Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

ماتياس هايتمان *
في نهاية صيف عام 2017 استطاع الكرد السوريون بقيادة وحدات حماية الشعب(YPG)، وبمساعدة عسكرية من الولايات المتحدة الاميركية، طرد تنظيم "داعش" الإرهابي من عاصمته المزعومة الرقة. وكان الأساس في هذا الانتصار هو التكامل بين هذه الوحدات وقوات سوريا الديمقراطية، وهي تحالف كردي ـ عربي قام لمحاربة "داعش" وطرده من المنطقة، وتلقى تدريبات ميدانية من حولي 2000 عسكري أميركي، جاءوا لإعداد هذه القوات وتأهيلها في المعارك والمواجهات التي سيخوضها ضد الجهاديين.

ومنذ تحقيق الانتصارات ضد تنظيم "داعش" وبدء اختفائه من على الخريطة، تحولت الأمور والمجريات لصالح الكرد. وهكذا بات الكرد ينتظرون ويأملون في دعم سياسي غربي، إلى جانب الدعم العسكري الهادف للنيل من "داعش" وإلحاق الهزيمة به. فالكرد حاربوا هذا التنظيم الدموي في الجبهات الأمامية بأسلحة غربية، وبدعم وتأهيل من الغرب، ولم يكن هدفهم فقط سحق هذا التنظيم، ولكن أيضا الوصول إلى حقوقهم السياسية، ورؤية حلمهم الكبير في الإستقلال وتقرير المصير.
منذ الهجوم التركي على مواقع وحدات حماية الشعب(YPG) في شمال سوريا، بدأ الكرد السوريون يشعرون باختلال توازنهم، وفقدان ثقتهم، رغم كل أشكال الدعم السابق. فعندما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن نية الجيش التركي بالهجوم على مناطق شمال سوريا، و"تطهير تلك المناطق بشكل ممنهج من الإرهابيين"، ذهب الاعتقاد بأن أردوغان سوف يبدأ قريبا التحرك عسكريا ضد الكرد السوريين ومناطقهم. ومنذ عام 2015 تقوم قوات الجيش التركي بشن هجمات متواصلة على مواقع القوات الكردية المنشغلة، بتكليف من الغرب، بمحاربة تنظيم "داعش" وتطهير المنطقة من سيطرته وحكمه.
قد تبدو الحالة مضطربة وضبابية، وثمة شعور بالخجل لما يتعرض له الكرد الآن. لكن لا مفاجأة جديدة في سياسة كل من تركيا وسوريا والعراق وإيران تجاه الكرد وقضيتهم في المنطقة. فهذه الدول لديها دائما النية في قمع الكرد ومنعهم من الحصول على أي وضع سياسي يؤمن لهم الاستقلالية وإدارة شؤونهم بأنفسهم. وقد أعترى خوف كبير أنظمة هذه الدول جراء تعاظم الدور الكردي في خضم الحرب على الإرهاب. فالجهة الوحيدة التي كانت سعيدة ومرتاحة للدور الكردي الأخذ في التعاظم، كانت الدول الغربية. ففي شهر كانون الأول الماضي أعرب وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون عن رغبة الولايات المتحدة في مواصلة دعمها للكرد والرهان عليهم في الحرب على الإرهاب. وكان الإعلان الأميركي عن تشكيل جيش من الكرد والعرب لحراسة الحدود الشمالية ـ الشرقية لسوريا بغية منع ظهور جديد ل"داعش" والحيلولة دون تجميعه لصفوفه مرة أخرى، بمثابة إشارة مشجعة للكرد السوريين بترجمة دورهم العسكري إلى مكتسبات سياسية ووضع إداري دائم ومثبت. تركيا لم ترى في هذه الخطوة الأميركية إجراء لمحاربة "داعش"، فهي تعتبر وحدات حماية الشعب(YPG) فرعا من حزب العمال الكردستاني(PKK) الذي تصفه بالإرهاب. فتشكيل جيش في شمال سوريا يقوده من تصفهم تركيا بالإرهابيين، وبدعم عسكري أميركي، يعني في النظرة التركية الرسمية الموافقة على تشكيل دولة أمر واقع في الشمال السوري، مما يعني تشجيع أكراد تركيا على الاقتداء بالكرد السوريين وتصعيد نضالهم ضد الدولة التركية. وعندما بدأ أردوغان حملته العسكرية ضد الكرد في عفرين، وهو الأمر الذي لم يكن مفاجئا، اختفى الحديث في الغرب عن الجيش الذي كان المفروض تشكيله ليحمي المناطق الحدودية في شمال وشرق سوريا من هجمات "داعش". على العكس من ذلك، ظهر "تفهم" لمخاوف تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وبدا ان هناك استيعابا للعملية العسكرية التركية، وتنديدا خجولا بقصف أنقرة للمدنيين ومناطقهم.
