Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

طارق حمو *
تقدم جماعات الإسلام السياسي، على مختلف أشكالها وتصوراتها، نظرة محددة إلى قيمتي الحرية والديمقراطية، تقوم على اعتبارهما من القيم الغربية الوافدة التي لا تمت ل"تراث الأمة ودينها" بأي صلة، والتي يجب أن يستعاض عنها بقيم إسلامية مستنبطة من الشريعة. وفيما يلي سنستعرض، نظريا، خطاب الإسلام السياسي فيما يتعلق بهاتين القيمتين بعد معرفة مكانتهما في الفكر الغربي، والتصور الأصولي العام حولهما، ومنابع الرفض والرد.

أولا: الحرية:  

1ـ الحرية: الماهية والمكانة في الفكر الغربي:

تعتبر الحرية من القيم الكبرى في حياة الإنسان وفي تاريخ البشرية، فبعد قيمة الحياة تأتي قيمة الحرية، حيث لا تستقيم الحياة بذاتها دون التمتع بالحرية والحفاظ عليها. والحرية في اللسان العربي "تدل على معان فاضلة ترجع إلى معنى الخلوص، يقال: حر يحر كظل يظل حرارا بالفتح، بمعنى عتق، والاسم الحرية والحر خلاف العبد والخيار من كل شيء والفرس والعتيق والفعل الحسن. والحرة ضد الأمة، والحرة من السحاب الكثيرة المطر، وتٌطلق على الكريمة من النساء" (1).
 وقد سن البشر منذ الإمبراطوريات الأولى قوانين وشرائع تضمن حرية وكرامة البشر وتمنع انتهاكها بأي شكل من الأشكال. وتطورت النظرة البشرية لقيمة الحرية مع تقدم الحضارة وتقدم القوانين والشرائع وظهور مواثيق حقوق الإنسان بعد الحروب الكونية المدمرة. وكان هناك منذ البداية تصور واضح بأن العنف المنضبط والمحتكر بيد السلطة والخاضع لسيادة الدولة هو وحده الضمان لحرية الإنسان ومنع الاعتداء عليها. وقد كتب الفلاسفة والمفكرون في مفهوم الدولة والسيادة عن هذه القضية وبحثوا فيها طويلا، وفي هذا الشأن" يعتقد توماس هوبز أن الحكم المطلق هو الطريق الوحيد إلى تشكيل حالة من العنف الشامل لتأمين حرية وأمن البشر. حالة العنف المنضبطة بسيادة الدولة يجب أن تكون في كامل الجاهزية لحماية حرية البشر. إنها ظل الله على الأرض" (2).
ومنذ القرن السادس عشر تصدّرت الآراء الكثيرة حول قيمة الحرية وضرورة ضمانها في كل من القوانين وبنية الحكومة ومؤسسة الحكم، حيث تكون حرية المواطن مصانة ومضمونة بقوة القانون والدولة. وكان هناك تسلسل تاريخي لظهور الأفكار المؤيدة لحرية الفرد وضرورة الاعتراف بها ضمن الدولة، حيث أن السيادة العامة لا يمكن أن تتحقق بدون سيادة الفرد وحريته المطلقة في الحياة والتنقل واختيار الحاكم، فكان أن " أجاز البرلمان الإنكليزي وثيقة بيان الحقوق الإنكليزية سنة 1689 م. وقد أثبتت هذه الوثيقة الحقوق والحريات الأساسية للشعب الإنكليزي. وفي الوقت نفسه، أعلن الفيلسوف الإنكليزي جون لوك أن كل فرد ولد له حقوق طبيعية لا تسلب منه، مثل: حق الحياة، وحق التملك، وحرية الرأي، والدين، والتعبير(..). وبعد انتشار الثورة الصناعية خلال سنوات القرن الثامن عشر، توطدت دعائم نظام النشاط التجاري الحر، ودافع الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث عن حرية حركة رأس المال والأسواق، وهو ما عٌرف بعبارة حرية التعامل الاقتصادية، في كتابه (ثروة الأمم) عام 1776 م. وخلال القرن الثامن عشر الميلادي تحدث عدد من الفلاسفة الفرنسيين البارزين وفي مقدمتهم مونتيسكو وجان جاك روسو وفولتير مدافعين عن حقوق الفرد وحرياته. حيث طالب كتاب مونتيسكو (روح القوانين) 1738 م بالفصل بين السلطات وتقسيمها إلى فروع تنفيذية وتشريعية وقضائية، وأعلن روسو في كتابه (العقد الاجتماعي) 1762 م أن الحكومة تستمد سلطتها من عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم. كل هذه الكتابات مهدت لقيام الثورة الفرنسية التي بدأت سنة 1789 م" (3).
لقد انشغلت الحضارة الأوروبية والفكر الغربي عموما بقضية الحرية، وظهرت أفكار ومبادئ ونظريات كثيرة طوّرها المفكرون والباحثون الغربيون حول هذه القيمة وكيفية تحرير الإنسان من نير الظلم والاستبداد على أيدي الأنظمة الملكية والإقطاع والاستغلال الطبقي والحروب الدينية. وكانت لهذه الأفكار الأثر الأكبر في انطلاقة الثورات الشعبية ضد الظلم وكتابة الدساتير التي تقر بحقوق الإنسان وحرياته. وعليه ومن هنا فقد كان "التاريخ الأوروبي والأميركي منذ نهاية العصور الوسطى هو تاريخ البزوغ الكامل للفرد. إنها عملية بدأت في إيطاليا في عصر النهضة ولا تبدو الآن إلا أنها قد وصلت إلى ذروة الانحدار. لقد اقتضى الأمر أربعمائة سنة لتحطيم عالم العصور الوسطى وتحرير الناس من أشد القيود ظهورا" (4).
وبمرور مئات السنين تطوّر المفهوم الغربي لقيمة الحرية ووضع الفلاسفة الأساس الفلسفي والعلمي والنظري لهذه القيمة واعتبروها العماد الأهم في أي عملية تهدف لإنصاف الشعب وإقرار حقوقه. وتمحورت كل التفسيرات الغربية حول مفهوم الحرية على أنها التخلص من حالة القسر والقهر، والتمتع بخيار الاختيار والفعل، ومن هنا فقد "اتخذت الحرية معان عديدة في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر(..)، فالفيلسوف هوبز أعطى للحرية معنى هو: انعدام القسر، أي الخلو من القهر المادي، وكل فعل يتم وفقا لدوافع، حتى لو كان الدافع هو الخوف من الموت، يعد حرا. والإنسان يكون حرا بقدر ما يستطيع التحرك على طرق أكثر، وحرية المواطن والعبد لا تختلف إلا من حيث الدرجة فالمواطن ليس تام الحرية والعبد ليس تام الحرية. كذلك يقدم سبينوزا نفس المفهوم للحرية وهي الخلو من القسر، يقول هذا الشيء يٌدعى حرا إذا كان يوجد وفقا لضرورة ماهيته وحدها، ويٌعين ذاته بذاته بالفعل، ووفقا لهذا التعريف فإن الله هو وحده الحر، أما الإنسان فغير حر، لأن الله هو الذي يٌعين نفسه بنفسه(..)، ويربط لوك بين الحرية والاختيار، فالحرية تعني أن نفعل أو لا نفعل بحسب ما نختار أو نريد"(5).
ومع مرور الوقت بدأ التفسير الغربي لقيمة الحرية يقدم منحى جديدا في عموم المشهد الفكري والفلسفي الإنساني، وهو الثورة على الدين، وتفضيل الحرية الشخصية عليه، والقول بأن الإنسان غير ملزم أبدا بالخضوع للدين ومحرماته ومشيئة الخالق وغير ذلك من التابوهات والغيبيات، بل هو حر في رفض كل ذلك وعدم الالتزام بهذه الشرائع والموانع، وحر في تقبل أو رفض الأمر الديني، بل ورفض عموم المقدس في الدين. وبعد ظهور الثورات في الغرب وتبلوّر ثقافة حقوق الإنسان والحريات العامة، ظهرت النزعة الإلحادية الرافضة لهيمنة الدين وقيوده على حريات الفرد وحريات المجتمع على العموم. وفيما بعد تم إقرار هذه الأمور في قوانين الدولة الوطنية، وكذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتم تثبيت مبدأ حرية الفرد في اختيار المعتقد الذي يريده وعدم إجباره على تقبل أي معتقد أو فكرة يرفضها هو أو لا يؤمن منها، ومن هنا يتضح أن "أول ظهور لسؤال الحرية في الفكر الغربي كان في بداية القرن السابع عشر أو قبله بقليل، وفي هذه المرحلة حدثت تطورات ضخمة في الأجواء الغربية وانعطفت الحياة فيها انعطافا حادا، وانتشرت تغيرات كبيرة على جميع الأصعدة، كالصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والفكري والفلسفي والديني، أخذت تشكل في المجتمع الغربي ظاهرة(...)، تتمثل هذه في تيارين كبيرين، وهما: الأول: التيار الربوبي، وهو ما يدعى تيار الدين الطبيعي، وتقوم فكرته على أن الإنسان مستقل بعقله في علاقته بالله، ولا يحتاج في ذلك إلى الإيمان بالوحي والنبوة والكتب المقدسة، والثاني: التيار الإلحادي، وتقوم فكرته على عدم الإيمان بوجود الله، إما مع الجزم بعدم وجوده وإما بمجرد الاكتفاء بالشك في وجوده"(6).
وهنا يتضح بأن المفهوم الغربي للحرية هو مفهوم شبه مطلق ويذهب إلى حد إسباغ صفة القداسة على هذه القيمة الإنسانية، فالقانون سٌن لكي يحمي حرية الفرد وحقوقه، ولا يوجد تعارض إلا حينما تذهب "حرية الفرد" هذه في انتهاك حدود حرية الآخر، غير ذلك لا يمكن التقرب من هذه الحرية، حتى ولو انتهكت حدود المقدس والدين، فهي محمية بالقانون وقوة السلطة. إنها خلاصة الفكر الغربي والحركات الإصلاحية والثورات المتلاحقة على الظلم والاستبداد وسطوة الكنيسة والملكية والإقطاع وهيمنة رأس المال.
