Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 طارق حمو *
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 م على يد حسن البنا، وجاءت عملية التأسيس كرد على الأوضاع والظروف السياسية التي مرت بمصر والمنطقة الإسلامية عموما. فانهيار السلطنة العثمانية وقدوم الاستعمار وتفكك وتضعضع العالم الإسلامي وضعفه أمام تفوق الآخرين، كان من بين الأسباب التي دفعت بالبنا إلى التفكير مليا في وضع مصر والمسلمين عموما، ومن ثم اتخاذ القرار  بتأسيس هذه الجماعة.


ومن وجهة نظر جماعة الإخوان المسلمين، والباحثين القريبين منها والحاملين للوائها، فإن ثمة "ظروف موضوعية" هي التي جعلت من تأسيس هذه الجماعة أمرا واجبا لا مناص منه، " الفترة التي قام في خلالها حسن البنا بدعوته كانت فترة حالكة في تاريخ هذه الأمة، وأشير هنا إلى أن هذه الحلكة لم تبدأ مع بدء ظهوره على المسرح وإنما كانت الحلكة مطبقة على الأمة من قبل ذلك، وقد بلغ استهتار الإنجليز بمقدرات هذه الأمة أن تجاهلوا أنها أمة مسلمة ذات مجد وتاريخ ففتحوا للحملات التبشيرية أبواب البلاد، بعد أن مهدوا لها بنشر الجهل والفقر والمرض، وبعد أن اطمأنوا إلى أن مقاليد الحكم في البلاد أصبحت في يد الفئة التي تدين لهم بالولاء والتي هي في حقيقة أمرها غريبة عن هذه البلاد"(1).
أولا: تأسيس الجماعة ودورها في التاريخ السياسي المصري:
يمكن الإشارة إلى الأسباب التي دعت حسن البنا وصحبه إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وهي أسباب تتعلق بعضها بوضع مصر الداخلي، وبماهية النظام الملكي والقوى الخارجية التي تؤثر على توجه هذا البلد وتشكيل سياسته بالكامل، وتتعلق بعضها الآخر بالوضع العام للعالم الإسلامي، حيث الضعف والتشتت. ومن هنا يمكن القول، من وجهة نظر الإخوان والباحثين القريبين منهم، بأن " أهم الأسباب لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين هي:
السبب الأول: الهجمة الغربية الاستعمارية على بلاد الإسلام والعروبة.
السبب الثاني: الآثار المترتبة على الاتصال بالحضارة الغربية فكريا واجتماعيا.
السبب الثالث: مدارس التبشير.
السبب الرابع: إلغاء الخلافة وصدور الكتب العلمانية.
السبب الخامس: تهاون البرجوازية المتوسطة.
السبب السادس: اتساع الفوارق الاجتماعية.
السبب السابع: انتشار الفاشية في أوروبا والخوف من الشيوعية"(2).
ولا يمكن القفز، بأي حال من الأحوال، فوق شخصية حسن البنا حين الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، فالرجل هو مؤسسها وهو واضع فكرها وهو مخطط برامجها، وما زال القادة في الجماعة يمشون على هدي أفكاره وتعاليمه، ويستقون الدروس من يومياته في التعامل مع الأحداث والخطب. فحسن البنا هو من أحدث مراجعة فكرية لعموم حال المسلمين وحال مصر، وانتهى إلى ضرورة تشكيل جماعة إسلامية دعويّة قادرة على حماية المسلمين من التأثيرات الخارجية والارتقاء بهم إلى مصافي الأمم المتقدمة، أو ما كان عليه "السلف الصالح"، كما يرد كثيرا في أدبيات الجماعية، ومن هنا يمكن القول بأن البنا " استطاع أن يقيم بناء جديدا للدعوة الإسلامية، وان يقدم صياغة جديدة للفكر الإسلامي، واستطاع أن يرد للمفاهيم الإسلامية الصحيحة اعتبارها، بعد أن ظلت آمادا طوالا غائبة عن أذهان المسلمين البسطاء، قابعة في أدمغة القلة من المسلمين المثقفين، لا تكاد تغادرها إلى ألسنتهم حتى تعود إليها، كذلك استطاع أن يحول المعاني الإسلامية إلى أفعال، بعد أن ظلت آمادا طوالا مجرد ألفاظ تقال من فوق المنابر" (3).
أما بالحديث عن المبادئ والأفكار التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم الأهداف التي سعت إلى تطبيقها، فيمكن تتبع التطور الذي مرّت به الجماعة خلال تاريخها، ذلك التطور الذي اثرّ كثيرا على نظرتها إلى الأمور والقضايا الداخلية والخارجية.
وفي بداية ظهور الجماعة كان التركيز واضحا على القضايا الدعويّة والاجتماعية في حياة المسلمين، وكان الهدف الأسمى هو تثبيت الإسلام كنظام حياة وتربية في حياة المسلمين وإرجاع هؤلاء إلى طريق الدعوة والتمسك بمبادئ هذا الدين في أمورهم المعاشية، وعليه فإن " الفحص لحركة حسن البنا أظهر أنه لم يقم بها لعوامل سياسية تتعلق بالدستور أو الاستقلال، أو رفض النظام القائم، إنما قام بها لأسباب سلفية تعارض التغريب. وكل هم حسن البنا ورفاقه كان منصرفا إلى العمل السلمي المتمثل في إنشاء الجرائد الإسلامية والوعظ والإرشاد وتأليف الجمعيات، فنشاطهم هو مجرد عمل سلفي إصلاحي يقوم على فكرة الإصلاح الديني والخلقي، ومع مرور الوقت كان على الجماعة أن تحدد موقفها الفكري من القضايا السياسية العامة، وعندئذ برزت لها أيديولوجية متكاملة تختلف عما بدأت به، وتقوم على فكرة الحكومة الإسلامية وشمولية الإسلام للدين والدولة" (4).
ومع مرور الوقت تبلوّرت فكرة الجماعة وأهدافها بشكل واضح وذلك بعد سنوات قليلة من مخاض الولادة، فقد " حددت حركة الإخوان المسلمون برنامجها الفكري في الدورة الثالثة لمجلس شورى الجماعة عام 1935 م وأكدت أن عقيدة الإخوان قائمة على أن "الأمر كله لله، وأن سيدنا محمدا خاتم رسله للناس كافة، وان القرآن كتاب الله وهو قانون شامل لنظام الدنيا والآخرة، وأن يتمسك الأخ بالسنّة وواجب المسلم هو إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه، وان راية الإسلام يجب أن تسود البشر وان مهمة كل مسلم تربية أبناءه على قواعد الإسلام، ولتحقيق كل ذلك لابد من إقامة الحكومة الإسلامية التي تطبق قواعد الإسلام(..)، وفي الذكرى العاشرة لتأسيس الإخوان عقد المؤتمر الخامس 1939 م حيث حددت فيه الجماعة خطوطها الفكرية بما يلي:
1ـ إن الإسلام نظام شامل متكامل بذاته وهو السبيل النهائي للحياة بكافة نواحيها.
2ـ إن الإسلام نابع من مصدرين أساسيين هما القرآن الكريم وسنة الرسول وقائم عليهما.
3ـ إن الإسلام قابل للتطبيق في كل زمان ومكان" (5).
وعلينا البحث عن التفسيرات لهذا التغيير الكبير والبنيوي في موقف جماعة دينية شٌكلت على أساس دعوّي، كما أعلنت، وهدفت إلى نشر "الإسلام الصحيح" ضمن المجتمع وإشاعة الصحوة والعودة إلى "الأصول النقية للإسلام". فما الذي حصل ليقرر حسن البنا وجماعة الإخوان التحول عن عملهم "الرئيسي" في "إنشاء الجرائد الإسلامية والوعظ والإرشاد وتأليف الجمعيات"، مثلما مر معنا، والانخراط في العمل السياسي والسعي إلى الحكومة والسلطة؟. أم أن الجماعة في الأصل كانت لها أهداف مخفيّة لجأت إلى إبقائها طي الكتمان، وعمدت إلى مبدأ "التقيّة" ردحا من الزمن، إلى حين أن تتقوى وتتشعب وتصبح أمرا واقعا وتنظيما قويا، ومن ثم تعلن عن وجهها الحقيقي وتكشف عن نواياها في خوض السياسية والرغبة في تغيير وجه الدولة بشكل كامل، وبناء دولة الخلافة المستندة على الشريعة الإسلامية دون أي قانون آخر؟.
وبعرض هذه الأسئلة يأتي تفسير يقول انه ومع "تنامي قوة الإخوان التنظيمية واتساع نفوذها الجماهيري خرج البنا في مايو/أيار 1938 م عن طمأنته المعهودة للأحزاب والحكومات بان الجماعة ليست طرفا سياسيا بل مجرد طرف ناصح أو واعظ". حيث أعلن التحول من "دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال". وان الجماعة ستخاصم جميع الزعماء والأحزاب سواء أكانوا في الحكم أم خارجه "خصومة لا سلم فيها ولا هواة معها". إن لم يعملوا على نصرة الإسلام واستعادة حكمه ومجده. وطرح البنا هنا لأول مرة الترسيمة الاخوانية الشهيرة" "الإسلام دين ودولة...ومصحف وسيف...لا ينفك واحد من هذين عن الآخر" (6).
واندمجت الجماعة في اللعبة السياسية، وقدمت تحليلا للوضع السياسي الداخلي وتناقضاته في مصر، وحاولت أن تستفيد منه، فظهر لها بأنها أقوى وأكثر انتشارا مع العديد من الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، بما فيها حزب "الوفد" العريق، ومن هنا بدأ حسن البنا يشعر بالارتياح والأمان ويكشف شيئا فشيء عن الأهداف الحقيقية التي شكل جماعته من أجلها، ألا وهي السلطة والحكم وتغيير وجه الدولة إلى دولة دينية تقوم على فكرة الخلافة، أو "الحكومة الإسلامية"، ومن هنا يمكن إرجاع " ميل حسن البنا وحركته للسياسة إلى اتساع شعبيتها، وتشجيع القصر وأحزاب الأقلية لها حين حاولوا استغلالها واستثمار قوتها الشعبية ــــ وهي القوة التي يفتقدونها ــــ في صراعهم ضد حزب الوفد، وحاولت هي الأخرى أن تستفيد من هذه المساندة، وحين استشعرت قوتها انقلبت عليهم وانقلبوا هم عليها، فكانت المحن المتتالية التي عصفت بالجماعة وبمرشدها" (7).
لقد انخرط الإخوان منذ البداية في السياسة، وكانوا يرومون إلى السلطة والتأثير في بنية الدولة وقيادة توجهها نحو الإيديولوجية التي يتبنونها، لذلك طرح حسن البنا في السنوات الأولى من تشكيل الجماعة خطابا مهادنا، مرنا، دعويّا، ركز على الجوانب الدعويّة وتراث السلف وضرورة التمسك بالأصالة، متقربا من الملك والقصر، وطارحا نفسه وجماعته كسند للملك، بل وكان يرغب في مبايعة هذا الملك كخليفة للمسلمين، ومن هنا فقد" كان الإخوان حريصين على إزجاء المديح للملك فؤاد والثناء الدائم على سلوكه الإسلامي، وتوالت مراثيهم له بعد موته، أشاروا فيها إلى انه "حامي الإسلام ورافع رايته"، وقد رثته صحيفة الإخوان بما يجذب عطف ولي عهده. كما نشرت عدة مقالات تهدف إلى دعوة ولي العهد للتمسك بالتقاليد الإسلامية التي كان يتحلى بها والده، وتصف الفاروق بسمو النفس وعلو الهمة وأداء فرائض الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه. وكتب حسن البنا في مجلة "الإخوان المسلمون" سنة 1937 بعنوان "حامي المصحف" يقول" إن 300 مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حاميا للمصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنودا للمصحف. واكبر الظن إن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك اخلص جنودك" (8).
 ومن ثمار هذه السياسة المهادنة المراوغة، انه حتى الإنكليز والأميركيين انخدعوا بظاهر هذه الجماعة وظنوا إنها حقا طريقة من الطرق الصوفية وجماعة دعويّة تنادي بالإصلاح المجتمعي وتزهد في السياسة والحكم، ومن هنا بقيت هذه الجماعة " مجهولة بالنسبة للأعداء إذ كانوا يعدونها واحدة من الحركات الصوفية أو جمعية دينية تقليدية من الجمعيات التي كانت منتشرة في مصر آنذاك... ولم تبرز كقوة تهدد أطماع المستعمرين وتعرقل مخططاتهم إلا حينما افصح البنا عن أهداف هذه الدعوة في المؤتمر الخامس لقادة الإخوان والذي انعقد عام 1938" (9).
