته السلطات التركية رتبة عسكرية شرفية. حينها، أرسل "نوتاري" ضابط الاستخبارات الفرنسي من يقنع أحمد روتو بالعودة إلى سوريا، والتعويض عليه عن الخسائر التي ألحقت به، إلا أنه رفض العرض، وبقي هناك حتى صدور عفو عام سنة 1926، فعاد إلى مسقط رأسه.
أما أصلان آغا فقد أصبح ملاحقا من قبل الفرنسيين، وبقي يقاتل إلى أواخر عام 1923 في معقله بجبل هاوار، إلى حين صدور العفو عن المجاهدين، فعاد إلى قريته، ولكنه استمر في مناهضة الاحتلال. وبسبب تعاونه مع حركة المريدين المناهضة للفرنسيين صدر في عام 1939 الحكم بإعدامه، مما اضطره الهرب إلى تركيا، وبقي فيها حتى عام 1941، ليعود بصدور عفو عام.
وبعد عامين ونصف من المقاومة المسلحة، تمكنت القوات الفرنسية من الدخول إلى الجبل بالاتفاق مع الوجهاء على الشروط التالية:
- العفو العام عن جميع المجاهدين والمشتركين بالثورة ضد الفرنسيين.
- إبقاء اللغة التركية لساناً رسمياً في دوائر الدولة، لعدم معرفة أهل المنطقة اللغة العربية ريثما يتعلمونها.
-  تشكيل قضاء باسم جبل الكرد، على أن يعين الموظفون من أهله، بناء على القرار رقم 33، تاريخ 4 أيلول 1922 القاضي بتشكيل دولة حلب.
وفي ظل الإدارة الفرنسية الجديدة، شكل كوررشيد آغا فرقة من المسلحين سموا "مليشيا- مليس"، مهمتها مساعدة القوات الفرنسية على حفظ الأمن في المنطقة، وكانوا يرتدون الزي الكردي التقليدي، وحملوا لفترة قصيرة راية صفراء كتب عليها كلمة "ليخه Lêxe" أي أضرب بالكردية. ورغم ذلك بقيت المقاومة السلبية من قبل الأهالي ومن بعض آغوات وزعماء المنطقة ضد الانتداب الفرنسي. ولكن بقيت الأوضاع العسكرية هادئة في قضاء جبل الأكراد بصورة عامة لمدة  تقارب خمسة عشر عاما، إلى حين ظهور الحركة المسلحة لجماعة المريدين بقيادة الشيخ "إبراهيم خليل سووق أوغلو" ضد الفرنسيين والموالين لهم.
بدأت هذه الحركة المسلحة بمواجهات دامية مع عائلة آل شيخ إسماعيل وعائلات أخرى ذات صلة قرابة بهم مثل آل ديكو. وتحولت تلك الاشتباكات إلى مواجهات مباشرة مع القوات الفرنسية. واستمرت الأعمال المسلحة للمريدين إلى 1939، وشملت معظم المناطق الجبلية في قضاء جبل الكرد. الأمر الذي جعل الفرنسيين يرسلون قوات كبيرة مدعومة بالطيران إلى الجبل، فتشتت قوات المريدين، وانسحب المقاتلون مع عائلاتهم إلى داخل تركيا، وانتهت المقاومة المسلحة للحركة المريدية. ثم صدر عفو عام عن المقاومين، فعاد أكثرهم إلى قراهم، وعاد آخرون بعد رحيل القوات الفرنسية وحصول سوريا على استقلالها.
ومنذ ذلك التاريخ ارتبط مصير أكراد قضاء جبل الكرد بمصير الدولة السورية الوليدة التي سميت بالجمهورية السورية، ثم فيما بعد بالجمهورية العربية السورية.
ومن الجدير ذكره، أنه في عام 1936 قسم الفرنسيون سوريا مجددا إلى عدة دويلات. وعقد الفرنسيون اجتماعاً لآغوات وزعماء جبل الكرد في قرية ميدانكي، وعرض المندوب الفرنسي عليهم نوعا من الإدارة الذاتية تشبه ما كان قائما في لواء الاسكندرون، أي تشكيل سنجق جبل الكرد، إلا أن بعض المجتمعين رفضوا الأمر على خلفية المنافسة على رئاسة السنجق، وأيضا خشية أن يكون الأمر من ألاعيب الفرنسيين، ففشل الاجتماع وسقط الاقتراح. فعين الفرنسيون حينها شخصا تركي الأصل "نامق بك كمال" قائمقاما لقضاء جبل الأكراد.
وفي ثلاثينات القرن العشرين، رغب الأتراك في ضم جبل الأكراد إلى إدارة لواء الاسكندرون قبل ضمه إلى تركيا لاحقا. وبتشجيع من طيفور مرسل أوغلو "سوكمن" الرئيس التركي لإقليم اسكندرونة "هتاي"، أرسل قائد منطقة "عنتاب" العسكرية التركية "حيدر بك"، كمية تقدر بـ 20 ألف قبعة من التي كان يرتديها الأتراك الكماليون، إلى قرية ديرسوان، ثم إلى ناحية بلبل مركز آل شيخ إسماعيل، وإلى قرية "قاسم" مركز آل ديكو، وذلك لارتدائها كرمز للولاء للدولة التركية، إلا أن فتوى دينية سرت في المنطقة حرمت ارتداء تلك القبعات، واعتبرت كل من يرتديها كافرا، فصودرت تلك القبعات وأحرقت من قبل السلطات الفرنسية وزعماء العائلتين المذكورتين. وفشلت بذلك محاولة أخرى للدولة التركية في التدخل في شؤون القضاء.

 

الفصل الرابع : خلاصة تاريخ الوجود الكردي في جبل الكرد


تتباين الآراء ووجهات النظر حول مسألة تاريخ الاستيطان الكردي في نواحي جبل الأكراد وسهل جومه وجبل ليلون "سمعان". فالوسط القومي العربي الحالي في سوريا، وبعض أفراده في الجهات الثقافية الرسمية وغير الرسمية، يروجون لوجهة النظر القائلة بان الوجود الكردي في هذه المنطقة، أمر حديث طارئ لا جذور تاريخية له. ويحاولون تصويره على انه نزوح لمجموعات سكانية كردية من وراء الحدود من الشمال في العقد الثالث من القرن العشرين، أي بعد تأسيس الدولة السورية.
أما معظم الباحثين المعاصرين الذين كتبوا عن موضوع تاريخ وجود الأكراد في منطقة عفرين، فيعتقدون بأن وجودهم فيها يعود إلى القرون الوسطى، أي الفترة ما بين 476-1453م، وعهدي الأيوبيين والصليبيين. كما ذهب بعضهم وذكر أن وجودهم في هذه المنطقة قديمٌ جداً، دون تحديد تاريخ معين له.
ورأينا تناول موضوع السكن والاستيطان في منطقة جبل الكرد ضمن مرحلتين زمنيتين:


أ- المرحلة الأولى:

من أواخر العصر الحجري الحديث/4000 – 8000/ سنة إلى ظهور الاسلام.
لم يكن لفظ الكرد شائعا بمدلوله الحالي في هذه المرحلة. بل كان الشعب الكردي الحالي يعرف لدى المؤرخين بأسماء أسلافه القدماء، مثل شعوب "لولو وكوتي وكاشي وكردوخ وهوري … وآخرهم الميدي". ولا يرى الباحثون اليوم من يحمل خصائص لغوية، وسمات الشعوب الجبلية القديمة والهندو أوربية الوافدة إلى الشرق الأدنى وآخرهم الميديون أكثر من الشعب الكردي. وهي تؤكد أن المناقلة الاسمية للمدلول العرقي للشعب الكردي، تمت مباشرة ما بين الاسم "ماد، ميد" و"كرد". فمن كانوا يسمون بالميديين حتى القرون الأولى بعد الميلاد، هم أنفسهم الذين سموا بالكرد أو الأكراد فيما بعد، نسبة إلى شعب كردوخ القديم الذي كان يقطن جنوبي بحيرة وان ومناطق جبال جودي والجبال المحاذية لنهر دجلة، تلك المنطقة التي كانت تسمى كردو أو كردا. /راجع كزينفون في رحلة كتابه "العشرة آلاف"/.  


 ب- المرحلة الثانية:

تبدأ منذ أن عرف الشعب الكردي في كافة مناطق سكناه باسمه الحالي، ويعتقد أن ذلك كان في القرون الأولى بعد الميلاد.


= المرحلة الأولى: من أواخر العصر الحجري الحديث إلى الفتوحات الإسلامية


يجمع المؤرخون الذين كتبوا عن الأحوال الاجتماعية والإثنية لمناطق عفرين الحالية في فترات ما قبل الميلاد ولغاية العهود الإسلامية الأولى، على أن مناطق الشرق الأدنى، ومنطقة شرق المتوسط والزاوية الشمالية الغربية من الهلال الخصيب خاصة، شهدت خلال العهود التاريخية المتعاقبة، وما قبل التاريخية، استيطانا لأناس من جنسيات مختلفة.


