Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

دراسة مستقبلية

د. صلاح نيوف

مدخل
هذه الدراسة المستقبلية تهدف إلى معرفة التوازنات الإستراتيجية ومخاطر الصراعات في آسيا على مشارف عام 2025. إنها تتمحور حول علاقات القوة بين الصين، الهند واليابان. تكونت المنهجية المستخدمة، في المرحلة الأولى، من التحقق من الاتجاهات الكبرى الديمغرافية، الاقتصادية، السياسية و العسكرية، والتي خدمت بشكل أساسي في إعداد " السيناريو الرئيسي" المُؤسس على استمرارية هذه الاتجاهات على مشارف عام 2025. أيضا ما نريده هنا لا يشكل تنبأ بالمستقبل، ولكن قيمته قبل كل شيء هي قيمة تاريخية: نقصد بذلك إظهار مدى اتساع التحديات التي ستواجهها آسيا، وتقييم أخطار الصراعات التي يمكن أن تنتج عن هذه الاتجاهات.
في المرحلة الثانية، هذه الاتجاهات شكلت سيناريوهات من القطيعة ندعوها هنا سيناريوهات متعاقبة، ابتداءً من " الصدمات" أو الأحداث الكبرى التي من شأنها تغيير أو قلب  المنظر المرسوم لعام 2025. ويقصد هنا بشكل جوهري، الصراعات التي يمكن أن تورط الصين و جيرانها.

1 ـ السيناريو الرئيسي

 

1.1    ـ 2025 : آسيا تحت سيطرة الصين و الهند.


السيناريو الرئيسي لعام 2025 هو منافسة سلمية بين الصين والهند، ولكن غير مستثنى من التوترات، أيضا معها اليابان، وبوجود دور ثابت للولايات المتحدة كعامل توازن داخل الإقليم. في 2025، ستكون آسيا مستمرة في النمو السكاني، حتى ولو أن هذا النمو سيدخل في مرحلة من البطء. خمسة بلدان آسيوية ستشكل لوحدها ثلاث مليارات ونصف المليار نسمة، منها تقريبا ثلاث مليارات في الصين والهند وحدهما، و 700 مليون نسمة في ثلاثة بلدان عملاقة إقليميا وهي اندونيسيا، باكستان و بنغلادش. عدد السكان في الصين سينتقل من 1،32 مليار في عام 2007 إلى 1،44 مليار في عام 2025 [ و 1،40 مليار عام 2050  ؛ أما الهند فمن 1،16 مليار إلى 1،44 مليار [1،65 مليار عام 2050]؛ اندونيسيا من 231 مليون إلى 271 مليون [296 مليون عام 2050]؛ باكستان من 163 مليون إلى 224 مليون [292 مليون عام 2050]؛ بنغلادش من 158 إلى 206 مليون [ 254 مليون عام 2050] .

في عام 2025، ستظهر آسيا الجنوبية، وبسبب محافظتها على إيقاع النمو السكاني والكثافة السكانية، وكأنها " مركز البشرية" [ حيث يوجد ملياري نسمة، أو 25% من سكان العالم، فوق أرض تزيد قليلا عن 4 مليون كيلو متر مربع]. أما الفرق في عدد السكان بين أوربا وآسيا سيزداد في الصعود. بشكل آخر، سيكون قد ضُرِب بخمسة ما بين عام 1950 و 2025. لقد شكلت آسيا مرتين نصف سكان أوربا عام 1950، خمسة مرات عام 2007، وستشكل عشرة مرات من القارة الأوربية في 2050 [ 55% من سكان العالم مقابل 5،3 % من سكان العالم بالنسبة لأوربا .
هذه الأرقام تخفي اختلافات مهمة. إن الأقاليم المتطورة من آسيا شمال ـ شرق سيحصل فيها انخفاض سكاني سريع، مع تأثيرات على القوة العاملة الضرورية. فمؤشر الولادات انخفض إلى 1،12 في تايوان، 1،08 في كوريا الجنوبية، وإلى أقل من 1 في هونغ كونغ . الولادات في آسيا شمال ـ شرق لم تكن نهائيا بهذا الضعف في أي وقت من أوقات السلام . أيضا يمكن أن تتعرض اليابان إلى حالة من التراجع. فعدد سكانها سوف ينتقل من 127 مليون اليوم إلى 121 مليون في عام 2025 . أما ما سيحصل في الفترة اللاحقة سيكون أكثر دراماتيكية : 102 مليون عام 2050، و 89،9 عام 2055. الأفراد الذين يزيد عمرهم على 65 عاما سيشكلون 36 مليون أو 40% من عدد السكان، مقابل 25،7 مليون اليوم . من الصعب أن نتخيل أن الحكومات اليابانية لن تجرب تصحيح هذا الوضع. بالمقابل، لا يوجد خيارات يمكن الوصول إليها بسهولة. الزيادة في مساعدات الولادة و الأمومة هي ضعيفة اليوم، إنها تصطدم مع توسع العجز في الميزانية العامة . فيما يتعلق بالاستعانة الضخمة على الهجرة، فمن الصعب تخيلها ويعود هذا لأسباب ثقافية ـ باستثناء محاولة تشجيع من هم من أصول يابانية في الخارج على العودة على الوطن، مثال [ البرازيل يوجد فيها أكثر من مليون شخص يعود لأصول يابانية].

بالإضافة لذلك، العديد من النماذج تبين أن التراجع الاقتصادي لليابان لا يمكن تجنبه في العقود القادمة . لليابان شعور ووعي بالتهديدات القادمة من الصين " الهجمات بالغواصات"، وكوريا الشمالية "الصواريخ"، وحاليا هناك نزاعات إقليمية هامة مع روسيا وكوريا الجنوبية، لذلك ستلجأ إلى تطوير كبير لوسائلها الدفاعية. [ اليابان وروسيا هما من الناحية التقنية في حالة حرب،حيث تقوم طوكيو دائما بتوقيف صيادين في منطقة Kouriles. اليابان و كوريا الجنوبية يتنازعان حول جزر Tokto/Takeshima التي تقع على الخط المتوسط لتقاسم المناطق الاقتصادية الخاصة]. هناك فرصة ليتحقق هذا التطور، في الوقت الذي سيختفي فيه جيل الحرب العالمية الثانية من المسرح السياسي، حيث مع نهاية هذا الجيل ستتم محاولة " التسوية العسكرية" لهذا البلد. مع بداية عام 2012، سيكون الإقليم الياباني محميا بنظام دفاعي متماسك مضاد للصواريخ [ أربع مدمرات من نوع Aegis فيها 36 صاروخ معترض SM3، أربع وحدات اعتراض PAC-3 أو 120 معترض، مع رادار من نوع X ]. ولكن هناك مخاوف يابانية حقيقية من تخفيض عدد الجيش: فمع فيالق تتألف من 10 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 20 و 40 عاما في عام 2050، يبدو أن اليابان لن تستطيع الحفاظ على قواتها كما هي في المستوى الحالي .

أيضا روسيا ستكون، دون شك، في مرحلة تراجع. فالنمو الروسي منذ عام 1998 يعود بشكل جوهري إلى إعادة تقييم العملة الروسية "الروبل" وإلى ارتفاع أسعار البترول، لكن اندماج روسيا في الاقتصاد العالمي يبقى ضعيفا جدا. نعطي مثلا على ذلك: تشكل التجهيزات والأمتعة والأشياء الخاصة بالاستهلاك السريع 10% من الصادرات . إن عدد السكان في روسيا سوف ينتقل من 142 مليون نسمة في عام 2007 إلى 128 مليون في عام 2025، وإلى 107 مليون نسمة في عام 2050 . هذا الانخفاض السكاني سيترافق مع العديد من المشكلات المتعلقة بالصحة العامة. فمعدل ازدياد مرض الإيدز في روسيا يعتبر من أكبر المعدلات في العالم . أيضا يترافق انخفاض عدد السكان مع خلو الأقاليم الشرقية الروسية من السكان بسبب الهجرة الكبيرة. وأخيرا، إن الانخفاض في عدد سكان روسيا له تأثير على قدراتها العسكرية: حيث أن تجمعات التطوع أو الدخول في الجيش انخفضت إلى 100000 شخص في العام . هذا الضعف سيزيد من الوهن الذي تعاني منه روسيا في مواجهة صعود القوة الصينية.

