Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

طارق حمو *  
سنبحث في دور جماعات الإسلام السياسي في بدايات مسيرة التحولات والتطورات الأخيرة في الدول العربية التي شهدت انتفاضات جماهيرية ضد الحكام المستبدين. وسنخوض في كيفية تعامل هذه الجماعات مع التحولات في أسابيعها وشهورها الأولى، وتحالفاتها الداخلية والخارجية، في إطار مساعيها الرامية لاستلام الحكم في بلدان التحولات، وتطبيق برامجها وأفكارها القائمة على الشريعة وأحكامها.

ففي تونس وبعد فرار الرئيس زين العابدين بن علي وتخليه عن الحكم، استولى الجيش على الحكم، وأصدر بيانا طالب فيه الشعب بالهدوء إلى حين تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة في انتخابات عامة تجري في شهر تشرين الأول/نوفمبر 2011 م بينما قضت المحكمة الدستورية أن يكون رئيس البرلمان فؤاد المبزع هو الرئيس المؤقت، وقد أدى المبزع اليمين الدستورية في 15 كانون الثاني/يناير 2011 م، وقد طلب المبزع الذي كان قريبا من الجيش ويحظى بدعمه من محمد الغنوشي تشكيل حكومة ائتلافية إلى حين إجراء الانتخابات. ألا أن القوى الديمقراطية واليسارية ونقابات العمل رفضت ذلك لأن الغنوشي كان رئيسا للوزراء طيلة الأثني عشر سنة الماضية، حيث ضمت تشكيلة حكومته العديد من رجالات الحكم السابق.
واستمرت المظاهرات في العديد من المناطق، مطالبة باستقالة الرئيس الجديد والحكومة وتقديم أنصار بن علي إلى المحاكمة ومحاسبتهم على فترة الحكم السابقة. ولم تفد استقالة هؤلاء في تهدئة الشارع. وكان تصريح قائد الجيش الجنرال رشيد عمار الذي قال فيه ب"أن ثورة الشعب هي ثورة الجيش وهو سيحميها"، كافيا لقطع الطريق أمام أنصار بن علي من التفكير بالعودة إلى الحكم من زاوية "الثورة" هذه المرة. وقد أجبر هذا التصريح " قوات أمن النظام على التخلي عن نيتها في التمسك بالسلطة. حيث إن رفض الجيش أن يطلق النار على المدنيين هو سبب خروج بن علي النهائي، كما أن إصراره على تجاوز بن علي هو الذي مهد الطريق لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة برئاسة الوزير من عهد بورقيبة، الباجي قايد السبسي، ابن الرابعة والثمانين سنة. وقد حل أخيرا حزب بن علي الحاكم، التجمع الدستوري الديمقراطي، بأمر قضائي في آذار/مارس 2011 م" (1).
ورغم إن المظاهرات لم تتوقف جراء توق الناس إلى التغيير السريع وقطف ثمار انهيار نظام بن علي وانتصار إرادة الشعب سريعا، بالإضافة إلى المطالبة بسرعة إنهاء وجود مظاهر النظام السابق ومحاكمة رموزه، إلا أن انتفاضة الشعب التونسي سارت على طريقها المأمول، حيث أجريت الانتخابات بمشاركة كل القوى السياسية في البلاد.
وعند الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات وتراخي قبضة أجهزة الأمن والاستخبارات وتصريحات الجيش بالوقوف في صف الشعب ضد النظام السابق والموافقة الضمنية على محاكمة رموزه واجتثاث تركته، تقوّت شوكة الإسلاميين وازدادت آمالهم (حركة النهضة والسلفيين بكافة تياراتهم) حيث بدأ تدخل هؤلاء علنا في الحياة العامة ومحاولة بعضهم (خصوصا تيارات محددة من السلفيين) فرض برنامجهم الرامي إلى أسلمة الدولة بقوة السلاح والعنف، ومن هنا " ففي تشرين الأول/أكتوبر 2011 م بدا واضحا وضوح الشمس أي أجندة ستنتصر في النهاية. ففي هذا الشهر تدفق حشد من السلفيين على إحدى الجامعات في مدينة "سوسة" التونسية، وهددوا أحد الأساتذة بالخناجر والعصي بعد أن رفض المسئولين في الجامعة دخول طالبة ترتدي النقاب. وبعد أسبوع تعرضت إحدى المحطات التلفزيونية للهجوم، بعد أن بثت فيم رسوم متحركة أعتبره المتشددون مسيئا للدين(..) وفي الجمعة التالية تدفق عشرات الآلاف من الإسلاميين المتشددين إلى شوارع العاصمة وغيرها من المدن الكبرى بعد أن أثار أئمة الصلاة حميتهم. كانت هذه أكبر مظاهرة شهدتها تونس منذ الإطاحة ببن علي، وفيها دعت الهتافات، التي أطلقتها حشود من الملتحين الملوحين بالأعلام واللافتات ذات الشعارات الإسلامية، إلى إقامة دولة إسلامية" (2).
من جهتها بدأت حركة النهضة، بقيادة راشد الغنوشي، (وهو زعيم إسلامي تونسي لاقى اضطهادا وملاحقة من نظام بن علي واضطر لمغادرة تونس هربا من البطش، وعاش لاجئا في الغرب لأعوام طويلة)، بدأت بترتيب أوراقها ووضع خطة عمل ممنهجة من أجل السيطرة على الحكم في تونس وتطبيق برنامجها الرامي إلى أسلمة الدولة وبناء دولة إسلامية، لكن وفق نموذج يراعي الخصوصية التونسية، ومن هنا و" لما كانت الحركة ضحية للممارسات القمعية في عهدي بورقيبة وبن علي، فإن أهم ميزة تتمتع بها الآن سجلها النظيف. استغلت الحركة هذا الأمر أفضل ما يكون بأن دأبت على إحياء ذكرى "شهدائها" في ميادين البلاد من أقصاها إلى أقصاها. الغنوشي نفسه يحاط بالحشود في التجمعات الحاشدة وكأنه نجم شهير. وفي كل مرة يعود المراقبون من تونس مبهورين بزعامة الغنوشي، وبمدى تنظيم حركة "النهضة" وكفاءة تمويلها" (3).
