Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

قبل سنوات من الآن، كان مايسر جيفورد يجلس عادة على طاولته في مكتبه ويقرأ الصحف اليومية لساعات ودون توقف، ويصر جيفورد على أنه لم يكن مهملاً في عمله. لأن قراءة الصحف بكل بساطة كانت جزءاً لا يتجزأ من عمله. "الشك وعدم الاستقرار يعتبران المحركين الأساسيين للسوق في جميع أنحاء العالم. وكانت مهمتي تقوم على تقديم الاستشارات للزبائن حول التطورات على الصعيد الاقتصادي". وشهدت تلك الفترة التي كان يعمل فيها جيفورد كمصرفي في قسم الاستثمارات، صعود تنظيم "داعش" حتى وصل إلى الذروة في الشرق الأوسط. يقول جيفورد "قضاء وقتي في قراءة الجرائد كان يعني أن أتعرض لتأثيرهم بشكل أكبر من الأناس العاديين. وجاءت اللحظة الحاسمة لإعطاء القرار بعد قراءتي لخبر مطاردة أكثر من 20 ألف إيزيدي في جبال شنكال".

بعد صدمته من تقاعس الحكومة البريطانية تجاه الإبادة الجماعية "التي كانت تجري أمام أعيينا"، تخلى جيفورد عن وظيفته وانسحب من عملية شراء وشيكة لمنزل في لندن، أنهى علاقته العاطفية وانضم لوحدات حماية الشعب في سوريا. تغير نمط حياته في السنوات الثلاثة المقبلة بشكل دراماتيكي. يقول جيفورد إنه كان قادراً على العيش برفاهية من الراتب الذي كان يكسبه شهرياً. بعد أسابيع فقط من التقائه بآخر زبائنه الراقيين في منطقة فاخرة محيطة بإحدى البنوك الاستثمارية، كان جيفورد يُعد نفسه على الحدود العراقية – السورية للانضمام إلى بقية المتطوعين الأمميين القادمين حديثاً. التقى جيفورد أثناء وصوله بخليط من الجنود المدربين المتعطشين للقتال والمزيد من المتطوعين اليساريين الإيديولوجيين الراغبين لهزيمة فاشية تنظيم "داعش" والدفاع عن الاشتراكية في روج آفا، حيث كان المرشح السابق لمجلس حزب المحافظين البريطاني متواجداً في مكان ما هناك.
أصبح جيفورد بعد أسبوع من التدريبات وشهر ونصف من التراخي والملل التام خلف خطوط المواجهة -  حيث لم يكن هناك أي "اشتباكات أو حتى قذائف هاون" – على دراية أكثر بحركة الحرية الكردية وسياسة منطقة روج آفا.  
وتعتبر روج آفا المتوسعة باستمرار في سوريا والتي استولى عليها الكرد بعد انفجار الحرب الأهلية، تجربة مفعمة بالحياة في منطقة  كونفدرالية ديمقراطية، تحوي مزيج من الاشتراكية، الديمقراطية المحلية والمساواة بين الجنسين وربما ليس مشروعا من الممكن أن تتوقع أن يدعمه مصرفي سابق وعضو في حزب المحافظين البريطانيين. وكشخص قريب لمحور المحافظين الأكثر ليبرالية، الذي أغراه جدول أعمال حزب المحافظين برئاسة كامرون وهو في سن السابعة عشر، وجد جيفورد الفكرة التي خطرت على باله مقنعة. الآن وبعد تحرير الرقة، يرى مايسر دوره بعد العودة إلى بلاده كسفير ممثل لمنطقة روج آفا إلى حد ما.
يقول جيفورد "رؤية الكرد للديمقراطية والحياة منعشة جداً. المساواة سائدة حتى في الخطوط الأمامية للجبهة." ويضيف " القرارات كانت تُتخذ على نحو ديمقراطي حتى أنه كان بإمكاننا التصويت واختيار قادتنا العسكريين إذا ما اعتقدنا بأنهم لا يعملون بالشكل المطلوب."
