Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الفريد هاكنسبيرغر *
صراخ المقاتلين كان يتعالى في الظلام وهم يهتفون " قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد". رجال ملتحين، يحملون المدافع الرشاشة، ويرفعون شارات "التوحيد"، ويتوعدون بالقتل. يتوجه هؤلاء المقاتلون المنضوين تحت اسم "الجيش السوري الحر" إلى المناطق الحدودية للمشاركة في الهجوم على منطقة عفرين الكردية. ثمة 5000 مقاتل من التنظيم المذكور يهاجمون، بدعم وإشراف تركي، تلك المنطقة التي تقع في اقصى الشمال الغربي من سوريا.

عفرين تسيطر عليها وحدات حماية الشعب (YPG) والتي تعتبرها تركيا "منظمة إرهابية"، لها علاقة مع حزب العمال الكردستاني، الذي تقول أنقرة إنه مسؤول عن شن العديد من الهجمات على المدنيين داخل تركيا. وبهدف إخراج وحدات حماية الشعب من عفرين، شكلت تركيا مجموعة متنوعة من المرتزقة: جماعات من بقايا "الجيش السوري الحر"، وكتائب من التشكيلات الإسلامية ذات التوجه الجهادي. ونتيجة لهذه التركيبة، والهجوم التركي على منطقة عفرين، فإن حالة من الهلع والفزع تنتشر بين السكان المحليين هناك. فالأمر لا يتعلق بحدوث تغيير في نظام الحكم والإدارة فقط. ففي عفرين يعيش إلى جانب الكرد، أيضا مكونات مثل الإيزيديين والمسيحيين، وهؤلاء ينتابهم فزع شديد من إمكانية سيطرة المجموعات الإسلامية المدعومة من تركيا على مناطقهم. فحيث يحكم هؤلاء الجهاديون، يتعرض غير المسلمين إلى إضطهاد وتنكيل شديدين. يقول الشيخ الإيزيدي سليمان جعفر، بأن السكان المدنيين في عفرين يتعرضون إلى قصف شديد من المدفعية والطيران التركي. ومجرد التفكير في زحف الجهاديين المدعومين من تركيا على المنطقة ونجاحهم في إحتلالها، يثير الرعب والهلع الشديدين في نفوس الناس. ويطالب السياسي الإيزيدي جعفر المجتمع الدولي بالتدخل الفوري وإيقاف العدوان التركي قبل فوات الأوان، موضحا بأنهم يعرفون حقيقة هؤلاء المقاتلين الإسلاميين، فقد خبروهم طيلة الحرب الأهلية السورية عبر هجماتهم المستمرة وقصفهم العشوائي للمناطق المدنية الآهلة.
في منطقة عفرين يعيش حوالي 20.000 إيزيدي موزعين في 21 قرية. وبعض هذه القرى تقع على مقربة 500 متر أو حتى 200 متر من خط الحدود الدولية مع تركيا. كذلك ناشدت الكنيسة المسيحية في عفرين المجتمع الدولي بالتدخل ووقف هجمات الجهاديين وحليفهم الجيش التركي على عفرين. وقال راعي الكنيسة الكاهن علي حكيم إنه أرسل رسائل وبرقيات مناشدة عاجلة إلى العديد من الجهات الدولية، يناشدها التدخل لحماية أرواح المسيحيين وبقية السكان من العدوان التركي الغاشم على مدينتهم وقراهم. وأضاف حكيم إنه حذر المجتمع الدولي من وجود " خطر كبير يتهدد 250 عائلة مسيحية في عفرين، إذما سيطرت القوات التركية المهاجمة وحلفائها من الجهاديين على عفرين".
ويتخوف الإيزيديون والمسيحيون خصوصا من الهجوم العسكري التركي المتحالف مع المجموعات الجهادية. وقد عانت هاتين الأقليتين في كل من العراق وسوريا من هجمات تنظيم "داعش" والمجموعات الإسلامية الجهادية الأخرى، والتي أعملت في المدنيين الإيزيديين والمسيحيين القتل الجماعي والتنكيل والخطف والتطهير العرقي، ودمرت معابدهم وكنائسهم وآثارهم في المناطق التي وصلها هؤلاء الجهاديون. وحتى الآن تٌعد عفرين إحدى "الجزر" القليلة الآمنة، من التي يعيش فيها الناس، بكل أعراقهم ومعتقداتهم، أحرار ومتآلفين، في خضم بحر الحرب الأهلية السورية المندلعة منذ 7 أعوام. لكن هذا الواقع يمكن أن يتغير إذما سيطرت قوات الجيش التركي وحلفائها على المنطقة. عفرين يمكن أن تغرق في دوامة عنف كبيرة ومدمرة.