لقد عملت حركة النهضة على مدار الساعة مستغلة الاضطرابات وحجم الترقب والآمال الكبيرة للتغيير، فقدمت نفسها على أنها "المخلص" و"الوريث الشرعي" للحراك الجماهيري المطالب بالإصلاح الشامل، حيث فعّلت الجوامع وركزت على التجمعات السكانية الموالية لفكرها، وحضّت الجميع على المشاركة في الانتخابات من أجل تغيير وجه الدولة، وتحقيق العدالة وتطبيق الشريعة، وأيقنت بأن جمهورها المنظم كاف لكي يؤمن لها الأغلبية ضمن الكتلة المشاركة في الانتخابات، في ظل تشتت وضعف وقلة خبرة القوى الديمقراطية واليسارية الأخرى " في تشرين الأول/ أكتوبر 2011 م عندما أجٌريت أول انتخابات قومية تونسية بعد الثورة، استحوذت حركة "النهضة" على المجلس الاستشاري بعد الفوز بأكثرية 42% من إجمالي الأصوات. بلغ إجمالي عدد الناخبين 80%، لكن ليس 80% من إجمالي عدد السكان، كما ادعت وسائل الإعلام الغربية، بل 80% من نسبة  ال 50% الذين كلفوا أنفسهم عناء تسجيل أسمائهم في القوائم الانتخابية. بعبارة أخرى، فازت حركة "النهضة" مع أن أكثر من 80% ممن بلغوا سن التصويت من التونسيين لم يصوتّوا لها" (4).
وفي التعرف على أسباب النصر، يجب البحث في خطاب حركة النهضة وأسلوب عملها وحشدها للجماهير والعزف على أكثر من وتر، واستغلال الجو العام وحالة التشتت والتشظي والضعف التي تعاني منها القوى المنافسة، إذن كان للنصر أكبر من سبب، ولعل من أكبرها "رصيد المظلومية السياسية، حيث ظلت النهضة في مخيال ووجدان الشعب التونسي، التنظيم الذي عانى أكثر من غيره من الاستئصال وحملات القمع والتضييق والتهجير والتغريب. ولعل في رصيد قيادات النهضة الذين تم اعتقالهم لأكثر من عشر سنوات الإشعاع الكبير الذي ضمن الالتفاف الجماهيري حولهم في كل التراب التونسي" (5).
وللحق لا يمكن فصل خطاب حركة النهضة عن شخصية رئيسها راشد الغنوشي، والذي بات يقدم نفسه كوجه حضاري للحركة الإسلامية الأصولية الأقوى في تونس والمسماة بحركة النهضة، فالرجل وضع أساسا واضحا وبرنامجا ذكيا، كبح من خلاله جماح رفاقه في الإسراع على كرسي الحكم والسلطة، وهو يراعي التوازنات الداخلية والخارجية، ويريد التغلغل بشكل بطيء، لكن سلس ومنهجي، في مؤسسات الدولة والنيل من "الدولة العميقة" التي كانت مؤيدة لعشرات السنين لبن علي ونظامه، من الداخل. والغنوشي يستفيد من التطوّرات في البلدان العربية المجاورة ومراقبة تجارب أقرانه من الإسلاميين، وردود فعل المجتمعات العربية والقوى الداخلية والخارجية تجاههم.
والمراقب لخطاب الغنوشي سيرى حجم "الاعتدال" الذي طرأ عليه، وخصوصا بين "الأسس النظرية" للإسلام السياسي، والتي كان يطرحها في كتبه ومقابلاته وتصريحاته، وبين "التطبيق العملي" كحركة سياسية يقودها ومضطرة للتعامل مع التطورات الكثيرة في المشهد السياسي التونسي المتغيّر. وبهذا يحاول الغنوشي إيجاد قطيعة مع آراء سابقة له، وصفت بالمتطرفة حول دولة الشريعة والحاكمية لله، ويصوّر نفسه معتدلا ومتأثرا بتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، ف"بسبب خلفيته الأصولية، كانت المقارنات تٌعقد بين عودته إلى تونس وعودة آية الله الخميني من منفاه إلى إيران. اختطف الخميني ثورة شنها ائتلاف متعدد الأطياف ينادي بالديمقراطية لا علاقة له به، وفي النهاية حوّل إيران إلى واحدة من أسوأ الأنظمة الإسلامية وأكثرها قمعا في المنطقة. وبالقدر نفسه من السرعة رفض الغنوشي هذه المقارنة، وتساءل: لماذا يشبهني الناس بأسامة بن لادن أو الخميني في حين أنا أقرب إلى أردوغان؟" (6).
ومن من الواضح أن في خطاب حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي ميلا واضحا لتطبيق مبادئ محددة من الديمقراطية والحرية، وهو ما يتناغم مع مطالب الجماهير التي ثارت على بن علي وحطمت نظامه، لكن بشرط ألا يتعارض هذا التطبيق مع الشريعة وتوق جمهور الحركة وأنصارها لتطبيق النظام الإسلامي ومحو القوانين التي سنّها نظام بن علي بشكل تعسفي.
ويعي الغنوشي جيدا التوازنات الخارجية والداخلية وحجم وقوة اللاعبين السياسيين ومساحة المناورة الواضحة أمامه وأمام حزبه من أجل تطبيق الأهداف التي ناضل هو شخصيا من أجلها عشرات السنين، وسٌجن ونٌفي من وطنه طويلا، ومن هنا فقد " استنتج راشد الغنوشي، قبل عشرين سنة من الربيع العريي، بأن الديمقراطية هي أفضل وسيلة لمواجهة الأنظمة الديكتاتورية، وأنها أكثر جدوى من الدعوة إلى الجهاد أو تطبيق الشريعة" (7).