بالنسبة لجيفورد فإن نتائج الثورة الأكثر تأثيراً يمكن رؤيتها في البلدات المحررة من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وهي تحالف عسكري تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عموده الفقري. وفي هذا السياق يشير المصرفي إلى مدينة منبج كمثال يحتذى به ويقول "الكثافة السكانية في المدينة الآن أكثر من فترة ما قبل الحرب. الأزقة نظيفة وأبواب المدارس والمحلات مفتوحة. المدينة تزدهر."
ويجد جيفورد بأن أكثر شيء مثير للإعجاب حول وحدات حماية الشعب هو "قدرتها على الدخول إلى المناطق بغض النظر عن خلفياتها الدينية، العشائرية، أو الأثنية ومن ثم التخلي عن السلطة لصالح المجالس المحلية التي يشكلها الأهالي". بعد ذلك يتم بناء قوات الآسايش، وهي عبارة عن قوة أمنية بصلاحيات محدودة ومدربة لإدارة نزاعات معينة وقائمة على مبدأ التساوي بين الجنسين انطلاقاً من تركيز الثورة في روج آفا على نظرية المساواة بين الجنسين. المجالس التابعة للآسايش يجب أن تحوي على نسبة متساوية من التمثيل.
ويقول جيفورد إن "لدى الكرد أفكاراً إيجابية للمنطقة"، في حين أن: "داعش ليس إلا مجموعة من النكرات والبلطجية المسلحين المستعدين لذبح كل ما يرونه." "بيد أن الأكثر إثارة للاهتمام من كل ما سبق هو مشروع الكونفدرالية الديمقراطية القائم على طرح المثل التقدمية من قبل هذه الحركة الأصيلة (المنحدرة من أبناء المنطقة التي يُطبق فيها المشروع)" ويرى جيفورد في ثورة روج آفا إمكانية لشيء مُلهم يمكنه التغلب على الإمبريالية والشقاق الحزبي (التشرذم) اللذان أفسدا تاريخ المنطقة. الكونفدرالية الديمقراطية، التي تركز على السلطة في إطار مجموعات صغيرة محلية مترابطة بدلاً من التركيز عليها في إطار الدولة الأمة – أي بما معناه نوع من الاستقلالية المشابهة للمقترح المطروح للتطبيق في اسكتلندا والمسمى (ديفو-ماكس) وهو نموذج تصيحي مرحب به للتمكن من التغلب على عنف الماضي وتصحيح مساره.
"الشرق الأوسط منطقة مصطنعة على أية حال – الإمبريالية خلقت الشرق الأوسط دون أخذ الاختلافات العِرقية والدينية بعين الاعتبار" ويتابع جيفورد قائلاً : "نحن في الغرب وعلى نحو متكبر وبجهل نقيّم الوضع في الشرق الأوسط. سكان المنطقة لا يستطيعون حتى تنظيم أمورهم". ويضيف المقاتل السابق في الوحدات: "حاولنا دائما فرض المثل والمفاهيم الغربية على رعايا معارضين وكارهين لهذه المثل والمفاهيم. تجربة العراق عام 2003 مثال واضح. في حين أن الكونفدرالية الديمقراطية تعترف وتدرك التنوع وتاريخ المنطقة."
بعد النجاحات التي تحققت ضد تنظيم "داعش"، تتمثل مهمة جيفورد الآن في التأكد من أن روج آفا – ممثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي الثوري – تعتبر لاعباً أساسياً في المجتمع الدولي. ويخبرني جيفورد بأن حجر العثرة الأساسي هو تركيا التي تضطهد الكرد منذ فترة طويلة، حيث تعرض عشرات الآلاف مم الكرد للمذابح بسبب مشاركتهم في ثورة أرارات بداية عشرينات القرن المنصرم كما وحظرت الدولة التركية استخدام اللغة الكردية لاحقاً كجزء من المشروع العقابي الذي قادته الدولة التركية القائم على الصهر الثقافي للكرد. وتحتجز الدولة التركية الرئيسين المشتركين لحزب الشعوب الديمقراطية الكردي (صلاح الدين ديمرتاش – فيجن يوسيكداغ) – بسبب مزاعم حول علاقة مع حزب العمال الكردستاني.  واستطاع حزب الشعوب أن يمنع أردوغان من الحصول على الأغلبية في البرلمان عام 2015 كما ويملك علاقات قوية مع روج آفا. وتأسس حزب العمال الكردستاني على يد عبد الله أوجلان المسجون حالياً في تركيا. ويتمتع الحزب الثوري بتاريخ طويل من الكفاح المسلح ضد الدولة التركية سعياً وراء الاستقلال. ويعتبر أوجلان المفكر الرائد خلف مشروع الكونفدرالية الديمقراطية – ويرتبط حزب العمال ارتباطاً وثيقاً مع ثورة روج آفا.