العلاقات التركية مع المجموعات الإسلامية الجهادية لم تعد خافية على أحد، وليست سرا. فمنذ الحرب الأهلية السورية، قدمت أنقرة الدعم للمجموعات الإسلامية الجهادية، من ضمنها تنظيم "داعش" أيضا، ومدتها بكل سبل الدعم والمساعدة. في العام الماضي أسست تركيا ما أسمته ب"الجيش الوطني السوري"، وهو جسم يضم 30 مجموعة مسلحة مختلفة، بقوام 22.000 مقاتل. وتحاول تركيا من خلال هذه المجموعات إشاعة نوع من "التكتل" و"الانضباط" بتوحيد هذه المجموعات في جسم عسكري واحد، والتدخل، من خلالها، بشكل يناسب مصالحها، في دوامة العنف والحرب الأهلية المستعرة في سوريا. ويمكن في الوهلة الأولى تفهم الموضوع، لكن الأمر يختلف حينما يعلم المرء الاختلال الظاهر في بنية وجسم هذا "الجيش الوطني السوري". فالعديد من هذه المجموعات المشكلة للجسم العسكري الجديد، إسلامية المنشأ والتوجه. والكثير منها إرتكب إنتهاكات كبيرة في مجال حقوق الإنسان، وسجلها حافل بالاتهامات والخروقات في هذا المجال. وربما يكون الهدف التركي من وراء تشكيل هذا "الجيش الوطني" هو ضم مجموعات إسلامية أخرى إليه، وبالتالي إخفاء المعالم الجهادية لهذه المجموعات ضمن إطار تقول إنقرة إنه "وطني" جامع. ومن بين هذه المجموعات حركة "أحرار الشام"، والتي لم تقرر حتى اليوم الفصل في إنتمائها وعلاقتها بتنظيم "القاعدة"، وما إذا كانت تتبع، فكرا وممارسة، لهذا التنظيم، أم لتنظيم آخر وهو جماعة "الاخوان المسلمين" السورية. وعبر تشكيل هذا "الجيش الوطني السوري" تحاول تركيا منح هذه المجموعات طوق نجاة وإنقاذ حياتها، عبر منحها الغطاء الشرعي "المعتدل"، وتأهيلها من جديد في خضم بحر الحرب الأهلية السورية المتلاطم. فتركيا تلعب بالورقة الإسلامية الجهادية منذ مدة، ولا يظهر بأنها قررت التخلي عن هذه الورقة والتوقف عن توظيفها، أو أن لديها النية للتوقف عن مثل هذا "التوظيف" في الفترة المنظورة القادمة.
يقول شارلز ليستر الخبير الأميركي في الشأن السوري، بأن أغلب المجموعات المشاركة في العملية التركية الهجومية في عفرين، تلقت في وقت ما دعما عسكريا من الولايات المتحدة الأميركية. لقد خضعت أميركا آنذاك هذه المجموعات للفحص والاختبار، ورأت إنها تستحق الدعم الأميركي. ويعتقد ليستر المسؤول في معهد (Middle East Institute) بأن هذه المجموعات ورغم إنها ليست "علمانية"، ولكنها ليست تماما جهادية، بل هي تميل إلى العصبية القومية العربية، ورغم إنها لا تلفظ كلمة "الديمقراطية"، ولا تؤمن بها، ولكنها تفضل المشاركة في نظام سياسي يقوم على الإنتخابات ووجود برلمان. وحول الإتهامات الواردة بحق هذه المجموعات، والتي تصنفها ك"جهادية" متطرفة، يتمسك الخبير الأميركي برأيه بأن هذه المجموعات ذات توجه عروبي متشدد، وسبق وأن تلقت الدعم الأميركي، وأخضعت قبل ذلك لمجموعة من الاختبارات والشروط التي تأكدت من خلالها واشنطن عدم وجود صلة بينها وبين الفكر الاجهادي المتطرف.