إن الصين و روسيا ستحتفظان وعلى مشارف عام 2025 بالكثير من مميزاتهما، ولكن هناك خطر يواجه كلا البلدين ويتمثل في رؤيتهما في موقع دفاعي أمام الصين. في عام 2025، من المتوقع أن تصبح الصين أول قوة تجارية عالمية [ وفي نفس القوت أول مصدر وأول مستورد] . إن الناتج المحلي الصافي للصين والهند ،بمعدلات أسعار العملة الحالية، سوف يتجاوز القوى الاقتصادية الرئيسية الغربية: الصين ستتجاوز اليابان في عام 2016، والهند ستتجاوز اليابان في عام 2032  . فالمكانة المتنامية لكل من الصين والهند فيما يتعلق بالإنتاج العالمي يمكن أن نشبهه "بعودة إلى القرن التاسع عشر". ففي عام 1820، شكّلت الصين من 30 إلى 33% من الاقتصاد العالمي [ من حيث القوة الشرائية و الدخل الوطني الصافي]، أما الهند فشكّلت 15% من هذا الاقتصاد . لا شك أن القدرات التجارية و المالية العالمية للبلدين لا تقارن بالماضي، فهي اليوم أكثر أهمية.

وفق العديد من الدراسات المعتمدة على علم الاقتصاد الرياضي، فإن الصين و الهند معا لديهما قدرات تجعلهما المحرك للنمو الاقتصادي العالمي في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين . إن آسيا في عام 2025 ستشكل نصف الاستهلاك العالمي من البترول. وسيبقى مضيق "مالكا" نقطة عبور أساسية لنقل البترول إلى آسيا شمال ـ شرق. [ اليوم، ربع النقل البحري العالمي ونصف النقل البحري البترولي يمر من هذا المضيق]. بالمقابل، فإن الصين من الآن إلى عام 2025 ستنجح دون شكل بالحد من تبعيتها تجاه هذا المضيق [ و الذي من خلاله تنقل الصين 65% من حاجاتها و 80% من استيرادها من البترول]. ومن المحتمل أن مشروع منطقة التبادل الحر بين الصين و منظمة "آسيان" يتم العمل عليه لينتهي في عام 2025، أي العام الذي تأمل فيه الصين بنهاية تبعيتها للمضيق. بالمقابل، إن معظم بلدان هذا الإقليم سيستمرون بشكهم وارتيابهم من التوسع الاقتصادي والسياسي الصيني، خاصة أن الصين تمتص جزءا من الاستثمارات و من القدرات الإنتاجية التي، حتى اليوم، يجب أن تذهب نحو آسيا جنوب شرق.

 

1.2    ـ قوتان ضعيفتان.


إن الصعود القوي لآسيا ستصيبه العديد من نقاط الضعف والهشاشة البنيوية، كما يشير إلى ذلك أحد الخبراء " بسبب اتساع هذا النمو أكثر من أي وقت مضى، فإن آسيا الكبرى، وبشكل خاص الصين والهند، ستواجه تحديات اجتماعية ـ اقتصادية بشكل لم تعرفه من قبل أية دولة، أو أي إقليم ". الأزمة المالية في عام 1997 حطمت أسطورة " المعجزة الآسيوية" في التنمية، وبين حدود نموذج اقتصادي يرتكز على " القيم الآسيوية". أما أزمة " السارز" في عام 2003 وضحت ضعف و وهن المجتمعات الآسيوية في مواجهة هذه العدوى من الحجم الكبير.
 
من جهة أخرى، إن البطء التدريجي في النمو السكاني للصين والهند سيكون له نتائج تظهر خطورتها شيئا فشيئا، بمعنى أن عدد المسنين سيزداد بشكل كبير وهذا سينعكس على الاقتصاد. في عام 2025، ستكون نسبة من لديهم فوق 65 عاما حوالي 42% من عدد السكان القادرين على العمل في الصين، و 27% في الهند . أما المتقاعدون الذين لم يشكلوا سوى 2،1% من الدخل الوطني الصافي في آسيا الشرقية، فسيشكلون 7،3% إلى 8% من هذا الدخل في عام 2025. بالنسبة لآسيا الشمالية، فإن النسبة يجب أن تكون بين 7،7% و 9،2%، مقابل 3،2% في عام 2000 . عدم التوازن بين السكان من الذكور والإناث، والذي يتعلق بكل القارة الآسيوية، أيضا سيزداد، في الوقت الذي فيه التوازن الطبيعي هو 100 امرأة مقابل 103 إلى 106 رجلا [ النسبة الوسطية الدولية : 104 ـ 105]. عدد الذكور عند الولادة بالنسبة للإناث هو حاليا 108 في الهند، 112 في كوريا الجنوبية، 118 في سنجابور، 119 في تايوان، وأكثر من 120 في الصين . وهو أكثر من 120 في بعض الأقاليم الهندية وأكثر من 130 في بعض الأقاليم الصينية. في عام 2020، "الفائض" من السكان الذكور ما بين 15 إلى 34 عاما سيكون 30 مليون في الصين و 28 مليون في الهند . أيضا سيكون لمنعكسات مرض الإيدز وزن ثقيلا: في عام 2025، يمكنها أن تخفض النمو في الهند و الصين [ ما بين -33% إلى -40 % من النمو السنوي] .

إن مصادر النمو الاقتصادي في الصين والهند تبقى تقليدية. البلدان " لا يمتلكان لا على مستوى الدولة، ولا على مستوى المشاريع تمركزا ماليا يمكن مقارنته بالدول الصناعية" . إنهما حتى الآن بعيدان ضمن التصنيف العالمي فيما يتعلق بالمنافسة الاقتصادية. الصين ،من غير هونغ كونغ، تأتي في الترتيب 15 على الصعيد العالمي والهند في الترتيب 27  . إن قابليتهما أو استعدادهما للتجديد مازال ضعيفا. عدد براءات الاختراع في الصين والهند عام 2005، ورغم نموه، شكّل 1% من نظيره في الولايات المتحدة . لا يشّكل البلدان سوى 0،6% من الإنفاق العالمي على الأبحاث والتنمية [مقابل 21،5% في اليابان و 43،7% في أمريكا الشمالية] . الصين و الهند " لم تجمعا، وبعيدا عما يجب، الظروف التي تسمح لهما بإنتاج التجديد والاختراع" . في النهاية، وعلى مشارف عام 2025، ستكون الصين والهند تابعتان بقوة لاستهلاكهما من البترول. في عام 2025، ستستورد الهند ما بين 90 إلى 95% من استهلاكها من البترول. أما الصين، فمن جهتها يجب أن تستورد 75% من استهلاكها في عام 2020 و 80% في عام 2025  .[ سيصل استهلاك الصين من البترول في عام 2025 إلى 13،4 مليون برميل في اليوم] . بالنسبة للغاز، ستكون التبعية أقل من ذلك بكثير، 40% للهند و 25% للصين  . من هنا تفكر الهند برفع قدرتها النووية المدنية إلى 20 غيغا وات كهربائي في عام 2020؛ بالنسبة للصين، فإن القدرة المتوقعة هي الضعف أي 40 غيغا وات كهربائي.

1.3    ـ الضعف النوعي للصين و حظوظ الهند.
إن الأطروحة القائلة " القرن الواحد والعشرون سيكون قرنا صينيا" هي أطروحة لا يمكن الاعتماد عليها. إن نقاط ضعف النظام الصين كثيرة. أما الهند، من جانبها، تمتلك مميزات هامة وتستطيع أن تكون في موقع قوة من الآن إلى عقدين من الزمن.

 

1.3.1    ـ نقاط ضعف الصين.