التاريخ يتحدث عن خيبة الأمل الكردية المستمرة من الآخرين. فمساعي هذا الشعب في الحصول على حقه في تقرير المصير، والاستعداد الدائم لديه لدفع الكلف الكبيرة، جعله يتحول إلى ضحية في الحسابات الدولية. فالثقة في القوى الكبرى، والاستعانة بها في النضال لتحقيق حلم التحرر والاستقلال، لم يقدم سوى الخيبات. فالهدف الكردي في الدولة وتقرير المصير ما يزال بعيدا. لقد استطاعت تركيا أن تهاجم حزب العمال الكردستاني وتصفه بالإرهاب على مرآى ومسمع العالم، ودون أي كلمة أو موقف من أحد، لكن المستغرب والمخجل في الأمر هو أن تهاجم أنقرة، بنفس السوية والشراسة، وحدات حماية الشعب(YPG) الجيش المدعوم والمسلح من قبل الغرب، والقوة التي هزمت "داعش"؟. هذا التعامل قصير النظر مع القضية، حوّل الكرد إلى ضحية للسياسات والحروب الحاصلة الآن. فالمساعي الكردية الرامية إلى التحرر والانعتاق من الظلم، لا يتفهمها الغرب بوصفها نضالا مشروعا يرمي إلى الحرية وتقرير المصير، بل مساعي "شوفينية ضيقة" للانفصال والاخلال بالاستقرار والنظام.
الكرد يؤمنون، بخلاف الغرب الذي فقد هذا الإيمان، بتشكيل مجتمع حر ديمقراطي قادر على ممارسة السيادة و إدارة شؤونه الحياتية بنفسه. فالقومية الكردية متأثرة بشكل كبير بالحرية والحلم الحاضر دائما في تقرير المصير. هذا الحلم وحد الكرد، رغم التجاذب والتشتت هنا وهناك، وحولهم إلى مقاتلين أشداء طموحين في سبيل ترجمة هذا الحلم إلى حقيقة وواقع. الكرد الذين تصدوا لإرهاب "داعش" وكانوا محل ثناء ومديح العالم، يٌتركون الآن لوحدهم في وجه الدولة التركية، التي يقول بعض الغرب عنها "شريك مهم في حلف شمال الأطلسي"، مبدين بعض التفهم لحملتها العسكرية. لكن على الكرد أن يعلموا بأن سياسة الغرب في منطقة الشرق الأوسط قائمة على الحفاظ على الوضع الحالي، أو ما يسمونه "الإستقرار" الذي يساهم في إنتاج وطرح مشاكل جديدة، مستمرة، ومأزومة. أما إعادة التشكيل بالشكل الذي يترجم الأحلام والحقوق الكردية إلى واقع عملي، فهو أمر غير موجود على أجندة أي من القوى الغربية. وما الإصرار على تصنيف حزب العمال الكردستاني على إنه "منظمة إرهابية"، ورفض الاعتراف بنضاله الثوري من أجل الشعب الكردي، إلا المضي قدما في إهمال الحالة الكردية.
المأساة الكردية تكمن في تصوير نضال هذا الشعب من أجل الحرية والاستقلال على إنه ثورة مسلحة لتغيير واقع، يبدو أن الجميع راضون عنه. والكرد في النهاية هم من يدفعون ثمن هذا الاصرار على الكفاح المسلح. ورغم ان الرأي العام الغربي لا يحمل ودا للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلا انه غير متحمس للمقاومة والتصدي لسياسات الاضطهاد والتهميش الصادرة من أردوغان وحكومته. الذهنية الغربية لا ترى سوى جلاد وضحية. لكن الثوار والمقاومون والراغبون في انتزاع الحقوق القومية، لا يمثلون في الوعي الغربي سوى "حركات مشبوهة"، تؤثر سلبا في الاستقرار والنظام. الرفض الغربي لمساعي التحرر وتقرير المصير يشكل معضلة في الذهنية السياسية الغربية. فدعم الغرب للنضال الكردي من أجل التحرر، يعني، من وجهة النظر الرسمية، إحداث الاضطرابات في الشرق الاوسط، بل حتى في الغرب.
الأزمة الكردية لها جوانب عديدة: فالمساعي الكردية الرامية للحكم الذاتي وتقرير المصير، لا تدخل ضمن نطاق التفكير والاهتمامات الغربية التي تغلب عليها نظرة العولمة وازالة الحدود ونفي وتهميش الآراء والطموحات القومية. وفي ظل سياسة اللامبالاة هذه، يتم تصنيف كل مساعي التحرر والكفاح لتقرير المصير في خانة "اللااستقرار"، والتعامل معها بالشك والريبة واللاثقة. لذلك يتم النأي عن مثل هذا الكفاح، ورفض كل أساليبه. ومن هنا فإن الهزيمة الكردية، هي في معنى آخر، هزيمة للفكر السياسي الغربي، غير القادر على التوائم بين نضال الشعوب وحقوقها والتوازن السياسي الدولي بكل ما يعنيه من مصالح واعتبارات. هزيمة الكرد هي إذن هزيمة للغرب. ومن هنا اعتقد ان دعم الكرد في مساعيهم لتحقيق الديمقراطية والحرية سيكون إشارة رفض قوية للإزدواجية الاخلاقية لدى الغرب.
• مجلة (Cicero) الألمانية المختصة في الثقافة السياسية.
الترجمة : المركز الكردي للدراسات

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net