وتظل الحالة التونسية فريدة ضمن حالات البلدان العربية التي شهدت تحولات بنيوية جراء الانتفاضات الجماهيرية ضد الطغم الحاكمة، حيث كانت مؤسسات الدولة مستقلة نوعا ما عن ماهية وطبيعة النظام السياسي، وانحازت هذه المؤسسات وعلى رأسها الجيش إلى الشعب، ومن ثم حاولت قوى المعارضة التي كانت موجودة في ظل جو قامع، استعادة زمام المبادرة والمساهمة في خلق واقع سياسي صحي يرتكن فيه الجميع إلى صناديق الاقتراع، ولم تجري مواجهات بين فئات الشعب أو القوى السياسية أو الجيش والمعارضة، ولم يتسلح الحراك مثلما حصل في ليبيا وسوريا مثلا.
الفسحة المتاحة في الحراك السياسي والهدوء النسبي والموازنة الدقيقة، إلى جانب شخصية الغنوشي ذات الخبرة الطويلة وتجربته مع نظام القمع، وإطلاعه على تجارب جماعات الإسلام السياسي في أكثر من بلد، والتعرف على أسباب الانتصارات والانكسارات، هو ما جعل لتجربة حركة النهضة الإسلامية في تونس لها معنى خاص، ومن هنا فقد كان "الواقع هو أن ما يدعم رصيد حزب النهضة في الشارع التونسي هو تبنيه أفكار زعيمه ومؤسسه راشد الغنوشي، الذي لا يجد حرجا في الجمع والتوفيق ما بين القيم والأحكام الإسلامية وبين قيم ومبادئ الدولة المدنية والتعددية السياسية وتداول السلطة واحترام حقوق الإنسان وغيرها" (8).
لكن تبقى القوى السياسية المعارضة لخطاب ونهج حركة النهضة لها بالمرصاد، وهي عادة، تحاول تحميّل هذه الحركة وزر الأعمال الإرهابية والتخريبية التي تقوم بها مجموعات جهادية متطرفة، بعضها على صلة بتنظيم "القاعدة"، وذلك من أجل تخويف الشعب من خطاب هذه الحركة وتصوير سياستها بأنها "وجه آخر ناعم" لأعمال العنف، لكن الأهداف في الحقيقة هي واحدة، وتبقى في "السيطرة على تونس وبناء دولة إسلامية فيها"، ومن هنا فقد كانت "حادثتا الاغتيال السياسي اللتان شهدتهما تونس في شباط/فبراير، ثم في تموز/يوليو 2013 م هما أكبر الأحداث التي زادت من حدة التوتر الذي بلغ حد المطالبة بالمحاسبة أو إيقاف المسار الانتقالي. فخلال هاتين الحادثتين تم اللجوء أكثر من أي وقت مضى إلى اعتماد الشارع كوسيلة في التفاوض أو في تدبير هذه المرحلة. وتوّجت هذه التناقضات المتزايدة بالانتقال إلى مرحلة أكثر خطورة بعد الانقلاب الذي عرفته مصر، والذي أفضى إلى إزاحة الرئيس المنتخب" (9).
وفي مصر يمكن الحديث عن جماعات الإسلام السياسي، وبشكل خاص جماعة الإخوان المسلمين الأقوى والأكثر تنظيما وحضورا، حيث ترددت هذه الجماعة كثيرا منذ بدايات الانتفاضة ضد حكم حسني مبارك إلى حين إعلان هذا الأخير تنحيه عن السلطة. فالواضح أن الجماعة لم تكن تظن بان نظام مبارك، والمؤسسات المتجّذرة التي وطدّها حزبه في بنية الدولة، سوف يرضخ سريعا لبعض المظاهرات، فيلجأ إلى الإصلاح، ناهيك عن الاستقالة والرحيل. لذلك كانت الجماعة حذرة في التعامل مع التطورات، ومن هنا و"على الرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين بقيادتها وشبابها كانت أكثر ضحايا قمع النظام، فإن موقفها من إعلان يوم 25 كانون الثاني/يناير 2011 م لحظة بدء التغيير، قد شابه كثير من التردد والاضطراب. فصدرت عنها تصريحات شفهية تتحفظ على المشاركة، وأخرى تعلن أن الجماعة لم تتلق دعوة إلى المشاركة وأنها ما زالت تدرس الوضع، وثالثة تعلن أن المشاركة ستكون عبر بعض القيادات، وأنها لن تمنع شباب الجماعة من النزول إلى التظاهر، أي أنها أيضا لن تطلب منهم المشاركة" (10).
ويتهم المفكر الاقتصادي اليساري سمير أمين الجماعة بأنها كانت تحتكر الخطاب الإسلامي بل وتشرف عليه بمهمة موكلة من نظام حسني مبارك نفسه، أي أن الجماعة كانت متحالفة بشكل أو بآخر مع النظام، وكانت جزءا من منظومته، فلم تكن معارضة تنشد التغيير الديمقراطي والثورة بأي حال من الأحوال، لذلك تأخرت في الانضمام إلى الحراك الجماهيري المناهض لحكم مبارك ونظامه والمطالبة بالتغيير الشامل، ومن هنا فإن "النظام، السادات ثم مبارك، هو الذي أعطى للإخوان ما يكاد يكون الانفراد في حق ممارسة الخطاب السياسي، كما أنّ النظام قد سلم للإسلام السياسي(أي في واقع الأمر للإخوان) مسؤوليات قيادية في "أسلمة السياسة والمجتمع" من خلال سيطرتهم على التعليم والقضاء والإعلام. فالإخوان جزء لا يتجزأ من النظام" (11).