ورغم هذا التفسير النظري والعملي الغربي لقيمة الحرية بهذا الشكل السامي والمقدس، إلا أن الانتقادات ظهرت ضد الغرب الذي أتٌهم بأنه لا يتبنى قيمه ولا يدافع عنها إلا حينما يخص الأمر مواطنيه ومجتمعاته هو. أما حينما يتعلق الأمر بالشعوب الأخرى، فينسى الغرب هذه القيم، وعلى رأسها الحرية ويتقرّب بشكل سياسي نفعي مصلحي واضح، وهو ما يؤثر على مصداقيته ويٌشكل سؤالا حول إيمانه بالأساس بهذه القيمة، " إن الغرب يهتم بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان غاية الاهتمام، ويقيم الدنيا ويقعدها إذا اعتدى عليها معتد أو اجترأ عليها مجترئ وداس حماها المقدس، إذا كان ذلك في دياره نفسها، أعني: في ديار الغرب، وأوطان الغرب فمن حق كل شعب فيها، وكل فرد فيها أن ينعم بالحرية، وأن يمارس حقه في الديمقراطية، وأن يكون له حقه في اختيار حكامه، ومحاسبتهم، وعزلهم إذا خرجوا على الدستور(...)، أما خارج ديار الغرب، فهو يكيل بمكيال آخر، ويتعامل بمعيار آخر، فليس الحرام في الغرب حراماً في الشرق وليس الواجب المفروض في الغرب واجباً مفروضاً في الشرق إنه يتعامل تبعاً لمصالحه ومنافعه"(7).
إذن وتبعا لما سبق، نرى بان الفكر الغربي قد أولى قيمة الحرية أهمية كبرى، وجعل منها أساس أي إصلاح وتحرك ثوري يٌحدث تغييرا بنيويا في المجتمع والدولة، فكانت حرية المواطن وحقوقه هي الدعامة الكبرى، فظهرت الثورات المبنية على أفكار الحرية والعدالة والمساواة، وتم التصدي للمقدس الديني متمثلا في سلطة الكنيسة ورجالات الدين، حيث تم ضمان الحق لأي مواطن برفض هذا المقدس وعدم الاعتراف به، بل والإشهار بالإلحاد العلني، كحق واضح من الحقوق الفردية ومن الحرية الفردية الضامنة دستوريا وحقوقيا. إنها الحرية المحمية بقوة القانون والسلطة، وهي تختلف كليا عن مفهوم الحرية في التفسيرين الإسلامي والإسلامي السلفي كما سنرى لاحقا.  

2 ـ الحرية في فكر جماعات الإسلام السياسي:

اجتهد المفسرون والفقهاء في تقديم نظرة ورأي الفكر الإسلامي في قيمة الحرية وذلك استنباطا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وجاء التعريف، في أعمه، مضادا لكلمة العبودية أو الرق. فالحر هو الذي يملك قرارة نفسه ولديه القدرة والإمكانية على الاختيار. ولكن مفهوم الحرية، كما نعرفه اليوم، لم يرد في القرآن، بل جاء على شكل اشتقاقات لغوية مشابهة، وعليه " فلم ترد كلمة (الحرية) في القرآن الكريم بهذا اللفظ، وإنما وردت ألفاظ اشتقت منها مثال ذلك: الحر، قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كٌتب عليكم القصاص في القتلى الٌحر بالحر"(البقرة/178). وجاء لفظ (التحرير) في القرآن الكريم في مثل قول الله تعالى: "وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مٌسلمة إلى أهله وتحرير رقبة برقبة"( النساء/92). ولفظ (محررا) مرة واحدة فيما قصه علينا المولى عز وجل من حديث أم مريم حيث قال تعالى:" إذ قالت امراءة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا"(آل عمران/35) محررا مأخوذا من الحرية التي ضد العبودية، ومن هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وهكذا فإن الحرية في القرآن العظيم وردت بلفظ الحر والتحرر وذلك بمعنى: الخلوص من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله تعالى" (8).
وذهب مفسرون وفقهاء آخرون بأن الإسلام ألزم المؤمن أن يكون حرا ليكون قادرا على الاختيار بين "الرشد" و"الغي"، أي بين الإيمان والكفر، لذلك لا يكون إيمان المرء خالصا ما لم يملك حق الاختيار والقرار، فيقرر الإيمان خالصا لوجه الله، نتيجة اعتقاد بيّن ينبع من قناعته وتفكيره، دون أي إلزام أو قسر. ومن هنا فقد "جعل الإسلام الحرية حقا من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخليا، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن "الحرية" أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها، قال تعالى:" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ"( البقرة/256). فنفي الإكراه في الدين، الذي هو أعز شيء يملكه الإنسان، للدلالة على نفيه فيما سواه وأن الإنسان مستقل فيما يملكه ويقدر عليه لا يفرض عليه أحد سيطرته، بل يأتي هذه الأمور، راضيا غير مجبر، مختارا غير مكره" (9).
وذهب الفكر الإسلامي في احترام الحرية الدينية، وفق بعض الفقهاء، فضمن حق حرية اختيار الدين والمعتقد، وقد ذهب العديد من الحكام والأمراء في الأمصار الإسلامية إلى حماية أهل الديانات الأخرى ورفضوا فرض الدين الإسلامي عليهم بالقوة، أي قهرا وقسرا. ولإظهار هذا الجانب السمح من الدين الإسلامي، يٌشير الباحثون والفقهاء المسلمون إلى حوادث كثيرة جرت في التاريخ الإسلامي، وقصص عديدة حيال غير المسلمين من أهل الكتاب، ولعل أشهرها القصة المعروفة حول انتصار الخليفة عمر بن الخطاب للقبطي المسيحي في القضية التي رفعها للخليفة ضد أبن واليه على مصر عمرو بن العاص، ومن هنا فقد " جاء الإسلام فقرر مبدأ الحرية، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلمته المشهورة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وقد بيّن العلماء أن الإسلام حافظ على الحرية في جوانبها الثلاثة: حرية الاعتقاد، حرية الفكر، حرية القول (التعبير). وجاء الإسلام، فأقر الحرية الدينية، فلم يبح أبدا أن يكره الناس على اعتناقه أو اعتناق سواه من الأديان: " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"(يونس/99)، هذا في العهد المكي، وفي العهد المدني:"لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ"(البقرة/256).(...) بل إن الإسلام يدعو أهل الأديان الأخرى أن يتمسكوا بما لديهم من حيث المبدأ، ذلك حتى يستقيم الحوار، ويكون هناك شيء يرجع إليه، يقول تعالى:" قٌل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم"( المائدة/68) " (10).
وثمة رأي يقول بأن الإكراه مرفوض في العرف والشرع الإسلاميين، فالإسلام يرفض أن يقٌهر المرء أو يٌكره لكي يتقبل الإسلام كدين ومعتقد، فلا بد من وجود عنصر القناعة والاختيار، " الدعوة إلى الإسلام لا يمارس فيها أي نوع من أنواع الإكراه، بل هي كما قال تعالى: " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"( النحل/125)، فالدعوة بيان للحق بحكمة وموعظة ومجادلة لا قسر فيها ولا إكراه، كيف وقد قال تعالى:" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ"( البقرة/256)، وقد ورد في تفسير هذه الآية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعجوز نصرانية أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إلى قريب! فقال عمر: اللهم أشهد، وتلا الآية "لا إكراه في الدين".." (11).
أما عن ضوابط الحرية في الإسلام فهي الإضرار بالنفس والمال أو الإفساد في الأرض والإضرار بالبشر، ويحض الإسلام على التفكير والتدبير أولا ومن ثم التوكل على الله في أي أمر، فالتفكير مطلوب في الإسلام، وهو جزء من العملية الإيمانية للؤمن، " أما حرية الإنسان فليس عليها من حدود أو قيود إلا ما نهت عنه الشريعة مما يضر بالنفس أو المال أو يفسد حال الجماعة الإنسانية، وليست الشريعة تعاليم غيبية يجمد أمامها العقل أو يقصر دون إدراكها الفكر فهي توائم بين حرية الإرادة وحرية العقل، ومشيئة الإنسان فيها وليدة العقل والإدراك، وفيها ما يحض على التفكير ويدعو إليه، وما ضرب الله الأمثال للناس إلا ليدعوهم إلى التفكير"(12).
ورغم الاختلاف في التفسير حول مفهوم الحرية المعاصر، والتفسير الإسلامي لهذه القيمة، إلا أن الواضح وجود إقرار بحق الاختيار ورفض القهر والقسر. فالنص الديني الإسلامي يقر بحرية الإنسان في الاختيار ويرفض فرض الأمور عليه فرضا، وهذا ينطبق على كل الأمور، الدينية والحياتية العامة، طبعا مع وجود ضوابط هي عدم الإضرار بالنفس والمال أو الإفساد في الأرض وأذية البشر بغير وجه حق.
أما الحرية كقيمة من وجهة نظر جماعات الإسلام السياسي فهي لا تعني حق الإنسان في الاختيار، بل ضرورة خضوعه للتكليف وعمل كل شيء خيّر لصالح البشر، أي أن يعمل على تذويب خصوصيته وفردانيته في الكل الجمعي المسلم، و" ممن قدم مفهوما عاما للحرية العالم المغربي علال الفاسي، حيث يقول: "الحرية لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء ويترك ما يشاء، فذلك ما يتفق مع طبيعة شهوته، ولا يتفق مع طبائع الوجود كما ركب عليه، ولكنها تعني أن يفعل الإنسان ما يعتقد أنه مكلف به، وما فيه الخير لصالح البشر أجمعين"، ثم أوضح في أثناء حديثه أن الحرية في الإسلام تقيد بقيود الشريعة" (13).