أما العلاقة بين الإخوان وكل من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، فقد حاول كل طرف من هذه الأطراف الاستفادة من "مجالات الاتصال والتعاون"، فالإخوان كانوا يريدون الظهور بمظهر الجماعة القوية التي لا يمكن تجاوزها حين التعامل مع مصر والعالم الإسلامي وتوثيق المصالح معهما، ورسم السياسات حولهما، وأرادوا أن يقدموا أنفسهم كجماعة تقبل الحوار والتشاور مع جميع القوى، فهي "منفتحة" ولديها أرضية للحديث عن كل المواضيع التي تهم حياة ومستقبل الأمة. كذلك كانت هناك غاية أخرى، وهي أن الاتصال يؤمن للجماعة نوعا من الاعتراف بأنها عامل حاسم لا يمكن القفز فوقه، أما البريطانيين والأميركيين فكان لهم أيضا نظرتهم إلى الأوضاع عامة، والجماعة ودورها بشكل خاص، ومن هنا ولكي تقف ضد الشيوعية وتطوّر إيديولوجيات محلية قادرة على صدها ومنع تسربها إلى منطقة الشرق الأوسط، دعمت أميركا وبريطانيا الإخوان المسلمين، وهذا ما " يفسر خلفيات الدعم المادي والمعنوي، الذي كانت تتلقاه حركة الإخوان المسلمين من عدد من المصالح الأجنبية في حينه، كالهبة السخية التي حصلت عليها من شركة قناة السويس، والدعم المادي الذي كان يلقاه الإخوان المسلمون من القوى الكبرى، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى أشكال مختلفة من الدعم السياسي، التي كان أبرزها رفض بريطانيا تسليم المجموعة الاخوانية المسلحة، التي فرت إلى ليبيا عقب حملة الاغتيالات التي عرفتها مصر خلال الثلاثينات والأربعينيات" (10).
ومن هنا تأتي الانتقادات الشديدة الموجهة لجماعة الإخوان المسلمين، حيث تاريخها المليء بالمواجهة مع القوى الأخرى والعمل لحساب جهات هي التي تحركهم وتستخدمهم لمصلحتها، وعليه فأن الإخوان دأبوا على تنفيذ مصالح الغير وتطبيق أهدافهم، سواء كان ذلك بعلمهم أو بغير علمهم، جراء سذاجة ممزوجة بانتهازية ورغبة جامحة في اللعب على كل الحبال للوصول إلى السلطة والحكم، ومن هنا وعلى " الرغم من زعم الإخوان أنهم سياسيون إلا انهم لم يكونوا في المواجهة، ولم يباشروا السياسة من مواقعها، فهم وراء الستائر، يلعبون دائما لمصلحة الغير او يلعب بهم، ثم يعودون بخفي حنين لا ناقة ولا جمل...فالملك فاروق يترك لهم الساحة ليضرب بهم حزب الوفد...والوفد يتحالف معهم لضرب السعديين...والثورة تستخدمهم مطية للهتافات...والكنيسة تستخدمهم لرفع مرشحيها في الانتخابات، ولتحقيق أهداف أخرى. وأمريكا تستخدمهم لتحقيق أهدافها الاستعمارية في الدول العربية، فهموا ذلك أم لم يفهموا.." (11).
كما وطوّرت الجماعة من نظرتها الخاصة فيما يتعلق بالعديد من المفاهيم الإسلامية، وذلك بحسب السياسة المرحلية ومصالح الجماعة، ودائما وفق مبدأي "التقيّة" و"الغاية تبرر الوسيلة"، حيث كان الهدف الأسمى هو التحول لرقم صعب و"أمر واقع" مفروض على القوى الداخلية والخارجية، بحيث لا تستطيع هذه القوى تجاهله.
وكان الاعتماد الإخواني يبقى على الشعب، بحيث يصبح أي موقف ضد الجماعة، أو محاولة تصفيتها، هو موقف موجه ضد الشعب المصري، أو الشريحة الأكبر منه، وهو التقييم الخاطئ والقراءة الاستراتيجية التي أثبتت، تاريخا وحاضرا، قصورها وفشلها الكبير وألحقت بالجماعة الكثير من الأضرار والضربات الكبيرة. وفيما يخص الموقف من قضية الجهاد مثلا فإن تصور الجماعة جاء بعيد تصدرها المشهد كقوة سياسية بهذا الشكل " إن جماعة الإخوان ترى في الجهاد دورا دفاعيا بالأساس، وقد رأت الجماعة إن توحيد البلدان الإسلامية وإنهاء تبعيتها للشرق والغرب، هي شروط ضرورية لإعلان الجهاد ضد العدو الخارجي وتحرير الأراضي الإسلامية المحتلة، ورأت الجماعة في الجهاد فريضة دينية، ووسيلة يستطيع العالم الإسلامي من خلالها أن يستعيد قوته ومجده" (12).
والمتابع لمسيرة جماعة الإخوان المسلمين سيكتشف مدى رهانها على القوة والعنف كسبيل لتطبيق برامجها والوصول إلى السلطة والحكم. فهذه الجماعة ومنذ نشأتها عملت على إيجاد جناح عسكري وايلاء "التنظيم العسكري" التعبوي أهمية كبيرة، من أجل ردع خصومها السياسيين و"الأخذ بأسباب القوة". وأثناء البحث في تاريخ الإخوان المسلمين، نجد كيف أن هذه الجماعة أرادت حتى اختراق الجيش المصري وتشكيل كتل ومجموعات ضمنه تدين لها هي بالولاء.
وبالنظر إلى تاريخ هذه الجماعة مع الجيش، نجد أن عينها كان دائما على القوة والسلاح، ومن هنا فلم "يكن الجيش بعيدا عن تطلع حسن البنا، فقد بدأ الاتصال ببعض ضباطه منذ الأربعينيات، والواضح انه كلف محمود لبيب، وهو ضابط كبير في الجيش المصري، تأسيس تنظيم للإخوان داخل الجيش، ومنذ مطلع العام 1944 م بدأت أهم خلايا الإخوان في الجيش أول اجتماعاتها في منزل عبد المنعم عبد الرؤوف بحي السيدة زينت، واشترك فيها اليوزباشي جمال عبد الناصر، الملازم أول كمال الدين حسين، الملازم أول سعد حسن توفيق، الملازم أول خالد محي الدين، الملازم أول حسين محمد احمد، الملازم أول صلاح الدين خليفة، وقد تكررت اجتماعات هذه المجموعة ولم تتوقف طيلة سنوات( 1944ـ1947م) وانقطعت بدءا من 1948 م نتيجة لحرب فلسطين، وان استمر العمل سريا لضم اكبر عدد ممكن من الضباط" (13).
وهكذا نرى ضربا من ضروب الازدواجية و"التقيّة" لدى هذه الجماعة، فحين كان البنا يوهم الجميع على تركيز جماعته على الجوانب الدعويّة والإرشاد ونشر الفضائل الدينية، ويكيل المديح للملك ويطالبه ب"قيادة العالم الإسلامي"، كان في الوقت نفسه يتصل مع بريطانيا وأميركا، ويتوجه إلى الجيش من أجل اختراقه وتشكيل مجموعات ضمنه تدين فقط بالولاء له وللجماعة.
ورغم الرفض الظاهري للعنف إلا أن الجماعة كانت لا ترى ضررا من استخدامه في وجه كل من "يشيع الفاحشة والإفساد بين الناس"، وهم شريحة طويلة صنفهّا الإخوان وحكموا عليها بالخروج من الملة، فحق إنزال العقاب بهم، ومن ورغم إنهم أعلنوا عدم رضائهم عن استخدام العنف والقوة فقد " برروا هذا الأسلوب والتمسوا الأعذار له، فحين ارتكبت بعض جرائم العنف والتخريب وتحطيم بعض المحلات والحانات عام 1939 م واتهم الإخوان وشباب مصر الفتاة، كتب حسن البنا في مجلة "النذير" تحت عنوان "تحطيم ظاهرة تدعو إلى التفكير الجدي،" أن كثيرا من الناس يستحق حجرا اجتماعيا باسم القانون لأنه يسيء استخدام حريته الفردية والاجتماعية ويشيع الفاحشة والإفساد بين الناس، ومن هؤلاء مدمنو الخمر ومدمنو المقامرة واحلاس بيوت الفجور وقعدة المقاهي والمشارب، والبارات والصالات" (14).
وكانت الجماعة تضع لبنات تشكيل جهاز المخابرات الخاص بها، أو ما عٌرف ب(التنظيم الخاص)، وهو الذراع العسكري للجماعة، وكان البنا من المشرفين عليه، إضافة إلى خبرات أخرى عسكرية، منها من كان داخل الجيش المصري، ومنها من كان قد سٌرح أو أنهى خدمته العسكرية، ولكنه يتمتع بخبرة كبيرة في المجال العسكري، رأت الجماعة إنها يجب أن تستفيد منها، وهكذا فقد " تشكل داخل التنظيم الخاص جهاز مخابرات على جانب كبير من المهارة ليمد القيادة بمعلومات وافية عن خصومها وأصدقائها، وقد شمل نشاط هذا الجهاز جميع الأحزاب المصرية في ذلك الوقت فضلا عن النقابات والجمعيات المختلفة والوزارات والجامعات والمدارس والأزهر وأقسام البوليس والمحال والمصانع اليهودية والأجنبية والمصرية" (15).
وبعد أن فشلت الجماعة عن طريق السياسة والمشاركة البرلمانية في تشكيل الحكومة وتطبيق برامجها الرامية لأسلمة الحياة والدولة وتحقيق الهدف النهائي في تمكين دولة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية، بدأت باللجوء إلى خيار العنف والسلاح، ذلك الخيار الذي لم يكن يوما مستبعدا لدى الجماعة، أو أنها لجأت إليه مضطرة مجبرة ومكرهة، كما يقول البعض، وقد " تأكد اتجاه الجماعة إلى العنف بل عودتها إليه بعد أن راودتها فكرة استخدام الطريق البرلماني للوصول إلى أهدافها وفشلت فيه، فقد حاول حسن البنا دخول الانتخابات في دائرة الإسماعيلية عام 1942 م ولكنه تنازل عن الترشيح بضغط من الحكومة مقابل مكاسب حصلت عليها الجماعة من وزارة الوفد تعطيها حرية الحركة، ثم رشح نفسه مع عدد قليل من جماعته في وزارة احمد ماهر مع نهاية 1944 م وبداية 1945 م ولكنهم هزموا بعد أن قامت الحكومة بتزوير الانتخابات فأصابهم الإحباط واليأس من الطريق البرلماني فاتجهوا إلى العنف" (16).
وفي هذه المرحلة، أي ما بين سنوات 1945 و 1948 م شن الإخوان المسلمون سلسلة من عمليات الاغتيالات ضد رموز ورؤوس الدولة المصرية، شملت قتل كل من أحمد ماهر، رئيس الوزراء عام 1945 م وأمين عثمان وزير المالية عام 1946 م والمستشار أحمد بك الخازندار عام 1948 م وفي نفس العام صدر قرار من مجلس الوزراء بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها جماعة محظورة وغير قانونية، وشٌنت ضدها حملة اعتقالات كبيرة، وتم فصل الآلاف من المدارس والوظائف، ورد الإخوان على هذه السياسة بأخرى أكثر عنفا وتصعيدية عندما قتلوا رئيس الوزراء النقراشي باشا، وجاء ذلك لأن " الإخوان اعتبروا أن قرار الحل كان بمثابة إعلان الحرب عليهم خاصة وان السلطة رغم أنها لم تلق القبض على المرشد العام، غير أنها ضيقت عليه الخناق وحدّت من حركته، وتصاعد شعور الإخوان العدائي ضد النقراشي باشا(رئيس الوزراء) والذي اصدر قرار الحل واعتبروا هذا القرار استفزازا لهم لقتل النقراشي باشا. فبعد عشرين يوما من قرار الحل، اغتيل النقراشي باشا بوزارة الداخلية على يد أحد أعضاء الجهاز السري للإخوان المسلمين(..)، ويذكر القاتل في بداية التحقيق معه ثلاثة أسباب لإقدامه على عملية الاغتيال وهي: تهاون النقراشي باشا في شأن قضية وحدة مصر والسودان، وخيانته لقضية فلسطين، واعتدائه على الإسلام بحل جماعة الإخوان المسلمين" (17).
وبدأت الحكومة بملاحقة كل شخص يٌعتقد بأنه من جماعة الإخوان المسلمين، وكان القرار قد صدر بتصفيتهم جسديا وسياسيا واجتثاث كل خلاياهم، وقد قررت الأجهزة الأمنية المختصة بملف الإخوان المسلمين، والتي كانت تترصد كل اجتماعات تنظيمهم السري، إجبار المرشد العام حسن البنا على إصدار فتوى ضد قاتل النقراشي، وضد كل من لجأ إلى العنف، وهكذا تم " استدراج الشيخ إلى إصدار بيانات واتخاذ مواقف تدمر سمعته السياسية وتظهره بمظهر الضعيف أمام اتباعه وجماهيره، وتؤدي إلى تدمير معنويات الإخوان المحتجزين ثم في النهاية تصفيته جسديا بعد أن يٌصفى سياسيا" (18).
