Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

ديفيد جريبر | نيويورك تايمز
"لا أصدقاء للكرد سوى الجبال" هذا ما اعتاد محمد أكسوي على قوله. غير أن محمد، الذي فقد حياته في السادس والعشرين من أيلول الفائت في هجوم لتنظيم "داعش" في شمال سوريا، كان صديقي وكان مؤيداً جلْد لحركة الحرية الكردية.
كان أكسوي يعمل على كتابة موضوع يبدأ بهذه الكلمات عندما مات. وكثيراً ما استخدم هذا القول المأثور ليشرح مِحنة شعبه الذي طالما استُخْدِمَ أو أُسيئت معاملته من قبل القوى نفسها التي تدَّعي نشر الديمقراطية والحرية في العالم.

التقيت محمد لأول مرة في إحدى تظاهرات الجالية الكردية بالعاصمة البريطانية لندن التي يعيش فيها هو أيضاً. جئت إلى التظاهرة بسب اهتمامي بالحركات الديمقراطية المباشرة المشابهة للتي كان الكرد يبنونها، غير أني أحسست بأني أندس في صفوفهم، لذلك انتظرت في مكان يطل على التجمع حتى صعد أكسوي وقدم نفسه إلي. أتيت للتعرف عليه بعدما سمعته عنه وسمع الكثيرون من المجتمع نفس الشيء، بأنه لطيف ومتواضع ويمكن القول بطريقة أو بأخرى بأنه عظيم، دائما يدير مجموعة من المشاريع، الأفلام، المواضيع، الفعاليات والنشاطات السياسية في نفس الوقت.
اعتقد بأنه يتوجب الآن إخبار الناس عن مشروعه الأخير، كتاباته عن الصراع في كردستان ليفهم عدد أكبر منا ما كان في خطر هناك. كان أكسوي يكتب في ظل الاستفتاء الذي يجري في كردستان العراق المجاورة والذي عَلِمَ الجميع بأنه سينتهي بتأييد كاسح للدولة الكردية المستقلة.
إلا أن حركة الحرية الكردية التي يمثلها محمد أكسوي سعت وراء رؤية مختلفة تماما عن النموذج الكردي في العراق: فهي لا ترغب بتغيير حدود الدول بل ببساطة تجاهلها وبناء ديمقراطية شعبية على مستوى المجتمع. وخاب أمل أكسوي بما حصل لأن التضحيات الكبيرة التي يقدمها المقاتلون الكرد في الحرب ضد تنظيم "داعش" في المدن السورية يُنظر لها، وعلى نحو خاطئ، كتبرير لمزيد من الحدود ومزيد من الانقسامات بدلاً من التقليل.
في كثير من الأحيان يقوم الإعلام الغربي بتصنيف الكرد كشعب واحد متجانس، وغالباً ما يتأخرون في تَذَكُر الكرد السوريين الذين كانوا ثانويين بالنسبة لهم بسبب الانتباه الذي حظي به الاستفتاء الذي أجراه الكرد العراقيون. غير أن الكرد في هذين البلدين يملكان نظامين سياسيين مختلفين جداً. فقد بنى الكرد السوريون تحالفاً مع العرب، السريان، المسيحيين، وآخرين في منطقة شمال سوريا التي يطلقون عليها اسم روج آفا (أو بشكل أكثر رسمية: فدرالية شمال سوريا الديمقراطية).
الكرد السوريون يريدون لأنفسهم ولغيرهم تقرير المصير على نحو ديمقراطي وتعددي في سوريا جديدة فدرالية وينبذون المشروع القومي الذي قاد العراق إلى الاستفتاء. وكما قالها محمد أكسوي: "المشروع غير قائم على تشكيل دولة جديدة، بل تشكيل مجتمع ديمقراطي حقيقي متعلم عصري وثوري ويتسم بالوعي الذاتي. لذلك كفوا عن مناداتنا بالانفصاليين!".
وكتب محمد قائلاً: "لماذا الانفصال؟ لتصدر المشاكل من دولة لأخرى كما أراد الكرد العراقيون فعل ذلك؟. نشبت الكثير من الحروب للاستقلال مسبقاً. ولكن هل أدى الاعتراف بالدولة إلى تغيير مصير آلاف الأطفال العرب في العراق أو آلاف الأطفال الأفارقة في ليبيا أو الأطفال السوريين الذين ماتوا بالآلاف خلال السنوات القليلة الماضية؟. الإجابة بسيطة: لا". وشعر أكسوي بان حدود المنطقة الحالية، التي تعتبر نتاجا لتطفل وتدخل الغرب بعد الحرب العالمية الأولى، قد أثارت الصراعات الطائفية والعرقية وجعلت الشعوب المقسمة مهيأة للاستغلال الاقتصادي.
كان محمد يعتقد بأن النموذج الكردي السوري المسمى بـ الكونفدرالية الديمقراطية التي تركز على مجتمع "متعلم ومتمتع بوعي إيكولوجي ذاتي" يبدأ بتوظيف الديمقراطية المباشرة على مستوى الحي، يتيح للكرد والمجموعات الأثنية الأخرى الفرصة في الحصول على حكم ذاتي حقيقي في إطار حدود الدول الموجودة حاليا، التي حتى ولو أُعيد رسمها، فإنها لن تمثل على نحو كاف جميع الشعوب في المنطقة.
وكان أكسوي مقتنعا بأن ما تشهده كردستان هي "أزمة كبيرة" في نظام الدولة، وهذه الأزمة عبارة عن حرب عالمية واسعة النطاق "بلغت ذروتها في صعود تنظيم داعش، وهي قوة جهادية شريرة حولت كل من سوريا والعراق إلى جحيم مشتعل وهددت حياة الملايين في الداخل والخارج." ولم يستطع أحد إيقاف هذا التنظيم سوى صعود الحركة الديمقراطية وقواتها المقاتلة الفعالية المتمثلة في وحدات حماية الشعب والمرأة، وهي على وشك دحر التنظيم من عاصمته المعلنة ذاتياً في الرقة.  
ولكنه يذكرنا بأن "البطولات كانت تكلفتها رهيبة". وهذا صحيح، فقد مات الآلاف من الشباب الكرد في الحرب ضد تنظيم "داعش" ولا ينبغي أن ننسى بأن هذه الحرب قادت أولئك الموجودين في الغرب والخائفين من هجمات التنظيم. ويتساءل أكسوي عن السبب وراء "تجاهل تضحيات أرواح هؤلاء المقاتلين الغَيْرِيّة وعدم حصولهم على الانتباه الذي يستحقونه في الإعلام؟".