إذن مفهوم الحرية أمر لا يتعلق بالإنسان وحده، بل يصل إلى قضية الإيمان والعبادات والولاء لطاعة الله الخالق، فهذه حقوق مقدسة في الإسلام ليس للعبد حق التصرف فيها حسب أهوائه، أي لا يجوز أن يلجأ المسلم إلى اقتباس المفهوم الغربي لقيمة الحرية، بل عليه التقيّد بالتشريع الإٍسلامي وضوابطه، وعليه فإن "الحقوق في الإسلام، ومنها الحرية مقدسة لا يحق لعبد الله المستخلف أن يفرط فيها أو يتهاون فيها، لأنها ليست ملكا له، بل الله، مالكها الأوحد، والإنسان مستخلف فيها، مطلوب منه التصرف في تلك الوظيفة وفقا لإرادة المالك، وهنا تكتسب الحقوق في التصور الإسلامي قدسية تمنع التلاعب بها من طرف حزب أو برلمان أو حاكم، إثباتا وإلغاء وتعديل" (14).
التفسير الأصولي يرفض الاعتراف بالمرجعية الغربية، أو حتى العالمية لقيمة الحرية، بل يفرض وجهة نظره، ويطالب كل مسلم بالالتزام بها، بوصفها رأي الدين الإسلامي والمطلب الإيماني اليقيني في هذه القيمة، فالولاء والطاعة لا يجب أن يكون سوى لله والنص القرآني والسنّة، أي الحاكمية لله، " إن التصور الإسلامي للحرية لا ينطلق من مرجعية إنسانية تثبت له بذاتها من حقوقه الطبيعية، كما يدعّي الفكر الغربي، وإنما الحقيقة الكبرى التي ينطلق منها ويرتكز عليها في كل شيء هي أن الله هو الخالق لكل ما في هذا الكون، وهو مالكه ومدبره، وهو العالم بكل ما فيه، فهو إذن المشرع الأعلى فيه، ووحيه هو المرجعية التي يرجع إليها في تأسيس الحقوق والواجبات وغيرها مما يكون بين البشر" (15).
ويرى البعض بأن حرية الاعتقاد يجب أن تكون مكفولة لغير المسلمين(الكفار!) أما المسلم فليس أمامه سوى أن يتقيّد بتعاليم الإسلام وشريعته، وإذا ما حاول تغيير دينه عبر قناعة يتحجج فيها ب"الحرية" فيٌستتاب، وإذا لم يقبل، يٌنفذ فيه حق الردة، " أن حرية الاعتقاد في الإسلام مكفولة لأصحاب الكفر الأصلي الذي ولدوا عليه كاليهود والنصارى والمجوس والملحدين. أما من اسلم وقضى في الإسلام زمنا يٌظن معه إدراكه لحقائق الإسلام فهذا إذا ارتد عن الإسلام لا يٌترك وشأنه، بل لابد من مساءلته ومعرفة سبب ارتداده، فإن كان بشبهة غامت عليه بصرناه أزلنا شبهته فإذا أصر على ارتداده طٌبق عليه حد الردة"(16).
وينظر الإسلام السياسي وتنظر جماعاته بعين الريبة والشك لكل من ينقل التفسير الغربي لقيمة الحرية، ويتهم هؤلاء بتهم كثيرة وشتى أقلها الانبهار بنتاج الغرب على حساب ترك الأصل الإلهي الموجود في النص الإسلامي، ولم ينج من هذا الحكم حتى المشايخ المسلمين الذين زاروا الغرب وتعرفوا على حضارته عن قرب فكتبوا في وصف الثورة الفرنسية والإصلاح والاقتصاد والإدارة.
ونجد التخوين يطال رجلا بمقام الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي أيضا، والذي نقل الحياة الفرنسية ونظرة الفرنسيين وثورتهم إلى قيم مثل الحرية والعدالة، ومع "أن الطهطاوي قد أدرك أن مجتمع الثورة الفرنسية مجتمع إرادة وليس مجتمع طاعة، فهو مبني على الإرادة الحرة التي لا تقيدها طاعة لشريعة إلهية لا تقرها هذه الثورة المعادية للدين، وقوانينه كلها تصدر عن العقل الحر الذي لا يعترف بما وراء الحياة من نعيم أو جحيم،(..)، فإنه لم يستطع أن يدرك الأغوار البعيدة والجوانب المتعددة لكلمة الحرية، ولم يستطع أن يدرك أن نقل هذه الآراء إلى المجتمع الإسلامي يمكن أن ينتهي به إلى النتيجة نفسها: نبذ الدين، وتسفيه رجاله، والخروج على حدوده" (17).
وهنا يظهر الرفض الأصولي لأي نقل لقيم الغرب، حتى ولو كانت قيما إنسانية تخص كل البشرية، فالرفض هنا هو رفض بنيوي إيماني عقائدي المنطلق، فكل شيء من خارج بيت الإسلام ومن خارج القرآن والسنّة ومبدأ الحاكمية لله، لا ينبغي الأخذ به، ففكر جماعات الإسلام السياسي يرى إن كل القيم الخيّرة موجود في الإسلام ولا ينبغي الأخذ بأي قيم عصرية من أي حضارة، ف"التشبه بالكفار" أمر مرفوض ومكروه، إذا كان لا بد من الاقتباس والإفادة فينبغي أن يكون ذلك فقط في الأمور التقنية والصناعية والمادية، وليس في القيم والأخلاق والمبادئ والأمور الإيمانية، "نحن إن احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سببا في مجده وسيادته، فمن المؤكد أننا في غير حاجة إلى استيراد قواعد السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الإمارات والبوادر على أنها ستؤدي إلى تدمير حضارته والقضاء عليها قضاء تاما في القريب العاجل" (18).
أما الحرية المطلقة التي تنادي بها بعض الدول والحضارات، فهي مذمومة ومٌحاربة من قبل فكر الإسلام السياسي الأصولي، فهذه "الحرية" تعني بالضرورة محاربة الدين وإشهار الإلحاد والرّدة. إنها حرية الفساد والإفساد في الأرض وفي الدين، وهذا أمر مرفوض دونه العقاب الشديد، " الحرية المطلقة تعني الهمجية والفساد في الأرض، وتعني تحطيم الفضائل والأخلاق والقيم الدينية، والنظم الاجتماعية، تحطيم مبادئ الحق والعدل، فالحرية المطلقة تعني إطلاق يد الفساق في أن يفسقوا ويفجروا على ما يشتهون دون أن يكون لأحد أو جهة ما حق محاسبتهم" (19).
ومن هنا ثمة خطوط حمراء في الشريعة تحرص جماعات الإسلام السياسي على عدم المساس بها، أو حتى الخوض فيها، وتتصدى هذه الجماعات لكل دعوة تدعو إلى الاقتراب من هذه الخطوط وانتهاكها تحت حجج الحرية أو حقوق الإنسان أو الديمقراطية، ودون ذلك تطبيق الحدود وشرع الله، " إن الحرية الدينية لا تسمح للمسلم بالخروج عن الإسلام وهديه أو الرجوع عنه بالارتداد إلى غيره، ويٌطبق عليه حد الردة. كذلك يجب الالتزام الكامل بالأحكام الشرعية القطعية، فلا يجوز للمسلم، ولا لغير المسلم، المساس بالأحكام الشرعية القطعية، ولو كانت في الفقه الإسلامي، كزواج المسلمة بغير المسلم، وميراث الكافر من المسلم، وغير ذلك مما أجمع عليه الفقهاء"(20).
وانطلاقا من هذا التفسير نجد بأن الرأي والاجتهاد الأصولي يرفضان تقيّد المسلم بقيمة الحرية كفرد وكعنصر في المجتمع، حيث لا يمكن الاعتراف بحقوقه المضمونة في (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، كحرية التعبير والقول والرأي والاعتقاد والتملك والتجارة، فيجب أن يكون خاضعا للتشريعات الإسلامية فيما يخص كل مناحي الحياة، ففي دولة الشريعة ودار الخلافة لا يمكن للإنسان أن يكون حرا كما هو الحال في بقية أصقاع الأرض.
وهذا أبو الأعلى المودودي يرفض كل مظاهر الحرية والتحرر في المجتمع الإسلامي، ويطالب الفرد بالتقيّد بالشريعة وبما كلفه الله ورسوله في محكم القرآن وفي السنّة النبوية، " وقد آل الأمر إلى أن المرأة المسلمة تخرج من بيتها سافرة متبرجة جاعلة أحكام القرآن والسنّة الصريحة وراء ظهرها، فتتناول الغداء والعشاء في الفنادق الأوروبية وتجلس في صف الرجال في قاعة السينما وتمشي في الأسواق من محل إلى آخر وتبيع وتشتري، وآفة الآفات أنها تأتي كل هذه الأعمال خلافا للشرع الإسلامي ولا تندم أو تستحي منها بل تذكر أعمالها هذه بكل فخر وسرور وتوجه الملام إلى تلك العفيفة التي أبت أول الأمر أن تترك الحجاب الشرعي إتباعا للقانون الإسلامي"(21).
ونرى في الآراء الأصولية في تحديد وتشويه قيمة الحرية المعروفة في المواثيق الدولية و(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وصاية على الفرد وتدخلا في حياته الشخصية ودوره في المجتمع، وهذه الوصاية يسميها سيد قطب ب"عصبية الرغبة في اجتذاب البشرية للخير"، فهو يعتبر الإسلام وصيا على العالم وهو الذي يملك الحق في تحديد حياة وحرية كل فرد على هذه الأرض، لذلك نقرأ مثل هذا الكلام، " هي عصبية الرغبة في اجتذاب البشرية كلها إلى الخير المشترك بدون إكراه وعصبية الرغبة في تحقيق العدل الكامل لكل فرد وكل شعب وكل جنس، حتى لو بقي هؤلاء جميعا على دياناتهم بعد استماعهم لدعوة الإسلام، لمجر كونهم آدميين يوجب على الأمة المسلمة أن تحميهم من الظلم في كل صورة من صوره، وأن تقيهم الفساد في أي شكل من أشكاله" (22).
إذن التفسير الأصولي للحرية يرفض الحقوق التي أقرتها الشرائع الوضعية الدولية مثل اتفاقيات حقوق الإنسان والحريات العامة، وكذلك (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، وكذلك لا يعترف بالقوانين الوطنية التي تتيح بعض الحريات، ولو شكليا، للمواطن، بل يخضع كل القضية إلى الشريعة حسب تفسيره هو، ويرى في حرية الفرد ممارسة العبادة للخالق والتمسك والهدي بالشريعة، أي بما ورد في القرآن والسنّة ومبدأ الحاكمية لله.