وقد تبرأ البنا في بياناته تلك من كل من ارتكب العنف وقتل رجالات الدولة، وقال هؤلاء بأنهم "ليسوا بإخوان وليسوا بمسلمين"، وكان هذا مدمرا لإيمان ويقين أتباعه، وخصوصا من عانوا التعذيب الشديد في السجون.
ومن ثم تم تصفية البنا جسديا، حيث يؤكد الإخوان أنفسهم إن " الشيخ قد اغتيل في 12 شباط/فبراير 1949 م يوم عيد ميلاد الملك السابق فاروق احمد فؤاد، فكان اغتياله هدية ميلاد الملك(..)، وطلبت الجماعة رسميا من المحكمة التي عقدت في أعقاب ثورة تموز/ يوليو لمحاكمة قتلة الشيخ حسن البنا، تقديم متهمين جدد على رأسهم الملك السابق فاروق وذلك باعتباره محرضا وفاعلا أصليا" (19).  
أما لماذا انتهت الجماعة، في تلك الفترة، هكذا منتهى، فالجواب يتعلق بالبنية الحربية لهذه الجماعة، حيث إنها لم تستبعد العنف يوما كخيار للوصول إلى السلطة والحكم، وطبقته حينما وجدت نفسها قوية تمتلك العزيمة والقدرة، وترى في خصومها الضعف والتردد، وتراجعت عنه حينما وجدت من يهاجمها ويشتت صفوفها بكل قوة وعنف، ومن هنا " إذا أردنا أن نلخص ونبلور هدف الإخوان من حادث اغتيال النقراشي باشا، فنحن نتساءل هل كان مجرد رد على قرار النقراشي بحل الجماعة أم كان الهدف أوسع من ذلك بكثير، وفي رأي اللواء حسن طلعت مدير مباحث أمن الدولة أن الإخوان تعجلوا الاستيلاء على السلطة" (20).
ورغم أنهم تعرضوا لضربة كبيرة، حيث شٌتت شملهم وقٌتل مرشدهم، وأصاب التنظيم بشلل كامل، ألا أن الإخوان وجدوا فرصة جديدة بالظهور، وذلك نقض حكم قضائي في عام 1951 م قرار حل الجماعة، حيث عادت من جديد بعد ذلك الحكم إلى الحياة والعمل التنظيمي، الدعوّي والسياسي، وأفرج عن كامل معتقليها. وبعد انطلاقة ثورة يوليو عام 1952 م رتبت الجماعة من جديد أوراقها، وانتهت من عهد الملكية والصراع معها، لتدخل في عصر آخر من الصراع مع العسكر والنظام الجديد.
ورغم ظهور العلاقات بين الجماعة وجمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية، بالجيدة، ألا أن الجانبين كانا يتربصان ببعضهما البعض، ففي الحين الذي كانت الجماعة فيه ترى في الثورة وعبد الناصر "امتدادا" لها، وتحن إلى الأيام الماضية، حينما كان ناصر وبعض رفاقه يتعاونون معها من داخل الجيش ويساهمون في تقوية خلاياها العسكرية النائمة.
كان عبد الناصر المنتشي بالثورة والسلطة والآمال المعقودة عليه، يتوجس من الجماعة ويحتاط لدورها القادم ويرى فيها منافسا له، تحمل شعارات كبيرة مثل تلك التي يحملها هو، ومن هنا " رأى عبد الناصر أن الجماعة تحاول الضغط بأيديولوجيتها، كما استشعر تضخم قوة الجماعة التي أخذت تلوح بها فضلا عن التصريح بدورها في مساندة الحركة ليل 23 يوليو والإفصاح عن تاريخ العلاقة الخاصة التي كانت تربطها بضباط الحركة قبل 23 يوليو 1952 م. وقد اعتبر عبد الناصر هذه الضغوط تمهيدا من الإخوان للاستيلاء على السلطة. لذلك ابتعد عن جماعة الإخوان ابتداء من منتصف أغسطس عام 1952 م وأخذ يضع القيود والحواجز أمام حركتها السياسية للحد من قوتها وللحجز على مستقبلها السياسي" (21).
وانتهى هذا التنافس وحالة العداء إلى محاولة الجماعة اغتيال عبد الناصر نفسه في 26 تشرين الأول 1954 م، وهي الحادثة التي أحدثت القطيعة النهائية ومنحت عبد الناصر الحجة للنيل من الجماعة وإزاحتها أمام طريقه كقائد أوحد للجيش والدولة كاملة.
ويأتي السؤال هنا: كيف وقعت الجماعة في خطأ من هذا النوع وهي التي عانت من عنف الدولة في فترة الحكم الملكي؟. وكيف تخاطر بسلامة التنظيم أمام رجل مثل عبد الناصر طموح ومنتشي بالنصر ومؤمن بأن شعبيته بين الجماهير في مصر وعموم العالم العربي كبيرة؟.
والتفسير هو بأن الجماعة لم تتخلى عن العنف طريقا للسلطة يوما ما، هذا فضلا عن سيناريو جديد كانت تعد له للنيل من عبد الناصر وعموم نظام ثورة تموز/يوليو، حيث أن " الجماعة وبعد أن أصبحت مع عبد الناصر وجها لوجه منذ أيار/ مايو 1954 م قد وضعت خطة انتفاضة شعبية لإسقاط النظام، اثر إبرامه النهائي لاتفاقية الجلاء. وقد تصور الهضيبي هذه الانتفاضة الشعبية المتكاملة مع حركة عسكرية في الجيش، على غرار الانتفاضة الشعبية المسلحة التي أسقطت نظام الديكتاتور السوري أديب الشيشكلي عام 54، وحدد الهضيبي وظيفة هذه الانتفاضة بإعادة الحريات السياسية والحياة النيابية والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتسليم السلطة إلى المدنيين" (22).
وبعيد الصدام بين عبد الناصر والإخوان، ونجاح ناصر في النيل من الجماعة وكسر شوكتها، عاد التوافق بينهما من جديد، وذلك بعد أن أطمئن ناصر إلى قوة موقفه ورسوخ سلطة وصلابة الجبهة الداخلية والولاء له على الصعيد المصري المحلي، وعلى الصعيد العربي، بوصفه "قائدا عربيا ثوريا يقارع الاستعمار ويناضل من أجل تحرير فلسطين"، ومن هنا وبعد حوارات عديدة مع المعتقلين، تم " الإفراج تدريجيا عن العديد منهم، ففي منتصف 1956 م افرج عن أعداد ممن لم يحكم عليهم. وعام 1960 م بدأ بعض المحكوم عليهم يخرجون بعد قضاء مدة العقوبة، وقد تكونت من بعضهم فيما بعد "مجموعات الخمسات" أي الذين قضوا في السجن خمس سنوات. ثم حدثت افراجات أخرى بين 1961 م و 1964 م حين خرج الجميع حتى الذين لم يكونوا قد أتموا بعد مدة العقوبة. وكان قد افرج من قبل عن المرشد حسن الهضيبي وصدر له عفو صحي، وكذلك افرج عن سيد قطب، وتم وضع قانون خاص للموظفين من الإخوان الذين فصلوا، للعودة إلى وظائفهم" (23).
ولكن الإخوان ما لبثوا أن عادوا إلى طبيعتهم، وبدءوا بالعمل السري من جديد، حيث كان الهدف هو السلطة مثل كل مرة. فكان لديهم في هذه الفترة هاجسان طغيا عليهم: الأول: هو الانتقام لما حصل لهم عام 1954 م على يد عبد الناصر ونظامه، والذي أصاب الجماعة إصابة كبيرة، والثاني: وهو إسقاط النظام العسكري الناصري والحلول محله والحكم بدل عنه، وذلك من اجل تحقيق الحلم القديم وهو تطبيق الشريعة وتأسيس دولة الخلافة.
ومن هنا بدا من الواضح أن الإخوان " لم يستوعبوا التغييرات السياسية والاجتماعية العميقة التي حدثت في المجتمع المصري أثناء غيبتهم في السجون، وكانوا غير قادرين على مواكبة التحول الذي طرأ على البنية الوطنية والديمقراطية في موقف مختلف القوى السياسية منذ الثورة التي نجحت في تحرير جماهير غفيرة من الفلاحين والعمال بقوانين الإصلاح الزراعي وإنشاء بنية صناعية وتعليمية جديدة وحققت إنجازات وطنية وقومية جعلتها في قلب حركة الجماهير. خرج الإخوان من السجن تملأهم فكرة الانتقام لما جرى سنة 1954 م لم يحدث أن قاموا بمراجعة نقدية لممارستهم وعلاقتهم بالثورة وصراعهم على السلطة، وما سبب ذلك من أضرار على الجماعة، إذ أن ثقافة النقد الذاتي والمراجعة لم تكن تجد آذانا صاغية. فمن داخل السجون كانت المحاولات تتعالى لإعادة إحياء المجموعات الاخوانية أملا باستئناف الصراع على السلطة من جديد" (24).
وفي هذه الفترة عمل سيد قطب، وكان عضوا في الجماعة، إلى تشكيل تنظيم جديد متطرف للغاية وميّال إلى العنف داخل الجماعة نفسها، حيث أتاح لأنصار التنظيم الذي وضع لبناته في السجن، استخدام العنف والاغتيالات كوسيلة للنيل من الحكومة وتحقيق الدولة الإسلامية، ومن هنا وبعد " المحاولة الإخوانية لاغتيال عبد الناصر في المنشية 26 أكتوبر 1954 م اعتقل سيد قطب وقٌدم للمحاكمة وصدر ضده حكم بالسجن لمدة خمسة عشر عاما. في مصحة سجن طرّة بدأت رحلة جديدة لتطوير الأفكار. وهي الرحلة التي انتهت باتهام جديد قاده إلى الإعدام" (25).
وبدا سيد قطب وهو يحاول الخروج من ثوب المفكر ليدخل ثوبا جديدا هو ثوب القائد الميداني والعقلية العسكرية الفذة، وهو ما لم ينجح فيه، وتخبط في قيادة التنظيم الجديد الذي استمر أربع سنوات(1961 ـــ 1964 م)، واستطاع من خلالها أن يجند حوالي 200 شاب، وبعد أن انكشف أمره، وقبضت السلطات على أتباعه، تخبط سيد قطب ولم يعرف كيف يصدر الأوامر، أو أية أوامر يجب أن يصدرها، فتارة كان يطالب بالتريث وتارة يدعو للرد العسكري القوي، إلى أن القي القبض عليه، ومن ثم حوكم وتم إعدامه عام 1966 م.
ومن المهم القول هنا بأن لحظة "تأسيس التنظيم الجديد، كانت لحظة التأسيس الإيديولوجي للإسلام السياسي الراديكالي، يٌضاف إلى ذلك أن التنظيم كان واقعا تحت تأثير قائده المفكر، المعني بأمور التربية والعقيدة وإقامة الحدود الإيديولوجية، أكثر من الأمور التنظيمية والسياسية المباشرة. وحين ينتقل ذلك الإسلام إلى الفعل السياسي الحقيقي سيكون عليه أن يختار بين وضع خطة سياسية حقيقية، وبين التمسك بالمفهوم التربوي القائم على تقسيم النضال إلى مرحلة مكيّة وأخرى مدينيّة، أي بين فكرة الحزب وفكرة الأمة. وسوف ينشطر طرفا التنافس الكامن في فكر سيد قطب فيما بعد، في اتجاهين كبيرين، اتجاه الهجرة واتجاه الجهاد" (26).
وكلفت محاولة سيد قطب الالتفاف على الإخوان ورفض أسلوبهم في بث الدعوة، ومن ثم الرهان على العنف وتكفير المجتمع ووسمه بالجاهلي، كلفته حياته، حيث أعدم في عام 1966 م بحكم الإعدام الذي صدر بحقه من إحدى محاكم ثورة تموز/يوليو وفي عهد جمال عبد الناصر نفسه.