إذن ففي بداية الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية في مصر، اكتفت جماعة الإخوان المسلمين بإصدار البيانات التي تطالب النظام بالإصلاح والخضوع لمطالب الجماهير، مبتعدة عن التصعيد والخطاب الناري المطالب برحيل النظام أو محاكمة مبارك وأعوانه، مثلما كانت المظاهرات والميادين تطالب بذلك.
كانت الجماعة تنتقي مفردات خطابها وبياناتها بدقة وتحاول ألا تضع كل أوراقها في سلة واحدة، أو تراهن عن محور واحد، حتى ولو كان هذا المحور هو الحراك الجماهيري الواضح والمتصاعد ضد النظام، والمنبهر بنتائج الانتفاضة التونسية وفرار زين العابدين بن علي، ومن هنا " لم تعلن الجماعة في بياناتها الرسمية الدعوة إلى إسقاط النظام سوى في بيانها الصادر يوم الاثنين 31 كانون الثاني/يناير 2011 م، ولم تستخدم فيه مفردة "إسقاط"، على الرغم من أنها المفردة الرئيسة المرفوعة في ساحات الثورة، بل إنها استخدمت، عوض ذلك، مفردة "ترك". وقد دعت في بيانها ذلك إلى استمرار الاحتجاجات الشعبية حتى "يترك هذا النظام كله السلطة برئيسه وحزبه ووزرائه وبرلمانه. كما ظلت بيانات الجماعة، تستخدم مفردة "انتفاضة" في إشارتها إلى الحالة الثورية. ولم تستخدم مفردة "ثورة" سوى في بيانها الصادر في 2 شباط/فبراير 2012 م، واتضح مجددا هذا التردد والارتباك في تقييم حجم التحول السياسي الذي تعيشه مصر وطبيعة المشهد الثوري في الميادين، من خلال قبول الجماعة دعوة نائب الرئيس عمر سليمان إلى الحوار في يوم 4 شباط/فبراير 2012 م" (12).
لقد تفاجأ الإخوان المسلمون بالحراك الجماهيري المصري، مثلهم مثل العديد من القوى السياسية المعارضة الأخرى، ولم يعرفوا كيف يتصرفون بشكل سريع وحاذق مع التطورات على أرض الميدان، وهذا الأمر، في نظر الباحث الألماني، المصري الأصل، حامد عبد الصمد يعود إلى سبب واحد وهو " إن الإخوان كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم بأنهم ليسوا أصحاب هذه الثورة. ليس هم من قاموا بها وبالتالي لا يحق لهم قيادتها. هم منذ 80 عاما يعدون الشعب المصري ب"ثورة إسلامية"، ولكن هذه الثورة لم تأت. بل جاءت ثورة أخرى، قادها شباب "الفيسبوك" وحملت مطالبا أخرى، لم يملك الإخوان سوى السير خلف هذه الثورة والمشاركة فيها" (13).
وشيئا فشيء بدأ الإخوان يشعرون بالأمان في ظل انخراط النظام والقوى الشبابية والديمقراطية وشباب "الفيسبوك" في المواجهة والتصعيد، حيث ظهر جليا أن الإخوان بدءوا يزيدون من مشاركتهم غير المعلنة وغير الرسمية في المظاهرات ويحاولون فرض اللون الإسلامي عليها، من خلال تزايد مظاهر الحجاب والنقاب والشباب الملتحي والشعارات الإسلامية المحتوى، وأسماء الجمع ذات الوقع الإسلامي..الخ.
ومع كل تنازل قدمه النظام إزاء المتظاهرين والحراك المطالب بالديمقراطية والإصلاح ورحيل النظام ورموزه، كان اللون الإخواني يتضح أكثر وأكثر في الميادين والشوارع في المدن الكبيرة والصغيرة، " عندما استشعر الإخوان المسلمون، الذين يضمرون منذ زمن هدف إقامة دولة إسلامية، دنو اللحظة، زادوا نفوذهم كثيرا في أرض الفراعنة بعد الثورة. فعندما زار يوسف القرضاوي، المرشد الروحي للجماعة الأصولية الذي اشتهر من خلال حديث الأسبوعي التلفزيوني على قناة "الجزيرة"، القاهرة، ألقى خطابا سياسيا على مسامع 5 مليون مؤمن مصري في ميدان التحرير" (14).
ومن هنا، وبعد هذه التطورات الأولية، انطلقت جماعة الإخوان المسلمين صوب السلطة بقوة، حيث أعلنت إنها جزء من "الثورة"، زاعمة بأنها كانت منذ البداية في قيادة الحراك عبر شبكة الشباب المنظمة والقويّة، ومدعيّة تفضيلها اللون الوطني الجامع على "الانعزالية" المتمثلة في لون حزب محدد، وهو الخطاب "الديمقراطي" الذي صّدقه العديدون. وبدا واضحا بأن الإخوان المسلمون هم المستفيدون الأكبر من انهيار نظام مبارك وغياب الحزب الوطني الحاكم بكل مؤسساته، واستعدّت الجماعة لمرحلة ما بعد مبارك لملئ الفراغ والتحول لحركة مدنية تراقب التطورات والأحداث، في سبيل تحقيق هدفها القديم في بناء دولة الشريعة والبدء بأسلمة مؤسسات الدولة عبر اختيار النموذج التركي في ذلك. ومن هنا فقد كان "نصيب جماعة الإخوان المسلمين من ثمار الثورة المصرية واضحا، فالجماعة حققت، ولا تزال، العديد من المكاسب التي لا تخطئها العين، أقلها الحصول على صك الشرعية الذي حٌرمت منه منذ وقع حظرها في تشرين الأول/أكتوبر 1954م، ففي 6 حزيران/يونيو 2011 م جرت الموافقة على إنشاء حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين (..)، وقد أثار الحضور السياسي للإخوان في مرحلة ما بعد الثورة العديد من المخاوف من إمكانية سيطرتهم على الحياة السياسية، وتحديدهم هوية الدولة المصرية وتوجهاتها، وهو ما حدا بالجماعة للدعوة إلى إقامة وفاق وطني من أجل النظر في أولويات المرحلة المقبلة، وتحديد الموقف من القضايا الإشكالية مثل مسألة الدستور الجديد" (15).