يطالب فكر جماعات الإسلام السياسي عموم المسلمين برفض كل تعريف أو مفهوم أو قانون غير صادر عن الشريعة وعن تفسيرات منظري ومفكري هذا الاتجاه، فلا حرية تعاكس تعاليم الشريعة، " من أجل تماسك المجتمع ومن أجل الحفاظ على مقدساته من دين وخلق وسلوك وضع الإسلام للحرية مفهوما يدعم الروابط بين الناس ويؤكد احترام المقدسات في نفوسهم، فلا حرية لأي إنسان في عمل يضر غيره، ولا حرية له في عمل يخالف به مبادئ الشريعة ونظامها ولا حرية له في عمل يعرضه هو للتلف والفساد" (23).
أما نقد الدين والمجاهرة بالإلحاد والتعبير عن الرأي المخالف لرأي الشريعة فهو إثم يٌعاقب عليه الفرد في دولة الشريعة والخلافة. أي تقيّد بمفهوم الحرية على نهج الغرب والحضارات البشرية الأخرى، هو مرفوض تماما في عرف الإسلام السياسي. فالإسلام، عليه أن يٌسيطر على العالم بعد أن يتمكن من نسف كل أسسه الفكرية والفلسفية والقيميّة ويضع محلها ثوابت الشريعة لتطبيقها في عموم نواحي الحياة. وبهذا الكلام تكون الحرية كأساس للدولة الحديثة والنظام الديمقراطي التشاركي، وما بني عليها من اتفاقات وإعلانات عالمية ومعاهدات لحماية الحريات العامة وحقوق التعبير والاعتقاد والتفكير، أمر مرفوض تماما في دولة جماعات الإسلام السياسي الأصولية القائمة على مبادئ الشريعة والحاكمية لله.    

ثانيا: الديمقراطية:

1ـ الديمقراطية: الماهية والمكانة في الفكر الغربي:

الديمقراطية كلمة قديمة تدل على مصطلح متداول بكثرة ودال على قيمة حضارية كبيرة. وهذه الكلمة تعني اختصارا حكم الشعب وقيادته للنظام السياسي وللسلطة في مجتمع ما. وثمة تعريفات كثيرة للديمقراطية، تطوّرت وتوسعت مع مرور الزمن والوقت وتطور النظام السياسي في العالم. ومن هذه التعريفات أن الديمقراطية كلمة" تتألف من مقطعين: حيث المقطع الأول (Demos) أي الشعب، و(Cratie) أي السلطة، أو الحكومة وتعني على ضوء ذلك بأنها حكم الشعب لسلطته" (24).
ويٌعرّف البعض الديمقراطية أيضا على إنها "حكومة الشعب بواسطة الشعب، وهو نفس المعنى الذي قدمه أحد رؤساء الولايات المتحدة الأميركية في نهاية القرن الثامن عشر، وهو الرئيس إبراهام لنكولن بقوله " الديمقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب ولأجل الشعب". والملاحظ بان التعاريف السابقة تركز على اعتبار الديمقراطية مصدرها الشعب، كونها تمارس من طرفه في مواجهة الشعب من أجل تحقيق أهداف تعود للشعب ذاته، وتجدر الإشارة إلى أن المقصود هنا بحكم الشعب هو الشعب بالمفهوم السياسي، أي مجموع الناخبين في الدولة" (25).
وثمة عوامل داخلية وخارجية يجب توافرها لإنجاح أي ديمقراطية، وهذه العوامل تتعلق ببنية المجتمع المٌراد دمقرطته وكذلك بالشروط الخارجية والمؤثرات الدولية المحيطة به " إن الديمقراطية ليست بذرة موجودة في الثقافة الخاصة بأي شعب، ولكنها نتاج لتضافر عوامل متعددة داخلية وخارجية، تدفع إلى إحداث تغيير في النظام السياسي القائم من خلال تحليل الواقع بموضوعية، وبكل ما فيه من النزاعات والتوازنات والمطالب المتميزة والمتعددة والمتباينة التي تكوّن حقيقة هذا الواقع السياسي الخاص بكل مجتمع، وتتلخص هذه العوامل في: البنية السياسية والتوزيع الاجتماعي، البنية الاقتصادية والثقافية، طبيعة ومقومات السياسة الخارجية، الموقع الجيوسياسي لكل دولة"(26).
وفي الوقت الحالي توسع مفهوم الديمقراطية كثيرا وأصبح هناك توافق على اختيار كل ثقافة أو شعب لنوع من الديمقراطية توائم عاداته ودينه وتقاليده، ولا تكون بالضرورة مقتبسة حرفيا من الأنظمة المعمول بها في مجتمعات أخرى بعيدة ومختلفة بالعادات والتاريخ والدين. لكن الجوهر الأصلي يظل صحيحا ومعترفا به من الكل، وهو إن هذه الديمقراطية هي، كما كانت وستظل، حكم الشعب للشعب وسيادته وكلمته المحددة لكل شيء.  
النظام الديمقراطي في الإدارة والحكم وتسيير شؤون الشعب احتل في التاريخ البشري مكانا كبيرا وورد كقيمة مهمة للغاية، حددت مصائر أمم وشعوب في الكثير من مناطق الحضارات الأولى. وكان هذا المبدأ في الحكم، أو فكرة "سيادة الشعب"، عٌرف في عهد اليونان بمصطلح الديمقراطية، وظهر في فترات سحيقة من الزمن تجاوزت آلاف الأعوام قبل الميلاد، حيث كانت شعوب عديدة تٌسيّر شؤون حياتها وأنظمة الحكم والإشراف حسب هذا النظام الذي يمثل رأي الأغلبية وحكم الشعب، لذلك فإن "من الأمور الشائعة أن بلاد اليونان هي مهد الديمقراطية، بينما يرى الراسخون في العلم أن هذه المقولة خاطئة...فقد برهن مانغلا بوس في كتابه الثمين (إرادة الشعوب)، إن الديمقراطية كانت، منذ قديم الزمان، هي الحالة السائدة في أغلب بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. إذ كانت الديمقراطية الهندية حقيقة واقعة خلال حياة بوذا قبل 26 قرنا من الزمن. وكان الصينيون يمارسون الديمقراطية، حيث كان الشعب هو المصدر الفعلي لسيادة السلطة. وينسب إلى كونفوشيوس(551ـــــ479 ق. م) قوله: إذا كان الناس لا يرضون بحكامهم، فليس من مكان للدولة. ومنذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد، كانت في سومر( في بلاد ما بين النهرين:العراق) حياة برلمانية راقية...في حوالي عام 3000 ق. م، اجتمع أول برلمان معروف في دورة علنية وكان مؤلفا، مثل برلمانات أيامنا هذه، من مجلس الشورى أو مجلس الشيوخ، ومن مجلس العموم أو مجلس النواب، وذلك قبل أن تولد الديمقراطية اليونانية بألفي عام كاملة"(27).
ولم تفرح البشرية بالانتصار الديمقراطي للشعب والاعتراف بسلطته، حينما أقرت الثورات الحديثة بحقوق الإنسان وبالحريات العامة والعدالة وإخضاع كل الحكم والحكام والسلطات جميعا للشعب وكلمته، حتى نكصت البشرية مرة أخرى وعادت القهقرى، حيث ظهرت الأنظمة الشمولية الدموية التي أشعلت الحروب وتسببت في كوارث كبرى للبشرية، ذهب فيها عشرات الملايين من البشر وعم الخراب مناطق كبيرة من العالم، ولم تتمكن كل القيم والمبادئ والشرائع التي استنبطتها البشرية وأقرها فلاسفتهم وثوراتهم في منع تلك الأفكار الشمولية من الانتشار واعتناق الناس لها، لا بل وساهمت الديمقراطية نفسها في انتشار تلك الأفكار وصعودها إلى سلم السلطة والحكم، ومن هنا فقد" قامت الثورة الفرنسية في عام 1789 م وقبلها الأميركية 1776 م مبشرة بالحرية والثورة الليبرالية، وكان الاعتقاد أن الطريق أمام الديمقراطية قد فٌتح إلى غير عودة، وإذا بالقرن التاسع عشر يحفل بالدعوات الشمولية وتدخل الدولة وسيطرتها ويسخر من دعوات الفردية والحرية، وعشنا في القرن العشرين تجارب النظم الشمولية من فاشية ونازية وأخيرا ماركسية، حتى ساد الانطباع بأن الليبرالية هي من تراث الماضي الذي لا يتجاوب مع حقائق العصر. وبعد مائتي عام على قيام الثورة الفرنسية، وفي 1989 م تحلل النظام الماركسي في الاتحاد السوفييتي ومعظم دول أوروبا الشرقية، وكانت الفاشية والنازية قد قضي عليها مع الحرب العالمية الثانية. وكتب فرانسيس فوكوياما مقاله الشهير 1989 م عن "نهاية التاريخ" والانتصار النهائي لليبرالية بشقيها الاقتصادي/السوق والسياسي/ الديمقراطية" (28).
وهنا من المهم البحث في كيفية تشكل واندلاع الثورات الشعبية، حيث يمكننا أن نضطلع من خلال عملية البحث هذه على المحاولات الجديّة لاكتشاف نواة النظام الديمقراطي الذي يفيد الشعب ويحقق كل أهداف الثورة الرامية لخلاصه من العبودية والظلم، ومن هنا نستطيع القول بأن " الديمقراطية والثورة هم أخوة. لقد عٌرف القرن الثامن عشر بأنه عصر الثورة الديمقراطية. باندلاع الثورتين الأميركية والفرنسية انتشرت القيم الديمقراطية على ضفتي الأطلسي واكتشفت أرضا خصبة متلهفة لها. لكن العملية لم تكن سهلة أبدا، على العكس كانت معقدة. لم تتشكل في الساحل الشمالي الأميركي الذي كان تحت السيطرة البريطانية وكذلك في فرنسا أي واقع ديمقراطي حقيقي بعد الثورتين. في الأصل لم تكن الديمقراطية هدفا للثوار. كانت المطالب تتلخص في نقد الملكية وتمثيل إرادة الشعب، وتخفيض الضرائب، والمطالبة بالحريات مثل حرية التعبير والحرية الدينية وحق التملك. ولكن هذه المطالب أصبحت فيما بعد نواة الديمقراطية، ولو أن المعاصرين آنذاك اكتفوا في مشاريعهم بالمشاركة في الحكم وليس الحكم عملا بالمبادئ والأسس الديمقراطية المعروفة مثل المساواة وحق الاقتراع للجميع" (29).