إن النمو الصيني يبقى تابعا جدا تجاه الاستثمار الأجنبي المباشر وعلى التجارة الخارجية التي تشكل 65،3% من الدخل الوطني الصافي . والمشاريع الأجنبية الموجودة في الصين مسؤولة عن 3/5 من الصادرات الصينية [ 4/5 من الصادرات هي تجميعية و 9/10 منها من التكنولوجيا العالية]  . المنتجات المجمعة بناءا على مستوردات من الخارج تشكّل أكثر من نصف صادرات الصين . أما الجزء "الصيني" الخالص من القيمة المضافة لهذه الصادرات من التكنولوجيا العالية ليس إلاّ 15% . بالنسبة للميزانية المخصصة للبحث و التنمية هي اقل مما كانت عليه في عام 1964،وبكين تأمل في تجاوز الاتحاد الأوربي في هذه النقطة مع مشارف عام 2020  . الاقتصاد الصيني هو اقتصاد غير فعّال. فمن أجل إنتاج كمية معينة فإن الصناعة في هذا البلد تحتاج إلى ست مرات أكثر من المصادر التي تستوجبها نفس الكمية في الولايات المتحدة و ثلاث مرات أكثر من الهند  . إما الفعّالية الطاقية للصين فهي ضعيفة، إن كان على الصعيد الصناعي [ المصانع الصينية هي خمس مرات أقل فعّالية ،من وجهة النظر هذه، من المصانع الغربية] ، أو على الصعيد السكني "التدفئة" [ الفعالية الطاقية للمسكن في الصين هي أقل بمرتين ونصف مما عليه الحال في ألمانيا]، وهي في حالة تراجع . إن المدن الداخلية الصينية مازالت خاضعة لمشاريع الدولة . هذه المشاريع تتصف بالفساد والمحاباة للأقارب، وبدخل ضعيف جدا، وهنا تأتي خطورتها لأنها تشكل 70% من الاقتصاد الصيني .

إن النظام البنكي الصيني يبقى ضعيفا،حيث تشكل الديون حوالي 30% من الإنتاج الوطني الإجمالي وذلك رغم التحسين الجديد لإدارة هذه الديون [ تحويلها إلى إداريين متخصصين]. إن شيخوخة السكان في الصين ستصيب النمو الاقتصادي للبلاد بشكل سريع : كما تقول العبارة ، الصين " ستشيخ قبل أن تصبح غنية". مع بداية عام 2025 سيبدأ وزن الأجيال الأكثر سنا [سيكون هناك 20% من المتقاعدين] يتضح بتأثيره على الاقتصاد . في هذه اللحظة سيتوقف نمو الداخلين إلى سوق العمل . وبسبب سياسة الطفل الواحد، فإن البيئة الاجتماعية/الثقافية للبلاد ستتغير بشكل كبير. العديد من المفكرين الصينيين يتحدثون عن الأخطار النفسية التي تلاحق الأطفال الوحيدين " في مجتمع مبني دائما على العائلة ". إن العديد من الشباب في العديد من الأقاليم الصينية سوف لن يكون لهم " لا أخ، لا أخت، لا عم، ولا ابن عم ". مع بداية عام 2025 من الممكن أن تصل نسبة المنازل التي ليس فيها أطفال إلى 75%  .

في الصين هناك وضوح كبير لعدم التوازن بين الولادات من الذكور والإناث. يصل اليوم وفي بعض الأقاليم إلى 135 ذكرا مقابل 100 أنثى [ كما هو الحال في إقليم Hubei]، وأحيانا إلى 136/100 [جزيرة Hainan ـ وهي واحدة من أكثر الأقاليم ازدهارا في البلاد ـ وهذا يجعل من مقولة أن الغنى يقلص بشكل طبيعي "تفضيل الذكور"]. ستضم الصين في عام 2020، وفق التقديرات حوالي 30 إلى 40 مليون رجل من غير زواج  . السوابق التاريخية تبين أن هذه الحالة من عدم التوازن يمكن أن تكون مصدرا للبلبلة الاجتماعية. على سبيل المثال، يمكن أن نعود إلى القرن التاسع عشر، حيث أن تمرد Nien يعود لحالة من عدم التوازن وصلت إلى 129/100  . نفس الشيء، تبين دروس التاريخ علاقة متلازمة بين هذه الحالة من عدم التوازن والتطور الشمولي/السلطوي ، على الأقل على الصعيد المحلي والإقليمي.

إن الهجرة الداخلية، من الأرياف إلى المدن، ستشكل أحجاما كبيرة مع عام 2025، تقدر بحوالي 300 مليون شخص بين عامي 2005 و 2025  . [ التوقعات الرسمية تذكر 400 مليون شخص بين عام 2000 و 2030  ]. في هذه اللحظة، الشعب الصيني معظمه سيصبح من سكان المدن [ 57%، أو 800 مليون شخص  ]. لقد عرفت جميع المجتمعات الصناعية هذه الظاهرة، لكن حالة الصين فريدة من نوعها بسبب سرعتها وطابعها الضخم. هذه الهجرة تخلق طبقة من العمال من غير ضمان اجتماعي، تدفع ضرائب باهظة وليس لديه منفذ إلى جميع المهن.
الحاجة إلى المياه ستصل قريبا إلى قيم حرجة. فالصين ليس لديها سوى 7% من المصدر العالمي لحوالي 20% من سكانها [ أو حصة تعادل 25% من المعدل الوسطي العالمي ]. أما مستويات المياه في سهول الشمال من المتوقع أن تنفذ في عام 2025، علما أنها تزود البلاد بنسبة 24% من المصدر الهيدروليكي و 60% من حاجات هذا الإقليم الذي يضم 200 مليون نسمة . بالنسبة للثلوج المتحولة إلى جليد في هضبة التيبت فهي تعاني من ذوبان سريع، تم تقديره بنسبة 50% في العقد الواحد . أكثر من ذلك، إن التلوث يؤثر على جاهزية ومدى القدرة على استخدام الثروات. [ 90% من المياه الجوفية و 75% من البحيرات تعرضت للتلوث بشكل كبير ]. في عام 2007، تم إلغاء مشروع لتحويل المياه من نهر Yangtsé، وكان موجها لتغذية مدن بكين و تيانجين، لأسباب منها ما يتعلق بتلوث المياه .

سوف تستورد الصين وبشكل ضخم مصادرها الغذائية. حيث أن أراضيها الصالحة للزراعة تشكل مساحة محدودة [ 13% من الأرض الصينية، أو أقل من 40% من المتوسط العالمي  ]. إن عملية البناء تساهم في تقليص هذه المساحة أكثر مما هي عليه [ فقدت الصين 6،7 مليون هكتار منذ عام 1996 بسبب البناء ]. أيضا إنها بحاجة لتحويل جزء من هذه المساحة حتى توقف عملية التصحر في السهول الشمالية. [ صحراء Gobi تتقدم حوالي 5000 كيلو متر مربع في العام ]. ضمن هذه الحالة يتركز ثلثي أراضي الصين والتي تمد نصف السكان بالحبوب . [ بالإضافة لذلك، حوالي سدس الأراضي الصينية الصالحة للزراعة هي ملوثة بالمعادن الثقيلة].إن التصحر والبناء المتناميان سيقودان إلى تبعية ضخمة تجاه شراء الحبوب من الخارج.
 
أيضا، إن الوضع الصيني يتصف بتراجع كبير على صعيد الخدمات العامة. هناك تراجع في الإنفاق على التعليم [ 3،28% من الإنتاج الوطني فقط، 36% من الإنفاق على الصحة في سنوات 1980 وأقل من 15% في عام 2000  ]. كما أن للصين لديها نظام صحي وتعليمي يتجه شيئا فشيئا نحو "الخصخصة" ، أما النظام الاجتماعي فلم يحصل على شيء كبير من عائدات النمو، على سبيل المثال فيما يتعلق بتراجع الوفيات بين الأطفال .