وقد استفاد الإخوان المسلمون وبقية جماعات الإسلام السياسي من حضور المسجد في الحراك المناهض للنظام، فكانت التجمعات هناك مرخصة، حيث انطلقت اغلب المظاهرات الكبيرة من المسجد وتعالت الهتافات ذات الوقع الديني، فكانت استفادة الأخوان وبقية التنظيمات عظيمة، " كان للمسجد دور في توحيد مختلف التيارات السياسية المصرية، وهذا ما ظهر في صلاة عيد الفطر خلال عام 2013 م حيث تجمعت مختلف التيارات والقوى السياسيةــ الاشتراكيون والثوريون، وحركة 6 أبريل، وحزب الحرية والعدالة، وحزب الدستور، وعدد كبير من أعضاء الجبهة السلفية، أمام مسجد مصطفى محمود في القاهرة للمشاركة في صلاة العيد وتهنئة المصريين به"(16).
أما الجماعات السلفية فقد وجدت هي الأخرى البيئة المناسبة للظهور والتأطير في أحزاب سياسية تعلن مشاركتها في العملية السياسية، ورغم مزايدات هذا التيار على جماعة الإخوان المسلمين واتهامها بالتفريط بالأهداف الكبرى في تشكيل الدولة الإسلامية وإعلان الشريعة، وظهور اسم "حزب النور" الممثل عن التيار السلفي الأقوى، إلا انهم نأوا بأنفسهم عن الصدام المباشر مع الجيش والقوى الأخرى، تاركين الإخوان لوحدهم في الميدان السياسي. وقد ولد هذا الحزب " من رحم التيار السلفي، وحصل على الشرعية القانونية في شهر حزيران 2011 م بعد أن تجاوز عدد مؤسسيه سبعة آلاف عضو، يقودهم وكيل المؤسسين ورئيس الحزب عماد الدين عبد الغفور. ويمثل برنامج الحزب نقطة تحوّل في الخطاب السياسي للتيار السلفي بوجه عام، إذ يطرح الحزب برنامجا للإصلاح السياسي والاجتماعي والتعليمي، مع تأكيده على التزامه بالمرجعية العليا للشريعة الإسلامية"(17).
وتظهر سياسة جماعة الإخوان المسلمين المصرية المهادنة للنظام، ومن ثم المقتنصة لفرصة الانقضاض على عموم الحراك الديمقراطي وانتفاضة الشباب المصرية المتأثرة بمثيلتها التونسية ومصادرتها بشكل كامل، فمن خطاب "إصلاح النظام" ودعوته للتهدئة والخضوع لمطالب الشارع ومن ثم المشاركة في حواره، إلى خطاب آخر تطوّر مع تصاعد المظاهرات وتنازل النظام، حيث الدعوة إلى وجوب "ترك" النظام للسلطة، إلى أن وصل الأمر بالمشاركة التامة في المظاهرات ومن ثم التصدّر لقيادتها، ومحاولة أسلمتها بكل قوة وفرض اللون الإخواني عليها.
وجاء بعد ذلك تأسيس حزب سياسي أريد له أن يكون واجهة الجماعة وأداتها "الديمقراطية" من أجل تطبيق مشروع الإخوان في أسلمة الدولة، حيث كانت القرارات تأتي من هيئة الإرشاد وليس من مركزية الحزب السياسي، فالمشروع الرامي لتشكيل الدولة الدينية وتطبيق الشريعة، مطروح دائما وينتظر فقط الظروف الداخلية والخارجية الملائمة، وقد تعدى ذلك في مشاركة الإخوان في انتخابات الرئاسة بمرشح إخواني، خلافا للوعود السابقة بعدم تقديم مرشح تابع للجماعة، ومن ثم تسلم السلطة، إلى ساعة انقلاب العسكر عليهم. ومن هنا ف"إن الإسلاميين في مصر وعن طريق تشكيل الأحزاب السياسية، لم يكونوا مهتمين أصلا بمطالب الناس في توزيع الثروة وإحقاق العدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل وضرب التفاوت الطبقي، لا بل في هذا المضمار كانت سياستهم ليبرالية ولا تختلف كثيرا عن سياسة النظام السابق. لكن كل الهم الحقيقي للإسلاميين كان منصبا بالدرجة الأولى على كيفية استلام الحكم والتأثير في بنية الدولة، وتوجيهها، ككل متماسك، إلى الهدف المنشود وهو تطبيق الشريعة وإعلان الدولة الإسلامية"(18).
وفي ليبيا وبعد رهان العقيد معمر القذافي ونظامه على القمع والقتل اختارت القوى السياسية الليبية وفي طليعتها الحركة الإسلامية بمختلف توجهاتها الرد العسكري ومحاولة إسقاط حكم القذافي العسكري باللجوء إلى السلاح، مدفوعين بحالة القمع والخوف من الانتقام الرهيب الذي ينتظر الجميع في حال فشل التمرد. ومن هذا المنطلق فإن " الحيثيات التي دفعت الحركة الإسلامية بجميع مكوناتها إلى الانخراط في الخيار العسكري لتحرير ليبيا تجاوزت الاعتبارات الذاتية، وتجاوزت أيضا المنطلقات الفكرية والسياسية التي يمكن أن تسوّغ هذا التحول، بحيث كانت الاعتبارات الموضوعية محددة بشكل حاسم، فباستثناء الجماعة الإسلامية المقاتلة، التي كانت واضحة في طرح الخيار الجهادي لتحرير ليبيا من نظام القذافي، فإن بقية التنظيمات الإسلامية تداعت إلى هذا الاختيار أو فرض عليها بسبب الحملة العسكرية التي قام بها القذافي لإبادة شعبه"(19).