ونستخلص من هذا السرد بأن الديمقراطية كانت وعبر التاريخ البشري قيمة كبرى سعت إليها الشعوب في كل أرجاء الأرض من أجل تضمين الحرية والاستقرار ومنع الظلم والبطش والحكم المطلق، فالشعب هو مصدر السلطة والسيادة وهو الذي يكلف الحاكم ومؤسسة الحكم والتشريع والتطبيق بالإشراف على مناحي الحياة والأمن والمعيشة، ولكن بشرط الخضوع للشعب وعدم السعي إلى الانفراد والحكام الطاغي. لكن القاعدة النظرية هذه لم تطبق بشكل جيد في كل مراحل التاريخ البشري، بل جاءت أنظمة ووصلت إلى الحكم باسم الشعب ومن ثم قهرت هذا الشعب وقادته إلى الكوارث والحروب الماحقة.

2ـ الديمقراطية في فكر جماعات الإسلام السياسي:

تختلف الآراء والتفسيرات حول موقف الفكر الإسلامي من موضوعة الديمقراطية، فبعض الباحثين يقولون بإقرار الإسلام للديمقراطية والمشاركة في السلطة والحكم، بالمفهوم المعاصر للديمقراطية، والبعض الآخر يخرج بنظرية توائم بين التفسيرين، والبعض الآخر يرفض الديمقراطية رفضا قاطعا ويسّوق نظام الشورى الإسلامي بديلا لها.
ويذهب العديد من الباحثين والعلماء المسلمين بأن الله لم يشر إلى نظام حكم محدد في القرآن، وكذلك لم يفعل النبي محمد في الأحاديث المتواترة عنه، لذلك فإن الحكم والإدارة وتسيير شؤون الحياة العامة والعلاقات مع الخارج، يحددها الناس/الشعب هنا وليس رجال الدين بالاستناد على النصوص المختلف عليها، " الحكومة أمر مفوض للناس، والدين قد رسم القواعد الكلية والضوابط العامة للنظام السياسي، إلا أن تحديد ما يناسب هذه الأمور أو مالا يناسبها موكول إلى الناس، كما أن قيام الحكومة واستمرارها يتبعان إرادة الناس ورغبتهم. أما إذا ما اعتقدنا بأنه لا دور للناس سوى أن يكونوا تابعين، أي لو قلنا بأن الله قد عيّن شكل الحكومة والحاكم أيضا، وان الناس مكلفون بالطاعة حصرا، لو قلنا ذلك فإن شكل الحكومة وظروفها والحاكم أيضا، كل ذلك سيختلف كما سيختلف الميزان الذي يزن حقوق الناس وستتفاوت الحريات أيضا. إذن ليس هناك شكل واحد متفق عليه بين الفقهاء والمفكرين الإسلاميين للحكم الإسلامي، ولا شرائط مخصوصة متواضعا عليها، لأن الفهم الموحد والرؤية الموحدة للإسلام غير موجودين" (30).
لذلك فإن الحكم متروك للناس وهم الذين من شأنهم اختيار نظام الحكم والإدارة بحسب الزمان والمكان، فلا تقييد بنظام حكم محدد، إسلامي أو غير إسلامي، ولا نصوص ملزمة بنوع معين من أنظمة الحكم والسياسة، بخلاف ما يقوله البعض. أما الأنظمة التي ادعّت الإسلام وزعمت تطبيقه وجعله نظاما سياسيا ملزما للمسلمين، عليهم تتبعه وطاعته، فهو أسلوب لا يعدو، في نظر بعض المفسرين، سوى سلطة مهيمنة ترنو إلى الحكم والاستمرار فيه بالزعم والإدعاء بقدسيتها التي تستمدها هنا من الدين الإسلامي، " إنه لمن المؤسف أن الحكومات الإسلامية، منذ انقضاء العهد الراشدي وحتى تعرفنا إلى الحضارة الغربية، كانت تتلبس بلبوس الدين، وتدعّي لنفسها القداسة وتفرض على الناس طاعتها العمياء" (31).
أما المقارنة بين النظامين الإسلامي والديمقراطي، فهي في الأساس مقارنة ظالمة وغير جائزة، لأن الإسلام هو دين وعبادات بينما الديمقراطية هي نظام حكم يحمل إرثا كبيرا تم تطويره وتوسيعه على مدار قرون طويلة، ليكون قادرا على جعل الشعب هو الحاكم والمؤثر في العملية السياسية والحكومة ومؤسساتها، ومن هنا فإن "المقارنة متعذرة من الناحية المنهجية، بين الإسلام الذي هو دين ورسالة تتضمن مبادئ تنظم عبادات الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم، وبين الديمقراطية التي هي نظام للحكم وآلية للمشاركة وعنوان محمل بالعديد من القيم الإيجابية" (32).
والحديث يتعدى مقارنة "الديمقراطية الإسلامية" بالغربية، بل يذهب في أن الإسلام قدم نظاما ديمقراطيا متكاملا ومتطورا أكثر بكثير من النظام الديمقراطي الحالي المعروف، " ديمقراطية نظام الحكم في الإسلام لا وراثة ولا تعيين ولا طبقة ولا كهنوت ولا انفراد بالسلطة ولا وصاية على الأمة" (33).
وفي البحث عن مبادئ الديمقراطية وأسسها وما ورد في الشريعة الإسلامية من قواعد تتحدث عن الحكم والحاكم ونظام الشورى، نجد فروقا كبيرة، فهناك اختلاف واضح بين نظرية العقد الاجتماعي التي تتحدث عن تنظيم العلاقة بين المواطن والحاكم، وبين الشريعة الإسلامية التي تجعل الحاكمية لله وحده، وترفض التنازل في القواعد، ومن هنا يمكن القول بأن " نظرية العقد الاجتماعي تختلف جوهريا عن التعاقد بين الحاكم والمحكوم في النظرية الإسلامية، فنظرية العقد تجعل وجود الدولة ناتجا عن العقد الاجتماعي بينما وجود الدولة، في النظرية الإسلامية، هو نتيجة لتنفيذ الأوامر الشرعية التي اعتنقتها جمهرة الأمة والتي طلبت إقامة الدولة لتنفيذ الشرع في واقع الحياة. كما أن فكرة العقد الاجتماعي خيالية، أما التعاقد في النظرية الإسلامية في صورته الشرعية، وهي البيعة، فقضية واقعية مثبتة تاريخيا. والعقد الإسلامي من ناحية أخرى لا يحدد حقوق الأفراد، فحقوق المسلم محددة في القرآن الكريم والسنّة المشرفة بعكس نظرية العقد الاجتماعي التي تربط بين العقد وبين التنازل "الجزئي" أو "الكلي" عن الحقوق والحريات، حيث يتفق الأفراد على التنازل عن بعض أو كل حقوقهم للحاكم" (34).
ومن خلال هذا العرض نجد تباينا في التفسيرات حول موقف الحقيقي للفكر الإسلامي من قيمة الديمقراطية، فهناك من يترك أمور حكم الناس وإدارة حياتهم للناس أنفسهم ويقول بأن الدين الإسلامي لا يلزم المؤمنين تشكيل حكومات سياسية معينة والعيش وفق نموذج ونمط محدد، وهناك من يقول بان الإسلام يحمل في شريعته ومبادئه جوهر وأصول الديمقراطية الحقيقية، وهي ديمقراطية محفوظة ومقرة في النصوص الشرعية التي تحترم حقوق الإنسان وحرياته العامة. وبهذا الرأي تأتي الديمقراطية الإسلامية كنموذج خاص بالدين الإسلامي تقرها الشريعة وتلزم الحاكم باحترامها.
أما جماعات الإسلام الإسلامي فهي ترفض فكرة الديمقراطية وترى فيها تعارضا مع النظام الإسلامي ومبادئ الشريعة والحاكمية لله، والتي يٌسوقها كأعمدة يقيم عليها فكرته وإيديولوجيته السياسية. ويذهب دعاة الإسلام السياسي في طروحاتهم بأن الديمقراطية كنظام وضعي غير قادر على أن يحل محل الشريعة في حياة المسلمين، وبالتالي فلا يجوز أن يٌعمل به وتٌهمل في مقابله الشريعة.
ومن هنا فإن الهجوم على الديمقراطية يتخذ منحيين: الأول: الدعاية للشريعة ولحكم الله ودولة الخلافة وبقية مبادئ الإسلام السياسي والقول بأن الشريعة تحمل قواعد إلهية صالحة لكل زمان ومكان، والثاني: تشويه سمعة النظام الديمقراطي والطعن فيه والإشارة إلى التجارب الفاشلة أو الأمراض التي تعج بها المجتمعات الغربية وإعادتها إلى تطبيقات النظام الديمقراطي والديمقراطية كفكرة ومبدأ.
لذلك، وتبعا للكلام أعلاه، فإننا نقرأ مثل هذه الآراء "هذه الديمقراطية الغربية المموهة التي يتشدقون بها وبان فيها حاكمية أو سيادة شعبية، إذا سبرت غورها وأنعمت النظر في داخلها علمت أن الذين تتكون منهم لا يسن كلهم القوانين، ولا ينفذونها جميعا، بل يضطرون إلى تفويض سلطانهم إلى رجال يختارونهم من بينهم ليشرعوا قوانين ينفذونها، ولأجل هذا الغرض يضعون نظاما للانتخاب خاصا، ولا ينجح فيه إلا من يغري الناس ويستولي على عقولهم بماله وعلمه ودهائه ورعايته الكاذبة، ثم ينفذون ذلك القانون الجائر على العامة بتلك القوة نفسها"(35).