وماذا سيحدث حالما يتم دحر التنظيم من الرقة؟ هل سيبالي القادة الغربيون حقاً بمصير السوريين حالما ينتهي خطر تنظيم "داعش"؟ علّق أكسوي على ذلك بالقول: "سوريا ستبقى بؤرة للحرب إذا ما لم يتم تأسيس مجتمع قائم على التعدد الأثني والديني". ويعتبر المشروع الذي يقدمه أكسوي والحركة التي يعتبر جزءاً منها، رؤية مفعمة بالأمل للمنطقة: "نعتقد بأنه لا يمكننا أن نكون إنسانيين إلا إذا عشنا في ظل نظام إنساني، وفي ظل هياكل اجتماعية إنسانية منية على أساس الأفكار الإنسانية." هذا هو نظام أكسو والحركة التي ينتمي إليها.
رغم ذلك لم يدعى ممثلو الحركة الكردية السورية إلى محادثات السلام التي كانت تعقد في مدينة جنيف السويسرية على مدار السنوات التي مضت والسبب الأبرز هو المعارضة التركية الإيرانية. وعلى الرغم من الولايات المتحدة الأمريكية سعيدة بدعم الكرد عسكريا عندما تحتاجهم، إلا أنها نأت بنفسها عن دعمهم دبلوماسياً في اختلاف مع الحلفاء الأتراك، حتى بعد أن قامت تركيا بتصنيف الكرد السوريين كـ "إرهابيين" وأطلقت هجمات غير مبررة على قوات تركز على تنظيم "داعش".
وتابع أكسوي حديثه: "إذا استمر الوضع كما هو، قال أكسوي، فإن المفاوضات، كما في إقليم كردستان، ستكون حول شكل وحدود الدول وحول تشكيل الانقسامات، وستكون هنالك المزيد من الجدران، وسيكون هناك المزيد من الكراهية – حتى ولو تم تجميد أولئك الذين قاتلو ببأس شديد ضد مثل هذه القوات، الذين عملوا على اقتراح نموذج وروية مختلفة للمجتمع".
انضم محمد أكسوي الآن إلى قائمة أولئك الذي قدموا أرواحهم سعيا وراء تشكيل رؤية مختلفة للشرق الأوسط، وفي النهاية، رؤية مختلفة للإنسانية. سافر من لندن إلى سوريا للعمل على تحقيق هذا الهدف وانضم كصحفي وصانع أفلام إلى صفوف وحدات حماية الشعب – القوة الكردية السورية التي تقاتل الجهاديين – وقُتِلَ عندما هاجم تنظيم "داعش"قاعدة قرب إحدى الجبهات في الرقة.
أولئك الذين عرفوا أكسوي عن قرب يدركون تماما حجم الخسارة في فقدانه. وأولئك الذين يشاطرون رؤيته في سوريا لا يزالون مستبعدين من محادثات السلام المزمع عقدها في المستقبل. ربما يكون هنالك دائما سياسيون متهكمون يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق المرأة كوسيلة لجلب المزيد من الحروب والمعاناة إلى العالم. ولكن نحن، والمشابهون لنا في الغرب من الداعمين بصدق لهذه الأمور، بحاجة إلى ممارسة الضغوط على حكوماتنا لتغيير رؤيتها تكريما للتضحيات التي قدمها محمد والآلاف مثله لخلق أمل جديد لمنطقة غَرِقَت في الدموع والدم.
الترجمة : المركز الكردي للدراسات

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net