وكان نظام القذافي في الماضي قد تعامل بعنف منقطع النظير مع جماعة الإخوان المسلمين فعدها الخطر الأكبر على وجوده، ولم يترك لها أي مجال للعمل السياسي حتى تحت اسم آخر، ولم يترك لها هامشا للتواجد ضمن المجتمع في مجال الخدمات وتشكيل الجمعيات الأهلية، كما كانت الحال عليه في مصر مثلا، ففي "عام 1998 م اكتشفت السلطات الأمنية التنظيم، ونفذت اعتقالات واسعة شملت حوالي 150 عضواً، وحكم علي المراقب العام ونائبه بالإعدام، وعلى أعضاء مجلس الشورى بالسجن المؤبد، و علي أعداد أخرى بالسجن لسنوات مختلفة(...)، وظل عدد من الإخوان في الخارج يواصلون نشاطهم، وهم يمتلكون مواقع إلكترونية تعبر عن آرائهم وتعرض نشاطاتهم ومواقفهم. وعند اندلاع ثورة 17 شباط/فبراير 2011 م شارك فيها كثير من الإخوان، بعضهم شن حملات إعلامية وسيّر المظاهرات و الاعتصامات في الخارج ضد نظام القذافي، وعاد بعضهم إلي الوطن وخطط ووفر السلاح، ثم حمله مع الثوار في جبهات القتال، حتى تحقيق النصر المؤزر"(20).
ونتيجة كل هذا التاريخ الدموي في القمع والملاحقة وغياب أي مؤسسات مدينة وأهلية أو ممارسة للديمقراطية والمشاركة في الحكم والإدارة، حيث الغياب التام لأي هامش ديمقراطي، انحاز الإسلاميون للخيار العسكري ووجدوها فرصة لا تعوض لانتزاع الحكم من يد القذافي وأسرته وقبيلته.
وعاد إلى البلاد مقاتلون متطرفون سبق وأن حاربوا في مناطق أخرى من العالم في صفوف التنظيمات المتطرفة مثل "القاعدة"، وكان المشهد متناقضا للغاية ونحن نرى هؤلاء الجهاديين وهم يحاربون القذافي باسم الحرية والديمقراطية، أو"القضاء على الديكتاتورية والحكم الشمولي الفردي"، أحد قادة المتمردين عبد الحكيم بلحاج كان عضوا في الجماعة المقاتلة الإسلامية الليبية منذ التسعينيات. وهذه الجماعة هي أحدى الفصائل الجهادية التي تتبنى العنف، والتي شنت، على مدار عقود، حربا مقدسة ضد نظام القذافي، بغرض إقامة دولة إسلامية. حٌظرت الجماعة دوليا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عندما ذهب زعيمها بلحاج إلى أفغانستان. اعترف بلحاج صراحة أنه جنّد العشرات من أفراد القاعدة لخدمة قضية التمرد في العراق، حيث تشكّل الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة ثاني أكبر جماعة من المقاتلين الأجانب. أضاف بلحاج أن معظم هؤلاء قد انضموا إلى حركة التمرد في ليبيا"(21).
وترقب العالم معرفة هوية القوى الميدانية وتوجهات الكتائب العسكرية المختلفة الانتماء الجغرافي والسياسي، وكان واضحا بان الانتفاضة الليبية ستطرح على المشهد العام شخصيات سياسية وعسكرية جديدة لم يكن أحد قد سمع بها في السابق، منها من كان يخدم نظام القذافي وجزءا من آلة البطش والقمع التي كان يمتلكها، ومنها من كان في الطرف الآخر، مع الإسلاميين المقاتلين، ولها تجارب واضحة في القتال خارج ليبيا، ومن هنا فعندما " تم تشكيل المجلس الانتقالي لم يكن يعرف الكثيرون أعضاء المجلس، فهم أناس غير معروفين. كان هناك تخوف من أن يكونوا من الجهاديين والمتطرفين، ممن لهم علاقات مع "القاعدة". وكانت المعادلة كالتالي: أميركا ومنظمة "القاعدة" في شمال أفريقيا يقاتلون القذافي جنبا إلى جنب. وتساءل الكثيرون: هل هذا هو "الربيع العربي" أن يستولي الإسلاميون الذين اعتادوا ارتكاب المجازر على الحكم، وبمساعدة من أوباما وكاميرون وساركوزي؟"(22).
وشكل الإسلاميون بكل تياراتهم النوّاة الصلبة لقوات المعارضة التي حاربت جيش القذافي وأجهزته الأمنية، ومع دعم حلف (الناتو) وسقوط النظام ظهر بأن القوة العسكرية التي تتوزع على ميليشيات وكتائب كثيرة تتقاطع كلها في هدف واحد وهو تأسيس دولة إسلامية وتطبيق الشريعة، وظهر بأن النخبة السياسية بعيدة كل البعد عن القوى العسكرية المتحكمة بالميدان، وهي قوى عشوائية لكنها تتفق في تحقيق أهداف "الثورة" في تشكيل دولة الشريعة والخلافة، ومن هنا ظهر الخلاف بين المعسكرين، ورفض الإسلاميون إقصائهم من المشهد السياسي وإبعادهم عن الحكم، وعليه فقد " كان من حق الإسلاميين أن يصرخوا بملء أفواههم بأن أية صيغة سياسية مقبلة لا تأخذ في الاعتبار طبيعة الثورة ومجتمعها ومن قدموا التضحيات خلالها لن تكون مقبولة بحال، ومن يعتقد أن بوسعه أن يقول لحملة السلاح "شكر الله سعيكم، سلموا أسلحتكم، وعودوا إلى بيوتكم وانتظروا ما سنفعل"، من يعتقد أن بوسعه أن يفعل ذلك واهم إلى حد كبير، لأن الليبيين لن يقبلوا قذاذفة من نوع جديد بأي حال" (23).
