Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

فايق عمر *
أمريكا ليست جمعية خيرية، وهي لا تخوض حروب المنطقة، فقط من أجل القضاء على الإرهاب، كما تدّعي. هي غزت أفغانستان والعراق من أجل ضمان أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، بينما برّرت الغزو تحت ذرائع أخرى مثل محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية.
والإدارات الأمريكية المتعاقبة وضعت نصب أعينها، منذ عقود، دولاً في المنطقة والعالم، كانت تراها عائقاً أمام مشاريعها ومخططاتها، وكانت تتحيّن دوماً الفرصة المناسبة من أجل الانقضاض على أنظمة تلك الدول، إما لإزالتها نهائياً أو إضعافها وإغراقها في أزمات وصراعات لا تنتهي، بهدف تمرير أجنداتها ومشاريعها.

الربيع العربي منح أمريكا فرصة كبيرة من أجل التخلّص من بعض خصومها أو إضعافهم، وكذلك لتنفيذ مشاريع ومخططات جديدة في المنطقة كانت تعمل عليها منذ سنوات، مثل خارطة الشرق الأوسط الجديد، التي ترمي واشنطن من خلالها إلى إعادة رسم الحدود وإجراء عملية تغيير شاملة في منطقة الشرق الأوسط، والخارطة وكما هو معروف مفصّلة على أساس عرقي ومذهبي.
لكن، ورغم جلاء ووضوح حقيقة دوافع أمريكا في التدخل بالحروب والأزمات التي تعصف بالمنطقة، أو الحروب والأزمات التي غالباً ما تفتعلها هي نفسها، لا تزال تسوق ذرائع واهية، من قبيل محاربة الإرهاب ونشر قيم الحرية والديمقراطية، لتبرّر من خلالها خوضها في أزمات وصراعات المنطقة.
من هذا المنطلق، جاءت تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، هيذر نويرت، التي نفت فيها أن تكون لدى واشنطن أية نوايا في الإبقاء على وجودها العسكري في سوريا، بعد القضاء على تنظيم داعش.
من الصعوبة بمكان تصديق مثل هذه التصريحات، ليس فقط بالنظر إلى تجربتي الحربين الأمريكيتين في أفغانستان والعراق، ولكن كذلك للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها دولة مثل سوريا بالنسبة لأمريكا، وبنفس القدر لمنافسيها في ساحة الصراع السوري، روسيا وإيران، ووسط مساعي ومحاولات كل طرف الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من مساحة هذه الدولة وخيراتها وثرواتها.
بعض المصادر تقول إن أمريكا تمتلك الآن سبع قواعد عسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب عمودها الفقري، وترى أنها بصدد تحويلها في المستقبل إلى مراكز دائمة، لإنجاز عدة أهداف كتحقيق التنافس مع روسيا، وتوجيه رسالة إلى تركيا مفادها أن واشنطن بإمكانها أن تتخلى عن قاعدة إنجرليك بوجود البديل في شمالي سوريا، هذا فضلاً عن دعم المشروع الكردي، وحماية المناطق التي ستقع ضمن نطاق هذا المشروع، والتي ترى فيها واشنطن مناطق نفوذ لها، في مقابل مناطق النفوذ الروسي والإيراني على الأراضي السورية.
أضف إلى ذلك، أن أمريكا لا شكّ تبحث عما يضمن لها سداد الفاتورة الباهظة الثمن، التي دفعتها في حربها على تنظيم داعش، وكلّفت خلال ثلاثة أعوام، حسب الأرقام الرسمية، 14 مليار دولار أمريكي، وعينها الآن على ثروات مناطق النفوذ التي تتطلع إليها، لأجل تعويض خسائرها، وكذلك جني الأرباح التي كانت وراء خوضها لهذه الحرب. وبمناسبة ذكر هذا المبلغ الذي صرفته أمريكا، لعلّه من المفيد الإشارة إلى ما ورد في مقال تحليلي للأستاذ الجامعي الفرنسي، جان بيار فيليو، حيث تساءل فيه عما كان سيؤول إليه الوضع في سوريا والعراق، لو أن هذه المبالغ الخيالية استُثمرت منذ البداية لتنمية هذين البلدين وبناء مؤسسات ديمقراطية فيهما. وكلام فيليو هذا واضح لا لبس فيه، وهو أن المصالح هي التي تحرّك واشنطن، وليس الأهداف والدوافع الإنسانية، كما تروّج هي لذلك.
إذاً، الوجود الأمريكي في سوريا لا يأتي بهدف تنفيذ مهامات محدّدة، كإزالة داعش من الخارطة وإعادة الاستقرار إلى سوريا، بل إن أمريكا تنظر إلى وجودها على أنه مسألة حيوية واستراتيجية، لا سيما أن الصراع السوري تحوّل إلى صراع من أجل تقاسم النفوذ بين القوى الفاعلة، ومن المستحيل أن تخلي واشنطن الساحة السورية لدول مثل روسيا وإيران.
صحفي كردي سوري

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net