في الصين مشاكل بيئية كثيرة ناتجة عن نمو سريع للاستهلاك في الطاقة، لاسيما التلوث المناخي في المدن، هذا التلوث يمكن أن يكون له نتائج كارثية في المدى المتوسط على صحة السكان، ومضاعفات على القوى العاملة والسخط الاجتماعي. يوجد 6% من الأطفال الذين يولدون مع تشوهات بسبب التلوث الكيميائي و الصناعي، لاسيما في الأقاليم التي تكثر فيها المناجم  . وتبقى الصين مكانا تكثر فيه الأمراض الحموية " الناتجة عن حمى فيروسية  ". وأخيرا، ينتشر مرض الإيدز في البلاد بشكل سريع: وفق الأمم المتحدة سيوجد في الصين 10 مليون إصابة بهذا المرض في عام 2010 .

الصين هي " أول قوة عظمة فقيرة في التاريخ ". فالأوضاع في الأرياف الصينية تزداد حالة القلق بشأنها. والوصول إلى الخدمات العامة في المناطق الزراعية، والتي هي واحدة من أهم المناطق التي تحتضن الماوية maoïsme، يتراجع بسرعة. أما الدولة فتنفق فقط 23% من ميزانية التعليم على هذه الأرياف. والفساد فيها وصل إلى درجات مقلقة كما يشير أحد الخبراء  . إن النسبة التي يُرغم الصينيون في الأرياف على دفعها من دخلهم السنوي من أجل الصحة انتقلت من 1،5% إلى 6% في عام 2006   . لقد قامت السلطات باتخاذ إجراءات فيما يتعلق بالصحة والتعليم في الأرياف، لكن الخبراء يرون فيها أنها غير كافية. ويذكر أن تلف الأراضي الصالحة للزراعة بسبب استخدامها المكثف وصل إلى مستويات مقلقة جدا.
إن تراجع ظروف الحياة في الأرياف [ فساد، تلوث،...الخ]، يمكن أن ينتهي على تمرد حقيقي،وقد رأينا بدايات له في السنين الأخيرة. المسائل المتعلقة بالصحة، بشكل خاص، أدت إلى انتفاضات مهمة [ على سبيل المثال عام 2005 في إقليم Zhejiang، وفي عام 2007 في مدن Xiamen   ]. لقد ازداد عدد المظاهرات، وفق الإحصائيات الرسمية، بشكل ملفت : 8700 في عام 1993، 32000 في عام 1999، 83600 في عام 2005  .
إن استنفاذ محتوى المياه السطحية في الشمال يعتبر بشكل خاص كأحد العوامل المحتملة لوقوع اضطرابات اجتماعية خطيرة ،هذه الاضطرابات يمكن أن يغذيها الجنود السابقون في "جيش التحرير الشعبي" حيث أن عددهم يزداد تدريجيا [200000 من المسرحين فقط في فترة ما بين 2003 ـ 2005]، أما إعادتهم إلى وضعهم السابق أصبحت صعبة جدا بسبب تقليص العديد من مشاريع الدولة . بشكل عام، مجمل هذه العوامل من شأنه أن ينتج أزمات اجتماعية عميقة. حيث أن تصاعد الاعتراضات الاجتماعية يمكن أن يتحول إلى اعتراضات سياسية لاسيما في بلد يغيب فيه الانفتاح و المنافذ الديمقراطية، كما أن المد القومي لا يمكن السيطرة عليه بشكل دائم، كما حصل في أمثلة سابقة [ بلغراد 1999].
التأثيرات السلبية لصعود الصين القوي بدأ تحسسها في الخارج منذ الآن. فقد أصبحت بعض المنتجات الصينية ذات النوعية الرديئة موضوعا للنزاع في آسيا . أيضا السلوك الذي يقوم به "المهاجرون الجدد" من إقليم " Fujian" [ إقليم ساحلي يقع في جنوب شرقي الصين] إلى "الدول الصغيرة" في الباسيفيكي كان له دور في الاضطرابات داخل هذا الدول " لاسيما جزر سليمان" في عامي 2006 و2007 . في باكستان، واحد من الأسباب المباشرة لاندلاع الأزمة في "الجامع الأحمر" تموز 2007،كان خطف خمس فتيات صينية "بائعات هوى" . وأخيرا، إن مسائل البيئة هي مصدر للاضطرابات بين الصين و جيرانها: كوريا الجنوبية واليابان تصيبهما أعاصير من الرمال بسبب الأمطار الحمضية الناتجة عن التصحر الصيني.

 

2.3.1 ـ حظوظ الهند.


أيضا للهند نقاط ضعفها الخاصة. فالاقتصاد الهندي مازال قليل المنافسة، وحجم الاستثمار الخارجي أقل بشرة مرات من مثيله في الصين. إن ازدهار البلاد يتم إيقافه أحيانا بسبب البيروقراطية التي تشل و الطابع القديم والجامد لنظام "الجماعات المغلقة" castes.مازالت الهند تحتفظ بمعدل عال من الأمية،1/3، واستثمار في الحقل المعرفي أقل أهمية بكثير من الصين. [ الهند تكوّن 70000 مهندس في العام، أقل بعشرة مرات من الصين] . أيضا، إن مشكلات الصحة العامة تشكل ثقلا كبيرا؛ حيث ستتجاوز الهند قريبا جنوب إفريقيا من حيث عدد الإصابات بمرض الإيدز ليصبح فيها أعلى معدل إصابات في العالم . ازداد الوضع سوءا بعد سياسات إعادة التوزيع المختفية تقريبا، و خدمات عامة [التعليم، الصحة والنقل]؛ أقل بكثير مما هو مطلوب. الهند لا تنفق سوى 10% من الناتج المحلي الصافي على البنية التحتية [ مقابل 20% تنفقها الصين] . كما أن قوة النظام الهندي [الديمقراطية، الفيدرالية] لديها ضعفها أيضا.
ولكن الهند تمتلك مميزات خاصة تجاه الصين. شعبها أكثر شبابا [ 30،4 سنة سيكون معدل الأعمار الوسطي في عام 2025]، ديناميكية القوى العاملة ستكون أكثر أهمية مما عليه الوضع في الصين، بمعنى أنها ستستطيع معارضة وضع الصين المعروف أنه " مصنع العالم" . في عام 2025، الهند لن يكون لديها سوى 4،7 شخص تابع أو متقاعد مقابل شخص واحد يعمل، وهو معدل منخفض نسبيا. وفي عام 2025، سيكون للهند عدد من الأفراد يزيد عمرهم عن 80 عاما أقل بمرتين من الصين ،" كما هو وضع اليابان، الهند ستستطيع أن تكون غنية قبل أن تصيبها الشيخوخة".
إن النمو في الهند يعتبر نمو داخليا، وهو أقل تبعية من نظيره الصيني تجاه الاستثمارات الخارجية . لهذه الأسباب ستعوض الهند في عام 2025 جزءا من تأخرها الاقتصادي لتتعدى جارها الشمالي، وسيكون لها في هذه اللحظة نموا متفوقا على الصين دون أدنى شك. يجب أن تكون الهند الاقتصاد الرابع في العالم عام 2025، بعد الولايات المتحدة،الصين واليابان . فيما يتعلق بالدخل الوطني الصافي والقوة الشرائية سوف تتجاوز حتى اليابان في ذلك التاريخ . ستصبح الهند دون شك واحدة من الموردين الأساسيين للخدمات مثل [الخدمات المالية، الطبية، التعليمية، الاجتماعية،..الخ] . وفيما يتعلق ببعض أنواع الاقتصاد من الممكن أن تكون الأولى عالميا في عام 2025  . بالإضافة لهذه الميزات فإن الهند يمكن أن تحقق نظاما سياسيا مستقرا يسمح بتنفس ديمقراطي حقيقي، إن كان على المستوى الفيدرالي أو على مستوى الولايات؛ ومستوى من عدم المساواة المستوى سيتم تقليصه؛ ثم بيئة قانونية ومالية أكثر صحة بكثير من الصين؛ وطلبا على الطاقة سيكون أقل من الصين في حال استمر نموها كما هو [أكثر من 164% بين عامي 2004 و 2030] بحيث أنها ستستهلك 29 مليون برميل في اليوم عام 2023 مقابل 52 للصين ؛ وفي الهند مساحة قابلة للزراعة أكبر من الصين؛ فيها طبقة متوسطة تتحدث الإنكليزية [أكبر جماعة إنكلوفونية في العالم]؛ حجم كبير من الطلاب الذين يدرسون في الولايات المتحدة [77000 طالب عام 2006 مقابل 63000 للصين في نفس العام]؛ شركات أكثر دخلا وفعالية من مثيلاتها الصينية،حيث دخل الصينية يصل إلى أقل من نصف الهندية . [ على الصين أن تستثمر 40% من دخلها لوطني الصافي كي تحقق 10% من النمو، بينما الهند تصل إلى 8% من النمو إذا استثمرت فقط 27%] .
تمتلك الهند مسبقا قدرة على عمليات التدخل البحري أكبر من نظيرتها الصينية، وهي تحاول تطوير هذه الإمكانيات. مع مطلع عام 2015 سوف تمتلك الهند سلاحا بحريا أكثر قوة وتأثيرا: حاملتي طائرات [واحدة ستشترى من روسيا]، 18 غواصة، 26 فرقاطة ومدمرة . وقد عززت في السابق مركزها المتقدم عندما أنشأت في عام 2002 أول قيادة [تربط بين جيوشها] في جزر Andaman و Nicobar وهي جزر تبعد 50 كيلومترا عن جزر Cocos و 70 كيلومترا عن جزر الإندونيسية. بالنظر إلى الطموحات الحالية في المجال العسكري، فإن الهند سيكون لديها دون شكل،وكما جارتها الشمالية، تطورا في قدرات العمليات العسكرية في الخارج تسمح لها بضمان مصالحها في الأقاليم المجاورة، لاسيما في آسيا جنوب ـ شرق. في الموازنة النهائية، يظهر أن للهند كل الحظوظ لتكون على الأقل قوة مثل الصين في آسيا مع آفاق عام 2025.

