Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

البروفيسور دونالد ماثيوس – توماس جيفري ميلي| جامعة كامبريدج
القسم الرابع
تطورت رؤية أوجلان وتوجهاته عن الدين خلال السنوات العشر الأخيرة. في كتابه جذور الحضارة (صدرت نسخته الإنكليزية عام 2006)، يؤكد أوجلان العلاقة بين الدوغماتية (القطعية) والأديان الرسمية المكرسة لشرعنة وإدامة النظام الهرمي. على الرغم من ذلك، في عمله المذكور آنفاً، فإن توجه أوجلان يعتبر ودود نسبياً تجاه التوحيد، مدّعياً بأن الديانات التوحيدية "كانت قد ظهرت في فترة شهدت أزمات عميقة في التطور الاجتماعي، وفي الواقع، أحدثت ثورة في الطابع الأخلاقي والعقلي للجنس البشري" (صـ 56). بالمقارنة مع المفاهيم "الوثنية" و"الطوطمية" التي سبقت ذلك، أكّد أوجلان بأن التوحيد "مثّل شكلاً أكثر تقدماً من التفكير المنطقي" وربما جذاباً للجنس البشري بأسره ومرتبط "بمرحلة أكثر تعقيداً في تاريخ الفكر البشري" (صـ 62). علاوة على ذلك، في مناقشاته الدائرة حول تاريخ المسيحية والإسلام، ميّز أوجلان بوضوح ودقة بين الاندفاع الثوري الأصيل والاندفاع التحرري السلطوي، والذي اختير فيما بعد من قبل الحكام وحُوِلَ إلى أداة للنظام الهرمي والتحكم.