أ - في عصور ما قبل التاريخ:


كانت المناطق الجبلية في القسم الشمالي والشرقي من الشرق الأدنى، سلاسل جبال زاغروس وطوروس امتدادا نحو الشمال باتجاه جبال القفقاس وآسيا الصغرى، موطناً قديما لشعوب سميت بالجبلية.
وتؤكد الأبحاث التاريخية أن النصف الشمالي من المناطق المحصورة بين نهري دجلة والفرات، أي المناطق المركزية من بلاد الأكراد، شهدت ميلاد أولى الحضارات البشرية في العصر الحجري الحديث، أطلق عليها علماء التاريخ اسم حضارة تل حلف. وسرعان ما انتشرت تلك الحضارة على شكل قوس يمتد من نهر الزاب الكبير في كردستان العراق في الشرق، إلى الفرات في الغرب. وأثرت هذه الحضارة بشكل كبير على مناطق حلب والعمق أيضا، فتأسست وحدة ثقافية وحضارية وإثنية واضحة في تلك المناطق الشاسعة الممتدة من الزاب الكبير في جبال زاغروس في الشرق، إلى جبال الأمانوس على ساحل البحر المتوسط في الغرب.
ويؤكد العلماء أن مناطق الأمانوس وسيروس (جبل الكرد) كانت مسكونة في تلك الحقبة من قبل أناس من أصول جبلية ذوي سمات شمالية وفدوا إليها من جبال كردستان، وأن منطقة سيروس وسهل العمق كانت جزءاً إثنيا وحضارياً وإقليمياً من مرتفعات السلاسل الجبلية لطوروس وزاغروس منذ البدايات الأولى للعصور التاريخية. وقد تميزت الهوية الإثنية الجبلية لمستوطنيها، بالوضوح والاستقرار في عصر حضارة حلف، أي منذ الألف السادس قبل الميلاد وإلى بداية العصور التاريخية مع بداية الألف الثالث ق.م.
وتدل التنقيبات في الطبقات التي تعود إلى أواخر الألف الرابع ق.م في آلالاخ، أن منطقة سيروس تلقت في فترة لاحقة من فجر التاريخ، دفعة أخرى من المستوطنين من بلاد الرافدين، كانت تنتمي أيضاً إلى العنصر الجبلي الشمالي. وأقام هؤلاء في مناطق الحلفيين القدماء سكان العمق وجومه، وأسسوا مستوطناتهم بجوار السكان السابقين أو على أطلال أكواخهم. وحدثت هذه الحركة الاستيطانية الأخيرة، قبل وصول أولى الهجرات السامية إلى جنوبي بلاد الرافدين بحوالي ثمانية قرون.


ب - في العصور التاريخية:


