Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

الكاتبين: جونول تول – أليكس فاتانكا | فورين آفيرس
عندما رحَّبت تركيا برئيس هيئة الأركان الإيرانية، محمد باقري، في أنقرة منتصف آب الفائت، كانت تلك الزيارة الأولى من نوعها لمسؤول إيراني بهذا المنصب منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وفي خطوة مماثلة ومثيرة للدهشة، أعلنت أنقرة في آب استعداداتها لاستضافة رئيس القوات المسلحة الروسية، فاليري جراسيموف، لمناقشة الأمن الإقليمي. ويتوجب أن تثير الحيوية التركية في الوصول إلى إيران وروسيا، وهما المنافسان التاريخيان، دهشة  الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب. حيث أنها لا تشير فقط إلى تحول مهم في السياسة الخارجية التركية، بل هي مؤشر على أن أنقرة قد تخلَّت عن واشنطن.

 إذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً وبالتحديد إلى تشرين الثاني 2016 حين ما كانت الآمال مرتفعة في أنقرة بأن الولايات المتحدة بإدارة ترامب ستكون جيدة بالنسبة لتركيا. كما وهنأ بعدها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ترامب بمناسبة فوزه بالانتخابات الرئاسية، وأعطى تصريحا ملفتاً للنظر حيث قال إن انتخاب ترامب سيشكل حقبة جديدة في العلاقات الأمريكية – التركية. وتبنى أردوغان، في ذلك الوقت، موقفاً قوياً مناهضاً لإيران في محاولة للتودد من الرئيس الأمريكي الجديد وإظهار استعداد أنقرة للمساعدة في احتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط الأوسع وبالأخص في سوريا.


بالمقابل تأملت تركيا أن تُقلص الولايات المتحدة دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية YPG في سوريا. بالنسبة لأنقرة تمثل الوحدات الكردية تهديداً وجودياً للدولة التركية مستقبلاً حيث أنها تعتبر هذه القوات امتداداً لحزب العمال الكردستاني PKK، وهي منظمة مكونة من الكرد في تركيا وتقاتل أنقرة منذ عقود.
غير أن الآمال التركية تحطمت عندما قررت إدارة ترامب مضاعفة الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب في سوريا بل وتُعتبر الوحدات من وجهة نظر واشنطن القوة الوحيدة المقاتلة المؤهلة بين المجموعات السورية المتنوعة. ولا يزال يُنظر إليها على أنها الخيار الأفضل لتوفير القوة البرية المحلية للقضاء على تنظيم "داعش" في سوريا، وهو الأمر الذي يقع في سلم أولويات ترامب في الشرق الأوسط. وأدى انقسام واشنطن وأنقرة حول القوة التي تمثل الخطر الأكبر في سوريا إلى التأثير على تحالفهما، وكلاهما يبدو ثابتاً على موقفه، على الأقل حتى الآن.


التداخل مع إيران وروسيا


بعد مواجهتها ما تعتبره تهديداً وجودياً تفاقم بسبب حليفتها، الولايات المتحدة، تحولت أنقرة إلى كل من طهران وموسكو رغم حذرها منهما. وتجري تركيا محادثات مع الروس لشراء نظامها الدفاعي الصاروخي الأكثر تقدماً بالرغم من اعتراضات حلف الناتو، كما وتعمل تركيا بشكل وثيق مع الكرملين في سوريا. ووافقت تركيا وإيران، في الوقت نفسه، على تعزيز التعاون العسكري بين البلدين في كل من سوريا والعراق رغم دعم كل طرف من الخصمين السابقين لأطراف مختلفة في الصراع داخل كلا البلدين على مدار الأعوام السابقة. كما وتتعاون إيران، تركيا، وروسيا بشكل ثلاثي في مجموعة من القضايا: المشاركة في رعاية اتفاق أستانا للسلام في سوريا والتعهد بالعمل معا للتنقيب عن النفط في بحر قزوين وأخيراً الوقوف إلى جانب القطريين في صراعهم مع أبناء عمومتهم العرب في الخليج الفارسي.
إلا أن المحرك الرئيسي للتقارب التركي مع روسيا وإيران هو خوفها من المزيد من التقدم الكردي في سوريا. ويتواجد في  كل من تركيا وإيران أعداد كبيرة من الكرد وتخشى حكومات الدولتين أن يدفع التقدم الكردي في المنطقة إلى حث الكرد على التحرك في الدول الأخرى وإثارة مطالب مماثلة. ولذلك تريد أنقرة صياغة إستراتيجية مشتركة ضد الكرد في سوريا والعراق. من جانبها بدأت طهران بإطلاق تصريحات معادية لوحدات حماية الشعب بشكل خالف تماماً الفترات الماضية. ومما لا يثير الدهشة أن أنقرة وطهران انتقدتا الاستفتاء حول الاستقلال والمزمع عقده في الخامس والعشرين من أيلول الجاري، محذرين بأن حرية الكرد العراقيين سوف تؤدي إلى موجة انفصال مُزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط.