وبعد وفاة عبد الناصر واستلام أنور السادات السلطة عام 1970 م بدأت صفحة جديدة من العلاقة بين الجماعة والدولة المصرية، وحاول السادات أن يساس الإخوان وأن يدمجهم في الحياة السياسية ويبعدهم عن الميل الواضح إلى التنظيم السري والاعتقاد في العنف والعسكرة. ومن هنا و" مع إطلاق الإخوان من السجن وإعادة ممتلكاتهم والسماح لمن كان يعيش منهم في المنفى بالعودة إلى مصر والسماح للحركة باستعادة مقارها وعقد لقاءاتها العامة وعودة بعض مطبوعاتها، بدأت الجماعة تعيد بناء هيكليتها من جديد. وفي أعقاب الانتصار على إسرائيل في حرب العام 1973 م وتحت شعار "الله اكبر" طرح السادات نفسه بوصفه "الرئيس المؤمن" واستخدم الشرعية الدينية لدعم سياساته. وخاصة عندما بدأ يتجه نحو التخلص من  الالتزامات الاشتراكية الناصرية والتوجه التدريجي نحو الانفتاح الاقتصادي والرأسمالية(..)، ومن هنا جلب دستور العام 1971 م نقاشا واسعا حول موقع الدين والسياسة، حين نصّ على أن "الإسلام هو دين الدولة" واكتسب هذا النقاش زخما اكبر عندما جرى تعديل الدستور في العام 1980 م بحيث أصبحت "الشريعة الإسلامية مصدر التشريع" وترافق هذا مع اكتساب الإخوان لحيثية جماهيرية وفرّت لهم فرصة مناسبة لدخول المعترك العام" (27).
وجاء الانقلاب الكبير حينما قٌتل السادات على يد الجماعة الإسلامية المتطرفة، والتي انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين في وقت سابق، وانتقدت فكرها وطريقة عملها، لأن الإخوان، بحسب رأيها، يتنازلون في موضوع تطبيق الشريعة واعتبار النظام كافرا، فتوترت العلاقات مع الإخوان من جديد، وظلت تسمية "الجماعة المحظورة" تلاصقهم طوال عهد حسني مبارك ومنذ بداية الثمانينات، إلى أن جاءت الانتفاضة المصرية في 25 كانون الثاني/يناير 2011 م فصعد الإخوان وأسسوا حزبا سياسيا يدعى "الحرية والعدالة"، وتصدروا السلطة في فترة قصيرة، كما سنرى لاحقا.

ثانيا: جماعة الإخوان المسلمين حاكمة لمصر ما بعد التحولات الأخيرة:

ذكرنا كيف تعامل الإخوان مع الانتفاضة المصرية في 25 ـكانون الثاني/ يناير 2011م وكيف تصرفوا بحذر في بداياتها تحسبا لحدوث انتكاسة وعودة نظام حسني مبارك قويا، وكيف انهم تحيّنوا الفرص من أجل الانقضاض على السلطة، وفي هذا المطلب سوف نحلل استلام الإخوان للسلطة في مصر لأول مرة منذ تأسيس الجماعة عام 1928 م وكيف انتهى بهم الحال.
ومنذ حادثة اغتيال السادات عام 1981 م وحتى نهاية حكم حسني مبارك في 2011 م فرضت الدولة ومؤسساتها حظرا على جماعة الإخوان المسلمين، وكان الإعلام الرسمي يهاجم هذه الجماعة، بينما كانت صفة "المحظورة" هي المستخدمة في هذا الإعلام، وكذلك في سياسة الدولة الرسمية حيال الإخوان ودورهم في المشهد السياسي العام. بينما كان الإخوان يواصلون نشاطاتهم في التمدد ضمن الشرائح الاجتماعية المصرية المهمشة، وفي السيطرة على النقابات المهنية وقطاع التعليم، ومحاولة بناء إعلام مستقل وجمعيات مدنية وأهلية قوية، أي دولة موازية يكونون هم المرجعية فيها، لكنهم تجنبوا الاصطدام المباشر مع الحكومة، وأظهروا رفضهم القاطع لاستخدام العنف في الرد على سياسة الحكومة بحقهم والتي تميزت بالتهميش والإبعاد والتضييق وتزوير الانتخابات.
لقد أعلن الإخوان، مرارا وتكرارا، تمسكهم بخيار السلام وهجرهم لتاريخ العنف و"التنظيم العسكري الخاص"، وعليه يمكن القول إنه وفي هذه المرحلة الطويلة و" رغم تعرض الجماعة لهزات ومحاولات استئصال وحظر عديدة، لكنها برهنت تاريخيًا على قدرتها على التكيّف والتطور مع أهواء السياسة وصراعات السلطة، وأكدت على عمق تجذرّها وحضورها وقوتها رغم حظرها قانونيًا؛ فقد تمكنت من الحصول على 88 مقعدًا من أصل 455 في انتخابات 2005 م بنسبة 20%، وهي نسبة تتفوق على ما حصلت عليه أحزاب المعارضة بعشرة أضعاف، وعقب ثورة كانون الثاني/يناير 2011 م كان حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين واحدًا من عشرات الأحزاب المتنافسة، وفاز الحزب ب 43% من المقاعد في مجلس الشعب، وهو ما يمثل 37% من أصوات الناخبين، وفي انتخابات مجلس الشورى حصل على 58 % من المقاعد المتنافس عليها، وعلى 45% من إجمالي عدد الأصوات" (28).
وبدا البعض، خارج أركان الحكومة والدولة، يصدقون "توبة" الإخوان المسلمين، ونبذهم للعنف والإرهاب، ورهانهم على العمل التنظيمي والدعوّي، ورغبتهم في المشاركة في الانتخابات والركون إلى القانون والقضاء، وعدم تدخلهم بشكل سافر في السياسة الخارجية للدولة أو الاعتراض علنيا على اتفاقيات ذات صبغة دولية، تعهدت الحكومة المصرية بتطبيقها أو الحفاظ عليها.  
وبعد عام 2005 م واصل النظام التمسك بسياسة الإقصاء والتهميش حيال الإخوان وبقية القوى، ولم تنل الجماعة أي مقاعد أخرى في مجلس الشعب، رغم مشاركتها القوية ذلك الحين، إلى أن جاءت التحولات في بداية عام 2011 م حيث فوجئت الجماعة مثل غيرها بالمظاهرات والاعتصامات، وبدأت في الاستعداد للمرحلة القادمة. وهنا " امتنع الإخوان، بداية، عن خوض الانتخابات الرئاسية، ثم ما لبثوا أن غيروا رأيهم بأغلبية ضئيلة في مجلس شورى الجماعة لمصلحة خوض الانتخابات. كان هذا قرارا خطيرا ينمُّ على رغبةٍ في حكم الدَّولة، فهذا يختلف في الحكم الرئاسيِّ عن الحصول على الأغلبية البرلمانية التي
تشرِّع وتقيِّد حاكم الدَّولة. لقد قرروا حكم الدَّولة وحدهم في أخطر مرحلةٍ في تاريخها، كما منعوا وصول
مرشَّحٍ إسلامي معتدلٍ إلى السُّلطة، وهو عبد المنعم أبو الفتوح. وربما كان سبب التَّرشُّح الرَّئيس هو
الحفاظ على التَّنظيم، خوفًا عليه من السَّير خلف أمثال أبو الفتوح، على غرار تفسير العصبية التَّنظيميَّة (لا الدينية) كثيرا من ممارسات الإخوان المسلمين" (29).
وفي 30 نيسان/ أبريل 2011 م أسس الإخوان المسلمون حزب الحرية والعدالة ليكون ذراعهم السياسي الذي سيسيطرون من خلاله على الحكم في مصر، وقرروا المشاركة في الانتخابات التشريعية من أجل انتخاب أول مجلس شعب/ برلمان بعد انهيار نظام حسني مبارك، وكانت العيون تترقبهم، والدولة العميقة، الجيش والأمن والفعاليات السياسية والاقتصادية المرتبطة مع النظام السابق، تتجهز هي الأخرى للتعامل مع احتمال فوز الإخوان وقطفهم ثمرة "الثورة المصرية" التي أطاحت بنظام مبارك الراسخ.
ورغم الاتصالات مع بعض القوى السياسية، اليسارية والديمقراطية والقومية، بغية بناء تحالف سياسي، إلا أن الإخوان كانوا يثقون في قدرتهم على الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومة لوحدهم، وبالتالي السيطرة على مؤسسات البرلمان والرئاسة والحكومة معا، في الحين الذي كانت فيه القوى الأخرى تتعامل بحذر شديد مع الإخوان، ولا ترغب في التحول لجزء من مشروعهم، أو عامل يكسبهم الشرعية خلال مسيرة سيطرتهم على الحكم في مصر.
وفي الفترة ما بين 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 م إلى كانون الأول/ نوفمبر 2012 م جرت انتخابات مجلس الشعب، حيث فاز حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، كما كان الأمر متوقعا. وفرزت النتائج النهائية لانتخابات "برلمان الثورة" المصري عن فوز الإسلاميين ب 70,04% من مقاعد مجلس الشعب المخصصة للمنتخبين، وفاز تحالف حزب الحرية والعدالة 228 مقعدا، وحزب النور 123 مقعدا، والوفد 42 مقعدا، والكتلة المصرية 33 مقعدا، والإصلاح والتنمية 10 مقاعد، وحزب الوسط 9 مقاعد، والثورة مستمرة 8 مقاعد، ومصر القومي 5 مقاعد، المواطن المصري 5 مقاعد، الحرية 4 مقاعد.
وبهذه التشكيلة بدا واضحا بان الإخوان المسلمين بالدرجة الأولى، والسلفيين بالدرجة الثانية، أي (الإسلام السياسي) بشكل عام، هم من سيحكم مصر للفترة القادمة مع بعد "الثورة"، وان الخريطة السياسية والتوازنات الداخلية والخارجية، بل ووجه مصر كليا، سيتغير في المستقبل، وان القوى الأخرى لن تكون قادرة في المدى المنظور على تهديد إنجازات وسطوة الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع، وبدا الكل مذهولا أمام تغلغل الإخوان في بنية الدولة وسيطرتهم الممنهجة عليها بشكل هادئ وسلس.
واستفادت جماعة الإخوان المسلمين من عدة عوامل في إحراز النصر الكبير في انتخابات مجلس الشعب/البرلمان، وبدت وكأنها تتعامل، تكتيكيا، بمهارة واحتراف مع التغييرات الجديدة، وقد ساهمت الأمور التالية في فوز الإخوان بالأغلبية البرلمان في الانتخابات المشار إليها "
أولا: سياسة القرب والتي تؤشر عليها ارتفاع نسبة الفوز في نمط الاقتراع الفردي، المبني على علاقة الناخبين بالفرد، ورصيد علاقاته ومؤهلاته وخدماته الاجتماعية.
ثانيا: الخدمات الاجتماعية التي تميز بها الإخوان في برامجهم والتي ضمنت لهم حضورا وازنا ومطردا في جميع الدوائر.
ثالثا: الاشتغال على اعتدال الخطاب وبناء موقف معتدل يسند الثورة، وفي نفس الوقت يدعم الاستقرار، وهو ما لقي استجابة كبيرة من قبل الناخبين.
رابعا: الصورة الإيجابية التي ظهر بها الإخوان بخصوص موقفهم من الأقباط ووقوفهم الصارم ضد افتعال الفتنة الطائفية للإجهاز على مكتسبات الثورة( نموذج ترشيح الأقباط على قوائمهم).
خامسا: المظلومية السياسية التي تعرض لها الإخوان طيلة حكم مبارك الذي منعهم من حقهم في العمل السياسي ضمن إطار حزبي معترف به.

سادسا: الاستفادة من تراجع القوى الليبرالية والحداثية واليسارية" (30).

ورغم إن الإخوان كانوا قد أعلنوا في وقت سابق عن عدم ترشيحهم لأي شخص من قبلهم لمنصب رئاسة الجمهورية، وتفضيلهم دعم مرشح آخر يكون توافقيا، إلا انهم عادوا ونكثوا بوعدهم، وأعلنوا عن تقديم مرشح عضو في الجماعة، وهنا تم تقديم أوراق د.محمد مرسي، من اجل احتلال منصب رئيس أول جمهورية بعد "الثورة" والجلوس مكان حسني مبارك وقيادة دولة مركزية وكبيرة مثل مصر.
أما "الدولة العميقة" من جيش وفلول الحزب الوطني المنحل وفعاليات ومؤسسات اقتصادية وسياسية فقد اتفقت على شخصية الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء في النظام السابق ورجل العسكر القوي، وقد " جرت الجولة الثانية والنهائية من انتخابات الرئاسة المصرية يومي 16 و 17 يونيو/حزيران 2012 م بين المتنافسين الذين تخطوا الجولة الأولى: مرشح حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي للإخوان المسلمين، د. محمد مرسي، ورجل النظام السابق، آخر رئيس وزراء مبارك، الفريق أحمد شفيق. مع فجر الاثنين، 18 يونيو/ حزيران 2012 م أعلنت حملة مرسي فوزه بالرئاسة بفارق يناهز المليون صوت. لم تعترف حملة شفيق بالهزيمة، بل أعلن الناطقون باسم الفريق أن مرشحهم هو الفائز. بمرور ساعات النهار، أكدت دوائر إعلامية وحقوقية، قامت هي الأخرى بمتابعة الانتخابات، فوز مرسي" (31).