 تشير المكتشفات الأثرية لهذه الحقبة إلى استمرار الصلات الثقافية والحضارية الوثيقة بين مناطق بلاد الرافدين العليا، ومناطق الزاوية الشمالية الغربية من الهلال الخصيب ومنها سيروس. وإن مكتشفات الثلث الأخير من الألف الثالث ق.م، تدل على أن سكان سهل العمق كانوا خليطاً من شعوب جبلية شمالية وشرقية. وأسس هؤلاء منذ 2700 سنة ق.م مملكة خاصة بهم في سهل العمق سميت بمملكة آلالاخ، استمر وجودها حوالي 1500عام. وكانوا طوال هذه الفترة قائمين على حكمها، ويشكلون كتلتها البشرية الأساسية. ثم خضعت هذه المملكة بعد عام 2300ق.م- بصورة مؤقتة- للملك الآكادي "سارجون" حينما قام بغزو آلالاخ، بغية فتح الطريق أمام وصول إمدادات الأخشاب من جبال "الأمانوس" إلى آكاد.
إلا أن الدلائل الأثرية في آلالاخ لا تنبئ عن استيطان عناصر من أصول آكادية في مناطق آلالاخ في ذلك التاريخ، ولا عن هجرات لأقوام أخرى جديدة إلى العمق. كما لم يكتشف ما يشير إلى تبدل الهوية العرقية الجبلية لسكان آلالاخ والعمق عموما خلال القرون الخمسة التالية لقيام مملكة آلالاخ.
بعد سنة 1900 ق .م، سيطر الفراعنة على مملكة يمخاض "حلب"، وأخضعوا آلالاخ إلى سلطة حكام يمخاض ويعتقد أنهم كانوا من العنصر السامي. ولكن كافة المؤشرات الاجتماعية والحضارية المستخلصة من تنقيبات آلالاخ تؤكد على أن حكم هؤلاء الملوك اليمخاضيين في آلالاخ، والذي دام نحو 200 عام، لم يتجاوز حدود تمركز الجنود حول مقرات إقامتهم. إذ كانوا يحكمون سواداً من الشعب يختلف عنهم عرقيا وحضاريا. ولذلك كانت العلاقات بين هؤلاء الحكام الساميين وسكان آلالاخ الجبليين مضطربة، ولم يكونوا على وفاق.
منذ القرنين الأخيرين من الألف الثالث ق.م، بدأ ظهور العنصر الهوري من أسلاف الشعب الكردي، في منطقة مثلث سيروس. وفي القرون الأولى من الألف الثاني ق.م، اكتسحت هجرات هورية كبيرة مناطق مثلث سيروس، بما فيها بطبيعة الحال منطقة يمخاض والعمق وجومه وعنتاب. وأصبح العنصر الهوري هو السائد في هذه المناطق، وغدت بعد هذا التاريخ مراكز استيطان هورية تقليدية يشكل فيها العنصر الهوري الأغلبية الإثنية والقوة السياسية الحاكمة، واستمر الوضع كذلك حتى ظهور الحثيين في الشرق الأدنى.
أسس الهوريون في المرحلة الأولى، أي منذ نهاية الألف الثاني ق.م إمارات عديدة على طول القسم الشمالي من الهلال الخصيب، منها إمارة في عنتاب. كما وصلوا بكثافة إلى مناطق آلالاخ وأوغاريت وساحل البحر الأبيض في الغرب، وانتشرت معهم لغتهم وثقافتهم في تلك الأصقاع الواسعة.
وفي المرحلة اللاحقة، توحدت تلك الإمارات الهورية المتفرقة القديمة في دولة واحدة عرفت بالإمبراطورية الميتانية-الهورية (الميتاهورية- مجازاً) المشهورة في التاريخ القديم. واستمرت هذه السيادة السياسية والإثنية للميتاهوريين حتى أواسط القرن الخامس عشر ق.م، إلى حين سقوطها بيد الدولة الحثية التي كانت قد ظهرت في وسط وشمالي الأناضول. ولكن رغم أن الحاكمية السياسية في مناطق سيروس كانت قد انتقلت إلى هؤلاء الحثيين، إلا أن العنصر الهوري والثقافة الهورية، بقيتا غالبتين فيها طوال مدة الحكم الحثي.
أما الأحوال الإثنية في الأراضي التي كانت خاضعة للمملكة الميتاهورية سابقا، فلم تتبدل كثيرا في عهد الإمبراطورية الحثية. فالآثار المستخرجة من آلالاخ، وخاصة فخار نوزي "كركوك" الهوري المشهور، تدل على سيادة العنصر الهوري إثنيا وحضارياً في مناطق العمق وسيروس ويمخاض. وقد استمر هذا الوضع حتى النصف الأول من القرن الثالث عشر ق.م. ومن الجدير بالذكر أن الشعب الحثي الذي حكم مناطق الهوريين فيما بعد، يصنف من الناحية الاثنية ضمن الشعوب الجبلية كالهوريين والكاشيين وغيرهم.
وتشير التنقيبات إلى أن مجموعات سكانية جبلية أخرى، وفدت من آسيا الصغرى إلى سهل العمق بعد التاريخ السابق، ثم أعقبتهم بعدة عقود هجرات كبيرة أخرى من شعوب هندو أوربية انتشرت على أقاليم شرق البحر المتوسط وآسيا الصغرى. وعرفت تلك الأقوام في الأدب التاريخي بالشعوب البحرية. وقد تمكنت من إنهاء حكم الإمبراطورية الحثية، وسيطرت على كافة مناطق غربي الأناضول وشرقي البحر المتوسط.
ولكن رغم هذه التبدلات السياسية الكبيرة، لا تذكر المصادر التاريخية أنباء عن نزوح الهوريين والسكان المحليين الأصليين من منطقة سيروس والعمق أمام غزوات هؤلاء البحريين.
ومنذ بداية الألف الأول ق.م، بدأت أولى طلائع الهجرات الآرامية بالتوافد إلى منطقة مثلث سيروس. وخلال أقل من250 سنة، وصلت مجموعاتهم إلى قلب العالم الهوري، واستغلوا الضعف السياسي للهوريين والحثيين، وأسسوا إماراتٍ لهم في بعض مناطق طوروس الهورية، بما فيها منطقة مثلث سيروس. ورغم السيادة السياسية للآراميين على المناطق الخاضعة لإماراتهم مدة قرنين من الزمن، إلا أن سكان الإمارات الآرامية في مثلث سيروس وفي منطقة الجزيرة، كانت تضم عناصر هورية وحثية كثيرة، كان لها نفوذ سياسي هام في توجيه سياسة تلك الإمارات. فالملوك الآراميون الساميون لم يترددوا عن إجراء تحالفات مع أحفاد الهوريين، الذين كانوا قد تمثلوا في هذه الفترة بشعب أورارتو، والوقوف معهم في وجه القوات الآشورية ذات الأصول السامية القادمة من الشرق.
عرف الشعب الهوري  باسم أورارتو أو خالدي منذ أوائل الألف الأول ق.م. وأسس في القرن الثامن ق.م مملكة كبرى في وسط كردستان عرفت بمملكة أورارتو، وسيطرت مجدداً على المناطق الهورية القديمة في شمالي سوريا وحلب وملاتيه، كما خضعت لها الإمارات الآرامية في منطقة مثلث سيروس والجزيرة. إلا أن أورارتو مع حلفائها الآراميين، لم تتمكن من الصمود أمام اندفاع الجيوش الآشورية المتجهة نحو شمالي سوريا وحلب، فتراجعت قوات أورارتو إلى معقلها في منطقة وان. أما حلفاؤها من الإمارات الآرامية في شمالي سورية، فقد سقطت الواحدة تلو الأخرى بيد الآشوريين في بداية النصف الثاني من القرن الثامن ق.م.
ومن المعروف لدى الباحثين، أنه على الرغم من ازدهار الدولة الآشورية واتساع رقعتها، لم يترافق حكمها بأي استيطان للعنصر الآشوري في المناطق الشمالية الغربية من الهلال الخصيب. ربما لأن الشعب الآشوري كان قليل العدد، واعتمد في بسط سيطرته السياسية على قواه العسكرية المتفوقة. ومن المفيد ذكره هنا، أن بعض الملوك الآشوريين، عمدوا أحياناً إلى نقل مجموعات سكانية بأكملها من أوطانها الأصلية إلى أماكن أخرى بعيدة، كوسيلة من وسائل السيطرة على أرجاء دولتهم وشعوبها. ولايستبعد لجوء الآشوريون إلى نقل بعض المجموعات الميدية من شرقي الإمبراطورية، حيث بلاد الميديين "المشاغبين" إلى غربيها، لأن الميديين كانوا من أكثر شعوب الإمبراطورية الآشورية "في نهضتها الثانية" إزعاجاً لها كما تؤكد المصادر التاريخية.
ومنذ أوائل الألف الأول ق.م، أي بالتزامن مع الهجرات الآرامية تقريبا، كانت الجبال الكردستانية والسفوح الشرقية لجبال زاغروس، قد أصبحت وجهة لهجرات كبيرة لشعوب هندو أوربية كالميديين والكيمريين والسكيث…، وراحت تثير القلاقل للدولة الآشورية. وأخيراً، سقطت امبراطورية آشور بيد الميديين سنة 612ق.م، وأسس الميديون دولة لهم شملت كامل القسم الشمالي من الشرق الأدنى والهلال الخصيب، ودام حكمها ما يقارب نصف قرن، إلى أن ابعدت العائلة الميدية الحاكمة عن سدة الحكم بيد أمير فارس "إحدى مقاطعات الدولة الميدية" الأخميني. وسيطر الأخمينيون عام 558 ق.م، على كامل بلاد الميديين، وبلاد الشام، وآسيا الصغرى -التي كانت مسكونة باليونانيين منذ زمن الآشوريين- كما خضعت لهم العناصر الحثية التي كانت تقطن مناطقها القديمة في أواسط الأناضول، وكذلك الآراميون الذين كانوا قد استقروا في الأقسام الداخلية لبلاد الشام وبعض المناطق التي وصلوا إليها في هجراتهم الأولى نحو الشمال، وكانوا لايزالون يحتفظون ببعض الخصائص الآرامية.
 ضمن هذه الأرجاء الواسعة من الشرق الأدنى التي حكمتها لأول مرة دولة واحدة، زال ما يعيق حركة وهجرة الجماعات البشرية المتباينة عرقياً وثقافيا، إلى مناطق بعيدة عن مواطنها الأصلية. فأصبحت طليقة الحركة على الرقعة الجغرافية الواسعة للإمبراطورية الأخمينية التي كان الشعبان الفارسي والميدي ركناها الأساسيان. فالمصادر القديمة تفيد بأن معظم جيوش الدول الفارسية الثلاث الأخمينية والأشكانية ومن بعدها الساسانية كانوا من الأكراد الميديين. أما من الناحية الاجتماعية، فكانت للميديين ولمعتقداتهم الدينية الزردشتية مكانة مرموقة في الدول الفارسية الثلاث، والأخمينية منها خاصة.
وتشير المصادر التاريخية، أنه في فترة حكم الإمبراطوريتين الميدية والأخمينية، انتشر الميديون مع الأجيال في جميع الاتجاهات، وأصبح أقرب مراكزهم في الغرب هي ضواحي انطاكية، وبالتحديد حول حلب حسب قول العلماء ليرخ ونيكيتين ودياكونوف.
أما الفرس، فلم يغادروا "سكانياً" الهضبة الإيرانية، وذلك لأن شركاءهم الميديين "بأعدادهم الغفيرة " كانوا يوفرون العنصر البشري المطلوب لاستمرار السلطة السياسية الأخمينية في مناطق شرقي ووسط آسيا الصغرى وقوس الهلال الخصيب. وبعد حوالي 225 سنة من حكم الفرس الأخمينيين، انتقلت أراضي إمبراطوريتهم الشاسعة إلى اليونانيين إثر فتوحات الإسكندر المكدوني بعد عام 330 ق.م.
جعلت هذه الحركة اليونانية الهائلة بقيادة الاسكندر المقدوني الحدود السياسية أكثر اتساعا من الحقبة الفارسية، حيث انضم إليها القسم الجنوبي الشرقي من أوربا أيضاً. وفتحت بذلك آفاقاً رحبة أمام انتقال الشعوب واختلاطها ضمن هذه الأصقاع الواسعة من غربي آسيا، وشرقي أوربا، وشمالي أفريقيا. ولا ريب، أن الشعب اليوناني كان أكثر شعوب الإمبراطورية حرية في الحركة والانتقال. ولهذا توجهت مجموعات سكانية يونانية كبيرة نحو الشرق مع جيوشها المنتصرة. ثم أخذت الهجرة اليونانية شكلاً مدنياً بعد استتباب الأمر لهم. فأسسوا مدناَ عديدة توزعت على كامل سوريا تقريبا، وأصبحت بمثابة نقاط الارتكاز المدنية الضرورية لحكم طويل الأمد في مناطق بعيدة عن أوطانهم الأصلية في البلقان، وخاصة في عهد الدولة اليونانية الشرقية "السلوقية"، أي في القرنين الثاني والثالث ق.م.
فأطلال عشرات المدن والمزارع والأبنية المنتشرة على كامل منطقة سيروس، تعود إلى العهود الإغريقية "اليونانية والرومانية والبيزنطية"، وتغطي حوالي ألف عام من تاريخ هذه المنطقة، وتؤكد بشكل لا لبس فيه، أنها كانت من بين أكثر مناطق العالم الإغريقي الشرقي ازدحاما بالسكان. وتشير أيضا إلى سيطرة الإغريق سكانياً وثقافياً وسياسيا في منطقة سيروس في تلك الفترة التاريخية.
ورغم ذلك، فمن المؤكد أنهم لم يكونوا الوحيدين في هذه المنطقة في تلك العصور. فلا تزال هناك أسماء ذات دلالات آرامية في جبل ليلون وسهل جومه. كما توجد مؤشرات لتسميات حثية في بعض قرى المنطقة، دون ان ننسى سيادة هورية عارمة في عموم أنحاء منطقة مثلث سيروس خلال قرون عديدة، وما هو أكثر أهمية ووضوحا، أن أسماء معظم القرى والتجمعات السكنية الحالية، إضافة إلى جميع الأسماء الجغرافية تقريبا في المنطقة هي كردية صرفة، ومنها ما ذكرت بنفس الصيغة في مؤلفات ترجع إلى ما قبل الإسلام والعهود الإغريقية.
ومن الجدير بالذكر أيضا، أن السلوقيين كانوا يستخدمون أكراداً من إقليم ميديا كمقاتلين ضمن قواتهم، وهذا يدل على انتشار كبير للعنصر الميدي في الشرق الأدنى، وعلى أهميته السكانية والعسكرية الكبيرة حينها. فالشعب الميدي كان معروفا جيداً لدى المؤرخين في الشرق خلال القرون الأولى بعد الميلاد. ففي سنة 444م كتب "تيودورس" أسقف مدينة سيروس عن مار سمعان العمودي قائلا: ((ويعرفه الفرس والماديون والسكوتيون والأحباش...))، وهذا قد يشير إلى أن الميديين كانوا يأتون بعد الفرس من حيث الأهمية البشرية في منطقة الشرق الأدنى.
كما أنه ما بين دخول الرومان إلى سوريا وسقوط الأسرة الأشكانية في إيران سنة 224م، جرت بينهم أكثر من اثنتي عشرة معركة في بلاد الأكراد للسيطرة عليها. كما حدثت بين البيزنطيين والفرس الساسانيين أكثر من إحدى وعشرين موقعة معظمها في بلاد الأكراد. ولاريب أن هذه الأحداث العسكرية الكبيرة سببت موجات من الهجرة من وسط كردستان إلى أطرافها، ومن بينها بطبيعة الحال نحو الغرب صوب منطقة ج.الكرد القديمة.
وعلى الرغم مما بات معروفا من حقائق ومعلومات حول الحياة القديمة في منطقة سيروس، إلا أننا نعتقد أن هناك حقائق كثيرة أخرى عن حياة الإنسان المحلي، ما تزال مدفونة في عشرات التلال والأماكن السكنية القديمة بجانب كل قرية ومنهل ماء في منطقة عفرين، وتنتظر إزالة التراب عنها، لتكشف لنا الصفحات الغائبة من تاريخ حافل لهذه المنطقة.