والنقد حيال الديمقراطية الغربية ومحاولة تشويه سمعتها والطعن في فاعليتها لا يتعدى مثل هذا الكلام العمومي فقط، بل ثمة تحليل ومقارنة واضحة بين أبرز نقاط الديمقراطية الحديثة وموقف الشريعة منها، وبالتالي الخروج بنتيجة هي أن الديمقراطية كفكرة ومنهج وممارسة إنما تعارض مع تطبيق الشريعة الإسلامية والحكم بموجب مرجعية الحاكمية الله.
ولتأكيد هذا الرأي نقرأ رأي أبو الأعلى المودودي في النظام الديمقراطي ومآخذه عليه، " أولا: إن السلطة في الديمقراطية شانها في كل نظام سياسي آخر، بعد أن تنتزع من أيدي الجمهور وتركز في أيدي أفراد قلائل، لا تشكل في النهاية إلا صورة حزب لجمع المال. ثانيا: من الصعوبة بمكان رعاية كل ما للجمهور من المصالح المتنوعة المتضاربة من وجهة علم النفس، فكيف يمكن للديمقراطية أن تبرئ ذمتها من هذه التبعة نحو الجمهور؟. ثالثا: إن غالبية الجمهور تكون جاهلة ساذجة مولعة بالشخصيات لا وعي لها ولا شعور، ولا يزال المغرضون من السياسيين المحترفين يضللونها ويتلاعبون بعقولها، فمن الصعب على المؤسسات الممثلة للجمهور أن تقوم بأعمالها ناجحة موفقة. رابعا: إن المجالس الانتخابية التي تأتي إلى حيز الوجود بتأييد الجمهور، تضم عددا لا يستهان به من الأعضاء، ومن الصعب جدا التباحث والتشاور بينهم حتى يتوصلوا إلى قرار نهائي؟" (36).
هذه هي بعض المآخذ على تطبيق النظام الديمقراطي على أرض الواقع، والمآلات التي قد تنتهي إليها الديمقراطية في المجتمعات، أما حين مقارنة مبادئ الديمقراطية مع مبادئ الشريعة الإسلامية، فسنجد، وفق التحليل الأصولي، تفوقا للشريعة على الديمقراطية.
ويحاول دعاة الإسلام السياسي إظهار الشريعة وكأنها نظام إداري شامل قادر على التعامل مع مشاكل المجتمعات المختلفة في كل زمان ومكان والإيفاء بمتطلباتها الكثيرة، فالشريعة هي الأساس والقانون الإلهي الذي يحتوي على كل ما يلزم الناس، بخلاف الديمقراطية، والتي هي هنا قانون وضعي إنساني عاجز وقاصر عن الإيفاء بمتطلبات البشر واحتواء مشاكلهم الكثيرة.
وكثيرا ما نقرأ مقارنات بين الديمقراطية في تطبيقاتها الغربية، وبين النظام الإسلامي، من وجهة النظر الأصولية،" أولا: مبدأ (سيادة الشريعة) متفوق على مبدأ (سيادة القانون الوضعي) لأن هذا المبدأ "الديمقراطي" لا يحد من صلاحيات السلطة التشريعية في الدولة مادامت هي التي تضع القوانين، ولا توجد أي قيود على حقها في ذلك، أيا كانت الجهة التي تمارسها، سواء كانت برلمانا (منتخبا انتخابا حرا أو مزيفا) أو رئيس الدولة، أو مجلسا عسكريا أو مدنيا يمارس السلطة التشريعية ـ أما في الإسلام فإن الشريعة لها سيادة كاملة على جميع الأجهزة السياسية، بما في ذلك الهيئة التي تصدر القوانين الوضعية، فإنها لا تملك تغيير أحكام الشريعة أو تعطيلها. ثانيا: مبدأ سيادة الأمة يفوق "السيادة الشعبية" في الديمقراطيات العصرية، لأن الأمة الإسلامية تضم شعوبا عديدة، وقد تحكمها دول كثيرة ـ فإذا كانت السيادة الشعبية تعني سيادة الشعب في الإقليم الذي تسيطر عليه كل دولة، والذي تستطيع أي حكومة أن تقره، أو تحرمه من حريته، أو تزيف إرادته، وتعمل ما تشاء باسمه، فإن سيادة الأمة التي لها حق الإجماع في الشريعة تمارسها الأمة الإسلامية في جميع أقطارها وأقاليمها. والإجماع الذي يصدر عن هذه الأمة الكبيرة ( أو ممثليها من المجتهدين والعلماء) هو وحده الذي يعتبر مصدرا للأحكام الشرعية، ويجب على الشعوب التي تتكون منها هذه الأمة وعلى من يتكلمون باسمها(بحق أو بغير حق) أن يحترموا هذا الإجماع، لأنه يمثل سيادة الأمة الإسلامية. ثالثا: مبدأ الفصل بين السلطات في الإسلام يفوق النصوص الدستورية التي تقرر في النظم الديمقراطية المعاصرة، لأنه يقوم في الإسلام على الفصل العضوي بين الهيئة التي تتولى التشريع وبين الهيئات السياسية جميعها ابتداء من رئيس الدولة وبرلمانها إلى غيرهما من الهيئات التنفيذية والإدارية" (37).
إذن الخطاب الإسلامي الأصولي يجد في الشريعة نظام حكم متفوق على النظام الديمقراطي، ويعتبرها شاملة وفيها كل أنواع الأحكام فيما يتعلق بحياة الناس وإدارة شؤونهم، وهو ما تعجز الديمقراطية، من وجهة نظر هذا الخطاب، عن تحقيقه. فلا يجوز الحديث عن مقارنة أي نظام حكم وضعي مع الشريعة الإلهية المصدر، فحضور الشريعة وصلاحها لكل زمان ومكان وبين كل الشعوب والثقافات أمر مقرر من الله، ولا يجوز الحديث أو النقاش فيه، وعليه فإن "صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان من المعلوم بالضرورة من الدين، وقد انعقد عليها إجماع السابقين واللاحقين من المسلمين وهي تعتمد على أن هذه الشريعة هي الشريعة الخاتمة التي نسخ الله بها ما قبلها من الشرائع، وأوجب الحكم بها والتحاكم إليها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها" (38).
وحتى ولو عملت الأنظمة الإسلامية بالنظام الديمقراطي ورأت فيه نظاما مؤسساتيا يتوائم مع العصر، وقادرا على الإدارة وتسيير شؤون الناس، فلا بد من تقييد كل ذلك بتعاليم الشريعة والتمسك بحلالها وحرامها وعدم الأخذ بشكل كامل وحرفي بالنظام الديمقراطي كما هو معمول به في الغرب، فثمة أوجه كثيرة للديمقراطية لا تقبلها الشريعة، فالولاء لله في النهاية وليس لقانون الإنسان الوضعي الذي يجعل من المرجعية أفكار وفلسفات ناتجة عن بشر، وعليه لا بد من وضع ضوابط على النظام الديمقراطي في المجتمعات المسلمة، وهنا نجد بأن " الإسلام يعالج هذا العيب عند أول خطوة، إذ يقيم حول الديمقراطية سياجا من قانون أساسي قرره خالق هذا الكون وسيده وحاكمه الحقيقي، وهو قانون لا بد من التزامه للجمهور وللقائمين بأمر شؤونهم جميعا، وبهذا لا ينشأ فيهم أصلا ذلك الاستقلال المطلق الذي يقرن الديمقراطية في نهاية المطاف بالفشل" (39).
وفي بنية النظام الديمقراطي القائم على الأكثرية الشعبية أو النيابية، ثمة، من وجهة نظر الإسلام السياسي وجماعاته، نقيصة أخرى، وهي أن هذه الأكثرية غير مخولة بإصدار القرارات نيابة عن الأمة كلها، والقفز فوق مبادئ الشريعة الملزمة، فالأكثرية لا تستطيع أن تعطل أي حد من حدود الله، ولا إلغاء الحاكمية لله ولا إبطال الولاء للحاكم الذي يطبق الشريعة ويلتزم بها، هذا فضلا عن تأثر هذه الأكثرية بالمؤثرات المختلفة والانحراف الذي قد يصيبها لسبب أو آخر ويجعل منها كتلة تدافع فقط عن مصالحها وكيفية بقائها في الحكم، وتنسى الدفاع عن الشعب الذي جاء بها إلى سدة القرار والحكم.
والفهم الأصولي للإسلام لا يعترف بالتطور الحادث لدى الأمم الأخرى في العالم فيما يخص تطبيق النظام الديمقراطي، فالثبات على فكرة الحاكمية لله ووجوب تطبيق الشريعة بعيدا عن الفكر الديمقراطي المدني وتطوراته، هو الذي يسيطر عليه، لذلك فالفرز باد لدى جماعات الإسلام السياسي بين المواطنين الذين يعيشون في كنف الدولة التي تطبق الدين الإسلامي، وفق تصور أصولي، ومن هنا فقد " استطاعت المدنية أن تخلق بعد معاناة طويلة النظام الديمقراطي، الديمقراطيات تٌطبق الآن على فكرة سيادة الشعوب في الدول القومية، هذا الأسلوب الغربي في الحكم ورغم كل الفروقات الدينية والقومية أصبح محل إجماع من لدن البشرية الآن، وعلى النقيض من الديمقراطي يطوّر المتطرفون الإسلاميون مفهوم "حاكمية الله" القائم على الأمر الإلهي في تقسيم البشر إلى مدنيات شتى، وهذا الأسلوب في حكم الناس والتفرقة بينهم يؤدي إلى فرز الناس إلى جماعات مختلفة تًصنف كل منها وفق مفهوم الإيمان، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع الحروب المذهبية والدينية كما هو الحال في السودان" (40).