 

4.1 ـ مخاطر كبيرة في التوترات و الصراعات.


إن الفترة التي تفصلنا عن عام 2025 ستعرف تطورات قوية في التوترات و أخطار الصراعات في آسيا. التاريخ يبين أن صعود قوة جديدة يرافقه في العادة، في لحظة أو في أخرى، إستراتيجية من [رفع اليد]للمنافسين ضمن البيئة الإقليمية مباشرة، مع خطر في ردة فعل عنيفة من قبل هؤلاء المنافسين. أيضا يعلم التاريخ أن فترات التحول من توازن إلى آخر، و الانعتاق من القوة المهيمنة هي فترات قابلة للتفجر والنزاع المسلح . من الآن إلى ما بين 10 إلى 15 عاما، سيحصل تراجع لليابان وروسيا أمام القوة الصاعدة مثل الصين والهند وهذا من شأنه أن يؤدي إلى التوترات؛ حيث أن القوة المتراجعة تصبح عدوانية في الغالب. بالإضافة لذلك، إن صعود قوتين على الصعيد العالمي هو حدث تاريخي استثنائي.


هذه الدروس من التاريخ مقلقة جدا، حيث أن آسيا تواجه وضعا غير مسبوق بالنسبة لها: أن نرى الهند، الصين واليابان قوى كبيرة في نفس الإقليم واللحظة، على الأقل بشكل مؤقت. تاريخيا، الصين و اليابان لم تكونا نهائيا مهيمنتين في وقت واحد. نفس الشيء، عن الصعود القوي المتزامن ومتعدد الأشكال للهند والصين [الاقتصادي، السياسي و العسكري] هو ظاهرة تاريخية لم تحصل من قبل. هناك من يقارن هذا الصعود بصعود تاريخي قديم لإنكلترا العصر الفيكتوري و بروسيا، لكن هذه المقارنة ليست دقيقة ويجب أنم تكون نسبية: فصعود الصين و الهند يسير ببطء، فهو يعطي إمكانية للنظام العالمي بأن يصبح "متوازنا". ولكن هذه المقارنة لا تأخذ بالاعتبار عاملا جوهريا: إنه الاشتراك في الحدود بين البلدين الآسيويين العملاقين، مع النزعات الحدودية و السياسية.

كما نعرف،إن التبعية الاقتصادية المتبادلة والمتنامية بين بلدان هذا الإقليم ليست ضامنا للتطور السلمي في المنطقة. هذا الطرح ذو الأصول الليبرالية تم إثبات عكسه في معظم الأحيان من خلال الأحداث التاريخية [لاسيما في أوربا مع بداية القرن العشرين]. وزن الانفعالات المشاعر القومية يخطف في معظم الأحيان العقلانية الاقتصادية. أما التبعية المتبادلة فيمكن أن تولِّد إستراتيجيات ضعف أو معطوبة، وتؤدي لظهور أو شحذ علاقات القوة من جديد. نستطيع أن نضيف بأن التجارة في آسيا تظهر كخط مفضّل لنمو سريع موجه للوصول إلى أقصى حد من الدخل الوطني: هذا الدخل في الواقع يمكن إعادة توظيفه أو استثماره في وسائل تساعد على السيطرة، لاسيما العسكرية منها. لن نندهش إذا قلنا أن النمو في التبعية الاقتصادية المتبادلة لليابان مع الدول الآسيوية الأخرى، لاسيما الصين، في آخر 15 سنة الأخيرة اقترن باتساع في دائرة التوترات السياسية مع الجيران. فيما يتعلق بالمستقبل، ليس هناك أدنى شك بأن التبعية المتبادلة بين الصين و تايوان ليس لها وزن كبير في الحسابات الصينية إذا احتاجت الصين القيام بعملية عسكرية لإعاقة تايوان بالحصول على استقلالها الكامل.
بالنظر إلى الاحتياجات الضخمة لآسيا من الثروات الطبيعية، فإن إمكانية رؤية صراع يتفجر بسبب التنافس على الموارد ليست مستبعدة. بالتأكيد، إن تغيرات السوق العالمية لمصادر الطاقة المستخرجة تقود إلى اعتبار هذه الفرضية [ حرب من أجل البترول] أو الغاز ليس لها معنى. ولكن بعض القوى تريد أن تواجه الضغوطات الكبيرة لإيقاف توسعها الاقتصادي يمكن أن تلجأ إلى وسائل تصل لحد التطرف في استخدامها: وقد كان هذا هو السبب الرئيسي في مهاجمة Pearl Harbor  في عام 1941.  

وأخيرا، إن الدلائل و المؤشرات التي تبين بأن التطورات الديمغرافية في آسيا لديها طبيعة يمكن أن تخفف من مخاطر الصراعات في المنطقة ليست مقنعة. حيث نقول في بعض الأحيان أن السكان الذين تزداد نسبت الهرم و الشيخوخة بينهم ليس لديهم نزعة لإرسال أجيالهم الشابة إلى الحروب. لكن التاريخ يبين أن الحالة ليست كذلك دائما: فألمانيا في الثلاثينات و صربيا في أواسط 1990 كان لديهما سكان "مسنين". لقد اشرنا سابقا بأن عدم التوازن بين السكان من الإناث والذكور، لاسيما في الصين والهند، يُنتج شرذمة بين الشباب الذين ليس لديهم إمكانية للوصول إلى تكوين أسرة، وبالتالي النزعة القومية و العنف يمكن أن يشكلان متنفسا لهم. إن مخاطر الصراع العسكري الكبير في آسيا تنشأ بشكل أقل عن قرار اختياري [مقصود] للدخول في حرب، وبشكل أكبر عن حوادث صغيرة ضمن سياق من التوترات القوية، محدثة ديناميكية من التصعيد الذي لا يمكن السيطرة عليه.