= المرحلة الثانية:  من الفتوحات الإسلامية إلى وقتنا الراهن


نرى من المناسب بداية، استعراض ما كتبه بعض الباحثين المعاصرين وبعض المصادر السورية شبه الرسمية حول موضوع الوجود الكردي في منطقة عفرين بحدودها الحالية.
جاء في الجزء الثالث من مجلدات /تاريخ نضال الفلاحين... ص158/: أن الأكراد قد وصلوا إلى شمالي سوريا في القرن السادس عشر إثر حركات العصيان من قبائلهم. وفي منطقة عفرين مارست قبائلهم حياة رعوية متنقلة بين مرتفعات جبال طوروس وسهل عفرين. ثم أرغمتهم السلطات العثمانية على الاستقرار في الجبل الذي حمل اسمهم في القرن التاسع عشر. ويلمح الكاتب في الصفحة 50 من الكتاب إلى تاريخ أبعد للوجود الكردي في المنطقة، حينما يشير إلى سكن أقوام وأقليات مختلفة في منطقة الحدود ما بين بلاد الشام والأناضول، حيث يعود أصل بعضها إلى أوائل العهد العباسي حينما كانت المنطقة تعج بالثغور، وتستغل أقوامها فرصة ضعف السلطة العثمانية لتثور عليها. بدليل ظهور أفراد ثائرون من أسرة جان پولات  الكردية الأصل في منطقة حلب في مطلع القرن السابع عشر.
أما البروفسور عصمت شريف وانللي، فقد أورد في الملحق رقم 2 من كراسه، مقتطفات من تقرير خاص عن منطقة عفرين، صادر عن الإصلاح الزراعي فرع حلب، يفيد بأن السكان الأكراد لا يزالون يعيشون في المنطقة منذ حوالي أربعة قرون.
أما السيد منذر الموصللي، فيقول في الصفحة 471-472 من كتابه /عرب وأكراد/: إن أكراد عفرين يقيمون فيها منذ القديم إقامة معزولة عما يحيط بهم، " دون تحديد التاريخ"، وهم يعيشون في منطقة جغرافية تتشابه مع بلادهم الأصلية إلى حد كبير. وكانت علاقاتهم قوية مع أكراد ولاية عنتاب شمالا...
وحول الموضوع ذاته، جاء في كتاب /الدليل السياحي لحلب، ص135/: أن أهم الهجرات إلى حلب، هي هجرة الأكراد من الأناضول في القرن السادس عشر. والذين سكنوا الجبل المسمى باسمهم في جوار حلب...
أما د.شوقي شعث، فذكر في كتابه عن قلعة سمعان، ص25: ((أنه سكن القلعة في القرنين السادس والسابع عشر المتنفذون والآغوات الأكراد...))، وهذا يدل دون أدنى شك على وجود عنصر كردي مسيطر في المنطقة في تلك الفترة. وهو تاريخ يتوافق مع ما ورد في كتاب "دليل حلب" حول الهجرة الكردية إلى نواحي حلب.
والأب بولص يتيم  في كتابه / مقالات… ص 25/، يذكر: بأن الأكراد وفدوا إلى ضفاف نهر عفرين خلال القرون الوسطى /476-1453/م، وكان السريان هم سكان المنطقة قبلهم.
أما جميل كنه، فكتب في الصفحة العاشرة من كتابه " المظالم الفرنسية…" عن الوجود الكردي في جبل الكرد قائلا: إن الأكراد يتألفون من قبائل مختلفة، يرجع تاريخها في سوريا، وفي الجبل المعروف باسمهم اليوم، إلى عهد الصليبيين...
كما تحدث الكاتب الفرنسي "بيير روندو" سنة 1939 عن أكراد عفرين قائلاً: بأن وصول الطلائع الكردية الغزيرة إلى سوريا يعود إلى ما قبل القرن السادس عشر، كنتيجة لغزوات السلاطين العثمانيين، واستقروا في منطقة "جبل الكرد وليجه" بشكل كامل منذ القرن السادس عشر، وكان الوافدون الأوائل من عشائر "آمكي" الذين جاؤوا إلى المنطقة من قونيا. كما وصل في بداية القرن الثامن عشر عشائر شكاك وشيخان وأوقجه إيزيدين "بيا" Biya ذوو الأصل الغامض...
أما هنري لامانس فيعتقد أن المجموعات الأولى من الإيزديين "الأكراد" قد وصلت إلى جبل سمعان حوالي القرن الثالث عشر للميلاد .
وورد في كتاب الأخوين راسل، اللذين عاشا في مدينة حلب في أواسط القرن الثامن عشر: بأنه يقطن عدد كبير من الأكراد في ضواحي مدينة حلب، ويطلق على إحدى الضواحي أو الحارات، حارة الأكراد، وهم يعملون بشكل رئيسي بالزراعة، أو في قيادة قوافل الجمال، وبالإضافة إلى هؤلاء، يقطن الأكراد كلس ومعظم جبال بيلان "الآمانوس" والجبال المجاورة ويتملكونها، ويغيرون على الأرياف في السهول، ويظهرون أحيانا بأعداد كبيرة، وهم معروفون جيدا من الإفرنجة، ولهم سيطرة مطلقة على مناطق بيلان، ويعهد إليهم حماية الطرق عبر الجبال في تلك النواحي، /راسل ص140-150، 259/.
لاشك أن كل هذه الدراسات والمعلومات والآراء تؤكد على تاريخ قديم للوجود الكردي في جبل الأكراد وسمعان. وفي الحقيقة فإن وجودهم قد يعود إلى فترة أقدم من ما ذكر بكثير. بدليل ما جاء في كتاب /صبح الأعشى للقلقشندي 1350-1418م، ص 50 /، نقلاً عن المقر الشهابي بن فضل الله في ممالك الأبصار: أنه كان بحلب أمم وطوائف من العرب والأكراد والتركمان... وهو يتفق مع ما جاء في كتاب شرفنامة، من أن وجود الكرد في سهل جومه وكلس، يعود إلى فترة ما قبل العهد الأيوبي. حيث جاء في /شرفنامه ج1 ص 44/، أنه في سنة 1106م، نزحت نحو 400 أسرة كردية من جبل السماق "شمالي غربي حلب" إلى لورستان، إثر نزاع حدث بينهم وبين رئيسهم. كما يذكر مترجم شرفنامة السيد محمد علي عوني، في حاشية الصفحة ذاتها، نقلا عن دائرة المعارف الإسلامية "أن هذه القبيلة الكردية غادرت بلاد سوريا برئاسة زعيمها الفضلوي… إلى أن وصلت إلى لورستان …". وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الأكراد، كانوا يقطنون أرجاء منطقة جبل الأكراد ومثلث سيروس منذ تسعة قرون على الأقل.
ومن المعروف، أن بلاد الأكراد، تعرضت منذ أوائل القرن الحادي عشر للميلاد، لغزوات مدمرة من قبل قبائل الأتراك السلاجقة، وتحولت كردستان إلى ميدان لحروب كثيرة بينهم وبين البيزنطيين، ثم بين السلاجقة أنفسهم، وأيضاً بينهم وبين الأكراد السكان الأصليين الذين لم يدعوا فرصة تمر إلا ودافعوا عن بلادهم ضد هؤلاء الغزاة ومن أعقبهم من قبائل تركية أخرى "مثل الخروف الأبيض، والخروف الأسود...إلخ"، وكذلك ضد الصليبيين والمغول والتتار والعثمانيين وغيرهم من الغزاة، الذين دمروا بلاد الأكراد مرات عديدة. وبعد الاحتلال العثماني للشرق الأدنى، قسم خط الحدود بينهم وبين الصفويين في إيران، بلاد الأكراد إلى نصفين شرقي وغربي، وأستمر النزاع والحروب بين الدولتين على أرض كردستان.
إن هذه الاحتلالات المتتالية لكردستان، والأحداث الحربية الكبيرة التي جرت على أرضها، خلفت وراءها مصائب هائلة لم يشهد التاريخ مثلها. وكان من نتائجها نزوح متعاقب للسكان الأكراد من مناطق التوتر إلى مناطق أخرى بعيدة في قمم الجبال وبطون الوديان، هربا من الموت والدمار.
 وعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما زحف جلال الدين خوارزم شاه نحو بلاد الأكراد في أوائل عام 1229م، أحدث فظائع شديدة فيها، ففضل الكثير من الناس ترك ديارهم، والانتقال إلى أطراف حلب /م. زكي، ج1، ص 150/.