أما قضايا الحريات الشخصية والحريات العامة التي يقرها النظام الديمقراطي ويعتبرها مقدسة فلا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها، فهي الأخرى محل رفض من جانب الإسلام الأصولي. فهناك محظورات لا يمكن السكوت عنها حينما يجعل النظام الديمقراطي الإنسان غايته ويسن القوانين من أجل صون حرياته وإسباغ نوع من القداسة عليها، وفي هذا تشبه بالله، إذ أن الإنسان ما هو إلا عبد خٌلق ليعبد الخالق، وهو في حال ارتكابه لأي تجاوز أو ذنب يٌحاكم حسب الشريعة ويٌطبق الحد عليه إذ ما قتل وطغى وأفسد في الأرض.
كما وهناك حديث عن "الديمقراطية الإسلامية"، بمعنى نوع من النظام الديمقراطي يراعي سيادة الشريعة وأحكامها، ولكنه يتوائم مع خصوصية المجتمعات الإسلامية، وهذا النوع من الديمقراطية مقبول عند بعض جماعات وأوجه الإسلام السياسي، من التي تقدم نفسها بوصفها "معتدلة" في سبيل الوصول إلى الحكم ونيل قبول العالم وتجنب الاصطدام مع المجتمع الدولي والقوى الديمقراطية والمدنية داخل مجتمعاتها، فمن أراد أن يطوّع الديمقراطية وفق تفسير الإسلام السياسي وأن يقتبس من هذا الأخير لصالح الأول فله ذلك، فالإسلام فيه كل المبادئ التي تدعو إليها هذه الديمقراطية، "الحق الذي لا مراء فيه أن الإسلام لا يمكن أن يكون خصما للديمقراطية...فالانتخاب والبيعة والشورى والاستماع إلى رأي الخصم هو صميم الإسلام، والتعددية في الرأي أساس في الإسلام، بينما الانفراد بالرأي والديكتاتورية والقهر مرفوض من الإسلام جملة وتفصيلا" (41).
وفي الأساس فإن قضية التوحيد في الإسلام، وهي أهم ركن في الدين الإسلامي، أي الإقرار بوحدانية الله، حيث نكران ذلك هو كفر بواح، هذه القضية تعني بأن الله هو صاحب الشرع والكلمة ولا يجوز معارضة أي حكم قد أقره في القرآن الكريم، أو إبطال أي حد، وهو الأمر الذي يتعارض والنظام الديمقراطي الذي يقر بسيادة الشعب، ويسن القوانين الوضعية من أجل تسيير شؤون الناس، مبطلا في الكثير من الأوجه القانون الإلهي وأحكامه، ومن هنا يمكن القول بان " مفهوم التوحيد في الإسلام يعني سيادة شرع الله في الأرض وليس سيادة الشعب، الإسلام الأصولي يقدمه بهذا الشكل، كذلك لا يٌجيز هذا التفسير منح المشروعية لرجال الدين لكي يمنحوه بدورهم للمجتمع والإدارة، فيتصرفوا حسب ما يروه في شؤون السياسة والحكم. أما الشورى فهي ضرورة أن يشاور الحاكم المسلمين في ما يخص تطبيق العنف في قضية ما" (42).
وهناك من يعترض على مقارنة النظام الديمقراطي بحكم الشريعة أو الدولة الدينية الإسلامية، وينفي وجود أي مشتركات بينهما، أو حتى إمكانية التوائم والتزاوج بينهما. فالدولة الدينية هي دولة شمولية بالضرورة، وهي دولة قائمة على نصوص وتفسيرات الدين ولا علاقة لها بالفكر الديمقراطي وقوانين النظام التشاركي القائم على الانتخابات ورأي الأكثرية، لذلك فإن أي حديث عن وجود "ديمقراطية إسلامية" هو حديث فارغ ولا يملك أي مصداقية، "هل يمكن للديمقراطية أن تكون سمة للنظام السياسي المزمع إقامته من قبل الإسلاميين؟ الجواب هو بالنفي، وهنا ألخص أسبابه على النحو الآتي: لا يمكن لنظام سياسي ديمقراطي أن يجد تربة صالحة له في الدولة الدينية أمسيحية كانت أم سلامية، لأن الدولة الدينية تميل بطبيعتها لأن تكون دولة كليانية/توتاليتارية، والدولة الكليانية هي تماما عكس الدولة الديمقراطية. وبما أن الغرض الأساسي للإسلام السياسي هو إقامة دولة إسلامية، أي دولة دينية، إذن لا أمل في أن تكون الديمقراطية سمة للنظام السياسي لهذه الدولة" (43).
لذلك هناك اختلاف كبير بين الرؤيتين الإسلامية الأصولية القائلة بحكم الشريعة وتحكيمها، وبين الديمقراطية القائمة على تحكيم رأي الشعب عن طريق صناديق الاقتراع واعتماد مبدأ الأغلبية، فالشريعة الإسلامية، وفق رؤية جماعات الإسلام السياسي، تعتبر الدين هو وطن المسلم وجنسيته وانتمائه، وهذا ما ترفضه الديمقراطية والوطنية، والتي تلزم الإنسان التمسك بوطن جغرافي محدد والخضوع لقوانينه المحلية الوضعية، ورفض اعتبار أي قانون آخر هو المرجعية والأساس. الرؤية الأصولية ترفض ذلك، فهي ترى الإسلام هو وطن المسلم ولا قانون يٌعلى على الشريعة ومبادئها في الحكم والإدارة، وأي قانون وضعي يتعارض معها لا يجب اعتباره أو مراعاته.
ومن هنا كان الخلاف الجذري البنيوي بين الرؤيتين، وهو خلاف يظهر أثناء الرد على مساعي ودعوات مفكري جماعات الإسلام السياسي الذين يطالبون بمزج الديمقراطية بالشريعة والحصول على "الديمقراطية الإسلامية" منها، وعليه فإن " مجرد الدعوة إلى اعتبار دين الإنسان بمثابة جنسيته فكرة تصطدم بالكثير من القيم الوطنية والديمقراطية وتتعارض مع فكرة "المواطنة" العصرية التي تنظر إلى كل حملة جنسية دولة ما، باعتبارهم مواطنين لهم الحقوق والواجبات نفسها وفرص الارتقاء السياسي والإداري وغيره بغض النظر عن دينهم، في حين تمنع الشريعة الإسلامية غير المسلمين، وكذلك النساء، من بعض المناصب الرفيعة(...)، والخلاصة أن الفقهاء يٌميزون عادة بين الحر والعبد، والمسلم وغير المسلم، والذكر والأنثى، في حين تقوم القوانين الدولية المعاصرة على المساواة بينهما" (44).
وخلال تطبيق جماعات الإسلام السياسي لآرائها وأفكارها كنظام حكم وإدارة في دولة ما، فإن أنظمة سير حياة الناس المعهودة تتغير، والمفاهيم المعهودة والمعمول بها في الدول المدنية الديمقراطية، هي كذلك تتغير وتحل محلها مفاهيم أخرى، تستمد شرعيتها وقداستها من التفسير الأصولي للدين الإسلامي، ومن السلطة التي تتشدد في تطبيق هذه المفاهيم وفرض العقوبة الرادعة على كل من ينتهكها دون رحمة، ومن هنا نجد بأن الإسلام السياسي " ينظر إلى السياسة بوصفها فقط أداة من أجل الوصول إلى الحكم وبناء دولة الشريعة، والتي نفهمها هنا بأنها دولة دينية طقوسية تضع في مرجعيتها وأولى اهتماماتها الدين وطقوسه ومظاهره(...)، ونرى في الحياة العامة مفاهيم جديدة تختلف عن تلك الموجودة في دولة القانون الوضعي، مثل مفاهيم "المعروف والمنكر" و"الحق والباطل"، و"الحلال والحرام"، ويتم الحديث دائما عن "المصلحة العامة"، حيث يكون الإسلام هو المحدد لكل مظاهر الحياة. ويتم هنا إهمال التعددية البرلمانية والتطبيق الديمقراطي ودور المعارضة والأنظمة المتعددة المهام، بمعنى أن التفسير الأخلاقي للأمور هو الذي يحل محل النظام والقانون الديمقراطي المدني، في الحين الذي لا يمكن فيه الحديث إلا عن النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية فقط" (45).
ومن رفضها البنيوي للديمقراطية الغربية في المجتمعات المسلمة، لا تنطلق جماعات الإسلام السياسي فقط من المفاهيم النظرية وكم التراث الأصولي وفتاوى الرفض والكراهية حيال الغرب وتجربته الديمقراطية، بل كذلك تنطلق من الواقع السياسي والأرضية النفسية للمواطن العربي والمسلم والتي تحتكم على مواقف سلبية للغاية من الغرب عموما ومن الولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، فالغرب، في متن الخطابين القومي العربي والإسلامي الأصولي، هو الذي زرع إسرائيل في المنطقة العربية وشرد الشعب الفلسطيني، وهو الذي ما يزال يدعم هذا الكيان ويمده بأسباب القوة والصمود، مما قوّى هذا الكيان ودفعه إلى محاربة العرب وإلحاق الهزائم العسكرية المتكررة بهم والتوسع في بلدانهم، هذا ناهيك عن ما تحتفظ به الذاكرة الجمعية عن الغرب بوصفه الاستعمار وناهب ثروات الشعوب والمتبجح بالتفوق الحضاري.
ووفقا للاتهامات السابقة والحكم المسبق، فإن" أحد أسباب رفض العرب والمسلمين للديمقراطية وتطبيقاتها وفق النموذج الغربي يعود إلى العوامل النفسية والمزاج العام المعادي للغرب، فالغرب دعم إسرائيل ومازال يدعمها في حروبها ضد العرب وفي سياستها ضد الشعب الفلسطيني. الدعم الأميركي والغربي لإسرائيل جعل الشعوب العربية تعادي هذه الدول وكل نموذج يخرج منها وتبني مجموعات الإسلام السياسي خطابها الرافض للغرب وقيمه على هذه القضايا، وقلما يتم الحديث مثلا عن أمور أخرى كان فيها الغرب عادلا، مثلا وقوف أميركا والاتحاد السوفيتي في وجه الحرب الإسرائيلية البريطانية الفرنسية ضد مصر عام 1956 م. كما يلعب التاريخ الاستعماري لأوروبا وتراث نهب ثروات الشعوب والتفوق الحضاري والثقافي دورا واضحا في رفض الديمقراطية الغربية" (45).