التركيز على سوريا


تشعر تركيا بالارتباك الشديد في سوريا إزاء مستقبل العملية التي  تقودها واشنطن ضد تنظيم "داعش" والتي تُمكِنْ وحدات حماية الشعب من الاستيلاء على المناطق التي كانت تحت سيطرة "داعش" في شرق وسوريا ومناطق إدلب، وهي مدينة محاذية للحدود التركية في الجزء الشمالي الغربي من سوريا والتي سيطرت عليها مؤخراً مجموعات تابعة لتنظيم القاعدة العالمي. وفي ضوء الاشتباكات التي تجري بين الكرد وقوات الرئيس بشار الأسد، تأمل أنقرة في أن تتمكن من العمل مع النظام السوري وحلفائه لدحر الكرد ودفعهم على التراجع بعد التقدم الذي أحرزوه شمال وشرق البلاد. وتعتبر روسيا بالإضافة إلى إيران البلدان الوحيدان اللذان لديهما تأثيراً على النظام السوري وهذا ما يفسر تصريحات أنقرة وتمهيدها اتجاههما.
وتضع تركيا على وجه الخصوص عفرين نصب أعينها وهي إحدى المدن الكردية الواقعة على الحدود التركية. حيث أن أنقرة تخشى أن تتمكن القوات الكردية من وصل المقاطعات في شمال سوريا بـ عفرين وبالتالي تشكل كيان كردي متصل يمتد من الحدود العراقية إلى البحر المتوسط. واتهمت تركيا وحدات حماية الشعب بتصعيد الهجمات ضد القوات التركية وهددت بالقيام بعمل عسكري ضد عفرين. ولكن حتى الآن توقفت العمليات بسبب تواجد قوات عسكرية روسية في مقاطعة عفرين. ويجادل المسؤولون الأتراك بأنهم إذا ما ضغطوا على المعارضة السورية التي تدعمها تركيا حالياً لدفعها على الانسحاب من بعض المناطق الواقعة تحت سيطرتها لصالح النظام، فإن روسيا وإيران ستغضان البصر عن الغزو التركي لعفرين. ولكن ربما تكون آمالها غير واقعية. العديد من التحديات تنتظر تركيا في تحالفها الجديد مع روسيا وإيران.


أولاً: هنالك انعدام ثقة عميق بين الأطراف. فقد كانت تركيا ولعقود تنافس إيران وروسيا واتبعت سياسة من نوع معين لموازنة نفوذهم في المنطقة.  وأجبرت تركيا بسبب خوفها من التقدم الكردي على الانفتاح مع روسيا وإيران في سوريا ولكن تعميق التقارب معهم يتطلب تغير شامل في السياسة الإقليمية التركية. وهذا يعني تعريض نفسها لمزيد من الاحتكاك والخلاف مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى المعارضة لإيران بالإضافة إلى وجوب التخلي عن سياساتها الرامية إلى الحد من النفوذ الإيراني في العراق. كما ومن شأن التقارب التركي مع النظام السوري أن يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين تركيا وحلفائها في المعارضة السورية والتقليل من نفوذها عليهم. وبدون هذا النفوذ من الصعب على تركيا أن تقوم بإتمام الاتفاق وتضغط على المعارضة للانسحاب من المناطق الواقعة تحت سيطرتهم.


ثانياً: هنالك مشكلة أخرى محتملة ومتمثلة في موقف روسيا تجاه الكرد السوريين. حيث أن موسكو تعتقد أن الكرد ورقة مهمة جداً للعب بها ضد أنقرة وواشنطن معاً وبالتالي من المستبعد أن يسمح الكرملين بأي غزو عسكري تركي لمقاطعة عفرين. وبدون الموافقة الروسية لن تطلق تركيا أي حملة عسكرية ضد المقاطعة الكردية التي كان أردوغان يُلمح إليها.
ويعتبر تحول الموقف التركي بالنسبة لإيران هبة. التوصل إلى اتفاق مع أنقرة للتعامل مع الانفصالية الكردية سيؤدي إلى تعزيز النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، وهو نصر واضح لطهران. إلا أن إيران تعي تماماً العوامل التي دفعت تركيا نحوها ونحو موسكو: نية ترامب بمواصلة العمل مع الكرد السوريين وحقيقة أن الزخم العسكري في الحرب السورية بات لصالح الأسد. إيران تعرفُ تماماً أن أي تغيير في تلك الديناميكيات سيعكس سياسة تركيا. فقد فشلت الجهود السابقة المبذولة من الطرفين للبناء على أرضية المصالح المشتركة بسبب انعدام الثقة المتجذر لدى كل طرف تجاه الآخر واختلاف الرؤى في المنطقة. هذه العوامل نفسها يمكن أن تعيقهم من التوصل إلى تقارب أعمق.


ومن المرجح أن تؤدي اللهفة التركية للعمل مع إيران إلى تعزيز النفوذ الإيراني في سوريا والعراق. وربما يؤدي ذلك إلى تقويض السياسة الأمريكية في كلا البلدين، نظراً للعداء الموجود مسبقاً بين واشنطن وطهران. وهو ما لا يُبشر بالخير بالنسبة للعلاقات الأمريكية – التركية المتوترة مسبقاً. ولكن بالنظر إلى هشاشة التقارب بين تركيا ومنافسيها السابقين بالإضافة إلى المشكلات المحتملة القادمة، لا يمكن تأكيد استمرارية هذا التصالح حتى الآن. وبدلا من رؤية تركيا كملف خاسر يجب على واشنطن الاستمرار في إشراك أنقرة دبلوماسياً وعسكرياً.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net