ولكن ماذا حول العداء المستحكم لهذه المجموعات للكرد؟. يقول أحمد بري، وهو رئيس أركان "الجيش السوري الحر" في حديث سابق لصحيفة ( Die Welt) بأن الكرد جميعا هم "مجرمون ورجال عصابات، وعليهم الرحيل من هذه المنطقة"، قاصدا بهذا الكلام وحدات حماية الشعب. ثمة حقد كبير وكره واضح منتشر في صفوف مجموعات المعارضة السورية حيال الكرد. فالكرد من وجهة نظرهم "خونة". الكرد خانوا "الثورة السورية" وهم "متعاونون مع نظام الأسد". وربما الآن استعر هذا الكره أكثر، بعد دعوة وحدات حماية الشعب النظام السوري إلى حماية الحدود السورية والدفاع عن عفرين. ويعتبر ليستر المحاولة التركية بتشكيل "الجيش الوطني السوري" جيدة، زاعما بأن أنقرة، ومن خلال هذه الخطوة، تستطيع التحكم بهذه المجموعات وضبطها. فهي مرتطبة تمويلا وإشرافا عسكريا بالدولة التركية. وترغب تركيا ضم "هيئة تحرير الشام" إلى هذه الجسم، كما نجحت في ضم "حركة أحرار الشام" إليه، لكن هذا الأمر يٌقابل بالرفض والصد. فهذه الهيئة هي فرع من فروع تنظيم "القاعدة"، مركزها ادلب.
أما نيكولاوس هيراس الباحث في (Center for New American Security) فيعتبر هذا "الجيش" الذي شكلته تركيا، عبارة عن مجموعة من المرتزقة، التي تحاول تركيا تنظيم صفوفهم من جديد وإشراكهم بالوكالة في الحرب الأهلية السورية كأوراق ضغط تركية، مهمتها ترجمة طموحات أردوغان وفرض أجندته على ساحة الواقع وأرض المعركة الأهلية في سوريا. ويعتقد هيراس، الذي يقدم إستشارات لمؤسسات الحكومة الأميركية، ومن ضمنها الجيش، بأن تركيا تهدف لإستخدام هذه المجموعات كبيادق تضحي بهم في أي وقت إذما تطلبت مصالحها ذلك. فبدل أن يعود الجنود الأتراك في توابيت، ويؤثر ذلك على موقع ومكانة أردوغان السياسية في الداخل، فلا ضير أن يتم التضحية بهؤلاء المقاتلين السوريين في الحروب التي تخوضها تركيا عبرهم في الأرض السورية. فهؤلاء أدوات في يد أردوغان، وهو يضحي بهم عوض التضحية بجنوده. ويذهب الخبير الأميركي بأن هذه السياسة في الحرب بالوكالة عبر المجموعات المرتزقة تعمل الآن، لكن لا يبدو بأنها ستستمر طويلا، أو سيكون النجاح حليفها دائما.
في عفرين على الشيخ سليمان جعفر وأخوته الإيزيديين أن يتخذوا مواقعهم في الخنادق والمخابئ. ويقول جعفر بأنه لا يوجد مهرب من ضربات الطيران العسكري التركي، فهي تطال كل مكان وموقع. ولا توجد ملاجأ يمكن للمرء أن يلوذ بها المرء في حال حدوث القصف الجوي التركي العشوائي. فالطائرات التركية تشكل ضغطا نفسيا على السكان المدنيين، فلا أحد يعرف في أي لحظة يمكن لهذه الطائرات أن تفرغ حمولتها من القنابل والصواريخ على رؤوس الأهالي العزل. فهذه الطائرات قتلت حتى الآن مئات المدنيين، من بينهم الكثير من الأطفال. كما قٌتل في القصف الجوي التركي، وفي العمليات العسكرية المستمرة، حوالي 30 فردا من أفراد الديانة الإيزيدية في عفرين. ودخل مقاتلون تابعون لتركيا في بعض القرى الإيزيدية الواقعة على الحدود الدولية مع تركيا. وهؤلاء يحاولون التقدم، لكنهم يصطدمون بمقاومة شديدة من مقاتلي وحدات حماية الشعب، الذين يستميتون في الدفاع عن تلك القرى وأهلها.
سليمان جعفر، ورغم كل ما يجري، يحتفظ بمعنويات عالية، ويقول بأن الناس مازالت تذهب لأعمالها، فالمقاومة في عفرين مازالت قوية وصامدة، لكن الخوف هو أن تنجح المجموعات التابعة لتركيا بدخول المنطقة، فحينذاك سيكون مصير الإيزيديين والمسيحيين مهددا. في عفرين هناك 1000 شخص مسيحي، ومصير هؤلاء مثل مصير الإيزيديين مرتبط بالمقاومة ضد الاحتلال التركي وحلفائه للمدينة. فالمسيحيون والإيزيديون تعرضوا لمذابح كبرى وخطف وتهجير على أيدي جهاديي "داعش"، أما اليوم فإن التهديد يأتي من تركيا ومن مرتزقتها. ويرفض سليمان جعفر المغادرة تماما. ويقول: سنبقى في أرضنا نقاوم مثلما فعلنا لآلاف السنين. لن نغادر ولن نهجرها مهما حصل...

• صحيفة (Welt am Sonntag) الألمانية.
الترجمة : المركز الكردي للدراسات

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net