ومع ذلك، يبدو أن أوجلان قد أعاد النظر في رؤيته ضمن المجلد الأول من مانيفستو الحضارة الديمقراطية. حيث أنه يرثي زوال المنهج الأسطوري واستبداله بالدوغماتية الدينية التي تساعد في تبرير النظام الهرمي، الذي يربطه أوجلان الآن وبشكل مباشر بالتوحيد. إضافة إلى ذلك، يبدي أوجلان الآن تعاطفاً أكبر مع مرحلة ما قبل التوحيد ومع مفاهيم اللاهوت المتأصلة. كما أنه يذهب بعيداً إلى حد الإدعاء بالقول: " المعتقدات التي لا تندرج في خانة التوحيد وسبقتها زمنياً ظهرت خلال عهد شَهِدَ المساواة القبلية"  وبأن "تناقص عدد وترتيب الآلهة حسب تفوقها ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالبروتوكول الإداري" (صـ 168). تعميمٌ مشكوك فيه، في أحسن الأحوال، نظراً للوثنية التي وسمت وخدمت تشريع النظام الأبوي الإغريقي ودولة المدينة التي شرعت ملكية العبيد، ناهيك عن الإمبراطورية الرومانية.
في الواقع، كان التوحيد قوة للاستعباد والإعتاق في نفس الوقت. وينطبق الشيء نفسه على الوثنية. أنظروا إلى اليونان وروما في تحركاتهم نحو الديمقراطية والهيمنة. السرد الكبير للتوحيد مقابل ثنائيات الشرك ينهار في ظل الفحص التاريخي المكثف.
في بعض التقاليد التوحيدية المحددة اسمياً، تكشف نظرة عن كثب للطبقات المضطهدة، وعياً يُقَّدر تعدد أصوات الوجود الإلهي سواء أكان موجوداً في الكابالا، أو الصوفية، الكويكر أو الأنواع الصوفية الأخرى في اليهودية، الإسلام والمسيحية. السير نحو توحيد ذي طابع روحي أقل بدأته نخب مجتمعية منذ أخيناتون، جوشيا، وزرادشت الذين جعلوا من القبول الشعائري والفكري للتوحيد سلاحاً أساسياً ضد طبقات الفلاحين "المؤمنين بالخرافات" ممن لا يزالون متواصلين مع عدد لا يحصى من التعابير التي تدل على الواحد ولكن دون الحاجة إلى تقليص تعابير الآخرين.
ومع ذلك، وحتى في أقوى المجتمعات التوحيدية (المُعلنة ذاتياً)، وجد الفلاحون وقلة من المحظوظين من الطبقات الأخرى أنفسهم في مواجهة أرواح تتجاوز المحرمات الفقهية لعقيدة دينية توحيدية. الحرية (تتجاوز) أطر ومحددات المدبر التوحيدي (الإله التوحيدي) . نات تورنر، فريدريك دوغلاس، هاريت توبمان، ميلك، مالكولم إكس، سورجونر تروث، جون براون، وآخرين اختبروا حُضوراً روحياً حثّهم على التوجه نحو الحرية. على نحو معاكس، تعلمت مجموعة النمور السوداء بأن الناس لا يتخلون عن الله من أجل حرية الروح الماركسية التي تنكر خشيتهم من الحقيقة المطلقة.
هذه النقطة التي أشير إليها، والتي من شأنها أن تشكل ثنائية بين التوحيد مقابل الوثنية، حاسمة وتستحق اهتماماً أكبر. في الواقع، زميلي (دون) قضى الكثير من الوقت الصيف الماضي بحثاً عن أصول التوحيد وأهميتها للغرب. هذا البحث لم يكن مُعداً له سابقاً ولكنه ونتيجة لرغبتنا بإيجاد وجهات نظر مختلفة حيال أصول التوحيد ومكانه في التاريخ كان علينا السعي وراء ذلك على نحو أعمق. التوحيد هو الكأس المقدسة للإيديولوجية الدينية الغربية. عبَّر الباحثون عن اختلافات عميقة في الرأي ولكنهم وبحذر امتنعوا عن توجيه تعليقات نقدية تجاه أي من رفاقهم الباحثين.
الفرضية الأولى: التوحيد بدأ في عصر الفرعون إخناتون (1300 قبل الميلاد) عندما أدعى أن آتون (إله الشمس) هو الإله الوحيد الذي لا شريك له. وليرسخ ذلك قام إخناتون بتغيير اسمه إلى إمنحوتب. هذا الأمر دفعه إلى تدمير صور الآلهة الأخرى (من بينهم الإله أمون) وإغلاق معابدهم التي كانت قد أعلنت ولائها لآلهة آخرين. كان إخناتون عاشقاً أكثر من كونه مقاتلاً وعايشت مملكته هزيمة عسكرية. لا جدية ستواجهها إن كنت تريد عقد جلسات تقدير كبير لإلهك. وفاة إخناتون كانت غامضة والعديد من العلماء يعتقدون بأنه تعرض للاغتيال على يد الكهنة الذين أغلقت معابدهم على يد الفرعون. ويبدو أن عبادته لـ أتون لم تمكنه قط من تحقيق صدى شعبي واسع.