وحاول الإسلاميون النفاذ إلى بنية الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية عبر إغراقها بأعداد كبيرة من أنصارهم ومؤيديهم، وهو ما شكل تحد كبير للنخب السياسية التي تطلعت إلى بناء دولة ديمقراطية مدينة، ومع هذه السياسة من قبل الإسلاميين " ظهر جليا أن المشاكل الأمنية تزداد تعقيدا مع استمرار الفشل والعجز الحكوميين. يدل على ذلك عدد المجموعات المسلحة والمسجلين كثوار، حيث تضاعف عدد المجموعات المسلحة عدة مرات بعد الإعلان رسميا عن تحرير البلاد وتوقف القتال في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 م وبلغ عدد المقيدين لدى اللجنة الأمنية العليا التابعة لوزارة الداخلية نحو 143 ألفا، فيما لم تتعد التقديرات الرسمية لأعداد من حملوا السلاح ضد القذافي وخاضوا المعارك ضد كتائبه سوى 30 ألف مقاتل. في الحين الذي بدا أن خطط الحكومتين: الانتقالية (حكومة عبد الرحيم الكيب)، والمؤقتة (حكومة علي زيدان) ضعيفة الأثر، وتجلى ذلك في غياب تطورات ملموسة على أرض الواقع خصوصا فيما يتعلق ببناء الشرطة والجيش"(24).
وبدأت الحكومة تضع محاربة الفكر السلفي الجهادي والحد من نفوذ جماعات الإسلام السياسي على رأس أجندتها عقب حادثة الهجوم على السفارة الأميركية وقتل السفير كريستوفر ستيفنز.
وبعد انقلاب الجيش المصري على جماعة الإخوان المسلمين، والتي استلمت السلطة في مصر عن طريق الانتخابات، ازداد مخاوف الإسلاميين وفي المقدمة منهم جماعة الإخوان الليبية، حيث بدأ التفكير بشكل أكثر وضوحا على ضرورة التمتع بالقوة العسكرية والتنظيم المسلح للرد على أي محاولة ترمي إلى تهميش دور الإسلاميين في الحكم والإدارة وإفشال مخططهم في بناء دولة دينية قائمة على الشريعة الإسلامية في البلاد، وفي هذا السياق " يحاول الإسلاميون السيطرة على طرابلس وضواحيها عسكريا باستخدام كتائب مسلحة إضافة إلى كتائب مصراتة، بينما تٌترك بنغازي ومناطق أخرى كمدينة درنة لعبث تيارات متشددة. وكان يفترض تكليف هذه الكتائب بتحقيق الأمن في تلك المناطق، لا التمسك بالسيطرة على طرابلس، مما يعزز دعاوى تهميش الشرق الليبي وتجاهل الوضع الخطير في الجنوب، بما يوفر لدعاوى الفيدرالية أو الانفصال في إقليمي برقة و فزان"(25).
وفي أول اختبار ديمقراطي لقوة الإسلاميين ما بعد نظام القذافي عبر الانتخابات، جاءت النتائج مفاجئة وتعكس إلى حد كبير الهوّة الكبيرة بين الخطابين السياسي والعسكري لجماعات الإسلام السياسي الليبية. لقد مٌني الإسلاميون بهزيمة منكرة في انتخابات تموز/يوليو 2012 م وتعود أسباب هزيمة حزب البناء والتنمية الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين إلى عدة أمور منها: " ممارسات أنصار الشريعة وخاصة في مدينة بنغازي خلال الشهرين الماضيين حيث دأبوا على استعراض قوتهم العسكرية عبر سلسلة مظاهرات مطالبة بتطبيق الشريعة واغلب تلك المظاهرات اكتست طابعا عسكريا تمثل في الحضور الكبير للمسلحين بمختلف أنواع الأسلحة، ولم يترددوا عن الرماية في الهواء في وقت كانت الناس قد ملت أصوات الرصاص ومناظر القتل وأخبار الحرب والقتال(..)، أما ثاني الأسباب فيكمن في أن تحالف القوى الوطنية الذي قاده محمود جبريل، رئيس الوزراء السابق، يمثل تيارات وآراء سياسية مختلفة ومتباينة أحيانا إلا أنها تمكنت من الالتقاء حول أجندة وطنية واسعة وشاملة وغير مقيدة بأي بعد أيدلوجي(...)، فجبريل أدرك مبكرا أن قانون الانتخابات يحابي التنظيمات السياسية الكبرى ولهذا السبب عمل بلا كلل على توحيد ما يزيد عن 60 حزبيا سياسيا صغيرا خاصة في غرب ليبيا ووسطها. والسبب الثالث وراء خسارة الإسلاميين يكمن في حقيقة أن كمية كبيرة من العنف خاصة في المدن الكبرى وتحديدا طرابلس بعد نهاية الحرب ارتكبتها مليشيات مصنفة على إنها إسلامية أو قريبة من التيارات السياسية الإسلامية"(26).
وهناك من يتحدث طبعا، علاوة على الأسباب الآنفة التي تقف وراء هزيمة الإسلاميين في الانتخابات، عن أمور ذاتية تتعلق بقلة خبرة التيار الإسلامي في مجال الانتخابات واللعبة الديمقراطية وطريقة حشد الجماهير والتأثير في قرارها، بمعنى إن الإسلاميين الليبيين لم يكونوا بنفس خبرة وحذاقة أقرانهم في تونس ومصر، حتى يستطيعوا التأثير في الناس وحصد أكبر قدر ممكن من الأصوات، فالتجربة متواضعة قياسا بتجارب الآخرين، وذلك لأن النظام السابق منع كل أشكال الانتخاب والمشاركة والمجتمع المدني الأهلي، وعليه ف" التيارات الإسلامية الليبية حديثة عهد بسياسة والانتخابات، مثلهم مثل باقي الليبيين لم يعرفوا انتخابات لأكثر من نصف قرن، ولم يتمرسوا على إدارتها وخوضها، والتيار الإسلامي الليبي كان مضطهدًا بشدة من الطاغية القذافي، أغلب نشاطاته تتم بسرية بالغة خوفًا من تنكيل الطاغية، كما أن غالب التيار الإسلامي الليبي كان منتميًا للتيار الجهادي الذي لا يؤمن أصلاً بالعملية السياسية برمتها وخصوصًا الانتخابية منها" (27).