وقد بدأت العديد من القوى السياسية وشخصيات ليبرالية لها باع كبير في معارضة النظام السابق، بإظهار تخوفها من فوز مرسي، فضلا عن مؤسسات الإعلام الرسمية ودوائر في الدولة، بما فيها تلك القريبة من الجيش والأمن والاستخبارات، والتي انضمت إلى الترويج لشفيق والعمل ضد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ومن هنا فلم " يتردد عدد من الشخصيات الليبرالية الأخرى، مثل أسامة الغزالي حرب وسعد الدين إبراهيم، إضافة إلى حزب المصريين الأحرار الليبرالي، وعدد من قادة حزب الوفد، وحزب التجمع اليساري، في الإعلان الصريح عن تأييد شفيق. وقد اصطفت خلف شفيق كافة وسائل الإعلام الحكومية، وغالبية الصحف ومحطات التلفزة الخاصة. بيد أن الدعم الأكبر لشفيق جاء من شبكة رجالات الحزب الوطني المنحل المنتشرة في أنحاء البلاد، ومن قطاع واسع من رجال الأعمال الأثرياء الذين عُرفوا بعلاقاتهم الوثيقة بالنظام السابق، ومن دوائر المؤسسة الأمنية المتمرسة بإدارة بالانتخابات، كما من دوائر الحكم المحلي، ذات الصلة المباشرة بالناخبين والدراية بالخريطة الاجتماعية التقليدية في المحافظات والمناطق الريفية. ولم يكن هناك ثمة شك في أن شفيق كان المرشح الأفضل لجهاز الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، وقواعد النظام السابق، داخل جسم الدولة والحكم وخارجهما" (32).
وفي المقابل كان هناك قطاع آخر معاد تماما للنظام السابق ومؤسساته وتركته، وقد رأى كيف أن "الدولة العميقة" تريد إجهاض "الثورة" وفرض مرشحها، فرجح هذا القطاع مرسي وراهن عليه، رغم تخوف هذا القطاع من جماعة الإخوان وعدم رضاه عن سياساتها.
كما وساهم قرار المحكمة الدستورية في إبطال دعوة لفرض الحجر السياسي على الفريق شفيق، ومن ثم السماح له بالترشح، وكذلك القرار الذي صدر وكان فحواه أحقية المحكمة في حل مجلس الشعب متى ما رأت في ذلك "ضرورات قانونية"، ساهم كل ذلك في خلق قناعة لدى قطاع من المصريين بأن فلول النظام السابق بدأت بالتحرك ضد مرسي، وإعادة عقارب الساعة إلى مرحلة ما قبل الإطاحة بمبارك ورجالاته، وهو الأمر الذي بهؤلاء إلى التصويت لمرسي باعتباره مرشحا يواجه مرشح النظام السابق، وخلق حالة من التعاطف معه.   
ورغم هذه التطورات، ألا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يتخل عن صلاحياته بسهولة ولم يقبل أن يسلم جماعة الإخوان المسلمين السلطة وكافة الصلاحيات وعموم مؤسسات الدولة، وبدأ هذا المجلس بالاعتماد على المحكمة الدستورية العليا لكي تكون سلاحه الرادع في المشهد السياسي، ممارسا كل الضغوط على الجماعة، في ثنائية متضادة قديمة تكررت في مصر وبقية الدول العربية: صراع جماعات الإسلام السياسي والمؤسسة العسكرية على السلطة.
وقررت (المحكمة الدستورية العليا)، في غمرة انتخابات الرئاسة، حل مجلس الشعب المصري، وتسليم كل السلطات للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي بدوره قرر إصدار "إعلانا دستوريا" يقيد فيه صلاحيات الرئيس القادم ويضع العديد من صلاحيته في يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، و" ينطلق الإعلان الدستوري الجديد من أن مجلس الشعب قد حُلَّ بالفعل، ويعيد سلطات مجلس الشعب التشريعية والرقابية إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي سيظل محتفظًا بها حتى بعد تسلم رئيس الجمهورية المنتخب لموقعه في نهاية يونيو/حزيران وإلى أن يُنتخب مجلس شعب جديد. بهذا لن يكون باستطاعة رئيس الجمهورية وحكومته إصدار أي قانون، بما في ذلك الميزانية العامة، بدون موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. كما يستبطن الإعلان الدستوري، في نص غامض نسبيًا، حرمان رئيس الجمهورية من سلطات القائد الأعلى للقوات المسلحة، على الأقل حتى كتابة وإقرار دستور البلاد الجديد. ويعطي الإعلان، إضافة إلى ذلك، للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الحق في تشكيل جمعية تأسيسية جديدة لكتابة الدستور خلال أسبوع من بروز حائل يمنع الجمعية التأسيسية الحالية، من مواصلة عملها. وينص الإعلان الدستوري على أن من حق رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس الوزراء أو رئيس الهيئات القضائية أو خُمس أعضاء الجمعية التأسيسية الاعتراض على أي نص يتم الاتفاق عليه في الجمعية التأسيسية وإحالة الأمر للمحكمة الدستورية للبت في الخلاف، بحيث يكون قرار المحكمة فاصلاً ونهائيًا، ما تعنيه هاتان المادتان في الإعلان الدستوري الجديد أن الجمعية التأسيسية المنتخبة تعمل الآن تحت رحمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن أي تعثر في عملها أو اعتراض قضائي على قانونيتها سيؤدي إلى حلها مباشرة" (33).
وبدا الرئيس المصري الجديد محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين، واعيا لخطوة العسكر هذه، ولكي يجنب الصدام مع المؤسسة العسكرية، ومؤسسات الدولة ومراكز قوى النظام السابق، وهو في أول أيام حكمه، قرر الاستجابة والرضوخ لكل ما أعلنه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عن طريق المحكمة الدستورية العليا، وجرى استفتاء حول الدستور الجديد، المعدّل بأمر المؤسسة العسكرية، حيث عمد مرسي إلى قبول النتائج فورا واعتماد الدستور الجديد دستورا لمصر، " وما أن أعلنت اللجنة العليا للانتخابات النتائج رسميا، مساء الثلاثاء 25 كانون الأول/ ديسمبر 2012 م حتى سارع مرسي إلى توقيع الدستور المقر، معلنا دخول مصر إلى عهد جديد. وبإقرار الدستور لم يفقد مرسي صلاحياته الاستثنائية وحسب، بل وجزءا ملموسا من صلاحيات أي رئيس سابق للجمهورية " (34).
وكانت النصائح تنهال على مرسي لكي يتجنب التصادم المباشر مع الجيش وشبكاته الكبيرة، على أمل أن يحدث توافق ما بينهما، حتى يحتفظ كل جهة بما لديها من امتيازات، بحيث ألا تقع أي مواجهة بين الفريقين القويين، ومن هنا " كان مرسي يعي حجم قوة المؤسسة العسكرية وكيف أنها تشكل رمزا قوميا وتتمتع بالشعبية لدى المصريين، الذين يكنون لها الولاء أيضا. وكان هناك خوف من أن ينفذ صبر المؤسسة العسكرية حيال المظاهرات الكبيرة ضد حكم مرسي والإخوان، في ظل شلل الاقتصاد الوطني وحالة الانهيار التي تشهدها الدولة ومؤسساتها" (35).
لكن الثقة في الإخوان كانت قد تزعزعت نتيجة ميلهم الواضح إلى الانفراد بالحكم وإقصاء بقية القوى من التي كان لها دور كبير في الحراك السلمي الذي أطاح بمبارك، وبدا تدخل الجيش لردع الإخوان ومرسي هو ورقة الضغط الأخيرة من قبل هذه القوى، ومن هنا فقد ساهمت " العمليات الدستورية الفاشلة، ومنها الإعلان "الدستوري" الصَّادر من جانب الرئيس في تشرين الثَّاني/ نوفمبر 2012 م  والذي أسس لسلطات لها طابع ديكتاتوري، وكذلك عملية صناعة الدستور المصري وإجراءاتها المتعددة؛ من تكوين لجنةٍ من الإسلاميين، وتمثيلٍ ضعيفٍ للمرأة والأقباط، ثمَّ الإسراع بكتابة دستور لا يحوز توافقًا مجتمعيا، ساهمت في حرمان الإخوان من التَّفاعل الإيجابي مع القوى السياسيَّة الأخرى، بل وحرمتهم من حلفائهم السّلفيين أيضًا، رغم ما بذله هؤلاء من محاولاتٍ جادَّة لتجسير المسافات بين الإخوان والقوى السياسية الأخرى، وهى المبادرات التي قبلها تحالف الإنقاذ المعارض ولم يقبلها الإخوان" (36).
وبدت "الدولة العميقة" من عسكر وأمن وحزب حاكم سابق ومؤسسة قضائية، وفعاليات اقتصادية واجتماعية وإعلامية، وقسم كبير من الأقباط، وأغلبية القوى والأحزاب السياسية وقطاعات الشباب والمرأة، وحتى الأزهر، يتكتلون ضد الإخوان من أجل منعهم من التمدد في الدولة والسيطرة عليها وتجيير "الثورة" المصرية لمصلحتهم.
وكان تحالف متعدد الأوجه والأقطاب يتشكل ضد حكم الجماعة لمصر، وكان التحريض في الداخل والخارج ضد هذا الحكم على أشده. فضلا عن رفض أغلبية مؤسسات الحكم والأجهزة الحساسة التعامل مع حكومة الإخوان كمصدر للأوامر والخطط، فكانت الجماعة تحكم دولة لا تؤتمر أجهزتها بأمرها، والكثيرون كانوا يرون في الحكومة ومجلس الشعب والرئيس أعضاء في الجماعة وليسوا قادة ومسؤولين في مصر ما بعد نظام حسني مبارك.
وأراد الإخوان المسلمون الحكم بمنطق تقليدي يقول بأنهم فازوا في الانتخابات وأصبحوا سلطة فعلى الآخرين أن يتقبلوا ذلك وأن يتحولوا إلى معارضة وكفى!. وهذا التفسير التقليدي للأمور في دولة مثل مصر، أطيح بنظامها الراسخ البنيان من أجل الحرية والديمقراطية، لم يكن مقبولا أبدا.
وظهر بأن الإخوان وأثناء طلبهم للحوار الوطني في الأشهر الأولى من "الثورة" وأثناء التحضير للانتخابات، كانوا يناورون ويعملون على الظهور بمظهر الطرف الديمقراطي المتقبل لكل فكرة ورأي والذي يهمه الاستقرار والوئام بين الجميع، والراغب في تقسيم السلطة، حيث إنه "زاهد في الحكم والإدارة بشكل منفرد".
ومن هنا ظن الإخوان بأن الأمر انتهى بفوزهم الساحق، وعلى الكل، قوى سياسة وشباب ومؤسسات الدولة العميقة، التنازل لهم والتسليم بسلطتهم والتحول إلى خندق المعارضة والاكتفاء بمشاهدة الجماعة وهي تستفرد بالسلطة وتٌحدث التغيير الذي تريده في بنية الدولة المصرية.
لكن ظهر خطأ وكارثية هذا التصور، وظهر بأن الإخوان أكثر من غيرهم كانوا في" حاجةٍ إلى الوحدة الوطنية مع الأحزاب، مهما كانت ضعيفة، لتعطيهم غطاءً يحولهم من حزبٍ، مهما كان كبيرا، إلى جبهةٍ وطنيَّةٍ واسعةٍ، على صِغر أعضائها الآخرين، للتَّصدِّي لأجهزة تدَّعي عدم الحزبيَّة؛ مثل القضاء والأمن وغيرها. ولم يتحمَّس الإخوان لذلك، فقد اعتقدوا أنّ المشهد هو سلطة ومعارضة. وحين رغبوا في ذلك كانت شروط هذه الأحزاب شبه مستحيلةٍ، أو أنها كانت راغبة في إفشال الإخوان. أمّا الشَّخصيَّات الوطنيَّة، على أنواعها: المبدئية، والانتهازية وهي التي دعمت الإخوان في الدَّورة الثَّانية فأقصى ما وصل إليه خيال الإخوان هو رؤيتهم بصيغة مساعدين ومستشارين، لا شركاء في صنع القرار. ولذلك سرعان ما تنصَّلوا من الوعود التي قدَّموها لهم، وحتَّى من الاستجابة السَّهلة لطموح بعضهم الشَّخصيِّ. وثالث الأمور الخطيرة التي حدثت: دخول الإخوان الحكم بوصفهم إخوانًا، أي بعُدَّتهم الأيديولوجيَّة والفكريَّة وخطابهم الإسلاميِّ، حتى صعب فهمُ خطاب الرئيس مرسي أحيانًا حين يقول: "نحن"، فهل يقصد "نحن المسلمين"؟ أم يقصد "نحن المصريِّين"؟ لقد كان خطابه دينيا إلى هذه الدَّرجة، وحين انتبه لذلك كان متأخِّرا" (37).