الفرضية الأولى (أ): مختصون آخرون في الشؤون المصرية يعتقدون بأن المصريين أظهروا إيماناً بالتوحيد عبر فهمهم اللاهوتي بأن الله الواحد القدير الغامض، المؤلف من عنصرين ذكر وأنثى بدء الخلق عبر عملية جدلية قادت إلى الآباء الثالوثين (البنية الثالوثية) والتي عُثِرَ عليها بأشكال مختلفة طوال التاريخ المصري. آخرون يسمون ذلك بالهينوثية (أي عبادة وإيمان إله واحد مع قبول وجود أو احتمال وجود إله آخر والذي يمكن أن يُعبد). الهينوثية تُعرف كإله متواجد في قِمة الخَلْق والذي يرتبط بشكل وثيق بالآلهة ذات الدرجات الأقل في السلسلة. الهينوثية ليست "الوثنية" التي ستعني عدة آلهة تعمل بشكل مستقل.
كما يمكنكم رؤية أن هذا العمل المتعلق بتعريفـ "التوحيد" بدقة يزداد تعقيداً بشكل مضطرد بالنسبة للباحثين. ومع ذلك، فإن تطور التوحيد "الحقيقي" يعتبر تطوراً هاماً في الوعي البشري. هذا التطور يُجرّد العالم من القداسة الدينية إلى حد يزيد من احتمالية الاختراع البشري. ولكن لهذا التوجه أهمية سياسية قصوى لأنه يُستخدم لتمييز المجتمعات "المطيعة للإله" من المجتمعات الأقل أي "الوثنية – الغير مطيعة". تطور التوحيد هو نقطة فاصلة بين الحكمة والحماقة، بين الخير والشر، وبين التحضر وعدم التحضر (الهمجية).
الفرضية الثانية: التوحيد يرجع إلى تعليم زرادشت (500 – 600 قبل الميلاد). اعترف اليهود المنفيون في بابل بهذا الأمر وأدرجوه في فهمهم الديني في مرحلة ما بعد المنفى كشكل من أشكال المعرفة المفقودة والذي انتُشِلَ خلال فترة جوشيا مباشرة قبل نفي الدولة اليهودية. في هذه النسخة، مكتشفات جوشيا للنصوص التثنوية (المصدر التثنوي: أحد مصادر التوراة) أصرت على أن الله هو إله واحد ولأن اليهود قاموا بعبادة آلهة آخرين مزيفين فإنهم سوف يُعَاقبون عبر نفيهم من الوطن. الكَتبة اليهود (الدينيين) لم يعزو أبداً الإشادة لمعتقدات كليهما (المصريين أو الفرس)التوحيدية.
ومع ذلك، لا توجد أدلة تاريخية تظهر بأن شعب إسرائيل ويهوذا أبن يعقوب قد قاموا في أي وقت مضى بممارسة العبادة التوحيدية للإله (يهوه) بصفة الإله الوحيد. الدليل التاريخي يظهر بأن الفلاحين اليهود مارسوا العبادة لآلهة آخرين طوال فترة صعودهم وحكمهم في فلسطين.
ومع ذلك، أصبح هذا الاعتقاد بالتوحيد علامة ميزت الدين اليهودي عن دين الآخرين. ونُقِل هذا المعتقد إلى المسيحيين والمسلمين، الذين بدورهم عندما وصلوا للحكم، جعلوا من هذا المعتقد اختباراً للمصداقية (المستمر على المنشطات). أولئك الذين فشلوا في اجتياز الامتحان تعرضوا للاضطهاد. وبما أن التعبيرات الرئيسية الثلاث للتوحيد كان لها معاني مختلفة عن مضمونها الظاهري، فإنهم قاموا باضطهاد بعضهم البعض بسبب "معتقداتهم الغير تقليدية".
على المستوى الاجتماعي واللاهوتي يعتبر هذا المعتقد ضعيف لأن اليهود، المسيحيين، والمسلمين لا يختلفون عن بعضهم البعض فقط في كيفية بناء الفكرة العامة وممارسة "التوحيد" بل هنالك تنافس في التعبيرات المتعلقة بالمعتقد التوحيدي داخل نطاق معتقداتهم الخاصة.
ولكن لنعود إلى طرح أوجلان. في المانيفستو، لا يزال أوجلان على استعداد لقبول بعض الجوانب الإيجابية للتوحيد. يؤكد أوجلان على سبيل المثال بأنه، مع العبرانيين، "معتقدهم التوحيدي ربما كان له علاقة كبيرة بمقاومتهم الصهر في الحضارة" (صـ 202). ومع ذلك، ينتقد أوجلان "الشكلانية المتطرفة للنزعة القبلية العبرانية" ويلقي اللوم على هذه الشكلانية بأنها أدت إلى ظهور "مفهوم عدم قابلية تغيير القانون" ومعه تحول المقدس إلى صورة ملك ذو سيادة، المُشرع، الذي أصدر "قوانين وأوامر أبدية" (صـ 270).
المركز الكردي للدراسات | ألمانيا

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة للمركز الكردي للدراسات

اي نشر او نسخ للمقالات والدراسات الخاصة للمركز دون أخذ الاذن يعرض الجهة الناشرة للمسائلة القانونية حسب القوانين الالمانية

 

© NLK 2014

.......................................

info@nl-k.net

http://www.nlka.net