وفي سنة 1257م زحف هولاكو إلى بلاد الأكراد، فدافع الأكراد دفاعاً شديداً، مما اضطرت مجموعات كبيرة منهم إلى الجلاء عن ديارهم، والهجرة إلى بلاد الشام ومصر. وبعد انتصار المماليك على المغول سنة 1281م نقل الملك الظاهر بيبرس طائفة من الأكراد إلى كيليكية "أضنه" وأسكنهم فيها.
واعتمد العثمانيون سياسة بربرية تجاه الكرد منذ القرن الثامن عشر ، بهدف دفعهم إلى ترك وطنهم والسكن في وسط الأناضول بكل وسيلة ممكنة، بغية تتريكهم على المدى البعيد، والتخلص من تمردهم الدائم من أجل الاستقلال. فَرَفَدَت سياسة التهجير العثمانية هذه مناطق الأطراف الغربية "مثل منطقة كلس التي كانت مسكونة بالأكراد" بمجموعات كردية جديدة جاءت من وسط كردستان. وهذا ما يفسر وجود ذكرى حديثة لدى بعض أكراد جبل الكرد عن المناطق التي نزحوا منها.
وعلى ضوء كل ما ذكر أعلاه، يكون من الحقائق الثابتة، أن توافد الأكراد إلى منطقة كلس، كان مستمراً بشكل مجموعات خلال القرون الوسطى، وذلك بسبب الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية الصعبة في مناطقهم الأصلية، فيضطرون إلى مغادرتها أثناء النكبات الحربية والكوارث، ويلجؤون إلى المناطق النائية التي كان الأكراد يقطنونها من قبل، وتَتَوفر لهم الحماية الطبيعية والاجتماعية من المخاطر، إضافة إلى ظروف معيشية أكثر ملائمة.
وفي الواقع هناك وجهة نظر هامة تقول: بأن منطقة سيروس تعرضت في العهود الإسلامية الأولى إلى ظروف استثنائية، ارتبطت بعضها بالوضع العسكري المنهار للدولة البيزنطية، واضطرار سكان تلك النواحي إلى هجر قراهم ومدنهم العامرة خلال مدة قصيرة نسبيا من الزمن، فأصابها الخراب، ونزح عنها السكان الإغريق، والمجموعات الإثنية المحلية القديمة الأخرى، كالسريان. فخلت المنطقة تماماً من سكانها في القرن العاشر الميلادي. فاستغل الأكراد ذلك الفراغ، واستوطنو فيها بالتدريج بعد ذلك التاريخ.
صحيح أن ما تعرضت لها المنطقة من خراب وهجرة للسكان منذ بداية العهود الإسلامية أمر حقيقي ولاشك فيه، ولكن هل حقا خلت المنطقة حينها تماماً من السكان بعد نزوح الإغريق والسريان عنها؟.
 إننا نعتقد أن الوجود الإثني للأكراد، وأسلافهم الأكثر قربا وخاصة الميديين، كانت قائمة ومستمرة في منطقة سيروس في تلك المرحلة التاريخية الآنفة الذكر أيضا. فهناك مؤشرات واضحة وقوية على إقامة كردية لم تنقطع في منطقة سيروس، منذ فترة ما قبل الميلاد. والدلائل التي يمكن حصرها واستنتاجها، هي:
1- يحتفظ الأكراد الحاليون القاطنون في سهل جومه وحدهم دون غيرهم بمعتقد من القرن الخامس ق.م، وهو تحريم أكل لحم الأسماك التي تعيش في ينابيع حوض عفرين في سهل جومه، / راجع كزينفون – كتاب رحلة العشرة آلاف/.  وهذا دليل على قدم وجود الأكراد في المنطقة، واستمرار تواصلهم الديني والعرقي فيها منذ تلك العهود.
2- إن أكثر من 90% تقريباً من الأسماء الجغرافية وأسماء القرى في جبل الأكراد هي: أسماء كردية، أو من تسميات الأكراد. والملفت للنظر أن أكراد "شيروان" على جبل " ليلون" يَتَسَمَونَ باسم " نَبو"، ونبو كما هو معروف إله رافدي كان يعبد في هذا الجبل حتى القرون الأولى للميلاد، وكان له هيكل كبير في قرية "كفرنبو" في القرن الرابع الميلادي. وهذا يدل على أن الأكراد الحاليين كانوا موجودين على جبل ليلون منذ ذلك الزمان، ويمجدون الإله "نبو" القريب من العقائد الزردشتية - الإيزدية حاليا، وعظموا اسمه، وتسموا به.
3- ثمة من يرى، بأن الأكراد قد أتوا إلى المنطقة بعد خلوها من سكانها الإغريق أو السريان بنهاية القرن العاشر الميلادي!. ولكن ينقض هذا الرأي بقاء الأسماء الآرامية واليونانية لبعض قرى المنطقة. فالأكراد مازالوا يستخدمون التسمية الآرامية للجبل أو التل، على غرار اسم قرية " تر طويل "، بمعنى " تل طويل "، و Şeş Tira بمعنى ستة مرتفعات أو تلول. وبالتدقيق في هذا الموضوع، يمكن أن نستنتج، أن هؤلاء الأكراد إما أنهم كانوا مقيمين في الجبل منذ القديم جنبا إلى جنب مع عناصر آرامية أو إغريقية ولم يغادروها إطلاقا. أو أن تلك العناصر غير الكردية تكردت وأصبحت كردية وزردشتية، كما يلاحظ السيد هنري لامانس. أو أنها نزحت عن المنطقة لسبب ما في أواسط العهود الإسلامية العربية والغزوات الصليبية، في حين بقي الأكراد في المنطقة على قمم الجبال وبطون الوديان محافظين على تلك الأسماء الإغريقية والآرامية لبعض القرى وعلى وجودهم كأكراد أيضا.
4- إن الملفت للنظر، أن معظم الكتاب، إن لم نقل جميعهم، الذين كتبوا في موضوع الحالة الإثنية لمنطقة سيروس لفترة ما بعد العهود الإسلامية، متفقون على أنه لم يكن هناك وجود لغير الأكراد في منطقة جبل الأكراد منذ العقود الأولى للدولة العباسية. ولو كان هناك أي وجود للعرب مثلا، لما توانت المصادر والجهات العربية الرسمية عن ذكرها، مثل الكتاب الصادر عن اتحاد الفلاحين في سوريا والمصادر غير الرسمية الأخرى، كالكاتب منذر موصللي، وهي جهات تلتزم تماماً بالفكر القومي العربي في سوريا.
كما أنه ليس هناك مستند تاريخي أو دلائل أثرية تدل على أن عربيا أو تركيا أو غيرهما، كان يقطن منطقة جبل الأكراد، ثم نزح إلى مناطق أخرى سواء طوعاً أو قسراً.
5- لاتوجد في منطقة جبل الكرد آثار من العهد الإسلامي الأول، قد تشير إلى سكن الأكراد المسلمين في هذه المنطقة في تلك الفترة، وبالأساس لا توجد آثار إسلامية في المنطقة، سواءً من عمل الأكراد أو من غيرهم. وأول جامع في منطقة كلس هو من بناء الجنبلاطيين الأكراد ويعود إلى سنة 1554 للميلاد.
وهناك دلائل أخرى، منها ما يتعلق بزيارة Qere curnê  " قه َرَه جُرن " الموجودة في ناحية شران، وهي تشير إلى أنه كان بقرية عيندارا القديمة في القرن الثاني عشر للميلاد، سكان أكراد يعتنقون الديانة الزردشتية، ديانة الميديين القدماء أجداد الأكراد. ورغم أن الفرس أيضا كانوا يعتنقون الزردشتية، إلا أنه من المعروف أنهم لم يغادرو الهضبة الإيرانية، بل كانوا إما جنودا أو حاشية للحكام أو حكاما، دون أن يستقروا في المناطق الغربية من الهلال الخصيب. فقد كانت هذه المناطق، مكان سكن معروف لأسلاف الأكراد منذ تاريخ الهوريين. وإذا كان هناك زردشتيون في عيندارا في القرن الثاني عشر للميلاد، فلابد أنهم كانوا أكرادا، وإلا فكيف يقصد الإيزديون الأكراد المهاجرون من المناطق البعيدة في بلاد