ومن هنا تأكد لدى كل من يترصدهم ويتابع أخطائهم، بأن الإخوان والجماعة تتابع الخطى في اتجاه طريق السيطرة على الحكم والبدء بإغراق المؤسسات بالكوادر الإخوانية، وكانت الانتهازية في أعلى مراتبها، فهي فرصة كبيرة أتيحت لجماعة الإخوان من أجل الثأر للماضي والقبض على السلطة بيد من حديد، معتمدين على الشرعية الشعبية التي نالوها، مهملين كل الفواعل الأخرى، ومن هنا لم يفهم الإخوان بان " عقد إدارة الدولة ليس بعقد ملكية، فهو لا يجيز استبدال جهاز الخدمة المدنية الاحترافي غير التابع سياسيا لحزب أو تيار بعناصر إخوانية تكرر من جديد تجربة مصر في الستينيات وما بعدها عندما تحولت مؤسسات الدولة إلى تشكيلات تابعة للحزب الحاكم تعمل لخدمة الحاكم لا المحكوم" (38).
وعلى المستوى الداخلي لجماعة الإخوان، ظهرت بعض الآراء التي تقول بأن كل القوى السياسية ومراكز القوى والمفاعيل المهمة قد رضي بحكم الإخوان، وان الثمن قد يبدو هينا، مهما كان، قياسا بالسيطرة الطويلة على البلاد وتمكن الإخوان من أسلمة الدولة وتطبيق الشريعة، وتبلوّرت بعض الآراء الإسلامية حول هذه النقطة، ومن هنا فقد كان " وصول الإسلاميين لأعلى المناصب حتى صار الرئيس منهم بعد أن كانوا مبعدين عن أن يضعوا أقدامهم على أول درجة في سلم المناصب المؤثرة، فلم يكن مسموحا أبدا أن يكون منهم مديرا لهيئة، أو عميدا لكلية، أو وكيلا لوزارة وسلك القضاء كاملا، والجيش والشرطة وغير ذلك، وهذه خطوة عظيمة نحو التمكين لدين الله وتغيير الأنظمة المعادية للإسلام، فأي ثمن يدفع لتحقيق هذا الأمر لا يكون غاليا" (39).
وهذا الرأي هو نفسه الرأي الذي سبق وأن راهن عليه حسن البنا وصحبه في عهدي الملكية وعبد الناصر، حيث أدت سياسة "الغاية تبرر الوسيلة" والعداء الصارخ لقيمتي الحرية والديمقراطية، إلى ضرب الجماعة وقتل وسجن وتهجير أبرز قياداتها.
لقد كان واضحا بان الإخوان لا يريدون أي شريك في الحكم، وانهم احتكموا إلى الشارع الذي خبروا في عملية تنظيمه والسيطرة عليه سياسيا واجتماعيا عشرات السنين، وكان الهدف في أسلمة الدولة وتغيير وجهها بما يتلاءم وإيديولوجية الإخوان هو الشاغل الأهم، وبدا ذلك الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الإخوان، حيث الاستخفاف بكل القوى والفواعل السياسية المهمة في مصر، مما أدى إلى ظهور تحالف بينها، ساهم في خلق حالة من "التواطؤ" للنيل من الإخوان وإبعادهم عن السلطة، باللجوء إلى المؤسسة العسكرية التي طالما وقفوا ضدها وعدوها عائقا أمام الديمقراطية والحكم المدني.
وبخلاف ذلك" كان يمكن للإخوان بعد فوز مرشحهم في الانتخابات الرئاسية تشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها أقطاب من طراز محمد البرادعي وحمدين صباحي(...)، كان الصراع مع كبار الضباط يفترض أن تلتقي القوى المدنية على حد أدنى من التوافق قوامه منع عودة العسكر إلى الساحة السياسية. ولكن الأمور ذهبت في اتجاه مختلف تمامًا، وقد بدا لوهلة أن الإخوان يسعون لمد الجسور مع الجيش، لتقوية وضعهم في مواجهة منافسيهم المدنيين، بدل العكس. كما بدا، أيضًا، أن معظم القوى الليبرالية واليسارية لا تمانع في الاستعانة بالجيش في إطار الصراع مع الإخوان المسلمين. هذا الغزل للجيش الصادر عن الإخوان ومعارضيهم يوحي بضعف القناعات الديمقراطية لدى مجمل القوى المدنية المصرية الأساسية، بشقيها الديني وغير الديني" (40).
وإضافة للاستخفاف بالقوى السياسية والحراك الثوري ومحاولة الرهان على صندوق الاقتراع لسحب الشرعية من الجميع ووضعهم في خانة "المعارضة" حيث العودة إلى اللعبة السابقة التي كانت سائدة في عصر نظام مبارك: معارضة مشلولة لا تؤثر في القرارات مقابل نظام متسلح بأغلبية برلمانية ومتغلغل في كل مرافق الدولة ومؤسساتها. وقد أدت هذه القراءة الخاطئة للمشهد السياسي إلى استعانة الجيش بالقوى السياسة وكسب دعمها من أجل الإطاحة بحكم الإخوان وشرعنة الأمر بحيث يكون أبعد عن الانقلاب العسكري التقليدي. فالجيش كان المتضرر الأكبر من حصول خصومه الإسلاميين على الأغلبية التي تخولهم لحكم البلاد منفردين، ولم يكن يغامر بكل امتيازاته وهو يرى الدولة "تضيع" منه ويتهدد مركزه ومصالح نخبه التي توطدت لعشرات السنين.
لقد كانت المؤسسة العسكرية مستعدة لعمل كل شيء للحفاظ على دورها المركزي منذ ثورة تموز/يوليو 1952 م والتي كان الضباط في ظلها قد " حافظوا على تعييناتهم في الإدارات العامة والمحلية( 40% من المحافظين في ظل مبارك جاءوا من خلفية عسكرية) وان كانت أعدادهم في الحكومات المتعاقبة والسلك الدبلوماسي تراجعت نسبيا. ولكن المكتسب الأهم الذي غنمه الضباط المصريون اعتبارا من النصف الثاني من السبعينيات هو فتح باب الاقتصاد الوطني أمام تدخلهم فيه، بحيث باتت حصة المؤسسات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية تشكّل اليوم 5 إلى 10% من مجمل الاقتصاد المصري. هذه نقطة أساسية لا ينبغي إغفالها عند التفكير بحسابات قادة القوات المسلحة المصرية. فالدخل السنوي للمؤسسات الاقتصادية التابعة للجيش المصري هو عبارة عن مليارات من الدولارات يمسك كبار الضباط حساباتها دون رقابة من أية جهات مدنية، باعتبار إن النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة يدخل في نطاق "الأمن القومي" المصري، كما يقول الضباط" (41).
وظهر بأن الإخوان لم يٌقدروا خطورة تهديد مصالح العسكر، وظنوا بأن الشرعية الجماهيرية والانتصار في الانتخابات والركون إلى ما أفرزته اللعبة الديمقراطية، سيردع العسكر عن التدخل في الشأن السياسي، أو ربما يكتفون بإيجاد نوع من الاتفاق غير المعلن مع الجماعة، من اجل أن يواصل الفريقان متابعة مشروعيهما، بدون صدام أو تهديد أحدهما للآخر. وهذا ما لم يحصل.
لقد تحالفت القوى المختلفة المتضررة من تصدر جماعة الإخوان المسلمين السلطة في مصر، وتأطرت في صف واحد من أجل إسقاط حكم مرسي وفرض حظر على الجماعة إعادتها إلى خانة "الجماعة المحظورة"، فعمت المظاهرات البلاد، وتم نقلها عبر وسائل الإعلام الموالية للدولة العميقة والمؤسسة العسكرية، وتكاتف العسكر مع شباب الثورة مع الأحزاب السياسية مع الفعاليات السياسة والاجتماعية والاقتصادية مع الكنيسة القبطية، ومشيخة الأزهر لإسقاط حكم الإخوان. ولم تبخل بعض القوى الإقليمية المتضررة من التحول الأخير في العالم العربي(المملكة العربية السعودية مثالا) في دعم الحراك المعادي للإخوان، حيث تدفقت الأموال وترافق ذلك مع تجيير وسائل إعلام عربية واسعة الانتشار لتأييد الانقلاب ضد الإخوان.
وتوالت المظاهرات والاعتصامات في ميدان التحرير وغيره المطالبة بإسقاط مرسي و"حكم الجماعة"، وعمت المواجهات بين المؤيدين لمرسي والمعارضين له، وقتل العشرات وسحلوا في الشوارع، وهو ما منح الجيش الحجة للقيام بانقلاب مدعوم من القوى السياسية والمجتمعية المختلفة وإبعاد مرسي والإخوان عن السلطة بشكل نهائي. ومن هنا يعتبر" تاريخ 3 تموز/ يوليو 2013 م في مصر نقطةً مفصليّةً في المشهد السياسي والاجتماعي المصري على جميع المستويات. ومع أن الشواهد آنذاك دلّت على أنّ قرار عزل الرئيس محمد مرسي قد دُرس من قبل الجيش والقوى الأمنيّة التي دبّرت الانقلاب على مدى شهور، فإنّ الواضح اليوم أنّه لم يجر إعداد خطّة لمرحلة ما بعد الوصول إلى الحكم، أو حتى التفكير بكيفية احتواء نتائج الانقلاب التي تخطت بأشواط واسعة ما توقّعه المنقلبون على المسار الديمقراطي" (42).
وتبدو أسباب كثيرة وراء السقوط المدوي للإخوان في حكم مصر، حيث لم يستمر حكمهم لهذا البلد المركزي المهم سوى عام واحد، كان مضطربا ومليئا بالمواجهات والاستقطاب الكبير. وعليه فقد كان "سقوط جماعة الإخوان المسلمين نتيجة لثلاثة أسباب رئيسة: أولها، فشل الجماعة في التعاطي مع مسألة السلطة والحكم بنحو فعّال وناجع. وثانيهما، المشاكل التنظيمية التي ساهمت في إرباك حسابات الجماعة وكشفت ضعفها وقصر رؤيتها السياسية. وثالثها، تكالب الدولة العميقة ونجاحها في استدراج الإخوان إلى معارك جانبية جرى فيها استنزاف الجماعة وإفشالها من خلال حملات تحريضية وتشويهية مستعرة ساهمت كثيرا في شحن الرأي العام ضد الجماعة، ما أدى إلى خروج الكثيرين في مظاهرات 30 يونيو 2013 للمطالبة بإنهاء حكم الرئيس مرسي" (43).

ثالثا: قراءة إستشرافية لمستقبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر:

بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإيداعه السجن، ومن ثم المواجهات التي وقعت بعد تلك الحادثة بين جماهير جماعة الإخوان المسلمين وأنصار الجيش والقوى السياسية الأخرى الرافضة لحكم الجماعة، صدر قرار في 23 أيلول/ سبتمبر 2013 م بحظر جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال ما تبقى من قادتها والحكم على 52 منهم بالسجن لسنوات طويلة. (44).
وفي 25 كانون الثاني/ يناير 2013 م أصدرت الحكومة المصرية المؤقتة قرارا يقضي باعتبار جماعة الإخوان المسلمين في مصر "جماعة إرهابية" يجب ملاحقتها ومحاكمة أعضائها. وبهذه القرارات يبدو بان تحالف "الدولة العميقة" والجيش والقوى السياسية والكنيسة والأزهر قد اتفق على اجتثاث جماعة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي في مصر وللأبد. ويبدو أن الاستناد القانوني لهذه السياسة جاء نتيجة الأعمال العنيفة التي ارتكبها أنصار الإخوان والتي أدت إلى تعطيل الحياة السياسة والاقتصادية في مصر، وقتل وجرح المئات من أنصار القوى المخالفة لنهج وتفكير الجماعة.
وسنبحث هنا الأسباب التي أدت إلى الإطاحة بالإخوان وحظر الجماعة من ثم اعتبارها إرهابية، وما تعينه هذه التطورات الخطيرة على مستقبل الجماعة في مصر، وبالتالي على مجمل مشهد جماعات (الإسلام السياسي) في المنطقة.