 

5.1 ـ بروز الصين: هل هو قابل للتحول إلى نزاع مسلح ؟


إن جمهورية الصين الشعبية تأمل اليوم، وقبل كل شيء، في نجاح " بروزها" على المسرح العالمي، والذي تجسد في الألعاب الأولمبية في بكين 2008 و "المعرض الدولي في شنغهاي"2009". مع ذلك، لهذا البروز طبيعة يمكن أن تولّد توترات والتي، في ظل سياق من المنافسات الاقتصادية و السياسية،يمكن أن تتحول إلى مواجهات عسكرية.
جهود الصين في تأمين مخزونها من الطاقة يتحقق وفق محاور متعددة: بناء احتياطي إستراتيجي من البترول بمساعدة العربية السعودية؛ إقامة علاقات متميزة مع بعض الدول الإفريقية [والتي أصبحت تشكل المصدر البترولي الثاني للصين]؛ زيادة نقاط عبور المخزون من الطاقة، حتى يتم تقليص الاعتماد على مضيق "Malacca" [ من خلال إقامة مشاريع ارتباط بين Gwadar/Karakoram و تطوير نفق Irrawaddy]؛ دراسة استخدام البنية التحتية من الموانئ المدنية في البلدان الصديقة من أجل غايات عسكرية تهدف لتأمين النقل البحري.
لقد وضعت الصين إستراتيجية متماسكة من التنمية من أجل الاستغلال الفعّال لحدودها البرية و بالتالي السيطرة والتحكم ببيئتها المختلفة . تتفاوض الصين مع جيرانها حول سياسة من "الحدود المفتوحة" بشكل كبير ولكن باتجاه واحد. هذه السياسة تنطلق من أساس اقتصادي يصبح أكثر قوة بشكل تدريجي، ومن محاولة تحويل آسيا جنوب ـ شرق إلى منطقة رخاء.تحاول الصين أن تُفهِم بلدان الإقليم بأن بقاء علاقاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة سيكون لها "ثمنا".

لقد استطاعت الإستراتيجية الصينية في منطقة آسيا ـ الباسيفيكي أن تسجل بعض النقاط. إن بلدان الإقليم ثمّنت كثيرا موقف الصين أثناء الأزمة المالية في عام 1997، لذلك كانت مع حصول الصين على قروض ومساعدات من غير شروط والتي تسمح للصين بكسب ميادين أخرى على حساب البلدان الغربية. بالمقابل، تقوم الصين بدبلوماسية ثقافية نشيطة وفعّالة، فهي تطمح إلى فتح العديد من المعاهد الكنفشيوسية في العالم . وفي عام 2007 كان للصين نية في زيادة ميزانية أعمالها الخارجية بنسبة 37% .
 
من الممكن أن تكون دولة مينامار [بورما] في مرحلة الانتقال لأن تصبح قاعدة عسكرية متقدمة للصين، وهذا يساعدها في حالة حدوث أي صراع مع الهند وتشكيل ضغط على تايلاند. إن الصين تكثر من المشاريع المدنية والعسكرية الكبرى على جميع سواحلها. أما المشروع الرئيسي فهو ميناء على المياه العميقة في Kyauk-Phyu ، وسيكون له القدرة على فك العزلة الاقتصادية عن منطقة Yannan. بالإضافة لذلك، عن الصين والهند في تنافس على تطوير ميناء Sittwe، مع تقدم حتى الآن هو لصالح الهند. على الصعيد العسكري البحت، فإن الشكوك تزداد حول الحضور الصيني في جزيرة Coco الكبيرة وفي ميناء  Hainggyi. أما النقاشات الحقيقية في المجلس السياسي الحاكم في مينامار فيما يتعلق بالحضور العسكري الممكن للصين في هذا البلد فإنها لم تضع موضع الشك الحضور الصيني في تلك الجزيرة أو الميناء.
 
التغلغل الاقتصادي الصيني في دولة لاوس و كمبوديا هو أكثر أهمية وينتشر على حساب اليابان، الممون الرئيسي للتنمية في الإقليم. وفي إندونيسيا، الفيليبين وفيتنام، يمتد التأثير الصيني ليصبح أكثر إيجابية مما كان عليه الوضع في السابق . وقد وقعت الصين اتفاقية شراكة إستراتيجية مع جاكرته في عام 2005. أما في فيتنام، فقد استُقبَل الرئيس الصيني بحفاوة أكثر من استقبال الرئيس الأمريكي جورج بوش. إن موقف الصين تجاه " بحر الصين الجنوبي" منذ عام 1995 أصبح أكثر حذرا، بمعنى أن الصين أرادت تهدئة اللعب حتى ولو بشكل مؤقت، لاسيما أن الاحتياطات البترولية في الإقليم المذكور تتجه لتكون محدودة جدا .
تقوم الصين بتعزيز علاقاتها مع باكستان  [ الاستثمار في تحديث خطوط الحديد الباكستانية، ميناء غوادار، ثم مشروع الاتصال مع طريق Karakoram]. إن التحالف الصيني/الباكستاني سيبقى كما يظهر لنا قويا جدا. فالنسبة للصين، إن هذا التحالف يؤدي أربعة ميزات كبيرة: خطاً إستراتيجيا للتجارة ونقل البترول؛ وسيلة للتحكم بالحركة الإسلامية في Sin-Kiang؛ وأخيرا الحصول على تسهيلات فيما يتعلق بالبحرية الصينية. كذلك، من المنطقي التنبؤ بأن " الصين ستفضل بشكل محتمل تأسيس أمنها في آسيا الجنوبية على توازن بين السلطات التي تمتلك المميزات، أكثر مما تريد المخاطرة في وضع هذه المميزات ضمن دائرة الخطر، وتكون بذلك قد راعت مشاعر الهند وطيبت خاطرها ". بالتأكيد إن العلاقة بين هاذين البلدين هي أقل اختلالا مما يبدو للعيان، وليس من المؤكد أن باكستان سوف تساند الصين بقوة في حالة أي صراع مع تايوان، كما أنه ليس من المضمون أن تكون الصين حاضرة إلى جانب باكستان في حالة أي صراع بين الهند وباكستان. وأخيرا، يمكن لباكستان أن تكون في أفق عام 2025 "مستودعا" لليد العاملة بالنسبة للصين التي ستنتقل إلى مرحلة عليا من الإنتاج الصناعي.

أيضا تقوم الصين بملاطفة بنغلادش[ وقد وقعت معها اتفاقية لتعميق التعاون في مجال الدفاع في عام 2002 تسمح للصين بأن تكون المصدّر الأول لبنغلادش في مجال السلاح، وتشارك في تطوير ميناء Chittagong]، ثم مشروع تطوير ميناء Hambantota في سيرلانكا . لكن البلد الذي من شأنه أن يدخل بسهولة في ضمن فضاء التأثير الصيني هو كوريا الجنوبية، والتي، بالإضافة للعلاقات التاريخية و القرب الجغرافي، فإنها تقاسم الصين الريبة تجاه، من جهة الموقف الأمريكي تجاه كوريا الشمالية، ومن جهة أخرى، تجاه إعادة تجديد القومية اليابانية. من المبكر جدا أن نقول بأن كوريا يمكن أن تعيد أخذ مكانها التقليدي "كأول تابع للإمبراطورية ". نجد في الاقتراع الذي حصل كانون الأول 2007 أنه مع بقاء تحالف قوي مع الولايات المتحدة، وأن استمرار هذا التحالف لم يشكل أية صعوبة أمام انتخاب أي رئيس للجمهورية يكون مؤمنا به. لكن الشباب في كوريا الجنوبية يظهرون بعض الإشارات المقلقة و الريبة القوية تجاه الولايات المتحدة .