الرافدين في القرن الثالث عشر، منطقة جبل الكرد تحديداً ويستقرون بين سكانها إن لم يكونوا متماثلين معهم في الدين والقومية. لاريب أن أباء أجداد شهيد زيارة Qere curnê  "هوكر" Hogir بمعنى "خليل" بالكردية،  في قرية تل عين دارا القديمة " كانوا أكرادا زردشتيين " ومن أحفاد الميديين.
أما من الناحية العمرانية، فهناك شواهد على استقرار الأكراد في دور سكنية في منطقة عفرين منذ ما يقارب أربعة قرون. فلدى تجوالنا في أرجاء المنطقة، عثرنا على دار سكن يعود بناؤه إلى شهر آذار لعام 1032 كما هو مدون على حجر الواجهة، ونعتقد أن التاريخ المذكور مسجل حسب التقويم الميلادي الشرقي الذي يعتمد على الأشهر الشمسية لا القمرية، والدار ما زالت موجودة في قرية Topelî Meĥmûd "محمود أوبه سي"، التابعة لناحية بلبل. وهي من النموذج الكردي المقنطر المعروف في المنطقة. ولا يزال المواطن الكردي خليل محمود يسكنها. وبذلك تكون هذه الدار قد بنيت قبل 396 سنة، فنحن الآن في سنة / 1426/ حسب التقويم الميلادي الشرقي وهو يوازي سنة 2016 حسب التقويم الميلادي الغربي. وفي آخر زيارة لنا لهذه الدار في خريف عام 1998، كان صاحبها قد أقفل عليها، وانتقل للسكن في بلدة بلبل، وكانت مهملة تماما، وَطَالها بعض الخراب.
 
وهناك دور أخرى للسكن في قرى أخرى في المنطقة، مثل معراته، وبيوك أوبهGundî mezin ، تدل التواريخ المكتوبة على واجهاتها، على أنها تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر. مثل دار سكن في قرية "به ربه ن" Berbenê يشير إلى تاريخ بنائها في عام 1173هـ وإلى اسم صاحبها "على". ويبدو ان البناء قد جدد في عام 1288هـ، والتاريخ إما شرقي أو هجري، ويسكن الدار حاليا المدعو: محمد محمد خليل.
كما توجد على قبور في قرية Sêwiya "أوكسوزلي" كتابات تواريخ تعود إلى نفس الفترة تقريبا. وفي مقبرة " البئر" في قرية " شوربه "، تؤرخ شاهدة قبر المرحوم بلال شوربه لأكثر من 250 عاما. أما قبر ناصرآغا بن أحمد بك في قرية جويق فيؤرخ لعام 1213 هـ/ 1798م.


الفصل السادس : حول التسمية : جبل الكرد – جبل الأكراد – كرد داغ- عفرين - Çiyayê Kurmênc
يأخذ جبل الكرد اسمه من الجماعة القومية التي تقطن أرجاءه، وهم الكرد. وهي تسمية قديمة للجبل. وجاء في كتاب ((ذكرياتي عن بلاد ألف ليلة وليلة)) للملحق التجاري الفرنسي في حلب ما بين سنوات /1548-1556/، ما يلي: "أنه وبحكم مهنتي في استيراد الحرير كنت أسافر إلى كلس وعنتاب واعزاز وجبل الأكراد وما إليها. أي أن تسمية الجبل بـ "جبل الأكراد" كانت معروفة منذ ذلك التاريخ على الأقل.
كما ذكر القنصل الروسي في بيروت قسطنطين بازيلي 1809-1884م، حول أحداث نهاية احتلال إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا لمناطق جبل الكرد في كتابه (( سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني))، تأليف سنة 1840م، ص182 ما يلي: ((بتحريض من السلطان العثمانية، نزلت جماعات كثيرة من جبل الكرد وكافرداغ نحو ممتلكات القوات المصرية…))، وهذا يدل على أن هذا الاسم كان متداولا منذ أوائل القرن التاسع عشر على الأقل. أما " كافر داغ" فهي تسمية تركية بمعنى جبل الكفار. والكرد يسمونه (جياي كه ور) بمعنى الجبل الأبيض لبقاء الثلوج على قمته حتى أواسط الصيف، ويعرف بكتب الجغرافيا بـ (جبل الأمانوس) ويطلّ على خليج اسكندرونة من الشرق. ويفصله القسم الشمالي من سهل العمق عن جبل الكرد بعرض نحو 10 كم، ويسمى سهل ليجه (المستنقع) Lêçe بالكردية. ولانعرف للجبل والمنطقة تسمية أخرى غيرها.
ويسميه الأكراد حالياً Çiyayê Kurmênc أي "جبل الكرمانج" ، والكرمانج: اسم إحدى لهجات اللغة الكردية والناطقين بها. كما يطلق على كل كردي ليس له عشيرة، أو لا يعيش في منطقة عشيرته، أو الذين يمتهنون الزراعة ويستقرون في قرى ثابتة، ولا يرتحلون مع قطعان مواشيهم إلى المراعي الجبلية في فصول الرعي.
أما الرواية الدينية الإيزيدية عن اسم "كرمانج"، فتقول بأنه مؤلف من كلمتين: Kur "الولد"، وmanc "الفاخر، الطاهر"، أي "الولد الطاهر، المختار، الفاخر"، وهو لقب للنبي "شيث بن آدم" ويعتبرونه جدهم الأول.
ويقول د.جميل رشيد أستاذ التاريخ في جامعة أربيل، أن اسم "كورمانج" مذكور في النصوص التاريخية في فترة ما قبل الميلاد على شكل "كوردماد". ويشار به إلى قبائل باسم "كورد" من شعب "ماد"، ثم ادمجت  الكلمتان مع الزمن ولفظت بشكل "كرمانج".لكن في فترة الحكم العثماني، ترجم الاسم إلى التركية "كرد داغ" أي "جبل الكرد"،( داغ تعني الجبل بالتركية)  واستخدم بتلك الصيغة في الوثائق العثمانية الرسمية.
وبعد الحرب العالمية الأولى واحتلال القوات الفرنسية لسوريا، قسمت منطقة جبل الأكراد إلى قسمين: شمالي ضم إلى تركيا، وجنوبي احتفظ به الفرنسيون، وبقيت تسمية "كرد داغ" في التداول الرسمي في العهد الفرنسي، وحتى نهاية العقد الأول من استقلال سوريا. ثم ترجم من قبل السلطات السورية حينها إلى اللغة العربية وأصبح "جبل الأكراد أو جبل الكرد".
وبعد ذلك، في سنوات الوحدة بين مصر وسوريا، أزيل اسم الأكراد من اسم المنطقة، وأصبحت تعرف بمنطقة عفرين وذلك على اسم النهر والمدينة. ولكن بقي اسم "جبل الكرد" كتسمية جغرافية متداولاً في الكتب المدرسية وغيرها.
وفي سبعينات القرن العشرين، قامت الحكومة السورية بتعريب الأسماء في المناطق الكردية، وأسقطت اسم الكرد من الجبل نهائياً، وسمي بـ "جبل حلـب"، علماً أنه يبعد عن مدينة حلب أكثر من 60كم، والمرتفع  الجبلي الأقرب إلى مدينة حلب من جهة الشمال هو جبل ليلون أو سمعان، وهو يفصل مدينة حلب عن جبل الكرد (جبل حلب حالياً).