ذكرنا سابقا بأن الإخوان لم يكونوا فاعلين بداية انطلاق الحراك المناهض لنظام حسني مبارك، وكانوا يفضلون التريث لما ستؤول إليه الأمور، ولذلك فلم يستخدموا في كل بياناتهم، بداية الحراك، كلمات مثل ضرورة "رحيل النظام"، أو "الجرائم المرتكبة بحق الشعب"، مثلما فعل غيرهم، ولما تأكد لهم رفض الشعب لكل ما قام به حسني مبارك ونظامه من تغييرات و"إصلاحات"، وإصرار المصريين على خلعه، بدءوا في التوافد على الميادين وتحت غطاء القوى الشبابية، وكان الحذر هو الطابع الأبرز لسياستهم. وبعد استقالة مبارك، كان الإخوان أول من سارع إلى تقديم أوراق الحزب السياسي الجديد، حزب الحرية والعدالة، وبدءوا بكيفية رص الصفوف وتقييم الحالة من أجل المشاركة في الانتخابات وحكم مصر بالطريقة التي تجعل بقية القوى تتقبلهم، فيما هم ينجحوا في تطبيق برامجهم الرامية لأسلمة الدولة وتطبيق الشريعة فيها.
ورغم إن الإخوان كانوا قادرين على اقتباس التجربة التونسية، مثلا، في التحالف مع القوى السياسية العريقة وعدم اللجوء إلى الحكم المباشر والاستئثار لوحدهم بالسلطة، ضمن هذه الظروف الداخلية والخارجية الحساسة، إلا انهم لم يفعلوا. فنكثوا كل العهود التي أطلقوها في البداية، فتقدموا بمرشح إخواني لشغل منصب الرئاسة، رغم انهم أعلنوا خلاف ذلك، وقالوا بأنهم لن يتقدموا بأي مرشح من داخل صفوف الجماعة، بل وحتى لم يقبلوا بشخصية "مرنة" مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والذي أراد أن " يترشح بوصفه شخصا محافظا وليس إسلاميا تابعا للجماعة، وهو الأمر الذي أثار حنق الجماعة ومجلس الشورى لديها، والذي اصدر القرار ب" فصله من جماعة الإخوان رسميا، وقد تلقى أبو الفتوح دعما معنويا كبيرا من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي لترشيحه رئيسا للبلاد، مفضلا إياه على كل المرشحين بمن فيهم د. محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمين، وهو الأمر الذي استغربته العديد من وسائل الإعلام العربية آنذاك، وقد كان أبو الفتوح يرفض تسميته بالمرشح الإسلامي ويفضل وصفه بأنه مرشح محافظ" (45).
وما أن نجح الإخوان في انتخابات مجلس الشعب وانتخابات الرئاسة، وتأكد لهم بأنهم سيحكمون مصر لوحدهم، وستخضع لهم كل القوى الأخرى والعسكر و"الدولة العميقة" لنيلهم الشرعية من الشعب ومجيئهم عن طريق العملية الديمقراطية، حتى بدءوا في إغراق الدولة بكوادرهم دون أي اكتراث بحساسية الظرف المصري، أو رد فعل القوى الفاعلة الأخرى، ومن هنا فإن كوادر الإخوان " افتقرت للخبرات والمهارات التي تمكنها من تكوين نخبة سياسية بيروقراطية فعالة يمكنها إدارة دولة بحجم مصر وتعقيداتها. وحقيقة الأمر، أنّ كثيرا من كوادر الإخوان جرى تنشئتهم داخليا في محاضن الجماعة كي يكونوا معارضين وليسوا حكاما. بكلمات أخرى، فإنّ الجماعة لم تعرف منذ نشأتها كيف تتعاطى مع البيروقراطية المصرية أو أن يكون لديها "رجال حكم"، وإنما هم ناشطون اجتماعيون ودعويون بالأساس" (46).
هذا غير طريقة تشكيل الإخوان للحكومة والتي أظهرت لكل الناس مدى قلة تجربة الجماعة بالسياسة والحكم والإدارة، حيث تزايدت الشكوك حول قدرتهم على تسيير شؤون بلد كبير ومحوري كمصر، فقد " تشكَّلت الحكومات في فترة حكم الرئيس مرسي بصعوبةٍ بالغةٍ، وفي مدى زمني طويلٍ، فأعطت هذه العملية الشارع السياسيَّ انطباعًا بمدى عجز الإخوان، خصوصًا مع غياب تصوراتٍ واقعيَّةٍ للحكم، والاعتماد على المحسوبيَّات أيضًا في التَّشكيل الحكومي؛ حيث تحفل كواليس النخب السياسية بروايات عدَّة تكشف ممارسات وثيقة الصلة بممارسات نظام مبارك" (47).
وقد اصطدم الإخوان مع مقاومة كبيرة من جانب "الدولة العميقة"، وساهمت كل القوى معا في عقد تحالف غير معلن ضد حكم الإخوان، حيث بدأ هذا التحالف بتسجيل كل خطأ لحكومة الإخوان ومؤسسة الرئاسة، ونشره عبر وسائل الإعلام الموالية لهم، وكانت سياسة الإخوان حيال مؤسسة القضاء من أهم النقاط التي تم استغلالها ضد الجماعة وحكمها، فقد " لجأ الرئيس مرسي والإخوان إلى المواجهة مع مؤسسات الدولة العميقة، ولكنهم اختاروا أكثر هذه المؤسسات حساسية لدى الرأي العام المصري وهي مؤسسة القضاء. فعلى الرغم من إدراك كثيرين لحالة الفساد التي تشوب بعض القضاة المصريين، فإنّ محاولة الإخوان تطهير القضاء من هؤلاء الفاسدين تم تصويرها باعتبارها تعدي على السلطة القضائية ومؤسساتها. وهو ما وضع مرسي وجها لوجه في مواجهة واحدة من أهم السلطات في مصر وهي السلطة القضائية. فقد سعى مجلس الشورى إلى إصدار قانون السلطة القضائية من دون التفاوض أو التحاور مع القضاة، وهو ما أثار كثيرين ضد الإخوان. وقد كان ذلك بمنزلة خطأ فادح للإخوان والرئيس مرسي الذي تحول منذئذ إلى طرف معاد للقضاة وكثير من مؤيديهم" (48).
وانكشف الإخوان سريعا على الرأي العام المصري، وظهرت قلة خبرتهم في كل المجالات، وبدت محاولاتهم الاستئثار بالسلطة وإبعاد المعارضين مكشوفة وواضحة لكل شخص. ومن بين نقاط الضعف، كانت شخصية وسياسة الرئيس محمد مرسي نفسه، والذي فشل في الاحتفاظ بصورة الرئيس/الحاكم لدى المصريين، تلك الصورة المقدسة المحيطة بهالة من الاقتدار والهيبة، وبدا وكأنه شخص غير جدير بهذا المنصب ولا يحمل من "صفات" الرئيس شيئا، بل وحتى كلامه وخطاباته تم تحليلها وضربه من خلالها، " فعبر 49 خطابا للرئيس مرسي - بمعدَّل خمسة خطابات شهريا - تضمَّنت خطاباته لغة اعتبرها المصريون في كثيرٍ من الأحيان لا تليق برئيس دولة مصر، ولا تعكس خبرةً سياسية، فضلًا عن فراغ كثيرٍ من هذه الخطابات من مضمونٍ منطقي، وغياب الهيكلة المطلوبة لمثل هذا النَّوع من الخطابات الرئاسية. وربَّما يكون من الأهميَّة بمكانٍ الإشارة إلى دراسة تحليل مضمونٍ لأحد حوارات الرَّئيس مع جريدة الأهرام؛ حيث أشارت الدراسة إلى أنَّ العبارات الإنشائيَّة غير محدَّدة المضمون والتي لا تستند إلى معلوماتٍ تمثل ما نسبته 48% من الحوار، وأنَّ نسبة 36 % فقط من إجابات الرَّئيس تمثل إجابةً عن الأسئلة، بينما كانت نسبة 15% من الإجابات خارج نطاق الموضوع أو السؤال" (49).
تحالف "الدولة العميقة" مع القوى السياسية والكنيسة والأزهر، والتحشيد ضد الإخوان، والذي انتهى بالانقلاب عليهم وعزلهم، وسجن قادتهم، ومن ثم إعلانهم تنظيما محظورا، وأخيرا تنظيما "إرهابيا"، يشي بأن الحملة ضد الإخوان هذه المرة هي حملة قاصمة وتهدف إلى إبعادهم ــــ بتشكيلاتهم الحالية ـــ عن الحياة السياسية، وبدا العسكر وحلفاؤهم من القوى السياسية التي شاركت في حضور إعلان وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، قد اتخذوا قرار الإجهاز على الإخوان، ومنعهم من العودة إلى الساحة السياسية، وهذا ظهر في طريقة ملاحقة الإخوان حيث إن " تقدير سلطة الانقلاب، كان يقوم على إمكانية القضاء على ردّ الفعل من خلال شلّ التنظيم الإخواني عن طريق اعتقال قياداته العليا والوسطى. وبالطبع، فإنّ الأجهزة الأمنيّة لم تكن تنقصها الخبرة ولا معرفة هرميّة الجماعة وهيكليّة اتخاذ القرار داخلها التي كانت شغلها الشاغل على مدار عقود. كما جاءت ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 م لتساهم في كشف الجماعة على المجال العام ولتعلن ما كان مخفيًّا وسريًّا فيها؛ وذلك بعد أن خرجت كلّ القيادات الوسطى والميدانيّة إلى العمل العامّ في الانتخابات البرلمانيّة و الرئاسيّة" (50).
لقد أسفر الانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين عن تشتيت قيادات الجماعة وضرب كل نقاط قوتها، واعتقال المئات والحكم عليهم بالإعدام والسجن، وإعلانها جماعة "إرهابية"، ليظهر الهدف واضحا وهو إنهاء وجود هذه الجماعة وشطبها من المشهد المصري بشكل كامل. ورغم القمع الذي تعرضت له الجماعة على يد الأنظمة السابقة منذ تأسيسها عام 1928 م والعنف الذي مارستها هذه الأنظمة، للحيلولة دون نجاح الجماعة في الوصول إلى السلطة وتطبيق الشريعة، إلا أن التصعيد لم يصل إلى مثل هذا المستوى في اجتثاث الجماعة وقمع كل مظاهرها، ومن ثم إعلانها جماعة "إرهابية" لثني الجماهير من التعاطف معها أو الذهاب في تأييدها.
لاشك بأن جماعة الإخوان المسلمين تواجه اليوم تحديًا أكبر من السابق، فهي تتعرض لحملة أقسى وأشد من سابقاتها، فقد وجدت في محنتها إبان حكم عبد الناصر ملاذات آمنة في دول أوروبية وعربية عديدة وفي مقدمتها الدول الخليجية التي احتضنتها لأسباب عديدة وفي مقدمتها تثبيت شرعيتها في مواجهة المد القومي الناصري، أما محنتها الراهنة فهي تخوضها وحيدة دون سند في محيط معاد يدعم استبعادها من الحكم والسلطة ويخشى من نجاحها وتمكينها، وعلى الرغم من تعقيدات المرحلة و"المحنة" وتقلص الخيارات والسيناريوهات فإن الجماعة لا تزال قادرة على الحشد والتعبئة وجلب الأنصار، وتؤكد على التمسك بخيارات النضال السلمي، وعدم الوقوع في مستنقع الحرب الأهلية كما حدث لنظيرتها "جبهة الإنقاذ" الإسلامية في الجزائر بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي" (51).
وفي استشراف المستقبل يمكن للمرء أن يترقب ردود فعل عنيفة من الجماعة على سياسة الإقصاء هذه، فالجماعة مازالت قواعدها وجماهيرها موجودة، وهي تتلقى الدعم من بعض الدول الخليجية، وتابعة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وعليه فسوف لن تسكت عن سياسة تصفيتها من قبل الجيش والقوى السياسية المتحالفة معه، ومن هنا يمكن القول " أن العنف المسلح قد ينتشر على نطاق واسع، لا يستطيع النظام التحكم فيه، وهناك ثمة مسوغات من الإحباط والمظلومية قد تؤسس لوجود حاضنة شعبية لهذا العنف، يصعب الآن تقدير حجمها. في مثل هذه الحالة، سيتسع نطاق المواجهة، ويسهم تصاعد العنف في إضافة مزيد من الحطب إلى النار. ليس من الضروري التوكيد على أن نهج العمل المسلح، مهما اتسع نطاقًا، لن يستطيع الإطاحة بنظام حكم يمسك بمقاليد الدولة، ولكن من الصعب أيضًا أن تستطيع الدولة إيقاع هزيمة سريعة وحاسمة بعنف مسلح ذي طابع شعبي واسع، ولا يقتصر على تنظيم معزول. وقد تؤدي صعوبة تحقيق الهدفين إلى حقبة طويلة، مؤلمة، وباهظة التكاليف من العنف وفقدان الأمن" (52).