المصـــــــادر:
1ـ بشارة، مروان، العربي الخفي: وعود الثورات العربية ومخاطرها، ترجمة: موسى الحالول، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار العربية للعلوم ناشرون 2013 م، ص111.
2ـ آر برادلي، جون، ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط، ترجمة: شيماء عبد الحكيم طه، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، كلمات عربية للترجمة والنشر 2013 م، ص 52.
3ـ نفس المصدر، ص 48.
4ـ نفس المصدر، ص 52.
5ـ التليدي، بلال، الإسلاميون والربيع العربي: الصعود، التحديات، تدبير الحكم، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مركز إنماء للبحوث والدراسات2012 م، ص 180.
6ـ آر برادلي، جون، ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط،  مصدر سبق الإشارة إليه، ص 46.
7ـ الهويريني، وليد بن عبد الله، عصر الإسلاميين الجدد: رؤية لأبعاد المعركة الفكرية والسياسية في حقبة الثورات العربية"، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، إصدار خاص 2013 م، ص 113.
8ـ عودة، جهاد، الثورات العربية وأثرها على طبيعة التغير الدولي: بناء الإشكالية، القاهرة، مصر، بدون اسم دار النشر، 2013 م، ص19.
9ـ اليعقوبي، مراد، تونس: تأثير البنية والتاريخ في سلوك الفاعل السياسي، الدوحة، قطر، مركز "الجزيرة" للدراسات،11 أيلول/سبتمبر 2013م الرابط على شبكة الإنترنت:  http://studies.aljazeera.net/issues/2013/09/201391185444735539.htm
10ـ القديمي، نواف، الإسلاميون وربيع الثورات: الممارسة المنتجة للأفكار، الدوحة، قطر، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص 15. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/881543a9-bcf9-4893-bedc-7733797beabc
11ـ أمين، سمير، ثورة مصر وعلاقتها بالأزمة العالمية، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى، دار العين للنشر 2011 م، ص 30.
12ـ القديمي، نواف، الإسلاميون وربيع الثورات: الممارسة المنتجة للأفكار، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 16.
13- Abdul-Samed, Hamed, Krieg oder Frieden: Die arabische Revolution und die Zukunft des Westens“ Verlag: Droemer HC (4. Oktober 2011, S 49.
14ـ آر برادلي، جون، ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 65.
15ـ العناني، خليل، دور الدين في "المجال العام" في مصر بعد ثورة 25 يناير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، آذار/مارس 2012 م، الدوحة، قطر،  ص 25 و 26. الرابط على شبكة الإنترنت: http://www.dohainstitute.org/release/1736a5e1-1cf6-435b-9bdc-e233ce348bbd
16ـ خميس أحمد عبده، هاني، الدين والثورات السياسية: الحالة المصرية نموذجا، مجلة (رؤى إستراتيجية)، الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، حزيران/يونيو 2013 م، ص 48.
17ـ العناني، خليل، دور الدين في "المجال العام" في مصر بعد ثورة 25 يناير، مصدر سبق الإشارة إليه، ص35..
18- Habashi, Gabriele, Das neue Ägypten: Wege zur Demokratie“, Wien, Österreich, Edition Steinbauer, 2012, S 124.
19ـ التليدي، بلال، الإسلاميون والربيع العربي: الصعود، التحديات، تدبير الحكم، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 123.
20ـ الرقيعي، الصادق، الإسلاميون في ليبيا: تاريخ وجهاد"، موقع "المنارة للإعلام"، الرابط على شبكة الإنترنت:
 http://www.almanaralink.com/press/2011/12/6352/6352/
21ـ ـآر برادلي، جون، ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 95.
22- Olschweski, Malte, Arabischer Frühling, Berlin, Deutschland, Kai Homilius Verlag 2012, S 112.
23ـ  الزعاترة، ياسر، الإسلاميون في ليبيا الجديدة، صحيفة "الدستور" الأردنية، عدد 3/11/2011 عمان، الأردن.
24ـ بسيكري، السنوسي، ليبيا: التحديات الأمنية وانعكاساتها على العملية السياسية"، مركز "الجزيرة" للدراسات، الدوحة، قطر. 5 أيار/مايو 2013 م. الرابط على شبكة الإنترنت: http://studies.aljazeera.net/reports/2013/05/20135592422219718.htm
25ـ مجموعة باحثين، "ليبيا تنامي صراع المصالح الضيقة يهدد الكيان الهش"، " مركز "الجزيرة" للدراسات، الدوحة، قطر، 25 آب/أغسطس 2013 م. الرابط على شبكة الإنترنت: http://studies.aljazeera.net/positionestimate/2013/08/201382582646455513.htm
26ـ الفيتوري، مصطفى، لماذا خسر الإسلاميون في انتخابات ليبيا؟، موقع "قنطرة"، الرابط على شبكة الإنترنت:
http://ar.qantara.de/content/qr-fy-lntkhbt-llyby-lmdh-khsr-lslmywn-fy-ntkhbt-lyby

27ـ عبد العزيز، شريف، لماذا خسر الإسلاميون في ليبيا؟، موقع "مفكرة الإسلام"، الرابط على شبكة الإنترنت:

http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2012/07/14/153120.html

 

طارق حمو: باحث في الإسلام السياسي. من فريق عمل المركز الكردي للدراسات.

 

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net