-    تسمية عفرين:


 هو اسم نهر عفرين، وأطلق على المدينة بعد تأسيسها في مطلع القرن العشرين. وقد وجدنا اسم "عفرين" بصيغته الحالية، في أربعة مصادر تاريخية من العهد الإسلامي، وهي: [تاريخ حلب– للعظيمي، صفحة أحداث سنة 478هـ/1085م. وصبح الأعشى للقلقشندي، ص57. والدر المنتخب لابن الشحنه، ص167. ومعجم البلدان لياقوت الحموي، القسم الثاني، ص180]. وبذلك يكون أقدم ذكر لاسم "عفرين" بشكله الحالي يعود إلى عام 1085م. إلا أن أي من تلك المصادر لم تتطرق إلى معنى اسم "عفرين" وأصله. وسنبحث هنا في أصل ومعنى (عفرين)، ونذكر بعض الآراء بصدده:


1-    "عفرين" في المعاجم والمصادر العربية:


جاء في " القاموس الوسيط "، أن عَفِر وعَفّرَ : بمعنى خالطه بما يخالف لونه، واعتَفَرَ الشيء: أي خالطه بالتراب.
وجاء في معجم " لسان العرب": عِفِرّين تعني "مأسدة"، وقيل هو الأسد. وقيل لكل قوي: ليث عِفِرّين.
أما مؤرخ حلب  خيرالدين الأسدي فيقول: أن كلمة عفرين تعني التراب. وينقل عن الأب شلحت: بأنها تعني الغبار، /ج5، ص413/، فيتساءل عبدالله الحلو حول ذلك ويقول: (هل كانت المنطقة مميزة بكثرة غبارها حتى سميت بذلك، الواقع أنه لايوجد إلا هذا التفسير، ص396). ولكن يبدو أن السيد الحلو لم يكن يعرف بأن منطقة عفرين غنية بالمياه وحراجية ولايثار فيها الغبار إلا نادراً جداً.


2- عفرين في النصوص الآشورية واليونانية:


جاء في نص آشوري يعود إلى سنة 876 ق.م، ( أن نهر Aprie يروي سهل پاتن Patin) (- موسوعة حلب... خيرالدين الأسدي، الجزء الأول، صفحة 172.) . كما ذكر المؤرخ اليوناني الشهير "سترابون" اسم نهر عفرين بنفس الصيغة " آبريه" Aprie في القرن الأول قبل الميلاد.
وقد أجمع المؤرخون على أن أصل كلمة Apre هي من اللغة الليسنية Licien وهي إحدى اللغات الهند أوربية( الآرية) القديمة في آسيا الصغرى، وشكل الكلمة الأساسي هو: Eple. (ورد هذا المقطع في مخطوط "اللهجات في منطقة عفرين - مامد جمو"، وهو باحث في اللغات الشرقية. ) وكما نعلم، فالجذر Ap- في اللغات الآرية القديمة ومنها الكردية تعني: الماء. والأكراد حسب لهجاتهم يبدلون الحرف p بـ v فتصبح Av. وبقيت الكلمة في شبه القارة الهندية على شكلها القديم من حيث اللفظ والمعنى، ولم تتبدل وتلفظ بشكل Ab أو Ap ، وتعني " الماء"، مثل اسم "بنجاب" الذي يتألف من مقطعين:Pênc  خمسة، و Ap  ماء. ونظراً لعدم وجود حرف P في اللغة العربية، فهو يستبدل بالحرف "ف" مثلما يستبدل حرف الألف بحرف " ع "، وبذلك يصبح المقطع الأول لتلك الكلمة على شكل "عف" بدلا من Ap-.
أما المقطع re- فهو المقطع الأول من الكلمة الكردية القديمة " رْوينْ " Riwîn بمعنى " اللون الأحمر الترابي". فيقالBizina rwîn  "العنزة ذات اللون الأحمر الترابي، أو ذات الأذن الأحمر الترابي"، ويقال أيضاً Ava riwîn  "المياه ذات اللون الأحمر الترابي"، وبدمج الكلمتين: ماء Av واللون الترابي Riwîn، يتشكل اسم جديد هو Avariwîn أو Avriwîn "آفا رْوين أو آفروين"، وكما يلاحظ فهو يكاد يكون مطابقا من حيث الصيغة من كلمة "عفرين"، وتعني المياه ذات اللون الأحمر الترابي، وهذه صفة معروفة لمياه نهر عفرين أثناء فيضاناته الكثيرة. ولايزال المسنون من سكان المنطقة في القرى الشمالية يلفظون اسم عفرين بشكل "عَفْرانْ "، وهي كلمة تشير إلى بقايا الأعشاب والأشجار والزبد الترابي اللون الذي يطفو على صفحة النهر أثناء فيضانه.
أما إذا أخذنا الجذر  -rêأو –lê بمعناه الكردي الآخر أي "مجرى، مسيل، طريق"، فسيكون الاسم الكامل بمعنى "مجرى الماء أو مسيل الماء".
3– آفرينAfirîn : كلمة كردية بمعنى الخلق والعطاء. ونهر عفرين بمياهه المتدفقة، كان ولا يزال مبعثاً للحياة ومنبعا للعطاء، وتنتشر على أطرافه مئات القرى العامرة، مثلما تجثم على ضفافه أطلال عشرات المدن والقرى والحصون البائدة، فلا عجب إن كان الكرد قد أطلقوا على النهر صفة "مانح الحياة والخصب"Afirîn ، مثلما يسمون المرأة بـ " آفره ت" Afret "مبدعة الحياة".
ولكن، أياً كان معنى الاسم ومصدره، فقد كان لأسلاف الأكراد من الهوريين، ومن بعدهم الحثيين والميديين وجود دائم في مناطق طوروس في فترة ما قبل الميلاد وما بعدها أيضاً. وتنتشر على ضفاف نهر عفرين حالياً من منبعه إلى مصبه مئات القرى الكردية العامرة، فقد كان الكرد وأسلافهم، سكان دائمون لكامل حوض نهر عفرين، وعرف النهر بهم سواءً أكان اسمه Aprie أو عفرين أو آفرين Afirîn. ولكن ورغم كل ما قيل، تبقى معرفة أصل بعض الأسماء القديمة مسألة في غاية الصعوبة.
وتشير المصادر إلى أنه في العهد الروماني، كان يمر من موقع مدينة عفرين طريق روماني "سريع". وأظهرت حفريات البناء على جانبي شارع طريق جنديرس، حجارة مشذبة أثرية ضخمة، وجرار فخارية كبيرة، مما يدل على استيطان قديم في الموقع. كما كانت هناك مغاور وكهوف عديدة شمالي المبنى القديم لشركة الكهرباء، كانت تستخدم قديما من قبل السافرين، بدلالة القطع النقدية المعدنية القديمة التي كانت تظهر في أرضيتها.
وتذكر كتب التاريخ، أنه في القرون الوسطى - حوالي القرن الرابع عشر للميلاد - كان في موقع المدينة جسر باسم " قيبار". وفي أواخر العهد العثماني، كانت هناك خانات عديدة لإيواء القوافل والمسافرين شمالي الجسر الحالي بجوار الكهوف السلفة الذكر.
وكما نوهنا في مقدمة الدراسة ، يجدر هنا التمييز بين منطقتين تحملان نفس التسمية في سوريا، أما المنطقة الثانية المسماة ب((جبل الأكراد)) فهي في ريف محافظة اللاذقية الشمالي، وتقع بين طريق حلب-اللاذقية من الشمال، ومن الغرب ناحية القساطل ومن الجنوب ناحية صلنفة ومن الشرق المنحدرات المطلة على سهل الغاب. وتضم المنطقة نحو خمسين قرية، ينتمي سكانها إلى عشائر كردية كبيرة ومعروفة في القسم الغربي من بلاد الأكراد، ويعود بدايات وجود  الكرد في تلك الناحية الى العهد الأيوبي.


خاتمة:


إن الغاية المرجوة من هذه الدراسة هو التعرف على تاريخ منطقة كانت تسمى عبر قرون عديدة بـ(جبل الكرد)، وتعرف حاليا بـ (عفرين)، وكان هدفنا هو معرفة الاقوام التي استوطنت هذه المنطقة، والدول التي حكمتها، والاحداث التاريخية والتحولات الاثنية التي مرت بها وعليها.
وقد شاءت الاتفاقيات الدولية بعد الحرب العالمية الاولى أن تشطرها الى قسمين وبين دولتين، تركيا وسوريا. ومنذ ذلك الحين، دأب بعض الساسة، وأفراد وأوساط من النخب غير المحايدة سياسيا وأكاديميا، سواء في سوريا أو تركيا، إلى تغييب الحقائق التاريخية  الدامغة عن انتماء هذه المنطقة الى بلاد الكرد، والسعي إلى اعتبار وجود العنصر الكرد فيها، حالة استيلاء طارئة عليها، وعمدت إلى وطمس المسلمات التاريخية حول التاريخ القديم لاستيطان العنصر الكردي لها، وإنكار حقيقة أنها مناطق ذات طابع تاريخي واثني وثقافي وحتى جغرافي واضح لا غبار ولا التباس عليها.
وقد ساهمت أحداث الازمة السورية، في مزيد الاستقطاب والتشدد في هذا المجال لدى بعض الأوساط السياسية التي تعتبر نفسها (وصية شرعية) للإرث الفكري العروبي المتعصب، وتتجلى إحدى مظاهر ذلك الإرث والفكر الضار، بانكار الوجود التاريخي والجغرافي القديم للكرد في شمال سوريا، وخاصة في منطقة عفرين، والذي يعود في حقيقته الى قرون عديدة وعهود قديمة.
نأمل أن نكون وفقنا في الاقتراب من الغاية المرجوة من هذه الدراسة، وأزلنا بعض الغموض والالتباس عن  تاريخ منطقة كردية سورية، للكرد وجود قديم وأصيل فيها.