ولهذا السبب يستمر إقصاء الكرد وللمرة التاسعة من محادثات السلام السورية المنعقدة برعاية الأمم المتحدة في جنيف. يقول جيفورد "قوات سوريا الديمقراطية، القوة العسكرية في روج آفا، تتحكم الآن أراضي تتراوح بين 25 إلى 30 % من مساحة البلاد". ويقول المصرفي السابق: "إنها القوة الديمقراطية الوحيدة في سوريا التي وقعت اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة الناس بشكل ملائم. بيد أن حزب الاتحاد الديمقراطي لا يزال مهمشاً." وكان رئيس الوزراء التركي قد حذر الاتحاد الأوروبي قبل انطلاق المفاوضات بأن وفي حال إعطاء أي دور لحزب الاتحاد الديمقراطي في المفاوضات فإن تركيا ستخفف التشديد والرقابة على الحدود ما يعني السماح لملايين اللاجئين السوريين الراغبين بالقدوم إلى أوروبا. وعلى خلفية المشاعر المناهضة للهجرة على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن تركيا تحتفظ بقوة وتأثير كبيرين على دول الاتحاد الأوروبي للوقوف في وجه روج آفا. كما أن موقف الحكومة البريطانية المتزعزع في أعقاب خروجها من الاتحاد يقضي على إمكانية للوقوف في وجه تركيا. وفي هذا الصدد يقول جيفورد إن "جزء كبير من مستقبل بريطانياً في مرحلة ما بعد البريكست هو اتفاق التجارة مع تركيا. "لقد قمنا  مسبقاً ببيع تركيا مقاتلات بقيمة 100 مليون جنيه إسترليني وحددناها بالصفقة الأولى بعد الخروج من الاتحاد. نعتمد عليهم وبكل بساطة للدفاع عن الكرد."
ويمكن القول إن محادثات جنيف ليست سوى مهزلة حتى الآن. فقد غادر وفد الحكومة السورية المفاوضات، الأسبوع الفائت، حتى قبل بدأها، بعد مطالبة فصائل الجيش السوري الحر برحيل الأسد وعدم السماح له بلعب أي دور في أي حكومة قادمة. بيد أن الجيش السوري الحر وبعد هزيمته في حلب، هزيل ولم يعد يمتلك مساحة للعب فيها وفرض شروطه على الحكومة السورية.
ويوضح جيفورد بأن "كلا الحربين باتتا على وشك الانتهاء". "قوات سوريا الديمقراطية تضرب تنظيم داعش والأسد يضرب الجيش الحر. هناك الآن قوتان أساسيتان تظهران على الأرض السورية بيد أن الغرب، وبسبب الضغوطات التركية، مقيد ومحصور في فكرة أن الجيش الحر يمثل المعارضة الأساسية ضد الأسد. الحقيقة على الأرض مغايرة تماماً لما يتم تمثيله في محادثات السلام."
لقد فات الأوان على انضمام حزب الاتحاد الديمقراطي للانضمام إلى محادثات السلام في جنيف، بيد أن مايسر المفعم بالحماس في وضع صعب – لديه بصيص أمل في محادثات مشابهة بمدينة سوتشي الروسية خلال شباط عام 2018. ويختتم جيفورد حديثه بالقول: "هدفي الآن يتمثل في فعل أي شيء أستطيعه لضمان أن يحصل ممثلو روج آفا الثوريين على مقعد في تلك المحادثات." "أعربت تركيا مسبقاً عن رفضها لأي مشاركة محتملة لحزب الاتحاد الديمقراطي. لقد حان الوقت الآن للملكة المتحدة وبقية القوى الغربية لمواجهة تركيا والوقوف في صف حقوق الشعب الكردي."
ترجمة: المركز الكردي للدراسات

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net