وهكذا نجد بأن الإسلام السياسي ينظر إلى الديمقراطية بوصفها نظاما وضعيا لا يجب أن يحل محل الشريعة في حياة المسلمين. فالشريعة هي الأساس والحاكمية يجب أن تكون لله وليس للقانون الوضعي الإنساني. كذلك يرى الإسلام السياسي في الشريعة نظاما صالحا لكل زمان ومكان، وهو نظام إلهي بالضرورة متفوق على الديمقراطية بكل أرثها وآلياتها، كما يذهب أبو الأعلى المودودي في المقارنة التي ساقها في متن عرضنا لهذا الموضوع، لذلك لا يجب ترك الشريعة والتمسك بالديمقراطية.
أما قضية الأكثرية والأقلية في النظام الديمقراطي، فهي كذلك غير معترف بها في قانون الشريعة الإلهية. فالأمر الإلهي ملزم حتى وأن رفضت الأكثرية ذلك. والأكثرية ليس من حقها تغيير قانون أقرته الشريعة، أو الطعن في حد من حدود الله، أو إبطال معلوم من الدين بالضرورة. كذلك ثمة قناعة لدى دعاة الإسلام السياسي بان الأمراض الاجتماعية وغياب القيم وسيادة الفهم المادي للأمور في الغرب، إنما هي من مخلفات التمسك بالنظام الديمقراطي وترك الشريعة ومبدأ الحاكمية لله. أما فيما يخص فكرة التوائم بين الديمقراطية والشريعة، فهي فكرة قد تكون مقبولة إذ ما كان التوائم مقتصرا على الآليات وليس الجوهر. أي دون أن تؤثر الديمقراطية على الشريعة وأصولها وقوانينها المعمول بها في الحياة العامة.
المصــــــادر:
1ـ حسين، محمد الخضر، الحرية في الإسلام، القاهرة، مصر، دار الاعتصام بدون اسم دار النشر وبدون تاريخ النشر. ص  15.
2- Broka, Hosheng, Hobbes, Locke und Rousseau: Staatstheorien im Vergleich“, eine Masterarbeit zur Erlangung des Masters an der Philosophischen Fakulität der Universität Oldenburg, Deutschland. Seite 37.
3ـ فقيهي، علي بن حسين بن أحمد، مفهوم الحرية ـ دراسة تأصيلية ـ  بحث تكميلي لمرحلة الماجستير مقدم لكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية"، الرياض، السعودية 2011 م، ص 32 و33 و34.
4ـ فروم، أريك، الخوف من الحرية، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1972م، ص 37.
5ـ فقيهي، علي بن حسين بن أحمد، "مفهوم الحرية ـ دراسة تأصيلية ـ  بحث تكميلي لمرحلة الماجستير مقدم لكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 30 و 31 و32 و 33.
6ـ العميري، سلطان بن عبد الرحمن، فضاءات الحرية: بحث في مفهوم الحرية في الإسلام وفلسفتها وأبعادها وحدودها"، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، المركز العربي للدراسات الإنسانية 2013 م، ص  36 و37.
7ـ الصلابي، علي محمد، الحريات من القرآن الكريم: حرية التفكير والتعبير والاعتقاد والحريات الشخصية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى،  دار المعرفة 2004 م، ص 32 و33.
8ـ نفس المصدر، ص 10.
9ـ الشحود، علي بن نايف، مفهوم الحرية بين الإسلام والجاهلية، الطبعة الأولى 2011، دون الإشارة إلى اسم الدار أو مكان النشر، ص 7 و8.
10ـ القرضاوي، فتاوى معاصرة، الكويت، الجزء الأول، الطبعة الأولى، دار القلم 1996 م، ص 701 و 702.
11ـ القاسم، خالد بن عبد الله، الحرية الدينية بين المسلمين وأهل الكتاب: تأصيل المفهوم ورد الشبهات، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، مكتبة الملك فهد الوطنية 2009 م، ص 14.
12ـ النجار، حسين فوزي، الإسلام والسياسة: بحث في أصول النظرية السياسية و نظام الحكم في الإسلام، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، مطبوعات الشعب 1969 م، ص 112.
13ـ العميري، سلطان بن عبد الرحمن، فضاءات الحرية: بحث في مفهوم الحرية في الإسلام وفلسفتها وأبعادها وحدودها، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 51.
14ـ الغنوشي، راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية 1993 م، ص 41.
15ـ العميري، سلطان بن عبد الرحمن، فضاءات الحرية: بحث في مفهوم الحرية في الإسلام وفلسفتها وأبعادها وحدودها"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 61.
16ـ المطعني، عبد العظيم إبراهيم، مبادئ التعايش السلمي في الإسلام: منهجا ومسيرة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الفتح للإعلام العربي 1996 م، ص 54.
17ـ حسين، محمد محمد، الإسلام والحضارة الغربية، بيروت، لبنان، مؤسسة الرسالة 1982 م، ص 24 و 25.
18ـ حسين، محمد محمد، "حصوننا مهددة من داخلها"، بيروت، لبنان، الطبعة الثامنة، مؤسسة الرسالة 1983، ، ص 39.
19ـ الشحود، علي بن نايف،" مفهوم الحرية بين الإسلام والجاهلية"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 12.
20ـ الزحيلي، د. محمد، الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية: أبعادها وضوابطها"، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 27، العدد الأول 2011 ، ص 384.
21ـ المودودي، أبو الأعلى، "نحن والحضارة الغربية"، جدة، السعودية، الطبعة الأولى، الدار السعودية للنشر والتوزيع 1987 م، ص 225 و 226.
22ـ قطب، سيد، "نحو مجتمع إسلامي"، القاهرة، مصر، الطبعة العاشرة، دار الشروق 1993 م، ص 102.
23ـ الوكيل، محمد السيد، قواعد البناء في المجتمع الإسلامي، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، دار الوفاء للطباعة والنشر 1989 م، ص 66.
24ـ الجاسور، ناظم محمد، موسوعة علم السياسية، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي للطباعة والنشر 2004 م، ص 197.
25ـ حوحو، أحمد صابر، مبادئ ومقومات الديمقراطية، مجلة المفكر، العدد الخامس آذار 2010، وهي مجلة صادرة عن كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر. ص 312.
26ـ الحمد، جواد، رؤية واقعية للتحولات الديمقراطية في الوطن العربي ومستقبلها"، ورقة مقدمة إلى ندوة "الديمقراطية والتربية في الكويت والوطن العربي" جامعة الكويت/كلية التربية 2009، والورقة موجودة على موقع "مركز دراسات الشرق الأوسط" على شبكة الإنترنت، على الرابط التالي:  http://www.mesc.com.jo/OurVision/1999/26.html#4
27ـ ـ المصري، عبد الوهاب محمود، الشورى والديمقراطية والعلاقة بينهما، مجلة الفكر السياسي الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب، العدد الثاني، السنة الأولى 1998، ص 8.
28ـ ـ الببلاوي، حازم، عن الديمقراطية الليبرالية: قضايا ومشاكل، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الشروق 1993 م، ص 9.
29- Nolte, Paul, Was ist Demokratie?. Deutschland 2012, C.H.Beck Verlag. Auflage: 1. Seite 74 und 75.
30ـ خاتمي، محمد، الإسلام والعالم، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة، مكتبة الشروق 2002 م، ص 77.
31ـ نفس المصدر، ص 86.
32ـ هويدي، فهمي، الإسلام والديمقراطية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، مركز الأهرام للترجمة والنشر 1993 م، ص 97.
33ـ الفنجري، محمد شوقي، كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية؟، الطبعة الأولى، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1990 م، ص 224.
34ـ مفتي، محمد أحمد، أركان وضمانات الحكم الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، مؤسسة الريان للطباعة والنشر 1996 م، ص 28 و 29.
35ـ المودودي، أبو الأعلى، "نظرية الإسلام السياسي"، دمشق، سوريا، الطبعة الثالثة، دار الفكر 1967 م، ص 33.
36ـ المودودي، أبو الأعلى، الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، الكويت، الطبعة الرابعة، دار القلم 1980 م، ص 249 و 250.
37ـ القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام: مكانتها..معالمها..طبيعتها وموقفها من الديمقراطية والتعددية والمرأة وغير المسلمين، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، دار الشروق 1997 م، ص 38 و 39.
38ـ الصاوي، صلاح، يسألونك عن الشريعة: حوارات حول الشريعة والعلمانية، دون مكان وتاريخ النشر، الطبعة الأولى2011 م، ص 78.
39ـ المودودي، أبو الأعلى، الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 251.
40-   -Tibi, Bassam, Die neue Weltordnung: Westliche Dominanz und islamischer Fundamentalismus. Deutschland 2001, Econ Tb Verlag, S 91.
41ـ محمود، مصطفى، الإسلام السياسي والمعركة القادمة"، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، مطابع أخبار اليوم 1997 م، ص 9.
42- Hafez, Kai, Heiliger Krieg und Demokratie: Radikalität und politischer Wandel im islamisch-westlichen Vergleich. Deutschland 2009,Transcript Verlag, Auflage 1, S 92.
43ـ ضاهر، عادل، أولية العقل: نقض أطروحات الإسلام السياسي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، دار أمواج 2001 م، ص 359.  
44ـ حيدر، خليل علي، اعتدال أم تطرف: تأملات نقدية في تيار الوسطية الإسلامية، الكويت، الطبعة الأولى، دار قرطاس للنشر 1998 م، ص 38.
45- Krämer,Gudrun: Demokratie im Islam: Der Kampf für Toleranz und Freiheit in der arabischen Welt. München. Deutschland, C.H.Beck oHG Verlag 2011. S 121 und 122.
46- Kem, Jonathan: Der Islam und die Demokratie- Ein widerspruch?. Norderstadt. Deutschland, GRIN Verlag 2002 S 7.  
* باحث في الإسلام السياسي. من فريق عمل المركز الكردي للدراسات.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net