في الوقت الحالي، هذا الصعود القوي للصين داخل الإقليم يتحقق بشكل سلمي، ولا يوجد سبب يدعو للتفكير بأن بكين تريد لهذا الصعود أن يأخذ شكلا آخرا في السنوات القادمة. إن أخطار حصول أزمة جدّية تتورط فيها الصين يمكن أن تأتي بشكل جوهري من "انزلاقات" ضمن سياق من التوترات التي تنتج عن التنافس السياسي و الاقتصادي بين الدول في هذا الإقليم، النزاعات التاريخية و الإقليمية [لاسيما عندما يكون الوصول إلى مصادر الطاقة هو السبب، كما في منطقة بحر الصين]، تصرفات المهاجرين، أو التأثير البيئي للنمو الصيني: تحويل أو حجز المياه [الهند]، عواصف رملية و أمطار حمضية [اليابان]، تلوث الأنهار [روسيا]. ضمن هذا السياق، التصعيد الذي لا يمكن السيطرة عليه لأزمة ما انطلاقا من حادث بحري أو جوي هو دون شك السيناريو الأكثر احتمالا للتسبب بصراع تتدخل فيه الصين.

 

6.1 ـ 2025 : الولايات المتحدة ما تزال في موقع الهيمنة.


حتى عام 2025 لن يكون هناك أية قوة آسيوية يمكنها أن تعارض بشكل حقيقي الهيمنة الأمريكية.

 

1.6.1 ـ أسباب الاعتقاد بالهيمنة الأمريكية حتى عام 2025.                     


ستبقى الديناميكية السكانية الأمريكية بحالة سليمة حتى ذلك التاريخ. الولايات المتحدة في عام 2025 يمكنها أن تكون البلد الوحيد المتطور الذي مازالت فيه أعمار العمل في حالة متزايدة . من 305،8 مليون نسمة في عام 2007، ستتجاوز الولايات المتحدة 402،4 مليون نسمة في عام 2025 لتحافظ على المركز الثالث عالميا من حيث عدد السكان . وتتوقع الأمم المتحدة أن الولايات المتحدة الأمريكية ستبقى أيضا ولزمن طويل الأرض الأكثر اختيارا من قبل المهاجرين، ومن المتوقع أن تستقبل وسطيا ليس أقل من مليون ونصف في العام من الآن إلى عام 2025.
الاقتصاد الأمريكي سيستقطب استثمارات قوية جدا في المستقبل، لاسيما أن الولايات المتحدة تستثمر 2،7% من الناتج المحلي الصافي في الأبحاث والتنمية. إنها تشكل أكثر من الثلث [35%] من الإنفاق العالمي ضمن هذا المجال . [ الإنفاق الصيني يساوي أقل من عشر الإنفاق الأمريكي ]. أيضا سيتصف الاقتصاد الأمريكي بارتفاع في نسبة الصناعات التكنولوجيا الدقيقة وإدخالها في الإنتاج الصناعي [23%، أي بعد كوريا الجنوبية]. وفي هذه الحالة سيبقى الاقتصاد الأمريكي الأكثر منافسة في العالم . إن إعادة تنشيط النموذج الاقتصادي الأمريكي سيبين قدرة المجتمع الأمريكي على إعادة اختراع نفسه من جديد وبشكل دائم، وهذا لن نجد له مقابلا في آسيا. أما وزن الدولار في التعاملات العالمية سيبقى محافظا على نفسه، وسيكون من الصعب مجاراة تفوق العملة الأمريكية . تشكل العملة الأمريكية اليوم 68% من احتياطات التبادل في العالم، وتستخدم في 50% من التبادلات والصفقات التجارية العالمية، وهناك نصف الالتزامات العالمية يتم تحريرها بالدولار.

الولايات المتحدة لديها حتى اليوم تبعية في مسالة الطاقة [ تقريبا 32% من استهلاكها الكامل] أقل بكثير من القوى الاقتصادية الكبيرة. الإنتاج الوطني يغطي دائما 41% من استهلاكها من البترول و 82% من الغاز . إن نسبة الأمريكيين الذين يحصلون على تعليم في المستوى، على الأقل، المتوسط لا يعادله أي مستوى في داخل دول "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE]. فليس صدفة أن المستوى المتوسط للمعارف العلمية للشعب الأمريكي متفوق على نظيره الآسيوي . تستثمر الولايات المتحدة 2،6% من دخلها الوطني الصافي في التعليم العالي [مقابل 1،1% في اليابان ]. تشير جميع الدراسات إلى أن القسم الأعظم من الجامعات الأفضل في العالم هو من الجامعات الأمريكية. ففي القرن العشرين حصل الباحثون الأمريكيون بشكل كبير على جائزة نوبل في المجالات العلمية: سبع الجوائز بين عامي 1901 و 1945، نصف الجوائز بين عامي 1945 و 1975، وليس أقل من الثلثين منذ عام 1975. ثلث المقالات المنشورة في المجالات العلمية و التكنولوجية كانت بأقلام أمريكية ، حتى أن هناك نسبة مرتفعة جدا بين الأبحاث الأساسية وتطبيقاتها العملية في الولايات المتحدة، نسبة لا تعادلها أية نسبة أخرى في العالم، كما لا يوجد معاهد في العالم تضاهي المعاهد الأمريكية [ المعهد التكنولوجي في Massachusetts أو المعهد التكنولوجي في كاليفورنيا]. إن قدرة التجديد تتطور بسرعة في اقتصاد آسيا، لكن التفوق الأمريكي في نفس الميادين سيبقى بعيدا عن المنال من قبل آسيا.
أيضا الهيمنة الأمريكية على الإنترنيت ستبقى كبيرة ومدهشة من خلال عدد المخدمات الكلي وتمتلك الولايات المتحدة ما نسبته 80% منها على الصعيد العالمي،أما المواقع الأكثر زيارة فهي أمريكية ونسبتها 68% من المواقع العالمية. أما الانتشار الكبير للغة الإنكليزية يساهم في هيمنة نموذج الجامعات الأمريكية، ورغم التراجع الذي حصل بعد 11 أيلول 2001، إلاّ أن الولايات المتحدة تستمر في استقبال نصف المهاجرين من أصحاب التكوينات العليا في العالم. إذا استطاعت الصين أن تصبح " مشغل" العالم والهند "مكتبه"، فإن الولايات المتحدة ستبقى مع أفق عام 2025 " جامعة" العالم و "مختبر" أفكاره.

على الصعيد العسكري، الإنفاق الأمريكي [600 مليار دولار] لا يشكل سوى 3،8% من الدخل الوطني الصافي [مقابل 11،7% أثناء الحرب الكورية] و 20% من الميزانية الفيدرالية [مقابل 60% في عام 1956]، ويبقى استنزافا يمكن تحمله بشكل كبير بالنسبة للاقتصاد الأمريكي. هذا الاستثمار على فترة طويلة يعطي الولايات المتحدة اليوم " قيادة الفضاءات المشتركة"، وفق تعبير المحلل Barry Posen  . كما كانت إنكلترا تهيمن على البحار في القرن التاسع عشر، فإن الولايات المتحدة تهيمن اليوم ليس فقط على المحيطات بل على الفضاء[ فمن أصل 845 قمر صناعي معروفة اليوم في المدار، هناك 443 أو ما نسبته 53% يعود للولايات المتحدة] ومستَغَلَّة من قبلهم. إن استثمار البنتاغون في التكنولوجيا وصل إلى 70 مليار دولار من تمويل للأبحاث في عام 2005.
وحدها الولايات المتحدة تمتلك إمكانية إرسال القوات التي يمكن أن تنتشر خلال عدة أسابيع فوف مسرح للعمليات، وهي إمكانية تستند على شبكة من القواعد لا يوجد نظير لها في العالم. وهناك أكثر من ثلاثين دولة في العالم تستقبل وجودا أمريكا مهما على أراضيها وبشكل دائم . أيضا الولايات المتحدة هي القوة النووية الوحيدة والتي تستطيع من الناحية التقنية أن تهدد كل الدول التي تمتلك السلاح النووي بضربة استباقية تدمر سلاحها النووي؛ تفوقها النسبي على هذا الصعيد أكثر قوة مما كان عليه الحال أثناء الحرب الباردة . إن مجمل هذه القدرات تسمح لواشنطن بالبقاء أول حام عسكري في العالم، مع شبكة من التحالفات الدفاعية لا تعادلها جهة أخرى في العالم: هناك اكثر من خمسين دولة محمية من قبل الولايات المتحدة من خلال معاهدات من جانبين أو متعددة الأطراف. وإذا أضفنا عليها مجمل الشركاء المميزين ضمن برنامج واشنطن في الهيمنة الدفاعية، سيكون هناك حوالي نصف بلدان العالم [ 84 من أصل 192] يمكن اعتبارها كحليفة أو صديقة للولايات المتحدة، أو حجم يفوق ما كان عليه في زمن الحرب الباردة .