من منشورات حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)

 
المراجع


المراجع العربية:
1.    عاديات حلب، الكتابان الرابع والخامس 1978-1979، والسادس والسابع- 1992، معهد التراث العلمي، جامعة حلب.
2.    أبو الفضل محمد بن الشحنة 1402-1485م، الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، تقديم عبدالله محمد الدرويش، دار الكاتب العربي، دمشق.
3.    محمد بن علي العظيمي ( الحلبي) 1090-1161هـ، تاريخ حلب، حققه إبراهيم زعرور، دمشق، 1984.
4.    إسماعيل أبي الفداء، اليواقيت والضَّرب في تاريخ حلب، حققه: محمد كمال و فالح البكور، الطبعة الأولى 1989، دار القلم العربي بحلب.
5.    احمد بن علي بن أحمد ( القلقشندي ) 1355-1418م، صبح الأعشى في كتابة الإنشا، تقديم وتعليق عبدالقادر زكار.
6.    كزينفون 401ق.م، أناباسيس أو ((رحلة العشرة آلاف))، ترجمها عن الإنكليزية يعقوب أفرام منصور، مكتبة بسام، الموصل.
7.    صبحي صواف، تاريخ حلب قبل الإسلام، الجزء الأول، حلب 1972.
8.    عبدالرزاق الحسيني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، الطبعة السابعة 1980.
9.    الأمير شرفخان البدليسي، شرفنامه، مطبعة النجاح، بغداد 1953.
10.    الأب بولص يتيم، مقالات في الآثار السورية، مطبعة الإيمان، حلب 1977.
11.    الأب يوسف قوشاقجي والأب بولص يتيم أبطال الله (العموديون في جوار حلب)، مطبعة الإيمان، حلب.
12.    د.شوقي شعث، حلب تاريخها ومعالمها الأثرية، منشورات جامعة حلب 1991.
13.    محمد أمين زكي، الجزء الأول، تاريخ الدول والإمارات الكردية، الجزء الثاني، تاريخ الكرد وكردستان 1937. ترجمها من الكردية محمد علي عوني 1945.
14.    جميل كنه، نبذة عن المظالم الفرنسية بسجن المنفرد العسكري بقاطمة وخان استنبول – الجزء الأول، مطبعة الوطن العربي، حلب 1967.
15.    د.شوقي شعث، قلعة سمعان، منشورات دار القلم العربي، حلب، 1991.
16.    فؤاد هلال ونديم نقش، دليل حلب السياحي، الإصدار الرابع 1997.
17.    القس هنري لامانس، دراسة وتحقيق ميداني في جبل سمعان وجومه وقرى الإيزيديين في عام 1907نشرت في مجلة منوعات الكلية الاستشراقية – جامعة القديس يوسف، بيروت، نشرت عام 1957 تحت عنوان (( دراسة حول الجغرافيا وحضارة الشعوب الشرقية، مرتفعات جبل سمعان ويزيديوا سوريا)).
18.    ب.ليرخ 1828- 1884، دراسات حول الأكراد وأسلافهم الخالديين الشماليين ترجمة د.حاجي عبدي، الطبعة العربية الأولى 1992.
19.    د.هشام الصفدي، تاريخ حضارات آسيا الغربية، جامعة دمشق، الطبعة الثالثة 1993 - 1994 .
20.    د.محمد حرب فرزات ، موجز في تاريخ سوريا القديم – جامعة دمشق 1993.
21.    انطوان مورتكارت، تاريخ الشرق الأدنى القديم – تعريب توفيق سليمان، علي أبو عساف، قاسم طوير، إصدار 1950.
22.    د.هشام الصفدي، تاريخ سوريا القديم، جامعة دمشق 1981-1982، مطبعة رياض، دمشق.
23.    ليونارد ووللي – آلالاخ مملكة منسية – ترجمة فهمي الدالاتي – إصدار وزارة الثقافة  السورية – دمشق 1992.
24.    د.محمد حرب فرزات، محاضرات في تاريخ الشرق الأدنى القديم (مصر القديمة وحضارتها )، جامعة دمشق 1993.
25.    ملامح من تاريخ الفلاحين في الوطن العربي، مجموعة مؤلفين، ثلاثة أجزاء .
26.    باسيل نيكيتين قنصل روسيا في إيران سنة 1885، الأكراد ملاحظات وانطباعات، رابطة كاوا للثقافة الكردية، دار الكاتب.
27.    باسيل نيكيتين، ( الأكراد أحفاد الميديين)، ترجمة معروف خزندار، رابطة كاوا للثقافة الكردية، دار الكاتب.
28.    أبحاث الندوة العالمية حول تاريخ سوريا تشرين الأول 1992في جامعة حلب بالتعاون مع جامعة روما، إعداد د.فاروق إسماعيل، جامعة حلب 1996.
29.    البلاذري وفاته 895، فتوح البلدان – بيروت 1978.
30.    سيد علي الحريري، الأخبار السنية في الحروب الصليبية، القاهرة 1899.
31.    ألوان من تاريخ بني حمدان، أيمن أحمد شعبان، الطبعة الأولى، دار جفرا، دمشق، مطبعة الإخاء 1996.
32.    كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس و معين البعلبكي، دار العلم للملايين.
33.    قسطنطين بازيلي 1809، 1884م، قنصل روسيا في بيروت في العقد الرابع من القرن التاسع عشر - كتاب (( سوريا وفلسطين تحت الحكم العثماني))، تأليف سنة 1840م .
34.    أدهم آل جندي، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي، تأليف سنة 1960، مطبعة الاتحاد، شارع رامي.
35.    الشيخ كامل الغزي، نهر الذهب في تاريخ حلب، ثلاثة أجزاء.
36.    عصمت شريف وانللي، المسألة الكردية في سوريا - كانون الثاني 1968.
37.    محمد بن محمود الحلبي الملقب بابن آجا، العراك بين المماليك والعثمانيين الأتراك، مزيدة ومنقحة من قبل محمد أحمد دهمان، دار الفكر 1986.
38.    مجلة الحوار، العدد المزدوج رقم 18 و19، والعدد المزدوج 16 و 17، 1997، مجلة ثقافية سياسية كردية تصدر في سوريا .
39.    إ.م دياكونوف، ميديا، دمشق، ترجمة: وهبية شوكت، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
40.    ياقوت الحموي -المتوفى عام  1229م-، معجم البلدان، السفر الثالث، القسمان الأول والثاني، منشورات وزارة الثقافة في سوريا، 1983.
41.    القلقشندي 1355، 1418م، صبح الأعشى في كتابة الإنشا، السفر الخامس، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1983.
42.    خيرالدين الأسدي، موسوعة حلب المقارنة، طبعة ثانية في سبع مجلدات، معهد التراث العلمي في جامعة حلب .
43.    إبراهيم بك حلمي، تاريخ الدولة العثمانية العلية 1904، الطبعة الأولى 2000 مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت – لبنان.
44.    الأخوين الكسندر 1715-1768 وباتريك 1727-1805راسل، تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر، ترجمها عن الإنكليزية خالد الجبيلي، دار شعاع للنشر والعلوم، حلب – سوريا، طبع المجلد الأول في لندن عام 1794.
45.    د.محمد سهيل طقوش، تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى 1997.
46.    فايز قوصرة ، من إيبلا إلى أدلب, دار العلم, حلب 2004.
47.    جميل أحمد و فوزي رشيد، تأريخ الكرد القديم.

مراجع غير عربية:
1.    روجيه ليسكو، جبل الأكراد وحركة المريدين، الترجمة إلى الكردية (آمد)، إصدار السويد 1993 باللغة الكردية .
2.    القادري، تاريخ كلس، الطبعة التركية 1932، باللغة التركية .
3.    مامد جمو، اللهجات في جبل الأكراد، باريس 1999
 


الفهرس :


-    مقدمة الدراسة وأهميتها .
-    الفصل الأول : مقدمة جغرافية عن منطقة جبل الكرد-عفرين.
-    الفصل الثاني :  منطقة جبل الكرد في العصور التاريخية  : التابعية الإدارية و السياسية، هوية السكان، الأوضاع العامة الأخرى.
-    الفصل الثالث : أحوال جبل الكرد في العهد الفرنسي.
-    الفصل الرابع :  خلاصة تاريخ الوجود الكردي في جبل الكرد.
-    الفصل السادس : حول التسمية : جبل الكرد – جبل الأكراد – كرد داغ- عفرين - Çiyayê Kurmênc
-    الخاتمة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net

http://www.nl-k.net

http://www.nl-k.com