وعند متابعة ردود الفعل حين حدوث الانقلاب وصدور أمر الحظر بحق جماعة الإخوان المسلمين نلاحظ الصمت الذي لف موقف القوى السياسية في مصر، وهو موقف يذكرنا بموقف آخر حدث منذ أكثر من 60 عاما، حينما تم حظر الجماعة، وسكتت اغلب القوى والأحزاب السياسية المصرية، بل وتواطأت مع القرار، وهو ما يعني أمرين أثنين: أولا: عدم فهم الإخوان طبيعة الدولة المصرية وفشلهم المتكرر في قراءة الخريطة السياسية والاجتماعية وتوازن القوى فيها. والثاني: حالة العداء وعدم التقبل لدى القوى السياسية للإخوان، تلك الحالة التي لم تتغير منذ الوقت، ومن هنا، " فإن حل الجماعة وما واجهته من إرهاب وتعذيب لم يلق استهجانا أو استنكارا من الأحزاب والهيئات الأخرى بل لقد شمت فيهم البعض ووجدوهم يستحقون هذا المصير بسبب حوادث العنف التي ارتكبوها وبسبب مباركة الأخوان قبل ذلك لحملات الإرهاب والاعتقال التي شنتها الحكومة في 15 مايو 1948 م  بمناسبة حرب فلسطين وشملت الوفديين والتقدميين والشيوعيين، بل لقد شارك الإخوان في تحريض الحكومة على اعتقال ومطاردة خصومهم السياسيين ولذلك حينما واجهوا محنتهم لم يجدوا من يتعاطف معهم من السياسيين الآخرين" (53).
والآن ظهرت جماعات مسلحة تنفذ أعمالا إرهابية بحق أهداف عسكرية وأخرى تابعة للدولة من اجل الانتقام لما حصل لجماعة الإخوان المسلمين، وتاريخ الجماعة ينبئنا بأن الكثير من المجموعات المسلحة الرافضة للنهج السلمي والتوافقي الذي انتهجته الجماعة في بعض مراحل تاريخها، أو اضطرت إليه اضطرارا، قد انشقت عن التنظيم الأم وراهنت على السلاح والعنف من اجل تحقيق الأهداف السياسية. ومنذ تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1948 م حين صدور قرار حظر الجماعة وإلى الآن انشقت مجموعات كثيرة وظهرت آراء متطرفة تنبذ الدعوة السلمية وتراهن على السلاح كرد على عنف وإرهاب الدولة. ولا يبدو بان المؤسسة العسكرية والقوى السياسية المتحالفة معها سوف تتنازل سياسيا إزاء سياسة التصعيد هذه، بل ستعمد إلى المزيد من القمع والعنف.
وقد يكون من خيارات الجماعة أن تظهر بلبوس سياسي جديد، تحت مسمى آخر، وأن تكف عن إطلاق المظاهرات في الجامعات والميادين والشوارع الرئيسية من المدن، حيث أن هذه السياسة لم تأت بثمار، بل على العكس ألبت المعسكر الرافض لهيمنة وحكم الإخوان، وزادهم تمسكا بقرارهم في محاربة الجماعة، هذا فضلا عن تعطيل الحياة الاقتصادية والمساهمة في إطالة حالة اللاستقرار والفوضى. والناس تريد الآن التخلص من تركة الأعوام الماضية منذ عمر انتفاضة الشعب المصري ضد حكم حسني مبارك. وعليه فإن رهان الإخوان على "العصيان الشعبي" ضمن نطاق جمهورهم لن يساهم في تحقيق أي تقدم سياسي، أو دفع الجيش والقوى السياسية المتحالفة معه إلى تقديم أية تنازلات. كما ومن المستبعد أن يعيد النظام الحالي أو القادم، في المدى المنظور، وجراء توازنات داخلية وخارجية، النظر في قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين ورفع صفة "الإرهاب" عنها. لذلك فإن وقف الجماعة للمظاهرات وأساليب التنديد وركونها إلى البناء من جديد في إطار سياسي مرن، يستفيد من الجوانب الإيجابية في تجربة الإسلام السياسي المنضبط في كل من تونس وتركيا، قد تكون إحدى الخيارات الأكثر قبولا.
المؤسسة العسكرية وحلفائها و"الدولة العميقة" عملوا منذ الإطاحة بمرسي على تصفية الجهاز السياسي للجماعة وضرب "عقلها" التنظيمي، فاعتقلت كل القيادات والمراجع، لذلك من الصعوبة بمكان إعادة تأهيل الجماعة من جديد وفي فترة زمنية غير طويلة، لكن يبقى الخيار السلمي والنهوض من بين الركام و"إنقاذ ما يمكن إنقاذه" كمل فعل حسن البنا بعيد اغتيال رئيس الوزراء فهمي النقراشي، هو أفضل السيناريوهات السيئة، بدل اللجوء إلى العنف وتعطيل الحياة الاقتصادية والسياسية والمساهمة في إطالة أمد الحالة الراهنة ومعاناة الشعب المصري، التوّاق إلى الحرية والديمقراطية وحياة أفضل في ظل دولة قانون ومؤسسات وظروف معيشية أفضل من تلك التي كانت سائدة أيام حكم نظام حسني مبارك.
المصــــــادر:

1ـ عبد الحليم، محمود، الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ: رؤية من الداخل"، الجزء الأول، الإسكندرية، مصر، الطبعة الخامسة، دار الدعوة للطباعة والنشر 1994 م، ص 58 و 59.
2ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1999 م، ص 15.
3ـ السمّان، محمد عبد الله، حسن البنا الرجل والفكرة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الاعتصام 1978 م، ص 31.
4ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 19.
5ـ دبعي، رائد محمد عبد القادر، أساليب التغيير السياسي لدى حركات الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة: الإخوان المسلمين في مصر نموذجا، نابلس، فلسطين، أطروحة ماجستير مقدمة إلى جامعة النجاح الوطنية 2012 م.ص 54.
6ـ ـ علي، عبد الحليم، الإخوان المسلمون: قراءة في الملفات السرية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2013 م، ص 276 و 277.
7ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 151.
8ـ علي، عبد الحليم، الإخوان المسلمون: قراءة في الملفات السرية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 13.
9ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 143.
10ـ بنعبدلاوي، مختار، الإسلام المعاصر: قراءة في خطابات التأصيل، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى، دار معد للمطبوعات والنشر 1998 م.، ص 200 و 201.
11ـ الوصيفي، علي السيد، الإخوان المسلمون بين الابتداع الديني والإفلاس السياسي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار المشارق الإسلامية 2010 م، ص 571.
12ـ يوسف، بشار حسن، و علي، وجيه عفدو، مفهوم العنف عند الحركات الإسلامية: جماعة  الإخوان المسلمين في مصر نموذجا، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، الصادرة عن كلية التربية جامعة بغداد، المجلد 11، العدد الأول، ص 557.
13ـ عماد، عبد الغني، الإخوان المسلمون بين مرحلتين: الناصرية والساداتية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 37، 2013 م، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، ص 58.
14ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر،  مصدر سبق الإشارة إليه، ص 207.
15ـ نفس المصدر، ص 235.
16ـ نفس المصدر، ص 253.
17ـ نفس المصدر، ص 283.
18ـ السعيد، رفعت، حسن البنا: متى وكيف ولماذا؟، دمشق، سوريا، الطبعة العاشرة، دار الطليعة الجديدة 1997 م، ص 211.
19ـ نفس المصدر، ص 216.
20ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر،  مصدر سبق الإشارة إليه، ص 293.
21ـ السيد، عاطف، عبد الناصر وأزمة الديمقراطية: سطوة الزعامة وجنون السلطة"، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى، مكتبة الإسكندرية 2002 م، ص  74.
22ـ تمام، حسام، الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، دار الشروق 2013 م، ص 81.
23ـ نفس المصدر، ص 83.
24ـ عماد، عبد الغني، الإخوان المسلمون بين مرحلتين: الناصرية والساداتية، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 37، 2013 م، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، ص 83 و 84.
25ـ علي، عبد الحليم، الإخوان المسلمون: قراءة في الملفات السرية، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 357.
26ـ يونس، شريف، سيد قطب والأصولية الإسلامية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار طيبة للنشر 1995 م، ص 259.
27ـ عماد، عبد الغني، الإخوان المسلمون بين مرحلتين: الناصرية والساداتية"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 96.
28ـ أبو هنيّة، حسن، مصر..خيبة رهانات عنف الإسلام السياسي،  مركز "الجزيرة" للدراسات، الدوحة، قطر، تشرين الأول/ أكتوبر 2013 م.  الرابط على شبكة الإنترنت: http://studies.aljazeera.net/issues/2013/10/201310110842438504.htm
29ـ بشارة، عزمي، الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب، والثورة المضادة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر 2013 م، ص 15. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/2c3b5c81-bb62-4e49-b648-2e6aee06268e
30ـ التليدي، بلال، الإسلاميون والربيع العربي: الصعود، التحديات، تدبير الحكم، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مركز إنماء للبحوث والدراسات2012 م، ص 186.
31ـ مركز "الجزيرة" للدراسات، بعد الانتخابات الرئاسية: مصدر في مفترق طرق"، الدوحة، قطر، حزيران/يونيو 2012 م. الرابط على شبكة الإنترنت:  http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2012/06/2012622172525143238.htm
32ـ نفس المصدر.
33ـ نفس المصدر.
34ـ مركز "الجزيرة" للدراسات، مصر: توازنات ما بعد الاستفتاء وإقرار الدستور، الدوحة، قطر، كانون الأول/ديسمبر 2012. الرابط على شبكة الإنترنت: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2012/12/2012123013233689669.htm
35- Pott, Marcel, Der Kampf um die arabische Seele, Bonn, Deutschland, Bundeszentale für politische Bildung, 2013, S 119.
36ـ الطويل، أماني، معركة حكم مصر بين الجيش والإخوان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، ص 8. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/0b5d0cf6-8337-4d28-91a6-8aa2035dcb79
37ـ بشارة، عزمي، الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب، والثورة المضادة، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 16 و17.
38ـ عرفات، إبراهيم، الانتقال الديمقراطي: قراءة في تجربة مصرية جديدة، موقع "الجزيرة. نت" على شبكة الإنترنت. الرابط: http://studies.aljazeera.net/files/arabworlddemocracy/2013/01/2013124132229206356.htm
39ـ أبن أبي العينين، أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم، الكواشف الجلية في حكم الثورات العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، بدون أسم دار النشر 2012 م، ص 212.
40ـ بو ناصيف، هشام، عودة إلى صهوة الجواد: النخبة العسكرية وحسابات السلطة في مصر، مركز "الجزيرة" للدراسات، الدوحة، قطر، تشرين الثاني 2013 م. الرابط على شبكة الإنترنت: http://studies.aljazeera.net/reports/2013/11/2013114105155595205.htm
41ـ نفس المصدر.
42ـ عوّاد، هاني، مصر بعد رابعة العدويّة: احتجاجات مستمرة ومرحلة انتقالية إلى أجل غير مسمى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، تشرين الثاني/نوفمبر 2013 م. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/f985bbc9-a56b-474e-bada-669cc1bfdaf3
43ـ العناني، خليل، جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة بعد مرسي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، أيلول/ سبتمبر 2013 م. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/c8e934fc-d3b4-4038-bf16-c6846b2413a7
44- Salem, Suhaib, Ägyptisches Gericht verbietet Muslimbruderschaft, die Zeit, 23,09,2013.
45ـ الطويل، أماني، معركة حكم مصر بين الجيش والإخوان، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 106 و 107.
46ـ العناني، خليل، جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة بعد مرسي، مصدر سبق الإشارة إليه.
47ـ الطويل، أماني، معركة حكم مصر بين الجيش والإخوان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، ص 8. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/0b5d0cf6-8337-4d28-91a6-8aa2035dcb79
48ـ العناني، خليل، جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة بعد مرسي، مصدر سبق الإشارة إليه.
49ـ الطويل، أماني، معركة حكم مصر بين الجيش والإخوان، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 9.
50ـ عوّاد، هاني، مصر بعد رابعة العدويّة: احتجاجات مستمرة ومرحلة انتقالية إلى أجل غير مسمى، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 3.
51ـ أبو هنيّة، حسن، مصر..خيبة رهانات عنف الإسلام السياسي، مصدر سبق الإشارة إليه.
52ـ مركز "الجزيرة" للدراسات، " اللعب بالنار: مزالق الخيار الأمني في مصر"، الدوحة، قطر، شباط/فبراير 2014 م. الرابط على شبكة الإنترنت: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2014/02/201421010827408974.htm
53ـ يوسف، السيد، الإخوان المسلمون وجذور التطرف الديني والإرهاب في مصر، مصدر سبق الإشارة إليه ص 282.


* باحث في الإسلام السياسي. من فريق عمل المركز الكردي للدراسات.

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net

http://www.nl-k.net

http://www.nl-k.com