 

2.6.1ـ مقارنة بين الصين والولايات المتحدة مع أفق عام 2025.


سيكون الناتج المحلي الصافي الصيني في عام 2025 حوالي 6،4 تريليون دولار، مقابل 22،3 للولايات المتحدة . الناتج الصيني لن يشكل سوى 13،7% من الإنتاج العالمي، مقابل 27،3% للولايات المتحدة . ولكن بعد عشرين عاما من عام 2017 ستتمكن الصين من "معادلة" القوة الأمريكية . في عام 2040، الدخل الوطني الصافي للصين يمكنه أن يعادل نظيره الأمريكي، وفي عام 2050، يمكن لدخل المواطن الصين أن يقارن مع دخل المواطن في الدول الصناعية الكبرى . ولكن مع بداية عام 2040، إن حجم السكان الذين لديهم أعمار أكثر من 80 سنة سيكون أكبر في الصين من مثيله في الولايات المتحدة ، وفي عام 2050، سيكون عدد هؤلاء 103 مليون في الصين و 31 مليون في الولايات المتحدة .
مع مطلع عام 2025 لن تكون الصين قد أصبحت قوة عسكرية على الصعيد العالمي، بشكل يمكن يعارض القوة الأمريكية. الجيش الشعبي الصيني دون شكك سيمتلك قدرة هجومية كبيرة، وقوة بحرية تعادل من حيث السفن الكبرى نظيرتها في الوليات المتحدة. لكن لن يكون باستطاعتها اعتراض القوة الأمريكية المماثلة، لاسيما فيما يتعلق بإرسال الجيش للتدخل في عمليات خارج الحدود. القدرة الصينية في مجال التدخل الخارجي ستبقى محدودة ضمن محيطها الإقليمي القريب، حتى لو كان بإمكانها أن تعمل حتى الوصول إلى الخليج العربي، أو أن تقوم بدوريات منتظمة على طول [السلسلة الثانية من الجزر] أو بحر اليابان وبحر الفيليبين.
الإنفاق الصيني على الدفاع لا يمكن تقديره بشكل دقيق. يقدر اليوم ما بين 85 إلى 125 مليار دولار. بالنسبة لتقديرات عام 2025 فإن الإنفاق العسكري سينتقل من 185 مليار دولار كما كان في عام 2001 إلى 225 إلى 325 مليار دولار. بمعنى أن الصين سوف تبدأ باستثمار رأس مال كبير في مجال الدفاع.   
ما بين عامي 2010 و 2015، ستمتلك الصين عشرات السفن الحربية الكبيرة و المزودة بدفاعات جوية، وعشرات الغواصات الحديثة. وستكون أيضا القوة الفضائية الثانية في العالم، ولكن لن تتمكن من اللحاق بحوالي ثمانين عاما من الاستثمار الأمريكي في هذا المجال. سوف تستمر الصين دون شكل في محورة إستراتيجيتها على وسائل تهدف إلى تحييد القدرات الأمريكية في مجال الحرب الإلكترونية و مجال الردع، مستندة على قدرات في مجال صواريخ أرض ـ أرض، و صواريخ بحر ـ جو.
إذا ركزت الصين جهودها على قوات التدخل في العمليات الخارجية القريبة من محيطها الجغرافي يمكن أن تمتلك مع أفق عام 2025 بعض القوات التي يمكن "مقارنتها" مع نظيرتها الأمريكية، وفق ما جاء في منشورات Rand Corporation  . بالمقابل، وفق دراسة جديدة "لمجلس العلاقات الخارجية"، لا يوجد سبب يدعو للاعتقاد بأن، وحتى مع عام 2030، الصين يمكنها أن تكون "منافسا من ترتيب الند" بالنسبة للولايات المتحدة.

 

7.1 ـ التزام أمريكي مستمر في آسيا، ولكن بأشكال حصل فيها تطور.


وفق " Quadrenniel Defense Review" لعام 2006، فإن البحرية الأمريكية " انقلبت" باتجاه إقليم آسيا ـ الباسيفيكي. مع بداية عام 2010، أكثر من نصف القوات العاملة في الغواصات و السفن سوف تتجه إلى هذا الإقليم [ 6 حاملات للطائرات و 31 غواصة نووية هجومية]. أما العدد الكلي للأشخاص الموجودين في الإقليم هو بالمقابل سيتم خفضه إلى أقل من العدد الموجود في أوربا : من 82000 في عام 2005 هذا العدد سنخفض إلى ما بين 60 إلى 65 ألف في عام 2010.

في ظل غياب القطيعة الإستراتيجية أو صراع كبير، فإن الولايات المتحدة، وبسبب مصالحها السياسية ، الاقتصادية و الإستراتيجية، هي حاضرة في آسيا حتى بقواتها العسكرية. سوف يتم تشجيعها من قبل العديد من البلدان في الإقليم، والتي ترى في الحضور الأمريكي ضمانا تجاه التطور السريع للقوة والتأثير الصيني، لكن هذه الدول تحافظ على علاقات جيدة مع الصين. أما الصين من جانبها، فهي ترى في الحالف الأمريكي ـ الياباني وسيلة لاحتواء اضطرام المشاعر القومية في اليابان. يوجد احتمال ضعيف باستمرار التحالف مع كوريا الجنوبية حتى عام 2025، حيث أن كوريا الجنوبية من المحتمل، وحتى عام 2025، أن تكون قد دخلت في فضاء التأثير الصيني.بالإضافة إلى الصلات التاريخية و القرب الجغرافي، فإن كوريا الجنوبية تتقاسم مع الصين الريبة تجاه الموقف الأمريكي من كوريا الشمالية، ومن القومية اليابانية الجديدة. إن كوريا الجنوبية اليوم هي أقل تبعية بكثير من الناحية الاقتصادية تجاه الولايات المتحدة، ولم يكن الوضع على هذا الحال أثناء الحرب الباردة. أما القيادة الموحدَة بين الجيش الكوري الجنوبي والأمريكي سيتم حلّها مع عام 2012، لاسيما أن الجيل الذي عاش الحرب الكورية سيكون قد اختفى تماما مع عام 2025. [83% من السكان الحاليين ولدوا في عام 1953]. من الممكن أن شبه الجزيرة الكورية سيعاد توحيدها بشكل أو بآخر من الآن إلى ذلك التاريخ. إن فرضية كوريا الموحدة أو الفيدرالية ستقود دون شك إلى تركيز الجهود على التهديد الصيني.
مهما كان مستقبل التحالف الأمريكي ـ الكوري الجنوبي، فإنه من الممكن أن الولايات المتحدة ستتوقف عن نشر قواتها البرية بشكل مهم في كوريا الجنوبية واليابان. بدلا من القوات البرية سيتم إنشاء شبكة من القواعد أكثر صغرا و أكثر انتشارا. ثم ستصبح هناك حاملة طائرات واحد وثابتة تابعة للولايات المتحدة في منطقة آسيا ـ الباسيفيكي، و قاذفتين من طراز B52 و B2. هذه الشبكة من القواعد يمكنها ن تسيطر على القوس [ اليابان ـ تايوان ـ الفيليبين] بحيث تبعد عنهما جويا ثلاثة ساعات وساعتين عن طريق البحر.     

 

للحصول على هذه الدراسة بصيغة  PDF اضغط الرمز
   
    
    

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net